«هجمة واعدة» رواية جديدة علوان السهيمي يقدم المجد لبطله ثم يحرقه به

«هجمة واعدة» رواية جديدة

علوان السهيمي يقدم المجد لبطله ثم يحرقه به

في روايته الجديدة «هجمة واعدة: قصة لاعب كرة قدم» (دار رشم للنشر والتوزيع) يختار الروائي السعودي علوان السهيمي أن يضع في 296 صفحة قصة لاعب كرة قدم، شاب حديث الدخول إلى مضمار الرياضة ومتاهات الحياة والمجتمع. يقدم الكاتب رحلة الشاب وليد بأبرز لحظاتها: من أفقر أحياء تبوك إلى أبرز الملاعب السعودية والعالمية، من النجاحات إلى الإخفاقات، من فترات المجد والنجومية إلى النهاية والتهافت. يرافق القارئ بطل هذه الرواية في مسيرته وفي الوعود الجميلة التي تقدمها له الحياة ثم تسلبه إياها.

ولأن الكاتب والصحافي علوان السهيمي مولود في مدينة تبوك، شمال المملكة العربية السعودية، ويعمل فيها مدرسًا، فإن هذا جعل السرد واقعيًّا ويعكس بيئة البطل بعاداتها وتقاليدها وفضاءاتها وشخصياتها. يتلاءم أسلوب السرد مع شخصية البطل: لاعب كرة القدم الفتي النزيه الذي لا يزال في طور اكتشاف نفسه واكتشاف العالم. يبدو السرد بسيطًا واقعيًّا يخلو من التعقيدات والطبقات المصطنعة. فكيف يقدم علوان السهيمي صورة البطل الشاب، وكيف يصور المرأة السعودية المعاصرة وما الروابط المجتمعية التي يفضحها في سرده؟

بنية تشويقية وأسلوب بعيد من التكلف

يبدأ الكاتب أحداث روايته من النهاية ومن موقف وفاة والدة البطل ليعود بالأيام راويًا قصة لاعب كرة القدم، وما أوصله إلى هذا الموقف المفجع وإلى جلد الذات ولومها على وفاة أمه. تبدو هذه التقنية موظفة؛ لأنها تضفي كثيرًا من التشويق على النص وتترك القارئ في انتظار فهم أسباب وفاة الأم وعلاقة ذلك بابنها، خصوصًا أن الراوي يقول في بداية السرد: «امرأة صالحة ماتت بالأمس؛ لأن ابنها لم يكن صالحًا قط». (ص: 13).

يبدأ السرد بجملة: «بمجرد أن عدتُ إلى البيت ماتت أمي». سطر أول يحمل جملة واحدة سهلة وبسيطة تذكر القارئ في أولى روايات الكاتب الفرنسي ألبير كامو «الغريب» التي صدرت العام 1942م والتي اختار أن يستهلها بجملة مقتضبة لها علاقة بوفاة الأم، فيكتب كامو على لسان بطله ميرسو: «اليوم ماتت أمي».

لا يمكن للقارئ إلا أن يتوقف عند هذا التشابه في اختيار الجملة الأولى من السرد في الروايتين بالرغم من اختلاف الحبكتين. يكتشف ميرسو في رواية «الغريب»، وفاة والدته في السطر الأول وكذلك وليد في رواية السهيمي. الاختلاف أن ميرسو لا يُظهر أي عاطفة أو حزن لفقد والدته، خلافًا لشعور وليد بالذنب، فيتساءل القارئ عن أسباب هذا الشعور، وكيف بلغ الأمر بلاعب كرة القدم الموهوب الطموح أن يكون سبب موت أمه؟

يلحظ القارئ أن السهيمي يكتب روايته بوتيرة صاعدة يزداد فيها التشويق وتزداد فيها الاستباقات التي تترك القارئ على أعصابه منتظرًا لحظة السقوط والتهافت. يوظف السهيمي وصفًا سريعًا سهلًا بسيطًا جذلًا؛ لا هو يغرق في التفاصيل ولا هو يمر مرور الكرام على اللحظات المهمة. ويلائم السرد الممتع والخفيف شخصية البطل الطيب البريء الهادئ غير المحنك ولا الخبيث. سيلحظ القارئ الجمل القصيرة والحوارات المنقولة بالعامية السعودية المفهومة، وهو ما يمنح السرد المزيد من الواقعية والقرب من القارئ.

