حبة الرمل

حبة الرمل

انظر حولك الآن عزيزي القارئ. سترى الرمال في كل شيء من حولك. فلو أنك في غرفة ما، ستراها في النوافذ، شاشات الحاسوب، الرقائق الإلكترونية، وفي الكتل والأعمدة الخرسانية. إن حياتنا المعاصرة تعتمد على نحو أساسي على الرمال.

إن الرمال من الممكن أن تكون واحدة من جهات العدالة. فإذا ما تأملنا الرمال على أنها مكون تتشارك فيه العديد من المكونات الأخرى بعلاقات متشعبة ومتنوعة، فإن الرمال تصبح حينئذٍ الأجدر بأن تنوب عن عناصر الكون الأخرى فيما يتعلق بالتنظير والتطبيق لمنظومة العدالة على هذه الأرض.

نحن نحيا في أزمنة غير مستقرة ومضطربة، وهذا من حيث إن البشر قد جرى التمييز لهم والارتقاء بهم بأشياء كثيرة مثل: الدين، الفلسفة، الحكومات والعمل والصناعة، بل ساهم في تعميق هذا التمييز واضعو نظريات العدالة عبر العصور. لقد أتاح هذا التمييز الممنوح للإنسان، مقارنة بسائر عناصر الكون، المجالَ أمام كثير من النفوس والعقول لاتخاذه ذريعةً لانتهاك الطبيعة وإساءة استخدام مواردها، بل لتدمير ما على الأرض. وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يُفقِدَ الكونَ التنوع البيولوجي الذي خُلِقَ به، وَأن يُرسِّخَ للمعاملة الفظة وغير الآدمية للحيوانات؛ من حيث إنها ليست من بني البشر، وأن يؤديَ إلى ظاهرة التغير المناخي، وصولًا إلى ما نشهده الآن من أزمات متعددة ومتلاحقة في العالم أجمع.

علاوة على ذلك، فإن بعض البشر فقط هم من يحظون بهذه المكانة السامية في منظومة العدالة. فلا يحدث الظلم الاجتماعي إلا حينما يجري التمييز لقلة فيحدث ما يمكن أن نسميه «إضفاء الصبغة الحيوانية» على مجموعات أخرى من البشر. فإن حدث وصارت حبة الرمل مستحقة لتطبيق العدالة، فعندئذٍ ربما تصبح الحيوانات أو البشر الذين صُنِّفُوا في مرتبة دون الإنسانية مستحقين للنوع نفسه من العدالة.

دائمًا هناك علاقات عدة تربطها بالآخرين

دعونا نبدأ بقصة تشكُّل الرمال. فقد تكوّنت عبر عصورٍ جيولوجية طويلة، غير أنّه لا يمكن الحديث عن وحدةٍ أو انتظامٍ في نسق تكوّنها؛ إذ تختلف أصولها ومكوّناتها وتركيبها، بل حتى الوظائف التي تؤديها. أمّا في المعاجم، فيُعرَّف الرمل من زاوية حجمه الحُبيبي، بوصفه مادةً تقع بين الحصى والطمي من حيث الدقة والخشونة.

وإليكم قصة أخرى حول أصل تكوُّنِ الرمال مأخوذة من أولى مشاهداتي في مرحلة الطفولة. فحيث نشأت وتحديدًا في أوتياروا في الجهة الغربية من نيوزيلندا. تكتسي الرمال الصبغة السوداء، ومن المستحيل لأي شخص أن يسير عليها حافي القدمين في أيام الصيف؛ فالرمال في هذه البقعة مكونة من حبيبات وذرات الصخور البركانية.

في طفولتي، حدث لي أن قضيت إجازة عيد القيامة مرتين على واحدة من الجزر البعيدة من ساحل أوتياروا الشرقي. وهناك، صادفت ما أثار دهشتي. الشاطئ الأصلي كانت رماله بيضاء، ولكننا حين انتقلنا ناحية الجنوب وبمحاذاة الساحل، وجدنا الشاطئ الثاني ورديًّا، ووجدنا الثالث أخضرَ. ولكن المثير للدهشة أن هذه الألوان جميعها كانت هي الأخرى عادية وطبيعية. فاللون الوردي لون أصداف احتوت سرطانات بحر ومحار عاشت على الشاطئ أو في باطن رماله أو بالأخير مجاورةً له.

إن أصل هذه الرمال جميعها يرجع إلى ما بها من أصداف لحيوانات بحرية نافقة ودروع سلاحف. واللون الأخضر كان لون قنافذ البحر الميتة. إن أول مجموعة من العلاقات المتعددة التي تربط الرمال بغيرها من أشياء ومكونات مختلفة هي العلاقات المرتبطة بالأصل والتكوُّن.

