بواسطة جمال حسن - كاتب يمني | نوفمبر 1, 2025 | موسيقا
يمكن تعريف الاستشراق بكونه حقلًا معرفيًّا يعنى فيه الغرب بدراسة الشرق من الجوانب كافة. بما في ذلك فنونه وآدابه، فغدا ظاهرة سياسية وثقافية وأيضًا فنية. من هنا، تناول كثير من الأعمال الموسيقية الأوربية الشرق، سواء كانت أعمالًا تتناول موضوعات شرقية أو كان مسرحها الشرق. وتُعد أوبرا «عايدة» للإيطالي جوزيبي فيردي، أشهر عمل أوربي تناول الشرق. خصوصًا أنه ظهر في مرحلة ستشهد هيمنة أوربية على الشرق. وربما تأثرت بالمزاج الأوربي السائد وقتها.
لكن الموسيقيين الأوربيين، حين تناولوا الشرق، على خلاف كثير من الأدباء والرسامين، الذين تناولوا الشرق، لم تكن لديهم خبرة أو معرفة مباشرة به. بالنسبة للمفكر إدوارد سعيد، فإن أوبرا فيردي، وغيرها من الأعمال الموسيقية التي تناولت الشرق، كانت نتاج تأثر بعنصر ثقافي واسع للذهنية الأوربية، على صلة بالزمان والمكان. وهذا السياق المرتبط بظروف الزمان والمكان، يفسره في تحليله لعملين أوبراليين هما؛ «الاختطاف من السراي» للنمساوي موزارت، وأوبرا «عايدة» للإيطالي فيردي. ففي تصوره لأوبرا موزارت، التي عرضت أول مرة في بلاط جوزيف الثاني إمبراطور النمسا عام 1887م، رأى أنها تتسم بنظرة متسامحة وحالمة للشرق. سادت، بحسب سعيد، عصر التنوير الأوربي، كما جسدتها كتابات فولتير ومونتسيكيو. إذ لم يكن الشرق، على حد تعبيره، مجالًا للسيطرة الأوربية. كما أن الأتراك في المخيال الأوربي كانوا لا يزالون يشكلون تهديدًا لأوربا؛ إذ حاصرت جيوشهم فيينا، قبل نحو قرن من عرض تلك الأوبرا. ومن دون أن يغفل عنصر المكان، فالنمسا دولة حبيسة في وسط أوربا لا تقع على البحر. أي خلافًا للمكان والزمان الذي ظهرت فيه أوبرا عايدة في إيطاليا عام 1871م، حيث تقع على حوض البحر الأبيض المتوسط، ومنه عبرت سفن القوى الأوربية للهيمنة على الشرق في تلك الحقبة.
موقف شديد التحفظ
ويتخذ صاحب «الثقافة والإمبريالية» موقفًا شديد التحفظ إزاء «عايدة» بوصفها النموذج الموسيقي الأكثر تمثيلًا لروح الاستشراق، مؤكدًا أنها «تطفح بعلامات القوة والهيمنة». وهو يستعير مقولة بول روبنسون: إنها «مغانٍ سياسية تطفح بالحدة وعلو النبرة البلاغية والموسيقا العسكرية الجياشة الطليقة».
وفقًا لمسار أوبرا فيردي، فإن المارش يتخذ رمزية احتفالية، لانتصار الجيش المصري الذي عاد من المعركة مصطحبًا معه الأميرة الإثيوبية «عايدة» وهي أسيرة. وقد تعاطى سعيد معه بوصفه عنصرًا دخيلًا، لافتًا إلى أنه إذا كان هناك ما يطفح من هوية مصرية، فإنه «جزء من الهوية الأوربية للقاهرة» التي «تكيفت مع رغبة حكامها في جعلها جزءًا من هوية حوض الأبيض المتوسط».
مع ذلك، يعود صاحب «الاستشراق» للتأكيد على أن أوبرا «عايدة» كانت تجسيدًا لذروة تطور فيردي، مضيفًا؛ بأن الموسيقي الإيطالي لم يكن يقصد التعبير عن الروح الاستشراقية، لكنه وقع «في عبق أسرها». على أن هناك سياقًا جوهريًّا على صلة باختلاف أسلوب الأوبرا بين زمنين، وتفاوت المضمون الدرامي للعملين. فأوبرا موزارت «الاختطاف من السراي» ذات طابع هزلي، تتحدث عن شاب نبيل وخادمه يحاولان إنقاذ فتاة إنجليزية نبيلة ووصيفتها، من سراي سليم الأول، كان الأتراك اختطفوها. أما من ناحية أخرى، فأسلوب موزارت ينتسب لأسلوب ما يسمى بالروكوكو، الزخرفي المقتصد بالانفعال، والمتناغم مع ذائقة البلاط النمساوي المائلة للمرح.
