فاطمة بوسو تكتب قصصًا تلتقط حقائق غير مرئية داخل المجتمع الماليزي

فاطمة بوسو تكتب قصصًا تلتقط حقائق غير مرئية داخل المجتمع الماليزي

قبل بضع سنوات دُعيت إلى مهرجان أدبي في بينانج، وقد ضم الملتقى كتابًا وكاتبات من جميع أطياف المجتمع الماليزي وأعراقه ودياناته، كما استقبل المهرجان ضيوفًا من اليابان وسريلانكا وكوريا الجنوبية ودول أخرى. أتذكر كيف ذهلتُ من الانفتاح البالغ في الجلسات والمناقشات، ولم أقف على محظورات من أي نوع في النقاش. وقد اقتنيتُ وقتها كتبًا ماليزية مترجمة إلى الإنجليزية، أو كُتِبَت بها، لكاتبات ماليزيات من العرق ذي الأصل الهندي، ولكتّاب من العرق المالاوي أو الصيني، ولكني لم أحظَ إلا مؤخرًا بفرصة قراءة كتابة المرأة الماليزية من العرق المالاوي المسلم.

كثير منا يسافر إلى ماليزيا للسياحة، لعلّنا تمتّعنا بالطبيعة الفاتنة في مرتفعات جنتنج، وبالسحب تعانق مزارع الفراولة في كاميرون هايلاند، وبحدائق الزهور والفواكه في بينانج، وبالممرات المائية وبحيرات المانجروف في جزيرة لينكاوي، ولكن ماذا نعرف عن الأدب الماليزي؟ ربما ليس كثيرًا.

البحث عن فاطمة بوسو

لقد نُظِرَ إلى كتابة المرأة في ماليزيا، كما نُظِرَ إليها في بقاع أخرى حول العالم، على أنها مجرد كتابة نوستاليجية، وذاتية، وذات قيمة أقل، ولكن كاتبة رائدة خرقت هذه التنميطات، وبرزت قصصها بروزًا قويًّا وواضحًا، متحدّيًا، ومجددًا. إنها الكاتبة الماليزية ذات الأصول المالاوية فاطمة بوسو، وهي من مواليد يناير 1943م، روائية وكاتبة قصة قصيرة وأكاديمية، ومن أبرز كتّاب الروايات المعاصرة. وهي كاتبة مقالات نقدية كذلك باللغة الماليزية(1). وقد بدأت الكتابة والنشر في السبعينيات من القرن الماضي، وآنذاك حصدت جوائز أدبية عدة، وكذلك ظهرت بعض قصصها في مختارات أدبية.

تعود أعمال فاطمة بوسو المبكرة إلى عام 1960م، أما كتابتها الغزيرة فظهرت في السبعينيات، وبلغت ذروة قدراتها الإبداعية في الثمانينيات، وقمة أسلوبها الناضج في التسعينيات، بيد أن طبعات كتبها نافدة اليوم ومن الصعوبة بمكان أن تجد لها قصة في المكتبات.

لقد تقفَّت في السنوات الأخيرة امرأةٌ ماليزية من أصول صينية هي الدكتورة باولين فان، الأستاذة في جامعة بُترا ماليزيا، ومديرة مهرجانات أدبية، أثرَ الكاتبة الملاوية الكبيرة فاطمة بوسو بالبحث والتنقيب، وحاولت بعث كتبها إلى الحياة، بلغة يقرؤها الجميع، فقد كانت فاطمة تكتب بالمالاوية فقط، وكثير من كتبها قد نفدت طبعاتها نهائيًّا. حتى عندما استغرقت باولين في البحث في المكتبات التي تتخصص في الكتب المستعملة، لم تعثر لكُتب فاطمة على أثر.

طرقت باولين، بعد بحث ومشقة، في بينانج في عام 2020م، باب فاطمة بوسو التي استقبلتها برداء بسيط وحجاب أبيض، ورحَّبت بفكرة الترجمة، وقد ساعدت فاطمة نفسها في تصوير بعض قصصها لباولين، وكذلك ساعدتها شبكة متحمسة من صائدي الكتب نافدة الطبعات؛ حتى إنها عثرت على كتاب مختارات نُشر في أوائل السبعينيات وبه بعض قصص فاطمة المبكرة التي فازت بجوائز.