في الواقع، الرمال ليست مجرد مكان للتنزه؛ إنها بيئة طبيعية. فإلى جانب الحيوانات البحرية التي تتخذ من الرمال موطنًا طبيعيًّا لها، هناك حياة أخرى تَتَشَكَّلُ، فهناك نباتات وحيوانات تجد لنفسها مأوًى وحياةً بكل معانيها في الرمال. وهذا الصنف الثاني من العلاقات، وهو علاقة الرمال كمأوًى أو عائل لحيوانات ومخلوقات أخرى.

ويمكننا أيضًا أن ننظرَ إلى الرمال من حيث إنها مصدر من مصادر الغذاء والدخل معًا. تأمَّلْ معي نفسك أنت الذي ربما تَحفرُ في أعماق تلك الرمال بحثًا عن المحار من أجل أن تتناول أنت وأسرتك وجبة عشاء لذيذة، وربما يكون في هذا زيادة لدخلك أو بحثًا عن قوت يومك. وهنا ينشأ نمطٌ ثالث وهو علاقة الرمال بباقي الكائنات كمصدر للغذاء والدخل معًا.

ثم يأتي بنا الحديث عن الرمال من حيث إنها من الممكن أن تمثل ساترًا مُخَفِّفًا للصدمات فيما بين البَرِّ والبَحرِ. وفيما مضى، فإن كل ما نرى الآن من سواتر ترابية مفتتة أو كثبانٍ وتلال رملية كان دوره الرئيس يكمن في حماية البر من المياه وقت العاصفة، وهو ما كان من شأنه حماية الأرض من ظاهرة التآكل. ونحن هنا نتحدث عن النمط الرابع من العلاقات؛ ألا وهو علاقة الرمال بكلٍّ من البر والبحر. والحادث أن التغير المناخي ينشأ عنه هذا الشعور بالظلم لا لشيءٍ إلا لأن بعض البشر قد قرروا ألا يعترفوا بقيمة وأثر ما يربط الرمال من علاقات غاية في الحيوية بباقي الكائنات أو الموجودات في هذا الكون.

دورات حياة الرمال

للرمال قدرة عجيبة على الخروج بعيدًا من معايير الزمن. هناك بعدٌ زمنيٌّ في قصص تكون الرمال، وكذا علاقات الرمال بباقي الكائنات، هذا البعد يتعلق بحوليات الهدم وإعادة البناء.

الرمال لديها القدرة على البناء. فهي على سبيل المثال لديها القدرة على تكوين الصخور، كالحجر الرملي. ويحدث أن يُبلى الحجر الرملي وَيفنى بفعل الرياح والماء، وَيعود مرة أخرى إلى أصل نشأته، ألا وهو الرمال. إننا هنا بصدد الحديث عن قصة أو عملية ما يسمى بالإنشاء الدائري. ويحدث بعد ذلك أن يجرف التيار الرمال المترسبة في قاع النهر وبمحاذاة الساحل إلى أعالي البحر بعيدًا من الأرفف القاريَّة، ووصولًا إلى أعماق الأخاديد بعيدًا. وهناك تغوص الرمال، وتحت تأثير الضغط لكل من كُتْلَتَيِ الرمال والبحر معًا، تندمج هذه الرمال وتتحد مرة أخرى في شكل صخور. ومع مضي آلاف السنين، يحدث أن تظهر هذه الصخور على السطح مرة أخرى بفعل عاملَيِ الحرارة والانحناء أو الالتواء. والحق أنه في أثناء هذه العملية للحجر الرملي، نجد معيار الزمن غير مُدرَكٍ بدقة.

الانتقال إلى العدالة الكوكبية

إن الرمال تنفد الآن على نحو متسارع. ففي تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة نجده أكد أن الرمال وبعض المواد ذات الصلة كالحجر المكسر هي ثاني الموارد الطبيعية الأكثر نفادًا بعد الماء. ولكون الرمال تنفد الآن، فإن بعض أجهزة استخراج الرمال قد أصبحت بلا رحمة في عملها، وهو ما يُوقِع أعظم البلاء وأشد الضرر اللذين يصلان إلى مستوى الظلم الاجتماعي بما تسلبه من رمال من المجتمعات ومن وسائل للرزق والعيش من الأفراد.