أما أوبرا «عايدة» فكانت ذات طابع درامي مأساوي. وتزامن ظهورها مع ذروة التطرف الرومانتيكي، وما صاحبه من ذائقة تميل لكل ما هو انفعالي ومفرط بالعاطفة والمشاعر الجياشة. كما أن الطابع البراق للاحتفال ربما غايته، إظهار التحول الدرامي من مظاهر المجد لراداميس القائد المصري إلى التراجيدية والموت بتهمة الخيانة. وبصورة عامة، كان فيردي يسعى في موسيقا «عايدة»، إلى إرضاء ذائقة الجمهور الأوربي، وإن جاءت بتكليف مباشر من حاكم مصر الخِديو إسماعيل. كما أن كل ما استخدمه ذو طابع غربي من الآلات إلى المفردات اللحنية، فجميعها ذات طابع أوربي. مثلًا الباليه، وهي رقصة فرنسية أضافها للأوبرا الموسيقي الفرنسي لولي في بلاط لويس الرابع عشر؛ لتغدو عنصرًا من عناصر الأوبرا الكلاسيكية.
أي أن فيردي ألف الأوبرا، وفق أدواته المعروفة. كما أنه لم يكن مطالبًا باشتقاق أوبرا ذات طابع شرقي. وما كان مغيب من الشرق هو جمهوره؛ إذ لم يكن لهذا الجمهور أثر أو فعالية في صناعة الأوبرا، التي ظلت حكرًا على أوربا. وبالتالي لم يكن أمامه التعبير الشرقي من قريب أو بعيد؛ حتى إنه بعد أن استخدم موسيقيو أوربا عناصر شرقية، فإن غايتها إرضاء الجمهور الأوربي.
المارشات التركية
تُعد المارشات التركية، بحسب المؤرخ الموسيقي جوناثان بلمان، أول نموذج موسيقي استشراقي. ويؤكد أنها موسيقا عزفها الجنود الأتراك في أثناء حصار فيينا، لكن لم يسمعها أحد في أوربا فعليًّا، ولم يعزفها أحد، ذاهبًا إلى أن ما أصبح يُعرف في الموسيقا الأوربية بالأسلوب أو المارش التركي، لا صلة حقيقية بينه وبين الموسيقا التركية. ويرى المؤرخ الموسيقي ديريك سكوت أن ذلك، «ممارسات لنماذج استشراقية أكثر من كونها ممارسات موسيقية شرقية لها جذور محلية».
أي أن ما جرى تقديمه على أنه موسيقا استشراقية، تتناول الشرق، جرى ترقيعها عبر المخيلة. وهو سياق يمكن استكشافه في عدد كبير من المؤلفات الموسيقية ذات الموضوعات الشرقية، على غرار «المارش الفارسي» للألماني ريتشارد شتراوس، أو «المارش المصري» لشتراوس الابن. وبصورة عامة لا الأول استحضر عناصر «الدوستكاه» الفارسي، ولا الثاني تبنى عناصر «المقام» العربي.
على صعيد آخر، نجد تشايكوفسكي في مقطع بعنوان «رقصة عربية»، يمارس الترقيع نفسه، وهو مقطع تضمنه باليه «كسارة البندق». على أن الموسيقي الروسي، خلافًا للموسيقيين الغربيين، يستند إلى جذور ثقافية تشترك مع الموسيقا الشرقية بطابعها السُّلمي، أو اللحني.
سادت صورة عن الشرق بكونه منبعًا لما هو سحري أو غرائبي. وهو سياق عززته حكايات «ألف ليلة وليلة» بطابعها السحري. وجسد هذا الملمح الموسيقي الروسي رمسكي كورساكوف، في متتالية «شهرزاد»، مبتكرًا السلم «الأوكتاتوني». وهو سلم يتسم بتتابع أنصاف نغمة تليها نغمات كاملة. وغدا هذا الابتكار اللحني، المرتبط بعوالم الشرق، شائع الاستخدام في تصوير كل ما له علاقة بالمشاهد السحرية، في السينما والدراما.
