نحو منهج نقدي إيكولوجي في الأدب التشيلــي المعـاصر

نحو منهج نقدي إيكولوجي في الأدب التشيلــي المعـاصر

تسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة جديدة للشعر التشيلي، وتسلط الضوء على منهج حديث في التأويل والفهم، يهدف إلى تفكيك الروابط التي تجمع بين المبدع والقارئ والمجتمع والثقافة في سياقها البيئي. يتضح من خلال دراسة العلاقة بين الإيكولوجيا والفن، وبخاصة الأدب، أن هذا الجانب لم يُتناوَل في بلدنا بشكل منهجي وفقًا للتكامل المفترض في الدراسات الأدبية (Ostria, 2010; Casals, 2014; Donoso, 2015).

ومع التدهور البيئي المتسارع الذي يهدد كوكبنا، نهدف إلى استكشاف دور الأدب التشيلي في القرنين العشرين والحادي والعشرين في تعزيز الفهم البيئي للنصوص. لقد ساهمت السياسات النيوليبرالية في تعميق الأزمات البيئية والاجتماعية؛ إذ أدى السعي المحموم نحو الربح إلى استغلال مفرط للموارد الطبيعية، ما بات يهدد مستقبل البشرية. ولمواجهة هذا الواقع، برزت رؤية إنسانية جديدة تدعو إلى احترام التنوع وتحقيق توازن أكثر عدلًا، على الرغم من استمرار تدمير النظم البيئية وانقراض الأنواع الحية.

في هذا السياق، برزت أصوات نقدية تتبنى خطابًا بيئيًّا يواجه العولمة ونهب الموارد، ويدافع عن التقاليد والأراضي المهددة بالزوال. وعلى الصعيد العالمي، شهد الوعي البيئي نموًّا منذ السبعينيات، بدءًا من مؤتمر البيئة البشرية عام 1972م، وتلاه الميثاق العالمي للطبيعة (1982م) وتقرير برونتلاند (1987م) اللذان قدما رؤية للتنمية المستديمة. ومن أبرز الجهود التشريعية الحديثة قانون «حقوق أمنا الأرض» في بوليفيا (2010م) الذي يستند إلى رؤى الشعوب الأصلية، ويقر بمبادئ مثل التوازن البيئي، والصالح الجماعي، والتعددية الثقافية.

وعي أدبي بيئي في مواجهة التدهور العالمي

على مر التاريخ، ارتُكبت انتهاكات جسيمة باسم التقدم، بدءًا من الغزو الإسباني الذي أباد مجتمعات السكان الأصليين واستولى على أراضيهم، وصولًا إلى السياسات الاقتصادية الحديثة التي دمرت البيئات الطبيعية، وأجبرت العديد من الناس على النزوح إلى المدن التي تحولت إلى بؤر للتلوث والتدهور البيئي الذي يتفاقم بسبب التنافس العالمي على الموارد، حيث تستهلك الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، نسبة هائلة من الطاقة، وهو ما يؤدي إلى حروب إمبريالية تستنزف الشعوب وبيئتها.

في مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى وعي نقدي يسائل علاقتنا بالطبيعة، ويدافع عن التنوع البيولوجي. وهنا يأتي دور النقد الإيكولوجي أو النقد الأدبي البيئي، الذي يُعرَّف بأنه «دراسة العلاقة بين الأدب والبيئة» (Glotfelty & Fromm, 1996). ويسعى هذا المنهج إلى استكشاف تمثيلات الطبيعة في النصوص الأدبية، مسلطًا الضوء على العلاقة المعقدة بين الإنسان وبيئته، سواء من خلال توثيق الأضرار البيئية، أو إبراز البعد الأخلاقي لهذه العلاقة. وكما فحص النقد النسوي الأدب من منظور جندري، وناقش النقد الماركسي النصوص من زاوية الصراع الطبقي، يتبنى النقد الإيكولوجي رؤية تتجاوز النزعة الأنثروبوسنتريّة (المتمركزة حول الإنسان)؛ ليربط الأدب بمصادره البيئية الأساسية، ويعيد توجيه التحليل النقدي نحو فهم أعمق لتداخل الطبيعة والثقافة. فالعلاقة بين الأدب والطبيعة ليست مجرد رمز، بل تمثل التقاءً جوهريًّا بين الإنسان وبيئته، حيث يلتقي العالم الخارجي بالمخيال الأدبي، مفسحًا المجال لحوار متبادل بين الكاتب والقارئ.