يُضاف إلى ذلك أن القصة بسيطة وتدور في نص مقتضب، لكنه متماسك، وتلائم لغتها موضوعها، فهي رواية خالية من التعقيد في الحبكة ومن التكلف في الألفاظ، وتلمع بعض التشبيهات لتمنح بعض السمات الجمالية والفنية للنص، كوصف الراوي لأمه بعد وفاتها بقوله: «كانت باردة مثل أمنية لم تتحقق» (ص: 12). يقع هذا التشبيه غير المتوقع موقعًا مستحسنًا في نفس القارئ كما أنه يشكل نذيرًا لنهاية حتمية لأحلام البطل وطموحاته. يرد كذلك تشبيه خفيف مضحك حيث يقول الراوي بكل ظرف: «لعل النساء وحدهن القادرات على أن يُعدن ترتيب الأولويات في نفوس الرجال، مثل المصائب تمامًا». (ص: 60).

يبدأ الكاتب كل فصل بمقولة فيها حكمة وفيها تحضير لمأساة لاعب كرة القدم الآتية لا محالة. مثل: «لا تنتظر أن يقف الجميع إلى جانبك إذا كنت قابعًا في المؤخرة» (ص: 39)؛ «كلما اقتربنا من القمر، ازدادت بشاعته» (ص: 255)؛ «الخسارة تبقيك وحيدًا» (ص: 283)، وهي حكم تزيد من التشويق ومن حَفْز القارئ على توقع الأسوأ.

صورة البطل

مَن قرأ أدب علوان السهيمي يعلم أن بطل رواياته غالبًا ما يكون مصابًا بإعاقة أو بنقص يسببان له المآسي والعقبات والمشكلات. ففي رواية «الأرض لا تحابي أحدًا» البطل مبتور الساق، وفي رواية «القار» يعاني البطلُ العنصريةَ القاسية؛ بسبب لون بشرته السوداء، وفي رواية «حياة بنصف وجه» البطل مشوه الوجه. لكن البطل يختلف في رواية «هجمة واعدة»، فهو شاب فتي قوي موهوب طيب محبوب لطيف يصلي ويبتعد من المحرمات، ويلتزم التقيد بالعادات والتقاليد. بطل السهيمي هذه المرة يحب عائلته وزملاءه ومجتمعه ويحرص على الحفاظ على سمعته وصورته أمام الآخرين. يدخل وهو لا يزال فتيًّا عالم كرة القدم، كما «أليس في بلاد العجائب». فكما هي حال بطلة رواية لويس كارول يدخل وليد عالم كرة القدم ليكتشف المجد والنجاح والشهرة والبذخ والترف والثراء.

يصور الكاتب عالم كرة القدم بأنه عالم مبهر وعجيب يدخله البطل البريء الطيب ليحوز المجد والنجومية، ثم يخرج منه ويسقط سقوطًا مدوّيًا. ينجح الكاتب في جعل القارئ يتعاطف مع البطل، فهو يحلم معه وينجح معه ويخشى عليه من المؤامرات والسقطات. يتعاطف القارئ مع وليد، فهو بطل يافع رهيف يتميز بصفات جميلة وبموهبة فذة وبشخصية دمثة. يكبر القارئ مع بطله وينصهر في عالمه لصدقه ولبساطته في نقل مجريات حياته. يكتب الراوي بكل بساطة: «أحسستُ في لحظة ما بأن عالمي آخذ في التغير، وينبغي أن أتغير معه أنا الآخر، وأجد لنفسي طريقًا مختلفًا عن السابق» (ص: 108)؛ كما يضيف في موضع آخر قائلاً: «أنا الشاب الذي لم يكن يملك في هذا العالم إلا موهبة في قدميه» (ص: 146).