أخذت باولين تتصفح القصص التي استطاعت الوصول إليها، وحين قرأت «عاشقان في شهر محرم» أدركت ضرورة ترجمة هذه القصص إلى الإنجليزية، وإتاحتها لمن لا يقرأ المالاوية. وهكذا، أنجزت جمع بعض قصص فاطمة بوسو وترجمتها، التي شكَّلت علامات فارقة في مسيرتها، ونشرت المجموعة لأول مرة باللغة الإنجليزية عن دار نشر بينجوين راندوم هاوس، بعنوان: «حكاية عادية عن النساء وقصص أخرى»، وذلك في ديسمبر 2024م(2).

يعرض الكتاب الواقع في 224 صفحة عددًا من قصص فاطمة القصيرة المبكرة الشهيرة، الفائزة بجوائز في مسابقات الأدب الوطني، والعديد من القصص الأقل شهرة، التي تُبرز أسلوب الكاتبة المميّز. تقول المترجمة: «إن جمع هذه القصص بدا أشبه بتجميع قطع فسيفساء معًا، كل قطعة تسهم في تكوين صورة أكمل لحكاية فاطمة بوسو المثيرة للذكريات».

وكما توضح باولين في مقدمتها للمجموعة القصصية المختارة المترجمة: فإن قصص فاطمة بوسو القصيرة عبارة عن حكايات مؤثرة تلتقط في كثير من الأحيان أشياء غير مسموعة، أو حقائق غير مرئية داخل المجتمع الماليزي. كثيرا ما تُسرَد حكاياتها من منظور الأطفال والمراهقين، والأمهات العازبات، وسكان الريف الفقراء. يقدم هؤلاء صورًا حية عن حياة معرضة لسطوة الطبيعة وخاضعة لأهواء السلطات المحلية. ومن أبرز السمات المميزة لعمل فاطمة بوسو تصويرها لـ«أشكال المقاومة اليومية»، من خلال تجربتها الشخصية في نشأتها في ظل الفقر، حيث قامت والدتها في المقام الأول بتربيتها، أما الأب فكان يشتغل في أعمال متفرقة شاقة، وكان حضوره في المنزل نادرًا.

سرد من عالم الأطفال

كثير من حكايات فاطمة تُروى من وجهة نظر طفل، مثل قصتها عن طفلين يبتلعان بالخطأ فطرًا مسمومًا، وتعدّ قصة «على حافة النهر» التي نشرت لأول مرة في عام 1976م، من القصص الأخرى في المجموعة التي تُروى من وجهة نظر طفل. وهي قصة تُصوّر واقع الحياة الريفية في كيلانتان من خلال الجهد الجماعي لبناء منزل. وتقدم القصة لمحة عن سياسة ملكية الأرض، وتستكشف القوة المتقلبة التي تمارسها السلطات المحلية، وكذلك تسبر غور روح المجتمع والقدرة على الصمود.

وهناك قصة أخرى تُسرَد من وجهة نظر الأطفال هي «القطة الهزيلة»، التي نشرت أول مرة في عام 1960م. كتبت فاطمة هذه القصة عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها فقط، وقد فازت بجائزة ترضية في مسابقة للأطفال. وعلى الرغم من موضوعها المزعج، فقد نُشِرَت في مختارات إلى جانب أعمال المؤلفين المعروفين تحت رعاية وزارة التعليم.

وفي قصة «رسالة إلى الأم في كامبونج»، نجد ولدًا يكتب رسالة إلى أمه. يسيطر على الرسالة الخوف من سطوة الطبيعة، وبخاصة الزوابع والأعاصير، ويبثُّ الولد مخاوفه لأمه، غير مستقر على رأي بشأن ما يمكن عمله لمواجهة الأعاصير في قريتهم، فمرةً يطلب منها الذهاب إليه، ومرةً يطلب إليها أن تجتمع مع القرويين للصلاة والدعاء درءًا للخطر. ومن خلال هذه الرسالة المضطربة يكشف الولد عن مخاوفه بالتفصيل، فهو يخشى من انهيار جدران البامبو التي تسيّج البيت، وتحيط بالبئر، ومن ثم غرق البيت كله، ويخاف أن يجرف النهر البيت إليه، فيفقدون أرض أجدادهم ولا يبقى لهم مأوى.

