اللاموثوقية في «غزالي المدلل»
لطالما أثارت «اللاموثوقية»، كتقنية، اهتمامًا بالغًا في الدراسات الأدبية وأخلاقيات السرد. فمنذ أن صك بووث (1980م) هذا المصطلح، الذي يعني به انحراف السارد عن القيم والمعايير التي يتبناها المؤلف الضمني في النص السردي، اعتكف علماء السرد باختلاف مرجعياتهم النقدية، كالإدراكية والبلاغية، على التوسع في دراسته، ورصد أثره في الأعمال الروائية، إلا أن هذا الاهتمام لم يظل حبيس فضاءات النصوص الأدبية، بل تجاوزها؛ ليداهم الأشكال السردية الأخرى، من قبيل السرد السينمائي، حيث تمنح الأفلام التي تقوم على توظيف هذه التقنية المشاهد/ المتلقي تجربة جمالية رفيعة توازي ما تمنحه الروايات للقارئ؛ لأنها -في جزء منها- تؤجل الكشف، وتربك تأويلات المتلقي وتقييماته الأخلاقية بحق طبيعة الشخصيات والأحداث. ومع وجود دراسات ومراجعات تناولت هذه التقنية في السينما، إلا أن نظيرتها التي تحلل حضورها في المسلسلات لا تزال شحيحة؛ لذا أروم هنا إلى مقاربة تمظهرات اللاموثوقية في المسلسل القصير «غزالي المدلل» (Baby Reindeer) (2024م)، معولًا على الإطار النظري، الذي اقترحه جيمس فيلان (2005م) لدراسة هذه التقنية وتبيان أثرها.
من الأدب إلى السينما: تمثيلات اللاموثوقية على الشاشة
يمكن أن تتجسد اللاموثوقية في السينما -كما هي الحال في الرواية- حينما يتباين وصف السارد في الفِلم (voice-over) للأحداث أو الشخصيات وما يمكن أن يدركه المتلقي مباشرة على الشاشة. وعليه، لا يمكن للمتلقي الوثوق تمامًا بروايته (تشتمان 1978: 236-237). بينما يطرح بوردول (1985: 261-262) ثلاثة مفاهيم أو إستراتيجيات سردية أساسية: المعرفة، والوعي الذاتي، والتواصل، من شأنها أن تعيننا على رصد اللاموثوقية بصورة دقيقة في السرد السينمائي، فضلًا عن وظيفتها الحاسمة في تنظيم عرض معلومات القصة التي يقدمها الفِلم إلى المتلقي. وبرغم أهمية هذه المفاهيم في تقويض اللاموثوقية، غير أن بوردول يرى أن الدور الأبرز يقع في مفهوم التواصل، الذي يُعنى بمدى إفصاح السرد عن المعلومات أو حجبها. فكلما أحجم السرد ذاته عن تزويد المشاهد بالمعلومات الوافية، ساورته الريبة في مدى مصداقية السردية وموثوقيتها.
من جانب آخر، يقدم بروتش (2014: 60) رؤية بانورامية، مبينًا أن الباحثين في السينما يوظفون اللاموثوقية للدلالة في الغالب على نمط سردي بعينه؛ إذ تعمد فيه بنية السرد السينمائي إلى عرض الأحداث على نحو تضلل فيه المشاهد، وتحضه على الخلوص إلى استنتاجات أولية مغلوطة، فيما يتصل بالعالم التخييلي، ولا سيما سمات شخصياته. ولا تنجلي الحقيقة للمتلقي إلا حين تلوح خاتمة الفِلم.
ويتمخض عن الحبكة في السرد السينمائي –ضمن هذا السياق– أثر المفاجأة أو الصدمة الدرامية، بخلاف النصوص الأدبية، التي رسخت بالدرجة الأولى معاني المفارقة والسخرية إثر توظيفها لهذه التقنية. كما يضيف بروتش أن التضليل الذي تنتجه الحبكة هنا، ناجم عن تقييد المنظور والمعرفة ضمن وعي الشخصية المحورية في الفِلم، ليتبين لنا في نهاية المطاف أنها شخصية مدلِّسة أو واهمة، كما يبرز ذلك في فِلم الرعب الألماني الصامت «خزانة الدكتور كاليغاري» (1920م)، للمخرج روبرت فينه. الفِلم الذي يعد باكورة أفلام الحركة التعبيرية الألمانية، و«رهاب المسرح» (1950م) للمخرج ألفريد هيتشكوك، وفِلم «المشتبه بهم المعتادون» (1995م) للمخرج براين سينغر، و«نادي القتال» (1999م) للمخرج ديفيد فينشر، و«تذكار» (2000م)، للمخرج كريستوفر نولان.
