أن تكونَ وحيدًا دون أن تشعرَ بالعزلة
تعودتُ أن أجلسَ وحيدًا في مقهايَ المفضل؛ مقهى بسيطٌ يقع في شارع خلفي هادئ ويقابلُه متنزهٌ عمومي، لا تفصلُ بينهُما سوى خُطوات. يكفي أن تعبرَ الطَّريقَ أمامَ المقهى لتجدَ نفسكَ مباشرةً بين نباتاتِ وأشجارِ المُتنزه.
أجلسُ وحدي لكني لا أشعرُ -أبدًا- بأيِّ شكلٍ من أشكالِ العزلة، كما أنَّ السأمَ ترفٌ لا أعرفه. عندما أكون مُنهمكًا في الكتابة، يغدو المكانُ من حولي مجردَ صدى باهتٍ، أشعرُ بوجوده فقط كخلفية صامتة، يكادُ لا يعنيني، ينتصب جدارٌ ما بيني وبين أصواتِه وكائناتِه مهما ضجَّت وتعالى صخبُها. يستأثرُ عالمُ الكتابة بكامل جوارحي. وعادةً ما يلزمني بعضُ الوقتِ كي أعود منه استجابةً لضرورةٍ ما. أعبرُ ممَرًّا شفافًا يفصلُ بين عالمين مُختلفين تمامًا. يشبهُ الأمرُ الخروجَ من ممرٍّ مُعتم إلى باحةِ باهرةِ الضَّوءِ أو العكس. حينها أنتبه إلى أني جالسٌ في مقهاي، في زاويتي الأثيرة، من حولي زبناء جدد جاؤوا بينما غادرَ آخرون، تلفازٌ يثرثرُ بلا توقُّف ورقابٌ منحنيةٌ على شاشات الهواتف.. وأجدُ الجوَّ -هنا- أقربَ إلى الدفءِ، وأرى شمسًا صريحةً تتوسطُ السماء، ولا وجودَ لمطرٍ أو غيومٍ داكنة تُضاعفُ من عتمةِ المساءِ الوشيك، مثلما تركتُ الطقسَ هناك.. ثم يأتيني دفعةً واحدةً شلالُ الأصواتِ مثلَ شريطِ مسجِّل يعودُ إلى الاشتغالِ بعد أن أخرسَه العَطب..
وعندما لا أكتبُ فإن المكانَ من حولي يكادُ لا يخلو من جلساءَ كُثر يُؤنسونني، ويملؤون المكانَ من حولي بالحياة، وإن كان روادُ المقهى لا يرونَهم أبدًا ولا يَشعرون بوجودِهم. نتجاذبُ أطرافَ الحديثِ مثلَ أصدقاءَ حقيقيين لوقتٍ قد يقصرُ أو يطولُ ثُم نفترق؛ لذلك فأنا بحاجةٍ دائمة إلى كراسٍ إضافية وطاولاتٍ فارغةٍ إلى جانبي؛ كي أُعدَّ لهُم مَجلسًا. حتى إن النادلَ اليقظَ صار يفهمُني، ويشاطرُني الشعورَ بفرحتي الصغيرةِ كُلما وجدتُ ركني المفضلَ في المقهى شاغرًا، حيثُ أحجزُ طاولةً إضافية، أضعُ فوقَها حقيبتي وكُتبي.
