البندقية 2025م… السينما العالمية تواجه اختبار القضية الفلسطينية

البندقية 2025م… السينما العالمية تواجه اختبار القضية الفلسطينية

ونحن نأنس إلى تقاطعات الثقافة والسياسة، ونلتقط ما جرى في البندقية في الدورة الـ82 لمهرجان فينيسيا السينمائي، وقفنا على صورة غير مشوشة لنموذج واضح عن تحول السينما من فن جمالي إلى فعل أخلاقي وسياسي في آنٍ. وما القضية الفلسطينية هنا بمادة إبداعية فحسب؛ بل نبض إنساني يستدعي من الثقافة اختيار موقعها الأنسب. فعلى شواطئ ليدو، حيث اختلطت رائحة البحر بأضواء المصورين وبريق السجاد الأحمر، تجلّى لنا مهرجان البندقية وكأنه مرايا متعددة عكست زمننا هذا بأقسى اعوجاجه وانحناءاته.

قراءة لحضور فلسطين

إذا ما أخذنا بأدوات نظرية التأطير الإعلامي، فإن حضور قصة فلسطينية، تروى من منظور إنساني بالغ التأثير في صالة العرض بالبندقية، يغير من إطارات الفهم العام. فلا يكفي أن تعرض وقائع أو مشاهد بعينها، بل إن طريقة تأطيرها تصنع قراءة اجتماعية جماعية. وحين نتحدث هنا عن طريقة التأطير، فنحن نقصد ما يعرض وما يغفل، وكيف ينسب السبب والمسؤولية. وقد نجح «صوت هند رجب»، للمخرجة التونسية كوثر بن هنية في جعل الأصوات تهتف له؛ لأنه لم يكن مجرد سرد لحادثة، وإنما كان تأطيرًا جديدًا لوجع مستمر، وتحويلًا لصوتٍ واحد من بين آلاف الأصوات إلى شهادة زلزلت المرايا.

يمكننا قراءة أهمية المنصات الكبرى في صناعة الموقف الثقافي وفقًا لمنظور الهيمنة الثقافية لــغرامشي، حيث يُمنح أي سرد يحظى بمركزية العرض قدرةً على إعادة تشكيل المعنى وصياغة الذاكرة الجماعية. فبمجرد منح أي مؤسسة سينمائية كبرى متنفسًا لسرد فلسطيني يصيب الإنسانية في صميمها، سيُعَدُّ الأمر تحدّيًا لآليات الطمس التي تعمل على تحييد السياسة عن الفضاء الثقافي، أو تضييق أفق الحديث عن القضية وحصرها في التصريحات الدبلوماسية.

يتأكد لنا أن السينما ليست مرآة عاكسة للواقع، بل هي مؤسسة تصنع المعنى، وقوةٌ تعيد تشكيل وعينا بالواقع. فإذا نظرنا إلى المهرجان، وما استجد فيه من أحداث وبرمجة أيضًا، بعين نظرية التمثيل لــستيوارت هال، سنجد أن فِلْم «صوت هند رجب» قد أعاد تشكيل وعي المتفرجين بقضية ليست جديدة عليهم، وصاغ من جديد هوية الضحية وصورة المتفرج من مجرد متلقٍّ إلى فاعل متعاطف اختبر مسؤولية تاريخية فصفق وبكى لأربع وعشرين دقيقة.

تأكيد الهوية في مواجهة محاولات الطمس

ترفض بعض الأفلام السينمائية أن تروى بوصفها عملًا فنيًّا فحسب، بل تتشبث بطموحها في أن تكون سجلًّا للتاريخ الحي. وتعمل كأرشيف للذاكرة والقلب معًا، وكأنما هي قبو يحتفظ بالأصوات التي حاولت آلة العنف أن تطولها. إن عرض شهادة طفل أو رسالة استغاثة على الشاشة في منصة كبرى، ليس مجرد عرض ومشاهدة، بل هو تمحيص دقيق لذاكرة مشتركة. يصبح الفن هنا مقاومة ممزوجة بالذاكرة، ضد كل ما يحاول أن يفرغ الحالة من إنسانيتها، وضد التطبيع الثقافي الذي يستكين للصمت. فالسينما تحيي فكرة أن الذاكرة ليست مخطوطًا جامدًا يخضع للتصنيف، وإنما هي فعلٌ مستمر من الاستدعاء والمساءلة. هذا ما يجعل من العرض في منصة عالمية حدثًا يكتسي طابعًا سياسيًّا رمزيًّا، لا لأن الفن نفسه يعلن مواقف أيديولوجية أو سياسية بالضرورة، ولكن، لأن منح الصوت لمن حرم منه هو خطوة جريئة لإعادة التوازن إلى حق السرد. ولأن السينما في النهاية ليست بديلًا عن السياسة، ولكنها تأخذ على عاتقها مسؤولية أخلاقية؛ أن تبقى القضايا العادلة حية في ضمير العالم.

