محمد الحمد في ديوانه الأول «ثمة شيء يحترق!»

محمد الحمد في ديوانه الأول

«ثمة شيء يحترق!»

تلقيت مفاجأة ندر أن منحني إياها صباح اليأس والكآبة، حيث لا صوت سوى للفؤوس تكسِّر أضلاع الطوب لتنشئ قفصًا آخر، وآخر له بابان، وباب آخر أتوماتيكي سجن فيه السيارة. إشارات واضحة للعزلة. وإعلان صريح عن أي نيةٍ في الحوار. من يحاور من؟ إنه الشاعر الذي أراه للمرة الأولى (محمد الحمد)، الذي بعد أن انتهينا من طقوس السلام أعطاني هذا الكتاب الموسوم بـ«أضواء محترقة»، وهو كتابه الشعري الأول.

إزاء استعراض كتاب (شعري) يمكن الحسم خلال دقائق قليلة بأنه شعر أو أي مادة غير لاصقة وغير ضارة وغير نافعة ولا اسم لها. عكس ما يخاتلك الروائي. أو القاص المتمكن لتخطي صعوبات تضاريسه. ومن ثم قراءته مرة أخرى. بحركة غريزية فحسب فتحت الكتاب على الصفحة (١١)، فكانت هناك:

«برقٌ ورعدٌ والسيولُ: دم البشرْ/ وقلوبنا… زمن الفضاء من الحجر/ متفرجون/ مطر تناثر فوق أرض البائسين/ يسقي ظمأ الشطآن عاصفة الدمار»

متفرجون

هذه القصيدة عنوانها «متفرجون»، وقد جاءت في أول الديوان، مع أن فيها الكثير من لغة (البيان الختامي) كالمؤتمرات. و(متفرجون) ليست تفسيرًا معجميًّا لفئة يتجمهرون في ساحة ليشاهدوا عرضًا مسرحيًّا أو غنائيًّا أو رياضيًّا. هي من هذه الناحية لا وجود لها. وجودها الحقيقي داخل مراكز معينة من مخّنا ومن ضميرنا الجمعيّ، ويعني ما يشبه حالة تشبه (النوراستانيا) في علم النفس الإكلينيكي، التي تتمظهر بما يمكن تسميته بالتعوُّق والتبلد (الذهني والجمسي). على أثر انسحاب مادة كيماوية معينة يتعاطاها شخص ما كمزيلة للتوتر أو حافزة إلى النشاط. هادئين نتفرج. مذبوحين في اللاعي الجمعي. ما حل بجارنا سيحل بنا.

ثمة سؤال خطر الآن: هل هذه السلبية والتشرذم أو الصمت هو تطور نوعي في تركيبة الإنسان مما سيعيد الكرة إلى الجدال البيزنطي حول (نظرية النشوء والتطور)؟

والعادة في الخطاب النقدي (الفلسفي) وهو ما أحاول الانحياز إليه في قراءاتي التي ربما لا تثمر أكاديميًّا، ولكنها أيضًا لا تخاطب النخبة فحسب، بل تضيء الطريق للساهرين الحيارى! وهذه أيضًا سمة من سمات التطور والانتقال الإيجابي. لم يعد (دريدا) و(ميشيل فوكو)، وآخرون يمثلون مذاهب مؤطرة ضمن سياق (إيمان) واحد؛ إذ ذابت حدود النصوص فيما بينها.

الشاعر (محمد الحمد) يجب أن يتحمل مسؤولية أنه رجل يشكّل الشعر جوهره، وعنوانه الإنساني، بحيث يلزمه الإخلاص الكلي واللانهائي للصعود بتجربته هذه الممتازة. فلغته لغة الشعراء واهتماماته اهتمامات شهود العصر من مثقفي الأمة التي تمر- منذ عام ١٩٤٨م حتى عام ٢٠٠٠م إلى عام ٢٠٠٣م- بانكسارات جَنَتْها على نفسها.

في فيتنام هرب الجيش الإمبريالي ممرغًا بالوحل مهزومًا بواسطة بنادق الصيد الصغيرة؛ لأن الذين كانوا يحملونها لم يكونوا على أي استعداد للتفاهم مع العدو. وعندما يكون المرء غير مؤمن فلا يستحق أن يمنح سلاحًا في الحرب فهو أعجز من أن يستعمله.

فسحة عطرية

(محمد الحمد) في ريعان شبابه، وعلى الرغم من اكتظاظه بلعنات الواقع ومراراته يجد فسحة عطرية كهذه:

«كأسان/ من زجاج/ دافئان/ والدفء في المساء/ إذ تلف حنية الخيال/ معصم السهر/ كالبرد في الصباح/ حين يصرخ الضياء/ غارقًا/ في غابة القدر/ كأسان يلهثان/ في مراتع السراب/ أنا وأنتِ يا حبيبتي/ كأسان/ شفافان/ حالمان/ نجمتان/ على مشارف السماء/ تلمعان»

أظن أن النقد ليس مهمة إبداعية بقدر ما هي فلسفية، وعندئذ يلزم لقراءة الشاعر كتاب آخر. إنّ هذه القراءة لديوان الأستاذ (محمد الحمد) الأول تتوسل لغة عروض الكتب، كما في ملحقات الأدب والثقافة في السوق الصحفي الشاهق في الغرب… وإلى حدّ ما… في بعض الدول العربية.