قد أتذرعُ بأن دخانَ السجائر يؤذيني ويصيبُني بالصُّداع ( وهُو حقًّا يفعَل)، وأنَّ الشتائمَ المقذعةَ التي تتطاير من أفواه شبانٍ مستغرقينَ في لُعبةٍ إلكترونية جماعية تُفسدُ جلستي (وهي توشكُ تفعلُ لولا أني تعلمتُ كيفَ أبني جدارًا سميكًا بيني وبينَها)، لكنّي إنَّما أتخذُ ذلك، في النهايةِ، ذرائعَ كي أجلسَ، قدر الإمكان، في معزلٍ عن روادِ المقهى، فيكونُ مجلسي مُهيأً باستمرارٍ لاستقبالِ ضيوفي الذين قد يأتونَ في أيِّ وقتٍ، ودونما حاجةٍ إلى مناسبةٍ أو دعوة؛ يكفي أن أكونَ جالسًا صباحًا في مقهايَ المفضَّل، أمامي فنجانُ قهوتي وكُتبي ومُستعدًّا للشّرُود، كي يَتوافدوا تباعًا: إنهم شخصياتُ قصصي القصيرةِ التي كتبتُها من قبلُ أو التي لا أزالُ أكابدُ كتابتَها. يأتونَني فُرادى أحيانًا وزرافاتٍ أحيانًا أخرى. نجددُ أواصرَ الصلةِ بيننا، ونتجاذبُ أطرافَ الحديثِ، نتجادلُ حولَ المواقفِ أو الأفكارِ موضعِ الخلاف، وبحدَّةٍ أحيانًا، لكن دونَ أن يقطعَ ذلك حبلَ الودِّ بيننا.
مِن ضيوفي من يغتنمُ اللقاءَ ليُعربَ لي عن امتنانه لأني أخرجتُه من عَتمة الهامش، ومنحتُه صوتًا ليُعبرَ عن وجوده، ومنهُم من يلومُني لأنه كان بإمكاني أن أختارَ له مصيرًا أفضلَ، أو لأني حمَّلتُه أكثرَ مما يُطيق. وآخرُ لأني كنتُ مُتعجلًا، فلم أُنصِت إليه كما يجب وصوَّرتُه للقارئ كما اشتهيتُ أنا أو توهَّمت، لا كما هو عليه في الحقيقة.. أحيانًا يُجمعونَ على مُعاتبتي، ويجعلونَني في مرمى نقدِهم، وإن لم يَصل الأمرُ -حتى الآن- إلى درجةِ أن يُحاكموني، مثلما حاكمَت حنا مينه شخوصُ وأبطالُ رواياتِه، حسبَ ما وردَ في روايته «النجومُ تحاكمُ القمر».
هذا الصباح ما إن رشفتُ الرشفةَ الأولى من قهوتي السوداء، حتى شعرتُ بشخصٍ ما يجلسُ على مقربةٍ مني، وهو يتململُ في جلستِه كأنما يريدُ إثارةَ انتباهي. لستُ أدري متى حلَّ بالمكان. كان يمدُّ رجليه الطويلتين تحتَ الطاولة وقد بدا مُتأرجِحًا بين الحُضورِ وبين الغياب. رمَقني بنظرةِ عتابٍ حادة، فشعرتُ بأنَّ جلستي في المقهى هذا الصباح لن تكونَ هادئةً تمامًا مثلما أشتهي.
عرفتُه للتوِّ: إنه علال المحكور؛ الشخصيةُ الرئيسةُ في قصتي القصيرة «الزرافة تظهر في غابة الإسمنت». فكرتُ أن أدعوَه إلى احتساء مشروب؛ علَّني أجعله يسترخي فتخفّ حدَّةُ الغضبِ البادي على ملامحِه، لكني سرعان ما تراجَعت: حَتمًا لن يقبلَ دعوتي. أعرفُه جيدًا. سيُشيحُ بيدِه رافضًا بحَسمٍ.. كان يرنو إلى الأمامِ في صمت، بينما تعلو وتهبطُ جوزةُ عنقه البارزةُ وسطَ رقبتِه الطويلة، كما لو كانت الكلماتُ محتبسةً في حلقه.
– يا لكَ من أناني!
ألقى العبارةَ في وجهي، فانهرقَ شلالُ ماءٍ بارد فوق بدني. كان ينظرُ إليَّ، لكن نظراتِه بدت شاردةً في الآن ذاتِه، تتجاوزُني ناظرةً إلى مكانٍ أبعد.