وفقًا لهذه الرؤية، يسعى النقد الإيكولوجي إلى إعادة الاعتبار للصلة العميقة بين الطبيعة والثقافة، عادًّا الأدب ليس مجرد تعبير فردي، بل وسيلة لفهم تعقيدات الحياة البيئية والإنسانية. وفي ظل الأزمات البيئية المتصاعدة، يصبح هذا المنهج النقدي ضرورةً لا ترفًا؛ إذ يسهم في بناء وعي بيئي جديد قادر على مواجهة تحديات العصر. وهذا ما يسميه خوسيه مانويل ماريرو، مستندًا إلى رؤية الباحث البريطاني لورانس كوب، بمفهوم «أهمية النقد الإيكولوجي» (2015: 61).

الأدب التشيلي والنقد الإيكولوجي: خطاب أدبي جديد عن «الأرض»

لم يولِ الأدب والنقد الأدبي في تشيلي اهتمامًا كافيًا بالمشكلات البيئية الكبرى التي تهدد كوكب الأرض، على الرغم من أن الأدب يُعَدّ وسيلةً للتعبير عن الأفكار والتصورات الإنسانية. وفي ظل التدهور البيئي المتزايد، بات من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان وبيئته الطبيعية، بعيدًا من التصورات التي تضع الإنسان في مركز الكون، لصالح رؤية جديدة تعترف بترابط الحياة على الأرض.

يُشكل النقد الإيكولوجي مقاربة حديثة تسعى إلى تحقيق توازن بين الأدب والبيئة، من خلال إعادة تقييم العلاقة بين النصوص الأدبية والبيوسفير والقارئ، من خلال تحديد الروابط النقدية التي تربط الفرد ببيئته. في هذا السياق، يجب إعادة النظر، بشكل عاجل، في العلاقة بين الوعي المتمركز حول الإنسان والوعي البيئي. وقد أشار جلين لوف (1996م) إلى ضرورة التحول من «الوعي الذاتي» الذي يركز على الفرد إلى «الوعي البيئي» الذي يعترف بالدور الحيوي للطبيعة في وجودنا. كما أَكَّدَ فيلكس غواتاري، في كتابه «الثلاثة الإيكولوجيا»، أهميةَ التفكيرِ في التفاعل بين الأنظمة البيئية والاجتماعية والثقافية؛ لإعادة بناء علاقتنا بالعالم الطبيعي.

من هذا المنطلق، أصبح الأدب فضاءً نقديًّا يعكس الصراعات بين الثقافة والطبيعة؛ إذ تُبرز بعض الأعمال الأدبية التشيلية هذه التوترات، مثل قصيدة خوان بابلو ريفيروس «من الأرض التي بلا نيران» (1986م)، التي تتناول انقراض السكان الأصليين في باتاغونيا. كما أشار نايل بينس (2004م) إلى أن الأدب اللاتيني يعكس في بعض نماذجه تفاعل التقنية والبيئة، إضافةً إلى التحولات الثقافية الناجمة عن هذه العلاقة.

نيكانور بارا

في هذا السياق، من الضروري تطوير منهج نقدي جديد يدمج بين الأدب والبيئة، من خلال دراسة الأعمال التشيلية التي تناولت الطبيعة بأساليب مختلفة -سواء من منظور موضوعي، أو تصويري، أو رمزي، أو أيديولوجي- بهدف تأسيس خطاب أدبي جديد تحت عنوان «الأرض». هذا النهج يتيح فهمًا أعمق للكيفية التي عالج بها الأدب قضايا البيئة، من خلال توثيق التحولات التي طرأت على علاقة الإنسان بالطبيعة.