الشرق في استعارة سُلمية
لكن مع تطور الخبرة الغربية بالموسيقا الشرقية، أصبح بالإمكان اتخاذ نماذج أكثر ارتباطًا، تمثيلًا للشرق. مثلًا في موسيقا التتر لمسلسل «طهران»، الصادر مؤخرًا، يحضر الشرق في استعارة سُلمية أو مقامية، عبر استخدام مقام الحجاز. وهو عُرف شائع في السينما الهوليودية، لتصوير الشرق وحكاياته المتصلة بألف ليلة وليلة.
وما تغير في الوقت الحالي، أنه بدلًا من استخدام نماذج موسيقية استشراقية، يُستخدم اليوم نماذج موسيقية إثنية. أي توظيف ثيمات ذات جذور محلية. وهذا جانب تعززه دراسات للأنماط الثقافية والموسيقية وفقًا لتحليلات عرقية وأنثروبولوجية، وبالتالي إيجاد أنساق جذرية لكل القيم الثقافية.
وهذا الاستدعاء هو استجابة لمرحلة آلَ فيها مصطلح «الاستشراق» إلى الاضمحلال؛ لما يحمله من دلالة سلبية متصلة بالاستعمار، ليحل مكانه ما يُعرف اليوم بالدراسات الشرقية أو الشرق أوسطية.
ويتزامن هذا التحول مع نهاية الحرب الباردة. بل إنه جاء متوافقًا مع مفاهيم مثل «نهاية العالم»، الذي أصبح ظاهرة مصاحبة لانتصار الغرب بليبراليته، وقيمه المتمثلة في حُرّية السوق. على أن هذا المفهوم انعكس على المنتجات الثقافية والفنية التي أصبحت تنظر إلى الماضي. وبالتالي أنتج نزوعًا إحيائيًّا، يعيش عالة على الماضي. فمثلًا على صعيد الموسيقا، تعود آخر الابتكارات الموسيقية إلى ثمانينيات القرن الفائت.
وصاحب ذلك، تشجيع ممارسات ثقافية لا علاقة لها بالابتكار، إنما من خلال التعاطي مع مفاهيم جاهزة، وقوالب من هنا وهناك، من جذور التاريخ، قريبًا كان أو بعيدًا. تحاول فرض ظواهر جديدة على الشرق. ففي عصر الاستشراق كان الرحالة يذهبون بدافع «استكشاف الشرق». وهذا جرى استبدال مفهوم «إحياء الشرق» به.
بواسطة جمال حسن - كاتب يمني | سبتمبر 1, 2023 | مقالات
يمكن لاختفاء مقهى واحد أن يؤشر إلى التبدل في مدينة برمتها وإلى مرحلة بكاملها، فكيف باختفاء مقاهٍ عديدة. مؤخرًا اختفى أكثر من مقهى في صنعاء، كانت فضاء للمثقفين والأدباء والصحافيين وسواهم. تكاثرت المقاهي الحديثة في المدينة مطلع الألفية الجديدة، معلنة عن ملامح عصرية. كانت من خلاله المدينة تدشن مرحلة جديدة، أكثر اتصالًا بأساليب الحياة المدنية الحديثة. تبلورت بأكثر من فضاء يسوده الاختلاط، تتقاطع فيه سمات تعبيرية ثقافية واجتماعية وإنسانية.
لم تكن المقاهي مجرد أماكن عامة لتجمع فئات مختلفة من الناس. إنما علامات تولدت حولها ما يمكننا أن نعده ظاهرة اجتماعية وثقافية جديدة. متغيرات في مدينة تحاول أن تخلع رداءً تقليديًّا متقادمًا، متحسسة رُوحًا مدنية تتعرض للاحتجاز. وفي تلك العلامات، تخلّق فضاء حر، ليس فقط بانعدام الحواجز التي تفصل الرجل عن المرأة. إنما بما أضفته من متغيرات وتحولات، أفصحت عن نفسها بنعومة، من دون أن تلغي ثوريتها الكامنة. وبما يضفيه المقهى من أساليب وقيم، يتشكل حوله عوالم واسعة وممكنة للتغيير.
يرصد المقهى طورًا من التحول في صنعاء، سرعان ما جرفه شبح العودة للماضي. ففي حضوره الزمني كعلامة لطور من التحول المدني، كان اختفاؤه مدماكًا لارتداد سريع وقهري نحو عصور ظلامية. لا تشكل المقاهي فقط جزءًا من ذاكرة المُدن لكنها تفوح برائحة الأشياء والكلمات. وتتسع لتشغل حيزًا في الوعي الجمعي للمجتمعات. وبلا شك أن وراء ما تعرضت له المقاهي من عملية خنق في صنعاء، استيلاء جماعة الحوثي على المدينة في عام 2014م.