قبلَ أن أهتديَ إلى مغزى عبارتِه، واصلَ بنبرةِ لوم:
– تركتَني هناكَ وسطَ الحديقةِ وحيدًا غريبًا، وفي مرمى النظراتِ الجارحةِ للفضوليين وهواتفِهم، ثم مضيتَ منتشيًا بلُقيتك.. ألستَ تُسميها هكذا؟
لم يَنتظر مني جوابًا، ولم يمنَحني وقتًا لأستوعبَ هجومَه المُباغِت. تابع بنبرةٍ أكثرَ حدَّة:
– لم أكن أنشدُ سوى أن أبقى في غفلةِ الظل، وأن يترُكَني العالمُ وشأني، لكنك لم تَجد أفضلَ من أن تُحولَني إلى زرافةٍ وتجعلَني أظهرُ من جوفِ العدم وسط غابة إسمَنت كما أسميتَها.. كمَ كنتَ ستُحسنُ صنعًا لو جعلتَني أكتسبُ هيئتي وهويتي الجديدةَ وسط غابةٍ حقيقية داخلَ أدغال إفريقيا.. ربَّما سأكونُ سعيدًا حينها!
أعقبَ كلامَه بتنهيدةٍ مديدة، ثم شردَ بعيدًا.
لم أُفكر في الأمرِ من قبلُ على هذا النحو. واستعدتُ في ذهني نهايةَ تلك القصة القصيرة «كان الخبرُ ينتشرُ في المدينةِ بسرعةٍ جنونية، ومن أذنٍ إلى أخرى كان يتخذُ صيغةً مزيدةً مختلفة، وكانت جحافلُ الفضوليين تتدفقُ صوبَ المنتزه عبر الشوارعِ والأزقةِ والحارات لرؤيةِ الزرافةِ الأكثرِ غربةً، وحدةً وحزنًا على وجهِ البسيطة».
ماذا لو كانَ على حَق؟ ربما كنتُ أنانيًّا مثلما وصفَني.. أسعفَتني تلك الحيلةُ الفنيةُ في التعبيرِ عمَّا أردت.. هُيئ لي أنَّ جعلَه يتحولُ إلى زرافةٍ تظهرُ من العدم وسط إسمنت مراكش -هو الخجولُ الطويلُ القامة الذي كان يتعرضُ للسخرية والإهانة من الكبارِ والصغار معًا، بل وحُرمَ من حقِّه في الحُب بسبب هيئةٍ خِلقية لم يخترها- قد يكونُ أفضلَ تَعبير عن فقدانِه لإنسانيتهِ؛ بسببِ مجتمعٍ مريضٍ يقدسُ المظاهرَ ويقسو على البسطاء.. اعتبرتُ ذلك لقيةً فنية انتشيتُ بها واستخفَّني العُجْبُ، فلم أُقدِّرْ هولَ الفاجعةِ التي حلَّت بشخصٍ لم يكُن يريدُ من العالم سوى أن يترُكَه وشأنَه ليكونَ ما هو عليه لا أكثر.
ألم يكُن من الوارد -أو من الواجب- أن أصطفيَ له نهايةً أفضلَ غفلتُ عنها؛ لأني كنتُ أنانيًّا؟
التفتُّ نحوه كي أرى إن كان ينتظرُ ردي على ملحوظاتِه، لكنه كان قد اختفى مثلَما ظهر..! أرسلتُ تنهيدةَ ارتياح. لقد تقبلتُ وجهةَ نظره، بل واقتنعتُ بها، لكني كنتُ سأجدُ حرجًا كبيرًا في أن أخبرَه بأن القصةَ قد كُتبت على ذلك النحو، وأن أمرَها قد خرجَ تمامًا من يدي، ولا أستطيعُ أن أفعلَ شيئًا من أجله.