وعلى النقيض من هذه الأفلام، فإن اللاموثوقية قد ترتكز على بنية سردية تعضد تعددية وجهات النظر وتضادها مثل فِلم «راشومون» (1950م)، للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا، الفِلم الذي يطرق جدلية الحقيقة الموضوعية/ المطلقة وانتفائها، بإزاء تجليات حتمية الحقيقة الذاتية/ النسبية وتشعباتها، كنتيجة لتوظيفه اللاموثوقية المتمظهرة في تحيّز السارد في سرده للحدث الرئيس. يروي الفِلم جريمة قتل رجل، واغتصاب زوجته، عبر شهادات/ سرديات تقدمها أربع شخصيات كل من زاويته: قاطع الطريق، وزوجة القتيل، والقتيل ذاته عبر وسيط روحي، وحطّاب، موظفًا بذلك ما يصطلح عليه جيرارد جينيه (1980م) «التبئير الداخلي المتعدد»: تعدد المنظور السردي أو وجهات النظر، التي تنقل الحدث عينه.
ويمكن لنا أن نرصد صدى هذه التقنية في أفلام أخرى، من قبيل «البطل» (2002م) للمخرج الصيني زانج يمو، و«المبارزة الأخيرة» (2021م) للمخرج ريدلي سكوت. وتبعًا لذلك، نجد أن تفاصيل كل واقعة/ شهادة تتباين تباينًا جذريًّا ونظيرتها الأخرى. فيفضي ذلك بنا إلى استعصاء بناء رواية موضوعية متماسكة حول ما جرى.
ولم تقتصر تقنية اللاموثوقية على الأفلام، بل قد تسللت أيضًا إلى المسلسلات مثل «السيد روبوت» (2015-2019م)، و«العلاقة الغرامية» (2014-2019م) الذي يتناول علاقة عاطفية تقع خارج إطار مؤسسة الزواج. وعلى نحو يستدعي فيه المقارنة مع البنية السردية، التي ابتكرها فِلم «راشومون»، يقدم لنا هذا المسلسل روايتين متباينتين: الأولى من منظور نوح (دومينيك ويست)، والأخرى من منظور أليسون (روث ويلسون).

«غزالي المدلل»: لمحة موجزة
في بادئ الأمر، عُرض «غزالي المدلل» في قالب مسرحية، وذلك في مهرجان «إدنبره فرينج» عام 2019م، ليترجم العمل لاحقًا إلى مسلسل من إخراج فيرونيكا توفيلسكا، وجوزفين بورنبوش. لاقى هذا المسلسل البريطاني القصير إشادة واسعة بين المتلقين والنقاد، توجت بحصده أربع جوائز في حفل توزيع جوائز مهرجان إيمي لعام 2024م. وقد استوحيت أحداثه من قصة واقعية حدثت فعليًّا لمؤلف العمل وبطله، الممثل ريتشارد غاد الذي حوّر وقائع القصة الحقيقية وأسماء الشخصيات، لدواعٍ قانونية وجمالية فنية.
يتمحور السرد في هذا العمل الدرامي الذي يطرح قضايا المطاردة، والشعور بالعار والشفقة، ومقت الذات، حول منظور شخصية دوني دان (ريتشارد غاد) الذي يتعرض للمطاردة من جانب مارثا (جسيكا غاننيغ)، الذي يرنو إلى الأضواء والشهرة بوصفه ممثلًا كوميديًّا ارتجاليًّا، غير أنه يصطدم بسلسلة من المطبات، التي تأزم واقعه وتشظي ذاته بين خيارات مصيرية. كما يأتي عنوان المسلسل من اللقب، الذي قلدته مارثا لدوني، حيث نكتشف في تسجيل صوتي في الحلقة الأخيرة بأنه يذكرها بدمية غزال كانت تعتني بها، وتدللها في طفولتها.