كانت الشعارات الأيديولوجية المتواشجة مع سقوط العاصمة، تعمل على استباحة الفضاء العام وتدجينه. وبما أن نزوعها للسيطرة، يتعارض مع كل ما هو مدني، بدأت بأكثر رموزها حضورًا. ليس فقط بإخفاء العلامات التي يشكلها حضور المقهى، إنما بما كانت تعلنه من أساليب مدنية عصرية، وتسمح به من مظاهر أكثر انفتاحًا. يمكن قراءة تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، عند تقاطع شارعي الدائري والجزائر وسط صنعاء. في الوقت الحالي اختفت البوابة المفضية إلى مقهى «كوفي كورنر». ليس بوصفه علامة أو مكانًا. إنما أيضًا بوصفه فضاءً لروح المدنية التي تعرضت للاستئصال مؤخرًا.
جماليات غطّتها الشعارات
هناك حل مكان السور والبوابة المفضية للمقهى، محلات تجارية. لكن هذا التبدل، اتخذ مرحلتين، بدءًا باختفاء واجهة المقهى عند التقاء الشارعين الرئيسين، نتيجة خلاف بين ورثة محل المقهى. ليكتفي الأخير ببوابة خلفية، فاختفت مساحة أمامية توزعت عليها أشجار التنوب بالقرب من الطاولات، حتى إن البيانو بحضوره الديكوري اللافت عند المدخل الأمامي للمبنى، أصبح محشورًا في الهامش. قبل أن يصبح المكان برمته متلاشيًا، كما لو أنه منصة مسرح تحطمت، واختفت مقاعده. كان يمكن استحضار مرآة متخيلة يتشكل على سطحها، بضعة جماليات في المدينة غطتها الشعارات.
ومن وراء هذا المشهد، نرى فضاءً واسعًا تعرض للخنق والتضييق، مارَسَ فيه المثقفون حضورهم. ليس ذلك المقهى فقط، إنما كل العلامات الشبيهة له، بما أنها انعكاس لفورة تحولات، أصبحت موصومة كخطايا. في ذلك المفترق، ارتطمت أزمنة تقاطعت حولها آمال واستعارات الخروج إلى رحابة العصر الحديث. وتحطمت بركام من الإفرازات الشعاراتية، سممت الفضاء المدني وخنقته. وها هي تعمل على قتله. تزامن ظهور تلك المقاهي مع تصاعد حس مدني، وتعبيري، يسعى لفضاء أوسع من الحرية. ففي أكثر من حيز، تولدت منابر اجتماعية وثقافية ومعيشية. وللقهوة أيضًا حس تعبيري متصل بأفكار ثورية. ولعلها توازت مع إرهاصات ثورية، وتفجر الاحتجاجات الشعبية. كما لو أنها تلازمت بمضمونها العام مع تصاعد الحس الثوري. ومع استيلاء جماعات تقليدية على الثورة، وإصابتها بمقتل، تعرض الفضاء المدني إلى الاستباحة. وكان المقهى أهم رموز هذا الفضاء استهدافًا.
روح بربرية
تحيل لنا كتب التاريخ شواهد كثيرة عن مصير المدن، حين تجتاحها روح بربرية؛ إذ تستبيح كل ما له صِلَة بالتحضر والمدنية. وصنعاء شاهد نموذجي في عصرنا على ذلك. اختفت تلك الأماكن التي تختلط برائحة القهوة المحمصة في بعض الوقت. بما تفتحه من فضاء للاختلاط، للنشاطات الثقافية. فقد كانت أيضًا مسرحًا لالتقاء مثقفين، وشكلت منابر للأفكار وفضاءً للحوارات. إضافة لاستضافة بعضها معارض صغيرة، أو ندوات، وأنشطة اجتماعية وثقافية. ولأن فضاء تلك المقاهي أفسح حيزًا واسعًا لتفاعلات ثقافية ومدنية، بما في ذلك قيم اجتماعية متحررة، فإن هذه المقاهي تعرضت لملاحقات الجماعة المسيطرة على صنعاء. وبوصفها خطرًا على شعارها، عملت على وصمها أخلاقيًّا والتشنيع بها. وجرى استهداف تلك المقاهي من خلال حظر الاختلاط. وكان الهدف بدرجة أساسية حظر فضاء مدني يتسع، والعمل على خنقه. وهكذا اندثرت سلسلة من المقاهي. كان مقهى بيت المعرفة، آخر تلك المقاهي التي ظلت تسمح بالاختلاط. فهذا المقهى أتاح فضاءً حرًّا، بما فيه من اختلاط، سمح للشباب باللقاء والتعبير عن أنفسهم، بما في ذلك الغناء في الهواء الطلق في فناء المقهى. لكن مثل بقية المقاهي، تعرضت إدارته لتحذير شديد بإغلاقه ما لم يتم منع الاختلاط فيه.