أن الإرث الأنجلو-أميركي وكذا الأورُبي لم يُعَوِّلا إلا على الإنسان فقط في تحقيق العدالة. ومن غرائب الأمور أننا لا نجد نظرية واحدة تتناول مفهوم العدالة مع الأفراد، أو فهمًا واحدًا لما ربما يكون متوقعًا من الدساتير، وما الذي يقدم الدليل على صحة ما تقول وتنادي به وتطمح إليه، وعلى من أو ماذا يجري إقامة هذه العدالة.

العدالة الكوكبية تتوقع منا أن نُقدِّمَ وَنُتيحَ ظروفًا وَأوضاعًا حياتية أكثر عدلًا ورفاهة إلى كل ما هو موجود على كوكب الأرض. فهي تتضمن البشر وغير البشر؛ لكونها تُقِرُّ بوجود حُزَمٍ من العلاقات المتشعبة والأساسية، ومنها ما يصل إلى حد الاعتمادية فيما بين جميع الكائنات.

إن النظرية السياسية لمفهوم العدالة الكوكبية ترى أن هناك حزمة من الالتزامات الواقعة على عاتق كل إنسان تجاه غيره من بني الإنسان وتجاه الكوكب الذي يتطلب الإنصاف معه الحدَّ أو التقليل من كل ما يُحدثُ اضطراباتٍ علائقية بين المخلوقات وبعضها؛ وذلك لأن هذه العلاقات إحدى الدلالات على النظام الكوكبي.

إن كل حبة رمل على هذه الأرض متصلة في وجودها بحبات رمال أخرى، وطريقة التكوين لها وكذا بمجموعة كبيرة من الكائنات الأخرى. إن هذه العلاقات المتعددة هي ما ينشأ عنها ما نسميه بالتزامات العدالة. وعلى هذا، فإننا إذا ما فهمنا ووعينا أن الرمال إحدى الجهات المستحقة للعدالة، فإنه يكون لزامًا علينا حينئذٍ التفكير الواعي والمدروس في كل المواد والعناصر الموجودة في هذا الكوكب من حيث إنها أيضًا تستحق منا مراعاتها والاهتمام بها.

البشر هم الذين يتحملون المسؤولية كاملةً عن الرمال كطرف من أطراف تلك العلاقة. إنهم من تقع على عاتقهم مسؤولية رفاهة كل بيئة من البيئات التي توجد فيها الرمال، أو على الأقل تقع عليهم مسؤولية التراجع والبُعد والسماح لتلكم البيئات بالعيش الرغيد والازدهار من دون تدخل غير مستحق، وإساءة استغلال غير مبررة.

نحن في حاجة لإعادة تصور لمفاهيمنا حول العدالة

إن نظريات العدالة في أورُبا في حقبة عصر التنوير قد جاءت تُلبي احتياجات محددة وتُلائم ظروفًا وأوضاعًا بعينها. وهناك ارتباطٌ واضحٌ بين فلسفات ونظريات عصر التنوير، وبين ما نشهده الآن من أزمات متعددة.

إننا هنا نسعى من خلال مفهوم العدالة الكوكبية إلى تقديم إطار مرجعي أوسع ومُغاير في الفكر والتنظير بعيدًا من تأثير أُطُرِ عصر التنوير العتيقة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأمر يبدو غايةً في الصعوبة إذا ما بدا متعلقًا بمجتمعات وثقافات ما زالت تعمد إلى مبدأ التَّشَيُّؤ في نظرتها، فلا تنظر إلا لكل ما هو محسوس وَتُغَلِّب دَومًا المحسوس على المجرد.

لقد حاولت في هذا المقال أن أستميلكم للتفكير بعيدًا من تأثير الذاتية المادية عليكم. وعليه فإن بوصلة العدالة سوف تصبح داعمة لتحقيق الازدهار والرفاهية للجميع بشرًا كانوا أو حبة رمل. فنحن، بني البشر، لا ينبغي لنا أن نتوقف عن استخدام المواد الموجودة حولنا من أجل أن نحقق ما نصبو إليه من ازدهار ورفاهية، وهذا يتطلب أن نفعل ذلك ونحن على وعي تام بالعلاقات التي من الممكن أن تَتفسَّخَ ونحن بصدد استخدامنا لهذه المواد. إن هذا الأمر يقتضي مستوًى من الانتباه والمراعاة للأنظمة من حولنا التي من شأنها جعل هذه الأرض صالحة للسكنى، وهذا المناخ قابلًا لأن تعيش وتبقى فيه كل الموجودات، وأخيرًا جعل هذا المجتمع أكثر عدلًا.


رابط المقال: https://www.noemamag.com/#facebook