وقد سعى فريق العمل في هذا المسلسل أن يكون السرد البصري رافدًا أساسيًّا للسيناريو، وذلك بوضع الأنا الساردة دوني في قلب الإطار/ الكادر، حتى تتجلى محورية بؤرته السردية. في حين، آثروا وضع مارثا في أقصى أو حافة الإطار، بوصفها كائنًا دخيلًا ينتهك حياة دوني. من جانب آخر، يزخر المسلسل بالعناصر والتقنيات والمؤثرات الدارجة في أفلام الرعب والتشويق مثل «مشهد الممر الأحمر المبلل»، حيث تظهر فيه الجدران «وكأنها تتصبب عرقًا»، على حد وصف مصور المسلسل تروجنار (2024أ).
وقد وظفت أيضًا اللقطات القريبة جدًّا، وتقنيتا دفع الكاميرا للأمام (Push-in)، ونقيضها (Pull-out) ابتغاء تكثيف مشاعر الرهبة، و«الاختناق» لدى الشخصيات (تروجنار 2024ب)، مثل اللقطة التي يحاول فيها دوني بناء ماضي مارثا بدافع الشفقة، متخيلًا كم اللحظات البائسة التي مرت بها.
وبما أن المسلسل يسرد حكاية ممثل كوميدي ارتجالي، فإن الدعابة حاضرة فيه، لكنها تتشح بطابع سوداوي، ولا تنعدم أيضًا من الغرابة الصرفة وتهوين الأمور، مثل حركاته الاستعراضية المبالغ فيها والغريبة، ونكتته عن وفاة أمه التي بدت مثيرة للاشمئزاز، وكأنها أمر يسهل تطبيعه، وكذلك تعليقه الساخر على رغبة مارثا في توطيد علاقتهما: «سأعلق الستائر!»، مفترضًا أن كل ما في الأمر هو نفحة من الهزل، ولا يستأهل أن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، غير أن مارثا تلقفت الأمر على محمل الجد.
ما أثار اهتمامي في المسلسل على العموم هو خلوه -في تقديري- من الترهل السردي؛ إذ جاءت المشاهد مكثفة، ومشبعة بالدلالات التي تساهم في ترسيخ فهمنا لثيمات العمل الشائكة، وتطور الشخصيات وخياراتها الأخلاقية.

تجليات اللاموثوقية في «غزالي المدلل»
تتجلى اللاموثوقية كما يرى فيلان (2005 :51-52) في ثلاثة محاور أساسية من العملية التواصلية السردية: محور الحقائق والأحداث، (حيث يتمثل الحكي المغلوط، أو الحكي الناقص)، ومحور الفهم والإدراك (حيث تتمظهر القراءة المغلوطة/ التأويل المغلوط، أو القراءة الناقصة/ التأويل الناقص)، وكذلك محور القيم والأخلاقيات (حيث يبرز التقييم/ التقدير المغلوط أو التقييم الناقص). وإن أهم ما يميز إطاره هو تركيزه على السمات المتأصلة في النص، ومحورية دور المؤلف الضمني في تحديد موضع اللاموثوقية، بخلاف الأطر الأخرى، التي تستند إلى السياقات التاريخية والاجتماعية، والذاتية المفرطة في الكشف عن اللاموثوقية مثل إطار أنسغار نونينغ (2004م). كما لا يتبنى فيلان موقفًا بنيويًّا متصلبًا حيال اللاموثوقية. أي، لا ينظر إلى الموثوقية واللاموثوقية كثنائية تزيح إحداهما الأخرى في كامل النص، بل حريّ بنا أن ننظر إلى السارد على أنه متأرجح بين هذين الطرفين من معادلة السرد.