يستوجب النقد الأدبي المعاصر تطبيق نموذج مزدوج: الأول نظري- نقدي، يدرس الأعمال الأدبية ضمن سياقها الجمالي والتاريخي، والثاني أخلاقي، يربط الأدب بالقضايا البيئية والاجتماعية. ومن خلال قراءة جديدة للأدب التشيلي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، يمكن تسليط الضوء على رؤية نقدية حديثة تربط بين الإبداع الأدبي والتحديات البيئية، وهو ما يسهم في بناء وعي ثقافي يعزز احترام الطبيعة بوصفها كائنًا حيًّا يتطلب الحماية والرعاية.

يقوم المعيار الثاني في دراسة الأعمال الأدبية على تقسيمها إلى خطابات بيئية وتصويرية من جهة، وخطابات ذات موقف إيكولوجي ناقد من جهة أخرى. ففي النموذج الأول، يتجسد التفاعل بين الإنسان والبيئة من خلال تصوير الطبيعة على أنها موطن حي ومتغير، بينما يتمثل النموذج الثاني في أعمال أدبية تتخذ موقفًا نقديًّا ضد انتهاك الطبيعة، حيث يفكك الأدب الخطاب الانتفاعي المتمركز حول الإنسان الذي تمارسه السلطة.

الشعر التشيلي كأفق للنقد البيئي:  نيرودا وبارا نموذجًا

تمثل قصائد بابلو نيرودا نموذجًا للحوار بين الإنسان والطبيعة، فتشكل مجموعاته الشعرية مثل «القصائد الأساسية» (1954م)، و«الكتاب الثالث للقصائد» (1957م)، احتفاءً بالأشياء الأرضية، من العناصر الطبيعية إلى الظواهر اليومية. وتبرز في أعماله رؤيتان متناقضتان للطبيعة: الأولى، تتجلى في قصيدة «مدح خصوبة الأرض»، التي تصور الطبيعة في حركة دائمة عبر تفاعل مكوناتها. أما الرؤية الثانية فتظهر في قصيدة «مدح التعرية في مقاطعة ماليكو»، حيث يعبر نيرودا عن صدمته من الدمار البيئي الذي شهدته منطقته الأصلية في جنوب تشيلي.

بابلو نيرودا

على الجانب الآخر، يدمج نيكانور بارا القلق البيئي في شعره بطريقة أكثر نقدية وسخرية. فمنذ بداياته، حملت قصائده مضامين بيئية، كما في «دفاع عن الشجرة»، بينما يتناول في «مونولوج الفرد» نقدًا لاذعًا للوضع البيئي والاجتماعي للبشرية. تطورت رؤيته لاحقًا لتتجاوز النقد الشعري التقليدي، فابتعد من الصالونات الأدبية ليقدم شعرًا ينبض بالاحتجاج الاجتماعي. ومع صدور «القصائد البيئية» (1982م)، تبنّى بارا مفهوم علم البيئة العميقة، ساخرًا من محاولات الإنسان للسيطرة على الطبيعة، ومؤكدًا انحيازه لرؤى بيئية بديلة مستلهمة من العقائد الشرقية، مثل الطاوية.

تعكس أعمال نيرودا وبارا تطورًا في الخطاب البيئي داخل الأدب، فهما يقدمان رؤى متباينة، تجمع بين الاحتفاء بالطبيعة والتصدي لدمارها، وهو ما يجعل من الشعر أداة لفهم العلاقة المتغيرة بين الإنسان والبيئة. في عام 1982م، في أثناء لقاء دولي للكتاب في تيموكو، وخلال محاضرة في مدرسة «جابرييلا ميسترال»، تحدث أحد الأدباء عن الخطر المحدق بالطبيعة، مؤكدًا أن جميع أفعالنا المستقبلية يجب أن تأخذ البعد البيئي في الحسبان. وقد اتفق هذا الطرح مع توجهات أدباء بارزين مثل نيكانور بارا وبابلو نيرودا، اللذين دمجا قضايا العدالة والبيئة في أعمالهما الشعرية، متجاوزين البلاغة التقليدية نحو خطاب نقدي ملتزم.

