«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة أول جملة في «المقدمة»؛ إذ يقول الكاتب هذا الكتاب ليس سيرة! فأترك نفسي للاستمتاع بتجربة نثرية في محبة زياد الرحباني؛ تجربة لا تضع حدودًا بين تدوين حياة زياد: مسرحه، مقابلاته، حفلاته، حتى نكاته.

مثل زياد، أراد الشاعر المصري أيضًا قول أشياء مؤرقة عبر الأغنية والمسرح، أو كما يقول زياد: أكتب لكل من فقد الأمل في أن يفهم شيئًا من نشرة الأخبار. لطالما أراد إبراهيم عبدالفتاح أن يصنع ثورة غنائية وموسيقية، لكنه لم يملك أدوات زياد التي جعلته قادرًا على تنفيذ أفكاره ووصفها الآخرون بالجنون. أما هو فكان يصطدم بجمود لا يرحب بأفكاره، أو بموسيقي لا يملك تفرد زياد. هذا التفرد الذي يراه كارل يونغ أنه هدف الإنسان من الرحلة.

بينما إبراهيم يلاحق ظلال أحلامه؛ لأنه لا يملك سوى كلمة مكتوبة.. إما أن تنال حظها من الشهرة مثل أغنيته الأشهر «لما الشتا يدق البيبان»، التي لحنها أحمد الحجار وغناها علي الحجار، فصارت لصيقة باسمه مثل هوية، وإمّا أن تظل آلاف الكلمات الأخرى حبيسة الأدراج، مثل مشروع كتاب عن زياد الرحباني.

هذه الموهبة التي لا تشبه أحدًا كان إبراهيم يتابعها بشغف. ظل التحليق الذي يتمناه يحدث هناك، في أستوديو زياد، حتى إنه قال للمطرب علي الحجار، قبل رحلة إلى لبنان في أواخر الثمانينيات: «حاول أن تقابل زياد»!

كان يعرف أن كائنًا غير عادي يعيش هناك، بعيدًا، إلى أن التقاه أخيرًا في بيروت عام 2014م. وبدأت تؤرقه من وقتها فكرة الكتابة: يكتب نصوصًا ويتركها، ثم يعود إليها، كقطعة موسيقية لا تكتمل. ثم جاء موت زياد الرحباني لينشر الكتاب أخيرًا.

ينفي ذلك احتمالية توجس القارئ من الكتب التي تنشر سريعًا بعد أي حدث؛ فقد تعودنا أن نشكك في مصداقيتها بوصفها كتابةً تُجارِي الأحداثَ ولم تُطبَخْ على نار هادئة.

البيانو لا يتكلم

يبدأ السارد حكايته الموسيقية منذ كان زياد في رحم أمه، في لقطات سريعة ومكثفة، كمن يفتح نوافذ صغيرة في جدار حياة مضت ليثبت أنها ما زالت موجودة، وأن الموت لن يقدر على الموسيقا. البيانو لا يتكلم لكنه أوضح من كل البشر: كل مفتاح عليه جملة ناقصة، وكل صوت محتمل هو فرصة لفهم ما لا يُفهم.

ينتقل إبراهيم عبدالفتاح بعد ذلك إلى سن الخامسة: كيف يرى زياد المدرسة والشارع والبيت، بوصفه طفلًا غريبًا، لا لأنه أَخفقَ في الاندماج، بل لأنه رأى بوضوح ما كان يجب أن يُرفض. في كل الفقرات نجد كلمات قالها زياد في حواراته وأغانيه وحياته اليومية، يستخدمها محبوه كأيقونات، لا مجرد مقتطفات من سياق فني ونقدي:

«اللي بيحبك ما بيجبرك تضحك، بيقعد جنبك وقت تكون مكسور، وبيخلي موسيقتك هي اللي تحكي».