ثم تنتقل الرسالة إلى مخاوف أخرى، تبدو عميقة على الرغم من أن مصادرها رسائل الأصدقاء والصديقات، وإشاعاتهم الغريبة، فنجد الولد يتحدث إلى أمه بلهجة يقينية عن الكائنات الغريبة التي تظهر مع الأعاصير، وتسرق طعامهم، وتقوم بتصرفات محرجة أمام الناس، وهذه الكائنات الغريبة تتكاثر بسرعة هائلة، ولها قوة رهيبة، وتختبئ في أكياس الملح والسكر والطحين. وسرعان ما تجنح الرسالة إلى تضخيم الرعب من هذه الكائنات، فبحسب رواية أصدقاء عدة فإن الكائنات لا تكتفي بسرقة الطعام، بل تتلصص على الناس في لحظاتهم الحميمة، وتستولي على الأسماك من مصايدها، ولا يمكن قتلها بسهولة. ويُبدي الفتى قلقه البالغ من أن تؤذي هذه المخلوقات- التي لا يشك في كونها أرواحًا شريرة- والدته.

وفي رواية عن أصدقاء آخرين يحكي لأمه عن المسرحية التي سمع أنها مُثّلت في قريتهم، وتدور أحداثها حول القتال بين جيش علي وجيش معاوية، ويحكي الفتى -حكاية عن أصدقائه- عن تأثر الناس الشديد بانهزام علي، واتباع معاوية للحيلة برفع المصاحف على أسنّة الرماح. وبهذه السلاسة نفسها، يحكي لها عن مسرحية أخرى ستُقام، ولكن الجميع مدعوّ للمشاركة هذه المرة، وهذه المسرحية اسمها «انتخابات»، والولد ليس لديه أدنى فكرة عما يعنيه ذلك، ولكنه يحثُّ أمه بحرارة على المشاركة وعلى أن تأخذ هذه المسرحية بجديّة، لعلهم يعطونها قليلًا من المال لتستعين به.

عن طريق سرد الفتى القروي البسيط الخائف على حياته الصغيرة وبيته وأمه، ندخل في طبقات مخفيّة من السرد غير المباشر تكشف عن تجذر الجهل، والخرافات، والفساد السياسي، الذي يعدّ الأشراك للناس البسطاء عن طريق مسرحيات هيمنة القوة، التي ما تلبث أن تتحول إلى مسرحيّات جادة تؤثر في مصيرهم، الولد يتحدث بلغته الـمُقنعة الخائفة إلى أمه، والكاتبة تبطّن صوته بكل ما يواجه الإنسان الريفي الماليزي من تحديات الطبيعة وألاعيب السلطات، فهناك تيار خفي قوي من النقد الاجتماعي والسياسي في هذه القصة التي تنتقد ببراعة هياكل السلطة والظلم الراسخ.

قصص غير عادية عن النساء

وتركز فاطمة بوسو تركيزًا خاصًّا على المرأة داخل المجتمع الماليزي؛ حيث تمتلك الشخصيات النسائية في نصوصها تحققًا ذاتيًّا وقوة داخلية، تتجاوز الحدود التقليدية لما يُتوقع من المرأة أن تكتب عنه باللغة الماليزية. على حين كان كتاب الملايو الذكور المعاصرون لها يصورون غالبًا «النساء الساقطات» أو «النساء الضحية» من خلال الصور النمطية للبغايا أو الزوجات المغلوبات على أمرهن، كانت الشخصيات النسائية في كتابات بوسو جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المحلي الاقتصادي، حيث تشارك المرأة في العمل، والانخراط في الحياة اليومية. وهكذا عن طريق تقديم رواية مضادة للهيمنة الذكورية في المشهد الأدبي، تعمّقت الكاتبة في الصراعات الداخلية والخارجية لشخصياتها النسائية. ونجد في «قصص عادية عن النساء» نقدًا عميقًا لمجتمع تعاني فيه المرأةُ التمييزَ الجندريَّ، والإهمالَ، وظروف العمل غير المنصفة في المصانع.