اختفاء المبادرات الشبابية
وبذلك، اختفت كثير من المبادرات الشبابية، التي كانت تؤسس لنقاشات ثقافية، مناقشة كتاب أو فِلْم سينمائي. لم يكن استهداف المقاهي سوى بداية لاستباحة كل علامات التمدن، بما في ذلك الجامعات. فتحريم الاختلاط كان مجرد ذريعة، لخنق الفضاء المدني العام. وفي هذا السياق، أُعلِنَ عن قرار يحظر الاختلاط في كلية الإعلام بجامعة صنعاء. بموجبه حُدِّدَ ثلاثة أيام من الأسبوع للطلاب، وثلاثة أيام للطالبات. بحيث لا يسمح للطلاب بحضور الأيام التي تدرس فيها الطالبات، أو العكس. وهذا يعني تضييق ساعات الدراسة في كل عام دراسي إلى النصف لكل طلاب الكلية. من ناحية، جسد المقهى بصورة ما ظاهرة لتحولات مدنية شهدتها صنعاء على مدى عقود. كانت امتدادًا لكيانات راسخة مثلتها الجامعة وبعض المنصات الثقافية. وها هي تتعرض للخنق. صحيح أنه لا تزال توجد مقاهٍ تسمح بالاختلاط، وتحديدًا تلك الموجودة في المولات. لكنها على الأغلب لا تتيح الفضاء الذي تتيحه تلك المقاهي التي أغلقت من خلال زواياها الدافئة. ففي ضوضاء المولات، لا يحدث فعل ثقافي أو نشاط، بما في ذلك النشاط المقتصر على مناقشة أفكار أو قضايا ثقافية. مع أنه ليس من المستبعد، أن تتعرض تلك الأماكن إلى حظر الاختلاط. لكنها هذه تبقى هامشية، مقارنة بما سمحت به مثيلاتها المنزوية في مساحات خاصة، تتيح شكلًا من العزلة ضمن أركانها.
لم يقتصر حضور اللقاءات الثقافية على تلك المقاهي. من المعروف أنه منذ ظهور أول مقهى في العالم، تخلقت حوله ثورة اجتماعية. فهناك يوجد رواد من مختلف الطبقات جنبًا إلى جنب. كما أنها تحولت إلى منابر لتداول قضايا ثقافية وسياسية. ولم يقتصر هذا الاختناق على اختفاء المقاهي الحديثة التي سادت فيها الأجواء المدنية الحديثة. إنما أيضًا ألقى بظلاله على المقاهي الشعبية. فهذا وإن لم يكن يسمح بالاختلاط، لكنه أصبح ملاذًا للناس ولنقاشاتهم اليومية. فمثلًا كان حضور المقهى كمنبر ثقافي وسياسي يومي، متصلًا بالمكان. وعلى سبيل المثل كان مقهى عبدالجبار الصلوي في شارع الدائري، وجهة لعدد من المثقفين من الكتاب والطلاب وكذلك أساتذة الجامعة، وبعض السياسيين. كان المقهى مجاورًا لصحيفة الوحدوي، كما أن موقعه الواقع في المنتصف بين مبنى جامعة صنعاء القديم ومبناها الأحدث، وهو ما جعله له مميزات جغرافية مهمة. وما إنْ غيرت الصحيفة موقعها، ومع متغيرات كثيرة، حتى تغير روح المكان مع اختلاف رواده. وبصورة عامة، ضاق فضاء التفاعل العام في المقاهي منذ 2014م. أصبحت النقاشات تُدار بحيطة أكثر. على صعيد آخر لم يعد بالإمكان رؤية الجالسين وبجوارهم حزمة من الصحف اليومية والأسبوعية. اختفت الصحف المحلية من الحياة اليومية، ليس من المقهى فقط، معبرة عن اندثار حقبة عاشتها الصحافة اليمنية. واقتصر الحضور على صحف ذات لون سياسي واحد يمثل خطاب الجماعة المسيطرة على العاصمة. خلافًا لسنوات كان فيها هامش واسع من التعدد وحرية الصحافة.
