نظرية الإسناد من النص الديني إلى السردية العربية
امتاز المحضن الثقافي العربي بطبيعته الشفهية منذ العصر الجاهلي لقلة أدوات الكتابة، وهو ما منح المخيلة والذاكرة العربية قدرة هائلة على استيعاب المسموع في بيئة وسمها التلقي المباشر بغير واسطة بين الملقي والجمهور، فكان ذلك طريقًا إلى شحذ الذاكرة العربية التي طبعها الصفاء في بيئة غاية في البساطة، وللموقف الذي اتخذته السلطة الدينية والمعرفية من فعل الكتابة الذي منعه النبي -عليه الصلاة والسلام- مستثنيًا كتابة القرآن الكريم دون غيره، وما تولد من هذه الرؤية في المحضن المعرفي من ذم للكتابة والكتاب كان الجاحظ قد أعلن عنه في «البيان والتبيين»؛ لما في الحفظ والرواية من قوة معرفية تتجاوز المعرفة المدونة.
غير أن تمدن البيئة العربية في عصر بني العباس بحكم الانفتاح والتثاقف الحضاري مع الدخيل الجديد كان طريقًا إلى الانتقال من الممارسة الشفهية، التي طغت على التداول المعرفي، إلى استعمال الكتابة بوصفها أداة للنقل المعرفي لتدخل الثقافة العربية عبر بوابة الورق الذي أتيح لها بشكل لم يسبق إليه، فانتعش التدوين في عصر الترجمات والتأليف العلمي زمن الرشيد والمأمون خاصةً. لكن تقوي فعل الكتابة لم يلغ مطلقًا الصبغة الشفهية التي تجذرت في المحضن الثقافي العربي منذ قرون خلت، فكان النص النبوي يُتداوَل في البيئة العربية عبر المشافهة معتمدًا في نقله على الإسناد المثبت للصحة كما أثبتته كتب الحديث المعروفة في تاريخ التدوين العربي مثل الصحاح والمسانيد والسنن؛ حتى عدت الأسانيد أنساب الكتب وجزءًا من الدين؛ لتنداح دائرة الإسناد وترسي دعائمها في الممارسة الحكائية التي شهدت طفرة هائلة في ثقافتنا العربية لتقف جنبًا إلى جنب مع الخطاب الشعري.
نظرية الإسناد الجذور والروافد
كان لارتكاز الثقافة العربية على مبدأ الرواية للمنتج المعرفي -أسطورةً وشعرًا وأخبارًا وأيامًا وسرودًا وما شاب البلاد العربية من عصبيات قبلية وتطاحنات مذهبية وصراعات فكرية- أثر كبير في مُراوَحة الرواية بين الصدق والكذب؛ إذ تفشت ظاهرة الوضع في نقل الأخبار لأسباب ذاتية أو موضوعية أو معرفية من قبل الرواة حتى اشتهر بعضهم بالكذب وتزوير الحقائق، مثل: حماد عجرد وخلف الأحمر، وظهر الوضّاعون الذين افتروا على النبي عليه الصلاة والسلام؛ إما تعمدًا لأسباب سياسية ودينية تعلقت بأمور الترهيب والترغيب، أو لشيوع الزندقة التي أذكت نيرانها ديانات الثقافات الدخيلة كالمزدكية والزرادشتية والمانوية، وظهور طوائف النصارى مثل: اليعاقبة والملكانيين، وفرق اليهود من ربانيين وقرائيين وسامرة.