في قصة لافتة في هذه المجموعة هي «عاشقان في (شهر) محرم»، تصوّر الكاتبة الرغبة الأنثوية والعواقب المدمرة لها في مجتمع تحكمه قيم صارمة. تتميز هذه القصة باستكشافها الصريح للعاطفة ومأساويتها، في أعقاب ذلك، فضلًا عن استخدام شكل سردي غير تقليدي. قد تبدو الثيمات عادية ومتناولة، وقد تكون القصة كلاسيكية، وبخاصة في مجتمعات شرقية مسلمة، حيث ثمار الحب غير مرغوبة، ولكن الذي يميّز سرد فاطمة هو ابتناء طرق غير مألوفة في السرد، وتبئيره بطرائق مفاجئة، إن قصة «عاشقان في (شهر) محرم»، تبدأ بمشهد لملاك الفردوس الذي يرتدي رداء من الساتان، وهو يلحظ أن ورقتين غضّتين من شجرة الجنة لم تسقطا بعد، على الرغم من أننا في آخر يوم من ذي الحجة، وستبدأ عما قريب السنة الجديدة. وما يلبث ملاك الفردوس أن يلمح رجلًا يسير وحيدًا، وامرأة تسير وحيدة، فيخوض معهما حوارًا، كلٌّ على حِدَةٍ، ومن بعد هذا الحوار، يكتب على ورقتي شجر الجنة اسم المرأة واسم
الرجل بالعربية.

ينتقل السرد في المشهد التالي إلى الرجل، الذي توقف لشراء السجائر في السوق، فإذا به يرى المرأة تشتري الفاكهة، وبلغته الحسيّة سيصف الرجل ثيابها وقوامها، ويزنُ بعينيه نعومة ذراعيها، ويلمس بنظراته سواد شعرها المنسدل إلى أسفل ظهرها؛ ليخلص إلى أن جسدها يبدو «كأنما صاغه نحات حاذق»، وسرعان ما يدور حوار غريب بين الاثنين، فيه كثير من الجرأة والصراحة من جانب الرجل الذي يخبر المرأة بعدما يثني على جمالها، ما عدا الوجه، أن سيارتها القديمة لا تليق بها.

هنا يتوقف السرد، ليعود هذه المرة من منظور الفتاة؛ إذ نجدها تعيد سرد أحداث ذلك اليوم، حيث كانت تبحث عن صديق هجرها علَّها تجد عنده بعض العزاء، وما التسوق إلا تعلّة لذلك، ولكنها تلتقي بدلًا منه بهذا الرجل، الذي فوجئت بصراحته إلى حدّ الوقاحة، وبخاصة عندما قال: إن وجهها لم يكن ليسترعي انتباهه لولا قوامها الممشوق. وقد أعادت الفتاة رواية الحوار الذي عرفه القارئ من قبل على لسان الرجل بصيغ مختلفة، وأقرَّت أنها شعرت بالإهانة، وستلبي دعوته للقاء بالليل غدًا لا لشيء إلا كي ترد على إهاناته، وتنتقم منه؛ إذ رأته أقرب للشخص العدائي أو الشيطان.

في الحوار المذكور ثمة جملة بالغة الأهمية تفيد بأن الفتاة لا تريد أن تتأخر عن صلاة المغرب، وستعود أهمية هذه الجملة في السرد حين تتقدم الأحداث من بعد، أما الآن فينتقل السرد ليغدو من منظور كائنات أخرى هي الأشجار في الغابة. الأشجار تراقب غروب الشمس، وتراقب العاشقين وهما يتوقفان تحت ظلالها، ويدور بينهما حوار مختلف هذه المرة. فالفتاة لا تظهر في لغة الفتى بوصفها مُغوية فقط، بل يعبّر لها صراحة عن حاجته الماسة إلى الحب والرعاية والاهتمام، وحتى تثق فيه يريها بطاقته الشخصية التي سنكتشف فيما بعد أنها توضح أنه «سيد»، أي من طبقة أرستقراطية رفيعة، فتثق فيه الفتاة. ثم تروي لنا الأشجار في مشهد شاعري كيف استجابت الفتاة لتوقه إلى أن يكون محبوبًا فسقطا معًا على جذور الشجرة وتحت أفيائها حتى إنها أسقطت عليهما بعضًا من أزهارها لستر عري المرأة.