فضاء عام لتحديد أجندة الوعي

رفع المهرجان القضية الفلسطينية إلى أعلى سلم الاهتمام العام؛ ليعيد إدراجها بقوة في ساحة النقاش الدولي، فلم تحضر حضورًا عرضيًّا، ولكنها كانت القضية المركزية التي أعيد ترتيب الأجندة حولها. ليتحول من منصة للاحتفاء بالنجوم وأعمالهم، إلى فاعل في رسم حدود أجندة وعي أعادت توجيه البوصلة إلى قضايا سياسية راهنة، عبر مشاركة أفلام مثل «ساحر الكريملن»، و«بيت الديناميت»، و«لا خيار آخر» التي تعالج: السلطة، التسلح النووي وانتقادات الرأسمالية.

إلى جانب العروض السينمائية، ضجت شوارع جزيرة ليدو بحراك شعبي وفني. لقد تظاهر الآلاف حاملين الأعلام واللافتات، وطالبت أصوات وتوقيعات المئات من الفنانين والمبدعين الجهات الثقافية باتخاذ موقف إنساني واضح. ليوضع بذلك المهرجان إزاء اختبار أخلاقي: أيبقى مجرد صالة عرض ورواقًا لتسويق إنتاج الصناعة السينمائية بمعزل عن سياقه السياسي والإنساني، أم يؤدي دوره في تشكيل الخطاب العام بوَصْفه فضاءً عامًّا؟

هنا يطرق سؤالان أذهاننا؛ يتعلق الأول بالمسؤولية الأخلاقية للمهرجانات في أوقات الأزمات، ويرتبط الثاني بكيفية إدارة الفضاء العام الفني ليصير قابلًا للاختلاف، مانحًا صوتًا للضحايا من دون أن يتحول إلى منصة للتوتر والإثارة العنيفة. ويأتي جواب هذين السؤالين غير بديهي، ولكنه ينطلق من الاعتراف بكون الفن لا يعيش في فراغ، وأن أي مهرجان ينتصر لخيار اختزال دوره إلى كرنفال تجاري سيخسر قدرته على أن يكون منصة للتغيير.

التمويل ودور المنتجين في تحديد الظلال

في قراءتنا لما خلف المشهد، نقف على حقيقة لا تخفيها الشعارات، هي أن الإمكانات المالية والاقتصادية غالبًا ما تقرر من يُسمع ومتى. فحين يتحول تمويل فِلْم ودعم شخصيات عامة إلى موارد تسهل رؤيةً غير ممكنة لولاها، فنحن أمام ازدواجية واقع مقلقة. فمن جهة، يؤخذ الأمر على أنه فتح لباب التعاطف العالمي مع قصة إنسانية، ومن جهة ثانية، يضعنا أمام حقيقة أن صوت المهمشين يظل أحيانًا مرهونًا بقدرة أنصارٍ أقوياء على توفير منصة ليسمع عاليًا.

لا يقلل هذا السياق من قيمة الإنجاز السينمائي، لكنه يضعنا أمام ضرورة مُلِحّة للإجابة عن سؤال أخلاقي عن عدالة توزيع الرؤى؛ هل من حق التمويل أن يرهن الثقافة؟ أم إنه يتوجب بناء بنى مستقلة ترى الفن مشروعًا للعدالة قبل أن يكون مشروعًا للاستثمار؟

كان وبرلين: بين الحاضر والماضي

لا مجال للصدفة، فلكل مهرجان خيار ثقافي وسياسي يعكس طبيعته وموقعه في خريطة النقاش الدولي. في هذا العام، نجد أن مهرجان «كان» لم يشذ عن وفائه لبريقه التجاري وصناعة النجومية، وتمسك «برلين» بخطه التاريخي مع بعض الانفراج السياسي الملحوظ لدى الإدارة الجديدة التي سمحت بالتعبير العلني عن مواقف مناهضة الاستبداد. أما مهرجان البندقية فاختار أن يجعل من فلسطين عنوانه الأبرز. وبمقارنة المهرجان بنفسه، بين حاضره وماضيه، نقف على التحول الفارق في أيديولوجيته، وكيف أعاد كتابة نفسه من مهرجان يعكس خطاب السلطة الفاشية، إلى منصة لصناعة أولويات جديدة تنصت إلى الشعوب، وتعيد للقضايا التي يحاول الآخرون تهميشها وَصْفها.