وطبقًا لإطار فيلان، نجد أن دوني يصوغ قراءة مغلوطة/ تأويلًا مغلوطًا، وتقييمًا أخلاقيًّا مغلوطًا، فيما يتصل بمارثا وممارساتها؛ إذ ينظر إليها بوصفها فتاة مضطربة، تعيش حالة فانتازية، وفي أمسّ الحاجة للمساعدة، مهونًا بذلك من تداعيات سلوكها الجسيمة عليه. ويتضح لنا ذلك في توانيه عن إبلاغ الشرطة عن مطاردتها له، برغم مرور ستة أشهر منذ بدء تعارفهما، نظرًا لما يكنّه من مشاعر الرأفة والشفقة تجاهها. وقد عبر عن ذلك صراحة حين سألته تيري (نافا ماو)، عن سبب تقاعسه في الإبلاغ عنها قائلًا: «لا أظن أن الأمر يستحق، فالأمر ليس بهذا السوء». غير أننا ندرك تمامًا أن دوني يتملكه الوهم، غير واعٍ لمآلات علاقته بمارثا، حيث يقبع خلف قناع وهنها وتصرفاتها الغريبة، شراستُها ونزعتها إلى أخذ الأمور إلى منتهاها، بدءًا من تعطيلها عرضه الكوميدي، وانتهاء بتهديدها لعائلته.
ولكن عندما يقدم دوني بلاغه الأول في مركز الشرطة بشأنها، فإنه يقدم حكيًا/وصفًا ناقصًا؛ إذ يحجب عن الشرطة تفاصيل هي في غاية الأهمية، كتحرشها به بالقرب من القناة المائية، أو جرائمها السابقة. تفضي بنا لاموثوقيته هنا إلى مسائلة دوافعه الحقيقية وراء إغفاله وقائع أساسية تسند شكواه. أهي الشفقة وحدها ما تسيّر قراراته؟ لماذا اختار المؤلف الضمني -أو الصانع الضمني؛ لأنه يحيل إلى كل من هو ضالع في صناعة العمل- ألّا يجعل دوني يشارك هذه المعلومات مع الشرطة؟ ينهض قرار دوني هذا -من جهة- بوظيفة سردية جمالية، ترمي إلى دفع مجريات القصة نحو أقصى درجات التوتر الدرامي، ممهدًا الطريق للنبش في ماضيه الموجع. كما يأتي هذا الخيار بوصفه مسوغًا سرديًّا مفصليًّا يطمح إلى إثارة الفضول المعرفي لدى المتلقي، وحمله على استجداء المزيد من التفاصيل رغبة في تأويل دوافعه، والإضاءة على تذبذبات شخصيته وتشعبات علاقته بمارثا.
بيد أن قراره من جهة أخرى، ينطوي على توتر أخلاقي والتباس عاطفي في إطار تصوره عن مارثا، الأمر الذي يتيح للمتلقي عبر مشاطرته وجهة نظره إعادة قراءة شخصيتها، والنظر لها ككائن هش يصارع الوحدة، ولا سيما في ضوء ما سيكشفه لنا عن فظاعة ماضيه حيث تلاعب به دراين (توم غودمان-هيل) كاتب السيناريو المشهور. يخول لنا سرده هنا إلى إجراء مقارنة ضمنية بين مارثا ودارين، بغرض أن نتريث في إطلاق أحكام نهائية على شخصيتها؛ إذ يقول دوني: «ثمة جانبان لكل قصة، فهي إما مريضة أو أسيء فهمها». يدعونا هذا الخيار إلى الإقرار على أحكامه الأخلاقية، أو في أضعف الأحوال إلى أن نصبو إلى إنصاف شخصية مارثا، وإنزالها منزلة رمادية، عوضًا عن أن نؤطرها في صورة شر مطلق.

كما لا يخلو قرار صمته من ثلمة أخلاقية تتجسد في استغلاله لوجود مارثا في حياته وحاجته لها، ليزعزع قراره هذا بدوره ثبات دلالة الضحية المطلقة، التي يحاول دوني إقناعنا بها. ويتضح ذلك جليًّا في شعوره بالتسامي وتقديره لذاته؛ نظرًا للإطراء والاهتمام اللذين تبديهما له، ولا سيما بعدما تركه دارين متخمًا بالعار وامتهان الذات. وفي السياق ذاته، يمثل ما تمنحه مارثا له بمعنى معين مفارقة تحقيق طموحه، ونيل الشهرة جراء كونه محط الاهتمام. تقول له تيري التي تمثل له الحس المنطقي: «أنت تحب الأمر!» في إشارة بيّنة منها على سعيه لإبقاء مارثا ضمن محيط حياته. وحين يصرح دوني إثر تغلّب هوسه بمارثا، وتوتر علاقته الحميمية بتيري: «شعرت بأني مستغَل مرة أخرى»، فإنه يبدي قراءة مغلوطة تتصل بتأويل هوسه بمارثا وممارساته الغريبة، بحيث يبدو وكأنه يروم إلى أن يرسخ لنا بشدة نفسه كضحية مركبة، أو أن يبرز أزمته الذاتية كأزمة مضاعفة؛ بغية أن يفرض تعاطفنا التام معه، والتسليم بأحكامه الأخلاقية.