يرافق القارئ رحلة وليد الصاعدة والساطعة ويحزن لما تؤول إليه الأمور. فاليد التي رفعت وليد صفعته، والشاب البسيط الذي نال كل شيء دفعة واحدة عاد وخسر كل شيء في غمضة عين.

صورة المرأة

المرأة السعودية في هذه الرواية: شابة طموحة مثقفة صلبة تجيد التصرف وتجيد العيش في أوربا بمفردها، وتجيد التحدث مع الآخرين بلغتهم الإنجليزية، كما تجيد الإمساك بزمام أمورها وحياتها. يكتشف القارئ ثريا الفتاة المتحدرة من عائلة ثرية ويرافق تطور علاقتها بالبطل. وعلى عكس صورة الأم الحنون القلقة دومًا على أبنائها التي تمرض لإشاعة تطول أحدهم، تبدو ثريا فتاة متماسكة لا تخشى المجتمع والتحديات ولا الإقدام على الحياة. فيعيش البطل مع ثريا قصة حبه الأولى، يكتشف معها مشاعره وقلبه وجسده ويشعر بأنه يعيش نعيمًا غير مسبوق. لكن الغريب أن مكانة الحب تكون ثانوية وهامشية، فسرعان ما تغيب ثريا وتغيب قصتها وتغيب المشاعر التي حملها لها البطل. تنتهي قصة الحب بسرعة وصمت لا يتوقعهما القارئ. تنسحب ثريا بهدوء ليشعر القارئ أن البطل ظلمها وقسا عليها في وقت كان يمكن أن يمنحها الاهتمام والوقت. يشعر القارئ أن البطل كان لينجو من سقطته النهائية لو تمسك بالحب، لو تمسك بالمرأة، إنما يبدو أن الطموح والشغف بالنجاح أعمياه. تفضح المرأة في هذه الرواية عيوب البطل، فتكون هي الخط السردي الأول الذي ينذر بسقوطه، سواء أكانت أمه التي شعرت باقتراب الخطر أو حبيبته التي تخلى عن حبها دون تردد ولا شفقة.

صورة المجتمع

يشير الكاتب إلى عيوب المجتمع دون تحفظ ولا مداراة، فيقول على لسان بطله وليد: «بدأت أعرف أن كل من حولي سيكونون إخوتي الكبار ما دمتُ مشهورًا» (ص: 25)، ويصف مجال كرة القدم بقوله: «ذلك الجو الرياضي الملوث» (ص: 35).

يتحول حلم وليد إلى كابوس وشغفه إلى خيبة، فيكتشف أن المجتمع فاسد وغارق في الوساطات والمصالح، كل امرئ يعمل لمصلحته ولخيره الشخصي ولا يهتم بالآخرين. تجسد قصة وليد أحوال المجتمع المجحف فيحيط الناس بالناجح وينأون بأنفسهم عن المنبوذ وإن كان مظلومًا. ينتقل وليد من عالم الفقر والبساطة إلى عالم البذخ والشهرة ليعود فيسقط من دون أن يجد من يمسك بيده أو يقف إلى جانبه. يخسر البطل كل شيء بعد أن كان متربعًا على عرش النجاح والتفوق، يتركه صديقه، يبتعد منه وكيل أعماله، يتخلى عنه زملاؤه في الفريق، حتى جمهوره الذي حقق له نجاحات ضخمة صفق لغيره. يستفيق وليد من حلمه السريع ليجد أن المجتمع لا يرحم، وأنه كما يقول المثل السائر: «دوام الحال من المحال».

«هجمة واعدة» رواية مشوقة، فيها بساطة في السرد وسلاسة في السبك. هي قصة نجاح موهبة ثم تهافتها، قصة شاب طموح بقي وحيدًا في النهاية على الرغم من الانتصارات الكثيرة التي حققها. هي قصة لعبة مذهلة وجمهور مخيف ومجتمع يصنع النجاح ويقدم المجد للمرء، ثم يحرقه بناره.