بعد هذا سينتقل السرد إلى شخص مختلف: صديقة الفتاة التي ستأتيها مذعورة إلى البيت، فتستدعي الصديقة عبر الفلاش باك كيف جاءتها صديقتها قبل بضعة أشهر وهي تطير سعادة بالحب الحقيقي الذي عثرت عليه أخيرًا، وكيف لا يكفّ عاشقها عن التغزل فيها أمام أصدقائه، وأنه يحمل لها حذاءها، ويريدها أن تقول له: «أحبك» آلاف المرات، حتى تشعر الفتاة أنها تلقَّت هذا الحب «هدية» في السنة الهجرية الجديدة. ولكن في زيارة اليوم تبدو البنت شاحبة، وسرعان ما يدور بين الصديقتين حوار نكتشف منه أن المرأة حبلى، وأن الرجل منعها أو تظاهر بمنعها من إجهاض الطفل، ولكنه لا يستطيع الزواج منها؛ لأنها من طبقة اجتماعية مختلفة، ووالداه غير راضيين عن الزواج، ثم ترك لها البيت الذي كانا يقطنانه معًا وهرب إلى مكان لا تعرفه. وفي هذا الحوار تعود الفتاة مرة أخرى إلى موضوع الصلاة لتتساءل كيف لها أن تعود إلى صلاتها والثلاجة في البيت ملأى بالخمور، وهي تحمل هذا الطفل الذي لن يكون مقبولًا في المجتمع. وهكذا تقدم القصة حوارًا مهمًّا لشخصيات مسلمة في مجتمع متعدد الأعراق والأديان، وهذه الشخصيات تعيش واقعًا مخالفًا لقيمها الدينية، التي عبّرت الفتاة من قبل عن حرصها عليها بمواظبتها على صلاة المغرب.

لمسات الواقعية السحرية والخيال التأملي

وهكذا تنحو هذه القصة منحى كلاسيكيًّا يذكرنا بقصص الكتاب العرب في أواسط القرن المنصرم، حيث تتحمل الفتاة الضحية كل التبعات. ولكن قصة فاطمة لا تتردد في سرد وقائع ولادة الطفل في الغابة حيث تركته أمه، وذلك بعيون قردة متوحشة تراقب المشهد، وتحكيه، وتهاجم صغارها الكائن الغريب حديث الولادة لتمزّقه شِلْوًا شِلْوًا، في مشهد صادم، تعيد القردة روايته للأشجار نفسها التي تتذكر مجيء العاشقين إليها في شهر محرم، وبسبب هذا الحدث المروّع يقرّ ملاك الفردوس بخطئه وبأنه لن يكتب أسماء بني آدم وحواء على أوراق شجرة الجنة بعد الآن، وسيعاقب أشجار الغابة التي منحت الظل للعاشقين بالفناء وتساقط أوراقها وجفافها.

أهم ما يميّز قصة «عاشقان في شهر محرم» هي طريقة سردها؛ إذ تلعب فيها عناصر الطبيعة دورًا حاسمًا لا يقل أهمية عن دور البشر فيها، وتتشارك كل من الأشجار والقردة والملاك في رواية الأحداث من منظورها؛ لتظهر أصواتها مع أصوات الرجل والمرأة والصديقة. وإذ تتناص القصة مع سقوط آدم وحواء بسبب الخطيئة الأولى، وطردهما من الجنة، تطرح بشكل غير مباشر تأثير قوى حاسمة في مصير العلاقة بين الرجل والمرأة كالطبقة الاجتماعية، والدين، وشَرك الكلمات، والحلم بالحب والقبول الدائمين. ويثير لفظ «محرم» بالإضافة إلى إشارته للشهر الحرام، وبداية السنة الجديدة، معاني التحريم، فكأن القصة تسبر أيضًا الجوانب المأساوية للرغبات المحرّمة في المجتمعات المسلمة.