للمقاهي أيضًا طريقتها في رواية الأشياء، كما لو أنها مرآة لتبدل مجتمع وعصر. فكثير من تلك الملامح المدنية كان يمكنها الصمود في الحرب. لكنها عجزت عن الصمود في مواجهة آلة قمع أيديولوجي، قوضت الفضاء المدني، وحاولت إخضاعه.
بواسطة جمال حسن - كاتب يمني | مايو 1, 2020 | موسيقا
يوجد نوعان من الموسيقا (على الأقل، ذاك ما كنتُ دومًا مقتنعًا به): الموسيقا التي نسمعها، وتلك التي نعزفها. إنهما فنان مختلفان تمامًا، يمتلك كل واحد منهما تاريخه بشكل خاص، وسوسيولوجيته، وإستيطيقاه، وإيروسيته: المؤلف الموسيقي نفسه قد يكون صغيرًا إذا ما استمعنا إليه، وعظيمًا إذا ما عزفناه (ولو بكيفية سيئة): مثل شومان (Schumann).
فتحت الموسيقا الهارمونية آفاقًا واسعة للتعبير الموسيقي، لكنها أول صيغة حضارية تشكلت فيها هوية الغرب. فظهورها خلال القرون الوسطى كان استثناء عقلانيًّا وسط كثير من البدع والغيبيات التي اتسم بها ذلك العصر.
شكلت الحضارة الإغريقية الموطن الأول للفلسفة والمسرح، أما الموسيقا الهارمونية بحسب الدلائل المؤكدة فنشأت في غرب أوربا. ما يجعل الهارمونية محورية بالنسبة للغرب، ولعبت دورًا كبيرًا في تشكل الهوية الثقافية الغربية لما بعد سقوط روما، وأصبحت مفتاحًا لتفردها الموسيقي. لكن هل سبق أن ظهرت جذور الهارمونية خارج أوربا، وأضحت تعبيرًا للغناء الكنسي والموسيقا الدنيوية على حد سواء في الغرب.
على أن الهارمونية التي كرس فيها الغرب مضامين تفاخره لا تقتصر على التفوق الثقافي فقط، إنما أيضًا لتميزه كنوع. وهذا الإحساس العميق بتبني تراكيب موسيقية معقدة، شكل حافزًا للتقليل من ثقافات أخرى، فيكفي وصم الموسيقا غير الأوربية بأنها تخلو من الهارمونية، كمثال على عدم التحضر. فأخذت الهارمونية دلالة على موضوعية الغرب وانعدامها خارجه.
عرف الغرب الموسيقا الهارمونية متعددة الأصوات، خلال القرون الوسطى؛ حقبة ركودهم الحضاري. لكن لماذا لم يستخدمها العرب في وقت كانوا أكثر ازدهارًا. وهذا على علاقة بالظروف التي أنتجت هذا النوع من الموسيقا في الغرب. لكن على نحو مغالٍ، تحدث ناقد موسيقي عربي، بصيغة تفاخر في محاولة لإعادة الاعتبار للذات؛ عن أن الهارمونية ظهرت في غناء الأصوات حين كان العرب وقتها يعتمدون على نظام أكثر تطورًا، أي استخدام الآلات الموسيقية. وهذا لا يغير من انقلاب الأحوال رأسًا على عقب.
ومع أن العرب وقبلهم اليونانيون، وربما حضارات سابقة، عرفوا بوجود التوافق اللحني بين نغمتين أو أكثر على بعد رابع أو خامس أو أوكتاف كامل. لكن ظروف تطور الهارمونية في الغرب، على علاقة بتنظيم قواعد لحنية صارمة أفضت إلى تطور الموسيقا الهارمونية خلال قرون. والأنماط التنظيمية هي التي تشكل فارقًا حضاريًّا.
يُعتقد أن بداية استخدام الموسيقا متعددة الأصوات كان في غرب أوروبا خلال القرن التاسع الميلادي. يشير كتاب «مدخل إلى الموسيقا» إلى وجود دلائل على استخدام الهارمونية قبل ذلك الوقت، لكن ما أصبح متعارفًا عليه أن بداية التدوين الموسيقي لخطوط لحنية مستقلة ومتزامنة على بعد رابع أو خامس هو بداية الموسيقا الهارمونية. ومع اعتماد معظم الثقافات على الانتقال الشفهي للموسيقا، وعدم ظهور تدوين موسيقي يقوم على التوافق الصوتي يقلل من أي فرضية تتحدث عن ظهور الهارمونية خارج أوربا.