كل هؤلاء انصهروا في بوتقة واحدة مع الجنس العربي وظلوا مدججين بثقافتهم الدينية التي واجهوا بها الإسلام بوصفه الدين المنتصر والفاتح، فكان تأثيرهم في الخطاب الديني قوي الأثر واستطاع أن يخلق بيئة مشحونة بالتلفيق والتزوير فكان الوضع أهم سماته الظاهرة في المجتمع الإسلامي، وإن كان الخلفاء قد تجندوا له لمحاربته وأمروا بتحري الدقة في تتبع الحديث النبوي الصحيح والموثوق، فإنه ظل قائمًا يدافعه أهل العلم والبصيرة سواء كان الوضع صادرًا عن أرباب ديانات دخيلة، أو كان نابعًا من جهل صاحبه بصحته، وعدم تمييزه بين الناسخ منه والمنسوخ، أو كان نتاجًا لتقليد ذائع مشتهر على الألسنة لا يتحرى فيه صاحبه فهمًا ولا إدراكًا لمواطن الصحة، لا في متنه ولا في إسناده.
وإن كانت ظاهرة الوضع قديمة العهد في التاريخ الإسلامي إذ تحراها أبو بكر وعمر وعليٌّ، وشددوا الخناق عليها خوفًا على الحديث من الفري والبهتان، ومن هنا كان لا بد للحديث من سند يحميه ويمنع عنه ظن الضعف أو الوضع فتعرف درجاته ويمتاز مِن غيره، فيدرك الصحيح الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام من الموضوع، فكان التمهيد إلى دراسة الحديث بطريقة علمية تأصيلية حول دعامتيه القائمتين على السند والمتن، وتولاهما علم أصول الحديث.
نظرية الإسناد والامتداد إلى المنتج الثقافي
فتحت نظرية الإسناد الباب على مصراعيه في الوعي العربي لاقتحام أصناف جديدة من الخطابات، مثل: الأخبار، والمرويات التاريخية، والسرود، والمحكيات سواء في تمظهراتها الشفهية أو الكتابية، وهو ما يدل على قوة النظرية في إعادة تشكيل المبنى المعرفي لمثل هذه الخطابات؛ لمنحها صبغة الموثوقية وطبعها بالمرجعية المعرفية والتاريخية التي لا تقبل أدنى شك من حيث الانتماء إلى الجذور المشكلة لهذه المعرفة على اختلاف طبيعتها، وقد يظهر أن اقتحام نظرية الإسناد لأصناف مثل: المرويات التاريخية واللغوية والأخبار والتراجم وأيام العرب وسير الأعلام واعتمادها دعامة توثيقية؛ أمرٌ استلزمه السياق التاريخي وما نشأ فيه من دواعٍ متعددة الروافد، ذهبت بالرواية إلى طريق الكذب والانتحال والتزوير، فكان لا بد من تحري الحقائق وتبين مواطن الصدق مِن طريق الإسناد؛ لأن الأمر يتعلق بمنتج تاريخي يوثق لسيرورة حضارية ولا يمكن البتة التساهل في أثناء عملية التلقي، غير أن الأمر المثير في هذا السياق الثقافي هو اقتحام نظرية الإسناد للسردية العربية بمختلف أنواعها الفنية، مع أنها تظل خطابًا جماليًّا ينشد تحقيق بلاغة الإمتاع أكثر من بلاغة الإقناع، إلا أنها استطاعت أن تستدعي ركن الإسناد ليتشكل فنيًّا وجماليًّا في بنيتها اللغوية.

موقع الإسناد في السردية العربية
اتخذ الإسلام من السرد موقفًا خاصًّا طابعه الرفض لفعل الحكي من قبل القصاصين والحكواتيين، الذين عدهم أهل العلم مثيرين للفتن وملهين للناس عن الذكر والقرآن والكريم؛ لما يزخر به قصهم من تغزل وتشبب وحمل للنفس على الاشتهاء عبر تحريك النزوة والغريزة، فذُمّ القص واستُهجن صنيع القصاصين في المجالس واستثنى أهل العلم من ذلك أهل الوعظ ممن يحملون قصصهم بالموعظة والدين، فاشترط أهل العلم لإلقاء المتون القصصية شروطًا تمتح من طقوس الدين وأدبياته وأخلاقياته كالبدء بقراءة سورة من القرآن والسلام على الحاضرين، وأن يضرب بين الرجال والنساء حجابًا وألّا يجعل حديثه في الأصول كمسألة الصفات وخلق القرآن، وإنما يجعل حديثه موعظة وإرشادًا عبر القص فلا يجاوزه تحقيقًا للمقصد الأخلاقي والتوجيهي من الحكي.