إلا أننا حين نتمعن في خياراته السردية، ندرك أن علينا أن نترك مسافة أخلاقية وعاطفية تنأى بنا عن اعتناق منظوره، وإقرار كونه مستغَلًّا برمّته. نعي تمامًا هنا أننا إزاء علاقة تفاعلية بين هوسينِ: هوس مارثا، وهوس دوني. يربط دوني -بطريقة أو بأخرى- مصيره بحضورها في حياته؛ كونها تمثل مصلًا مضادًّا يقاوم صدماته النفسية أو الحد من وطأتها. فعقب مواجهته لدارين في شقته، على سبيل المثال، نلحظ بوضوح ارتباكه وتثاقل تنفسه؛ لذا يلجأ دوني لرسائل مارثا الصوتية، كوسيلته المثالية للخلاص؛ فمارثا هي الشخص الوحيد الذي يشعره بفرادته، وينتشله من تأزمه الداخلي. وعليه، فإن هوس دوني -بمعنى ما- يستغل هوس مارثا لتضميد ندوبه الغائرة.
أما فيما يتصل بعلاقته بدارين، يواصل دوني صوغ قراءته وتقييمه المغلوطين. يرى دوني أن علاقتهما طبيعية بامتياز، عادًّا اهتمام دارين به ووعوده البراقة ناجمة عن إيمان منه بموهبة ممثل مغمور، غير أننا نستشفّ أن ما يقوم به دارين فعليًّا يهدف إلى إيقاع دوني في شَرَكِهِ، ومن ثم اغتصابه. يكشف لنا فشل دوني أو تغافله عمّا يشي بخبث دارين مسألة إنكاره الذاتي، وعجزه عن مجابهة ذلك في الحال. كما يقودنا ذلك -من جانب آخر- إلى أن نفطن إلى تصدعاته الأخلاقية، التي تسفر بوضوح عن ولعه الجارف في نيل الاعتراف، والسمو بمسيرته المهنية مهما كانت الوسيلة.
ويكمن الأثر الجمالي في لاموثوقية دوني هنا في استثارة تعاطف المتلقي وتورطه الوجداني، مع أن المتلقي لا يصادق على قراءته وخياراته الأخلاقية، ولا سيما استمرار علاقته بدراين، والرضوخ لاستغلاله، إلا أن المتلقي قد يعي حجم ما يكابده من ضعف قبالة ما تمثله سلطة دراين ككاتب سيناريو ذاع الصيت، وما تحمله نفس دوني من آمال زائفة في الشهرة. وقد ينشأ الأثر العاطفي لدى المتلقي أيضًا من قراءته لتعامل دوني مع مفاصل الحادثة من سعيه الحثيث للإنكار إلى محاولة الفرار بوصفه خط صد أخير يقيه من تداعيات اغتصابه كشعوره بالعار واحتقاره ذاته، ليأمن له -ولو لمدة وجيزة- تصالحًا ذاتيًّا وتماسكًا داخليًّا.
في خلاصة القول، توضح لنا هذه المقاربة أن لجوء السارد دوني لهذه التقنية يأتي بمنزلة مسوغ سردي ساهم في تطور أحداث العمل، وتكريس دلالاته، واستيعاب خيارات السارد وتأويلاته، فضلًا عن أن الأثر البارز الذي تتركه هذه التقنية هو انخراطنا عاطفيًّا، وتقاربنا من منظور السارد. كما تجدر الإشارة بأن ثمة مواضع أخرى للاموثوقية تستدعي المزيد من الفحص والقراءة، مثل انحرافات دوني السردية ضمن محور الحقائق والأحداث فيما يتصل بإطار علاقته بتيري.