ويعيد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر نشوء الهارمونية إلى الأغلاط التي كان يرتكبها الأفراد أثناء غناء الجوقة في الكنيسة. وأدى ذلك إلى تنظيم الأصوات، وكانت الكنيسة تعاقب على الأغلاط.
عبرت الموسيقا عن روح الإيمان في نظر الكنيسة، وكان لذلك علاقة بتبني الهارمونية في الغناء الكنسي. وربما بحثت الكنسية في غرب أوربا عن أشكال تعبيرية تميزها عن الكنيسة الشرقية، بعد سلسلة من الخلافات أنتجت الانفصال الكبير في القرن الحادي عشر. فمع انهيار روما سقط الحاجز الذي قسم الغرب إلى برابرة ومتحضرين، وساهم في ترابط الجزء الغربي من أوربا، نتيجة اكتساح قبائل الشمال إيطاليا وبلاد الغال وجنوب أوربا.
لكن الهارمونية لم تأتِ عن طريق المصادفة أو الأغلاط، فمن الممكن حدوثها بصورة طبيعية في الأشكال البدائية عند إنشاد أفراد القبيلة، نتيجة اختلاف طبقات الصوت بين الشباب وكبار السن. ويمكن حدوثها أثناء غناء رجل وامرأة، لينتج عنه بُعد أوكتاف كامل.
وفي أوربا شكل ظهور الأورغانوم البداية الفعلية للهارمونية، وهو اللحن المُصاحب والمستقل عن اللحن الرئيس. بدأ الأورغانوم في لحن يشبه اللحن الرئيس على أن يبدأ من درجة منخفضة على بعد رابع أو خامس. ثم تطور إلى لحن مستقل أو مجموعة خطوط لحنية مستقلة عن اللحن الرئيس تتصاحب بتزامن يشكل نوعًا من التوافق.
وبصورة مختزلة يمكن تعريف الهارمونية بأنها التركيب المتزامن لصوتين أو أكثر. وظهر تعريف مبكر للهارمونية ينتسب إلى الراهب إيزيدور الإشبيلي الذي عاش في القرن السادس الميلادي؛ بأنها ارتباط الأصوات الخفيضة بشكل مباشر مع الأصوات المرتفعة لتعطي أصواتًا مشتركة في الوقت نفسه. بما يعني أنه كان هناك معرفة للهارمونية في ذلك الوقت، ما لم يكن التعريف أضيف لاحقًا على كتابات الراهب الإسباني، وفي مرحلة كانت الكنيسة تعمل على تعميم النظام الهارموني.
فالهارمونية شكلت سياقًا تعبيريًّا، بما يتلاءم مع تصور الكنيسة. ووفقًا لمقولة القديس أوغسطين، كل شيء في العالم يحمل معنى خفيًّا. وفي المرحلة التي اكتسحت فيها القبائل الإسكندنافية أوربا ودمرت المدن، بدت القرون الوسطى غائمة، وكان العالم في تصور فلاسفة اللاهوت في أوربا يموج في ظلال خفية، لتجسد الهارمونية بخطوطها اللحنية ظلالًا تصوغ ذلك المعنى بطريقتها.
لعبت الكنيسة الغربية الدور الأبرز في تنظيم الأصوات الهارمونية من خلال الجوقة المؤدية للقداسات والتراتيل. وجعلته قاعدة عامة لأي أسلوب موسيقي أو غنائي في أوربا. أي أن ظهور الهارمونية يعود بدرجة أساسية إلى استبداد الكنيسة وسلطتها التي صاغت نظامًا موسيقيًّا عامًّا. كما استبعدت كثيرًا من المقامات، لتكتفي بسلمين موسيقيين هما الماجور والمينور. و استبعدت عددًا من المقامات موسيقية لأنها من وجهة نظرها تثير الشهوات والخطايا. وساهمت سلطة الكنيسة الروحانية والزمنية في تعميم تلك القوانين.