ولعل ظاهرة الإسناد وهي تشق طريقها في المتن السردي العربي، استطاعت أن تتموقع سواء في الهامش الحكائي كما في حديث خرافة وفي المقامة، وأن تتموقع في الداخل الحكائي كما يظهر ذلك في الأنساق السردية التي عمدت في بنيتها إلى عملية التوليد الحكائي، كما في «ألف ليلة وليلة» والسير الشعبية وفي «كليلة ودمنة».
لقد استطاعت نظرية الإسناد، بحكم ما اكتسبته من شرعنة دينية، أن ترسخ في الوجدان العربي وأن تمتد كالدائرة المنداحة نحو السرود على اختلافها وبتموقعات متباينة استدعاها النسق الحكائي الفني، فاكتسابها للصبغة الدينية في ارتباطها بالمقدس يسر لها الطريق نحو معانقة أشكال أخرى من الخطابات التي أنتجت في الثقافة العربية، أدبًا ونحوًا ولغة وسردًا عدا المنتج الفلسفي والكلامي اللذين كانا بمنأى عن توظيف الإسناد من حيث طبيعته الجوهرية القائمة على العقل لا النقل كما هي حال الخطابات المذكورة، وإن ظهر أن المعتزلة -وهم دعاة العقل- اضطروا إلى مراعاة الأسانيد للتحقق من صحة الحديث؛ وهو ما زاد من قوة نظرية الإسناد ومنحها هالة أكبر، جعلها تمتد إلى أبعد حد يمكن تصوره في ثقافتنا العربية، ومن هنا استطاع الإسناد أن ينفذ بجلده وعظمه في الكيان السردي ويغدو جزءًا من تشكله الفني عبر ثنائية الراوي والمروي له.
تجليات نظرية الإسناد في السردية العربية
إذا أمعنا النظر في المسرود العربي على اختلاف أنماطه؛ وجدنا حديث خرافة الذي نسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يبتدئ بالرواية التالية: «ذكر إسماعيل بن أبان الوراق قال: حدثنا زياد بن عبدالله البكائي، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن عبدالرحمن، قال: سألت أبي عن حديث خرافة وعن كثرة ذكر الناس له، فقال: إن له حديثًا عجبًا. ثم قال: بلغني أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا نبيَّ اللهِ، حدثْني بحديث خرافة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله خرافة، إنه كان رجلًا صالحًا…». وإذا نظرنا إلى المقامات سواء عند الهمذاني أو الحريري أو المويلحي وغيرهم وجدنا أن الاستهلال دومًا يقوم على الرواية المحيلة إلى شخص مجهول، عبر بدايات تؤشر إلى الرواية، مثل: أخبرنا، وحدثنا، وحدثني، وقال، وحكى، وروى، وغيرها من الاستهلالات التي تجري على لسان الراوي عيسى بن هشام في «مقامات بديع الزمان الهمذاني» والحارث بن همام في «مقامات الحريري»، وسهيل بن عباد في «مقامات اليازجي» وغيرهم؛ فلا تخلو مقامة، على الإطلاق، من هذا الاستهلال وشبهه؛ لأنه صار نمطًا استهلاليًّا لا تقوم المقامة مِن دونه.