عند تحليل الأعمال الأدبية، ذات البُعد الإيكولوجي، يمكن تحديد محاور خطابية عدة توضح تفاعل الأدب مع القضايا البيئية، منها: إنسانية الطبيعة، حيث تُصور الطبيعة كأم حامية أو قوة مدمرة. التوفيق بين الروحانية والطبيعة، عبر استكشاف الإيمان والعادات الشعائرية. والتمثيلات التاريخية للطبيعة، سواء كمادة أو مشهد تصويري. والتنبؤ والديستوبيا، حيث تعكس النصوص الأدبية كوارث بيئية مستقبلية. والإيروسية والطبيعة، حيث ترتبط الطبيعة بالحب والجمال.

ومن هذه المحاور أيضًا: الطبيعة كرمز للواقع الاجتماعي، تعبيرًا عن الصراعات الإنسانية. والأدب والصحة، من خلال استكشاف تأثير البيئة في الإنسان والغذاء. والحدود الثقافية في الأدب الطبيعي، عبر تصوير العلاقات بين الإنسان والكائنات الأخرى. والخطابات البيئية الصريحة، التي تدعو إلى الالتزام بحماية البيئة. والنقد الأدبي البيئي، الذي يعيد تقييم العلاقة بين الأدب والطبيعة.

إن الأزمة البيئية المعاصرة تتطلب إعادة تقييم شاملة للقيم الأخلاقية والجمالية المرتبطة بالأرض، من خلال الأدب الذي لا يكتفي بإمتاع القارئ، بل يدفعه أيضًا إلى أن يكون شريكًا في تشكيل وعي بيئي جديد. فالقارئ الواعي وحده قادر على أن يصبح فاعلًا في حماية النظم البيئية؛ ليتأكد بذلك أن الأدب يمكن أن يشكّل قوة دافعة نحو مستقبل أكثر عدالة واستدامة.


المصدر: https://www.scielo.cl/scielo.php?script=sci_arttext&pid=S0719-32622016000200011


المراجع:

  • Araya, J. (2006). Ética, política, y poética: hacia una lectura ecocrítica de Pablo Neruda. Revista de Crítica Literaria Latinoamericana 63-64, 253-263.
  • Binns, N. (2004). Callejón sin salida: La crisis ecológica en la poesía hispanoamericana. Zaragoza: Prensas Universidad de Zaragoza.
  • Casals, A. (2015). Fundamentos para la lectura ecocrítica en Chile. Tesis doctoral, Pontificia Universidad Católica de Chile, Santiago, Chile.
  • Deleuze, G. y Guattari, F. (2006). Mil mesetas: Capitalismo y esquizofrenia. Valencia: Pre-Textos.
  • Donoso, A. (2015) Estudios literarios ecocríticos, transdisciplinaridad y literatura chilena. Acta Literaria 51, 103-118.
  • Glotfelty, C. & Fromm, H. (1996). The ecocriticism reader: Landmarks in literary ecology. Athens / Georgia: University of Georgia Press.
  • Love, G. (1996). Revaluing Nature. En Glotfelty, C. & Fromm, H., The ecocriticism reader: Landmarks in literary ecology (entre qué páginas). Athens / Georgia: University of Georgia Press.
  • Guattari, F. (2006). Las tres ecologías [en línea]. Disponible en: http://www.arteuna.com/talleres/lab/ediciones/FelixGuattariLastresecologas.pdf. (Consultado en octubre de 2015).
  • Marrero, J. M. (2014). Pertinencia de la ecocrítica. Revista de Crítica Literaria Latinoamericana 79, 57-77.
  • Neruda, P. (1956). Obras completas. Buenos Aires: Losada.
  • Ostria, M. (2010). Notas sobre ecocrítica y poesía chilena. Atenea 502, 181-191.
  • Parra, N. (2011). Obras completas & algo más. Santiago: Galaxia Gutenberg.
  • Riveros, J. (2001). De la Tierra sin Fuegos. Concepción: Ediciones Cosmigonon.
  • Villarroel, R. (2006). La naturaleza como texto: hermenéutica y crisis medioambiental. Santiago: Universitaria.
  • Flys, C., Marrero, J. & Barella, J. (2010). Ecocríticas: Literatura y medio ambiente. Madrid: Iberoamericana Vervuet.