وساهمت سلطة الكنيسة الروحانية والزمنية وتدخلها في كل شؤون الحياة في تعميم تلك الأنظمة الموسيقية بصورة وحدت موسيقا أوربا الخاضعة لكنيستها. غير أن صراع السلطة الدينية مع الدنيوية ساهم في تطور الموسيقا متعددة الأصوات. فالكنيسة حرمت استخدام البُعد الثالث والسادس في التوافق الموسيقي، إذ ما ينتجه من نشاز بدا لها صوتًا شيطانيًّا، لكن بعض موسيقيي القرن الثالث عشر والرابع عشر خالفوا تلك التعليمات، ووجدوا الحماية من بلاطات فرنسا وبعض مدن ايطاليا.
كان للموسيقيين الفرنسيين الدور الأكبر في تطور الموسيقا متعددة الأصوات منذ القرن الحادي عشر حتى الرابع عشر، وظهرت كثير من الأشكال الموسيقية هناك، ثم حل محلهم الإيطاليون على مشارف عصر النهضة. ومن الناحية العملية لا يمكن تحديد منشأ الهارمونية إن كان في إيطاليا أو فرنسا، أو حتى إسبانيا. وهل كان نتاج الاحتكاك بثقافات أخرى، على سبيل المثل العرب. أو أنه كان ضمن نسق معرفي سبقته إرهاصات أو تنظيرات يونانية شهدت بعض الأحياء خلال تلك الحقبة الظلامية لأوربا.
وفي فرنسا أيضًا ظهر شكل غنائي عرف بالتربادور، وهو نوع يُعرف بأغاني الرُّعاة، وكان له أثر خلال تلك الحقبة، ومن الممكن أن تكون أشكال لحنية انتقلت من الأندلس . وسبق لبلاط الفرنسي شارلمان أن شهد سفارات مع هارون الرشيد. ووقتها أسس شارلمان ما عُرف بالإمبراطورية الرومانية المقدسة، واستطاع توحيد الغرب. واستمر التواصل بين الفرنجة والعباسيين لزمن بعد ذلك، ولا نعرف هل انتقلت بعض مظاهر البلاط العباسي إلى بلاط الفرنجة، إضافة إلى مؤثرات أخرى نتيجة هذا الاحتكاك بما فيها الموسيقا.
جاء في كتاب الأغاني للأصفهاني على لسان ابراهيم المهدي، شقيق الخليفة هارون الرشيد، أن الشيطان ألهمه لحنًا ومصاحبته. فهل قصد من المصاحبة نوعًا من التوافق الصوتي. وفي القرن التاسع الميلادي، قال الفارابي: إذا تعددت الأوتار تحتاج إلى اصطحاب، وهي في اللغة تجاوب الأصوات. تثير مقولته بيانًا أوضح إلى احتمال ظهور نوع من التوافقات الصوتية في الموسيقا العربية.
تضمن الفصل الثالث لكتاب صفي الدين البغدادي، الذي عاش في القرن الثالث عشر، «عن الأدوار» إشارة إلى الأبعاد المتوافقة، بحيث إذا اتفقت نغمتان وضربتا في الوقت نفسه «كانتا كأنهما نغمة واحدة وقام كل منهما مقام الأخرى في التأليف اللحني». واشار إلى بعد الرابعة والخامسة والأوكتاف والأخير أسماه «البعد الذي بالكل». ومن المحتمل أن تكون الموسيقا العربية شهدت هذه التوافقات بصورة محدودة في الزخارف، أو نوع من الكوردات، أي الضرب على نغمتين أو أكثر في وقت واحد.
في مقالته «موسيقا الشرق الأوسط وآلاتها» يشير علي الشوك إلى إمكانية ظهور البوليفونية في حضارات قديمة، لافتًا إلى ما إشارت إليه رسوم مصرية لعازفي قيثارات متماثلة الحجم يعزفون على درجات مختلفة. الأمر نفسه في نقش يتحدث عن استقبال فاتح آشوري في بلاط عيلامي يعود إلى 650 ق. م ويظهر سبعة عازفين يجس كل منهم على وتر مختلف. مع هذا ليس بالضرورة أن يكون المغزى من الصورتين، وهو محاكاة واقعية، تعبيرًا عن استخدام التوافق الصوتي في ذلك العصر، ربما كان على علاقة بتعبير درامي عن تعاقب الأنغام أو تسلسلها، أو تصويرًا لسلم اللحن.
كان لاستخدام الهارمونية في الموسيقا أثر مماثل باستخدام المنظور في فن التصوير، إذ منحت التراكيب اللحنية كثافة ومساحات أوسع. غير أنها ولدت ربما من رحم تعسف السلطة الدينية. وإرساء تلك القواعد الصارمة في الأساليب اللحنية هو الذي شكل الفرق بين ثقافة وأخرى.