أسئلة وجودية بدأت مبكرًا

يذكر المؤلف أن مدرس الموسيقا في المدرسة وصف زيادًا بأنه: «لا يعزف كما نُعلّم ولا يسمع كما نحب لكنه يسبقنا جميعًا بخطوة إلى حيث لا نجرؤ» لم يكن زياد طالبًا مجتهدًا على الورق، لكنه كان يعرف تمامًا كيف يختبئ خلف صمته، وكان المعلمون يتعاملون معه كما يتعامل صياد سمك مع تمساح بحذر وريبة وإعجاب مكتوم. لم يتشاجر زياد مع أحد لكنه لم يصادق أحدًا. لم يكن منغلقًا بل متحفظًا وكأن لديه شيئًا يخشى تسريبه. وفي سن السادسة عشرة كان قد بدأ يرفض، ويبتعد، ويغير الاتجاه، كمتمرد صغير. وبعيدًا من أسئلة مرحلة المراهقة، التي يرددها الآخرون، يقول زياد لصديقه الوحيد في الصف: «أشعر أني ضيف في حياتي». كانت الأسئلة الوجودية هي التي أرَّقَت زياد منذ شبابه المبكر.

نُزُل السرور

يتنقل الكاتب بين تحليل مسرحيات زياد وتحليل شخصيته من خلال علاقته المركبة بالأم والأب والحبيبة. في مسرحية «نُزل السرور»، (1974م) تمرد زياد على أجواء المسرح الغنائي الرحباني، منتقلًا إلى تيار العبث المسرحي، وناقدًا السلطة والمؤسسة. وعلى الرغم من العنوان الذي يبشر بالفرح، فلم يكن المكان سوى فضاء كئيب أشبه بسجن أو مصح نفسي، تملؤه شخصيات مهزومة في انتظار الخلاص. عَدَّ النقادُ المسرحيةَ مفصلًا مهمًّا في تجربته؛ فهي تجسد انتقاله من محاولة استكمال المشروع الرحباني إلى صناعة لغته الخاصة القائمة على السخرية، وفي السياق اللبناني والعربي هي وثيقة فنية لحقبة ما بعد الهزيمة.

إعادة تنغيم الذات

يقول إبراهيم عبدالفتاح، وكأنه يرصد أوجه الشبه فيما يخص الغناء في مواقف حياتية غامضة: «في عام 1988م كنا نعمل على الألبوم الأول للمطربة حنان ماضي، وحين دخلت حنان لتسجيل أغنية، وفي أول بروفة، أصابها شيء من الحشرجة في صوتها، فطلبت كوبًا من الينسون. انطلقت من هنا مناقشة سريعة جمعت بيني وبين ملحن الأغنية، أحمد الحجار، والموسيقار ياسر عبدالرحمن، ومهندس الصوت. كانت حنان متوترة لكنها بعد دقائق طلبت أن تغني من جديد، وبدأنا التسجيل. فجأة سمعنا صوت الأستوديو يفتح تلاه رنين ملعقة على زجاج، ثم صوت عامل البوفيه وهو يقول: الينسون يا أستاذة. توقفت حنان وانتهزت الفرصة لتخبرني عن عدم ارتياحها لكلمة في الأغنية. ضحكنا، فخف التوتر وأغلق باب الأستوديو.

بعدها أكملت حنان الغناء وكان أداؤها رائعًا. وكانت المفاجأة عندما راجعنا الشريط لنكتشف أن مهندس الصوت لم يوقف التسجيل، أثناء دخول الينسون والضحك ثم الكلام العابر. كان قد سجل كل شيء. وبدلًا من عدِّهِ خطأً تقنيًّا رأيتُ فيه هدية سماوية. قلت لهم: فلنتركها كما هي؛ فاللحظات العفوية والمرتبكة، والضحكة النابعة من القلب، تضيف للأغنية رُوحًا لا تصنعها الآلات. لكنهم سخروا مني. قالوا: إنني أهذي. ونزل الألبوم من دون أثر لتلك اللحظة العابرة. بعدها بعامين صدر ألبوم «كيفك أنت» لفيروز وزياد الرحباني. كنت أستمع بتركيز إلى أن جاء ذلك المقطع الذي يُسمع فيه صوت باب أستوديو وضحكة وحوار عابر بين زياد وفيروز. ضحكت من القلب وصرخت: «يا ابن الذين يا زياد».