وإضافة إلى هذا اللون من القصص الواقعية، هناك قصص أخرى تستمدها فاطمة بوسو من الحكايات الشعبية المالاوية، مثل قصة «مهر الرغبة»، التي تسيطر فيها أميرة خارقة الجمال من عالم علوي على قلوب الناظرين إليها، وهي تطير عارية على حصان بأجنحة، وتحطّ على شرفات الأمراء فتخلب ألبابهم، إلى أن حطَّ حصانها على شرفة السلطان محمود، سلطان مالقة، فأفقدته عقله ونومه، وقادته إلى التدمير الذاتي، لنفسه ولمملكته، بطلبها مهرًا يتضمن جسرين من الفضة والذهب من مملكته إلى بلادها الكائنة في أعالي الجبال، إضافة إلى أَسْطال ملأى بقلوب البعوض، وسَطْلينِ من دم السلطان نفسه وابنه!

تمزج كتابة فاطمة بوسو الأدبية بين الواقعية، والطبيعية، والواقعية السحرية، والعبثية، والنقد الاجتماعي، وغالبًا ما تتشابك في قصصها الأحلام، وذكريات الماضي، وتيار الوعي، والرؤى المروعة، مع الفُلكلور والأساطير المحلية، مثلما لحظنا مثلًا في قصتها التي على شكل رسالة يكتبها الفتى إلى أمه.

وكما تلحظ باولين فان، مترجمة الكتاب، فإن لمسات الواقعية السحرية والخيال التأملي من السمات البارزة في قصص فاطمة بوسو، وإلى جانب التأثيرات الحداثية، فإن كتابتها متجذرة بعمق في العصور القديمة والملاحم والأساطير الماليزية، إضافة إلى التقاليد السردية للتصوف الإسلامي؛ تتكلم الطيور والديدان والأشجار، وترتدي الأم وابنها أجنحة ويطيران، وهو ما يطمس الحدود بين الواقع والخيال.

إن قراءة قصص فاطمة بوسو أشبه بتلقي هدية جميلة مفاجئة، تكاد وأنت تقرؤها تلمس ورق الشجر وتسمع زمجرة الأعاصير وترى النساء الملاويات الاستثنائيات يخطرن بأزيائهن التقليدية. إن الطبيعة ليست عنصرًا مكملًا للسرد هنا، بل هي سارد أيضًا، وهذا من أجمل الأشياء في سرد فاطمة البديع: البناء غير التقليدي للسرد، وإعطاء الصوت للأشجار والحيوانات والأطفال والمهمّشين. قصص رائعة، وعميقة، وتبدو في ترجمة باولين فان الإنجليزية الرائقة في مكانها الصحيح تمامًا، ولعلّنا نرى في قابل الأيام ترجمات عربية لنصوصها، ونصوص كتاب مالاويين آخرين.

في عام 2004م رفضت فاطمة بوسو جائزة SEA المرموقة احتجاجًا على مذبحة تاك باي في تايلند، التي راح ضحيتها خمسة وثمانون مسلمًا تايلنديًّا(3)، وليس من شيء أدلّ من ذلك على اتّسّاق كتابتها الشجاعة مع مواقفها الإنسانية، وبهذا الاتساق المطلوب من أيّ كاتب أختم مقالي.


هوامش:

(1) Campbell, Christine (2004). Pustaka, Dewan Bahasa dan (ed.). Contrary Visions: Women and Work in Malay Novels Written by Women. Universidad de Michigan.

(2) Busu, Fatimah, (2024), An Ordinary Tale About Women and Other Stories, trans. Pauline Fan, Penguin Random House SEA.

(3) Haberkorn, Tyrell. ‘In Bangkok: Remembering the Tak Bai Massacre.’ openDemocracy, 3 Nov. 2009, www.opendemocracy.net/en/in-bangkok-remembering-tak-bai-massacre