وإذا نظرنا في البنية الحكائية لألف ليلة وليلة، وجدنا أن الإسناد فيها ظاهر المعالم، بل إنه يمتلك من قوة الظهور والحضور الشيء الأكبر، حتى إن تودروف تنبه إلى أن «ألف ليلة وليلة» تنتمي إلى الأدب الإسنادي لأن التأكيد فيها يكون دومًا للإسناد وليس لموضوعه. ومعلوم أن بنية السرد في «ألف ليلة وليلة» اتخذت طابع التوليد الحكائي الذي يتعدد فيه الرواة ويتحول فيه المروي له، في كثير من الحالات، لراوٍ حين تُسْنَد مهمة السرد له في المتن الحكائي؛ وذلك راجع كما قال الدكتور عبدالله إبراهيم إلى وجود أجزاء رخوة تسمح باندراج أفعال قصصية ثانوية في سياقاتها تتوالد باستمرار وتتغذى من الإمكانات السردية للحكاية الإطارية التي هي بمنزلة حكاية، أم تمد الحكايات الثانوية بأسباب الحياة والبقاء.
أما السير الشعبية ونمثل لها بسيرة سيف بن ذي يزن، فإن الإسناد يتشكل في بنيتها على امتداد المحكي عبر ترديد عبارة «قال الراوي» الذي أعلن عنه في البداية على نحو صريح، كما تعلن عبارة: «قال الراوي أبو المعالي راوي سيرة أبي الأمصاري وسائق النيل من أرض الحبشة إلى هذه الديار وبالله التوفيق: كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان». وفي سيرة الظاهر بيبرس يعلن كذلك بالنسق نفسه عن الراوي في بداية سرد المحكي عبر عبارة صريحة هي: «قال الراوي وهو الديناري رحمه الله تعالى»، وتتردد عبارة قال الراوي داخل المتن عند الانتقال إلى جزء يتنامى في الحكاية من أجل إثبات مشروعية الحكي وموثوقيته على عادة ما صنع الإسناد في المحضن الديني وهو يمارس فعل التثبيت والتقوية باعتباره دعامة صحة الحديث النبوي الشريف.
وفي «كليلة ودمنة» تظهر ثنائية الراوي والمروي له عبر لعبة تبادل الأدوار وإسناد الحكاية لشخصيات تظهر في كل مرة عبر التوليد الحكائي المتواصل والمنتج من الحكايات المؤطرة عبر عبارة البدء النمطية؛ زعموا أن بعد مطالبة السامع بالمتن، فالسرد يتوالد من بعضه البعض منذ البداية من خلال الحوار بين الملك دبشليم والفيلسوف بيدبا وبين «كلية ودمنة» حيث تظل الحكاية الإطارية، الحكاية الأم، كما في «ألف ليلة وليلة» هي المنبع لتوالد الحكايات المتوالية، وهو ما يجعل «كليلة ودمنة» أدبًا إسناديًّا بامتياز لا يختلف عن مثيلتها «ألف ليلة وليلة».
لقد تمكنت نظرية الإسناد من تخطي حدود النص الديني بملفوظه النبوي إلى معانقة أجناس متعددة من الخطاب وألوان من المنتج المعرفي، الذي شكل بنيان الثقافة العربية باستثناء الخطاب الفلسفي والكلامي رغم فعل الاستدعاء الاضطراري الذي مارسه المعتزلة لإثبات صحة الحديث.
وقد استفادت نظرية الإسناد من قداسة الحديث واكتسبت مشروعيتها من تشكلها في العمق النفسي للإنسان المسلم، وهو ما جعل المتن السردي بوصفه جزءًا من التشكيل الثقافي يستدعيها لتكون جزءًا من بنيته اللغوية التي تقيم مشروعية السرد وتمنحه موثوقيته كنص يتوجه إلى مُتَلَقٍّ ألف جمالية جديدة في التلقي، أرسى أبعادها النص الديني في محضن ثقافي كان شديد الحاجة إلى توثيق النص الديني صونًا له من الوضع والكذب؛ لتتجذر الممارسة نفسها مع المنتج المعرفي المتداول ما دام أنها جزء من الثقافة العربية التي لا تختلف البتة عن نص الحديث النبوي، إلا في هالة القداسة والروحانية.