لقد عايشتُه لأشهرٍ عديدة، وعرفتُه عن قُرب. إنه إنسانٌ مسالمٌ للغاية وقد يتنازلُ عن حقِّه كي يأمنَ أذى الناسِ أو يتفادى إزعاجَهم.. ربما التحقَ بي هذا الصباح على هذا النحوِ المُبكر، فقط كي يتخلصَ مما في صدرِه من كلامٍ يُثقله.. وعندما فعل استغلَّ لحظةَ شرودي، ثم انسلَّ مغادرًا.
* * *
وإذا لم يكُن في صُحبتي أحد من شخصياتِ قصصي، فهي فرصةٌ كي أعقدَ جلسةً أخرى مع نفسي. يحدثُ أن تجرفَني دوامةُ اليومي بعيدًا عنها أيامًا أو أسابيع، فأشتاقُ إليها. بيننا -على الدَّوام- كلامٌ عالق، نقاشٌ مؤجل وأسئلةٌ كثيرةٌ تنتظرُ الإجابةَ عنها بصراحةٍ وحسم، أو إعادةَ طرحِها بصيغٍ أخرى.. فأنا أحاولُ باستمرارٍ أن أقتربَ مني، وأن أطويَ مزيدًا من المسافاتِ إليَّ، عسى أفهمُني ولو قليلًا قبلَ أن أبلُغَ الخمسين.
وعندما يُتعبني الجلوس أقومُ وأعبرُ الطريقَ باتجاه الحديقة.
في الحديقة أتدربُ على المشي بهدوءٍ محاولًا أن أتعلمَ من جديدٍ لغةَ الطبيعة التي أوشكتُ أنساها: فالحفيفُ مصافحةُ الريحِ الخفيفةِ لأوراقِ وأغصانِ الأشجار/ همسُ الفراغِ من حولي موسيقا أحبُّ الإصغاءَ إليها/ ورحابةُ السماءِ تُلهمني درسًا يجعلُني أنتشي وأتمنى لو أطيرُ فعلًا لا مجازًا: الحرية هي القيمةُ الأنبلُ التي تتفرعُ عنها كلُّ القيم.
أغسلُ وجهي من ماءِ الصنبور المنعش وأثرثرُ قليلًا مع البستاني الودود. أسألُه عن أسماءِ الأشجار والنباتاتِ وعن مدى حاجتِها للماءِ ِكي تبقى على قيدِ الاخضرار. أمشي بين الممراتِ المرصوفةِ مُحاطًا بالأشجارِ والنباتاتِ المشذَّبة وأفكرُ بأن الجمالَ ليسَ في مكانٍ آخرَ بالضرورة، بل يوجدُ على مقربةٍ، يكفي أن تكونَ لنا أعينٌ تستطيعُ أن تراه.. وقد أجدُ معنى السعادةِ في طفلٍ يلهو بدراجته في الممراتِ الخالية، ترعاه نظراتُ والدِه، وفي الضحكاتِ الهادرة لشيخٍ يهزمُ منافسَه الشابَّ في لعبةِ الكرةِ الحديدية، فيُقهقِهُ عاليًا وهو يضربُ كَفًّا بِكَف.
* * *
أُنهي جولتي وأقفلُ عائدًا إلى المقهى.
أجمعُ أغراضي وأغادرُ. أندسُّ من جديدٍ وسط الحشدِ الذي سرعان ما ينقضُّ عليَّ ليَحرمَني من سَكينتي. أتركُ خلفي الهدوءَ والشرودَ والرحابةَ لأتخبطَ وسط الصخبِ والفوضى والامتلاء بالآخرين وبالأشياء حدَّ التخمةِ، وأضطرَّ إلى استنفارِ حواسِّي حتى حُدودها القصوى.. أحثُّ الخطى مبتعدًا، مُحتميًا بدرقتي التي تَقيني حِدةَ الصَّدماتِ، وأنا أشعرُ بأنَّ القليلَ من الخفةِ التي شعرتُ بها بعدَ أن تحررتُ من بعضِ أثقالي، بفضلِ جلسةِ المقهى وحصةِ المشي في المتنزه، قد بدأ يتلاشى.