الخطاطة الإسبانية نورية غارسيا ماسيب: الخط العربي رحلة روحية مع كلام الله

الخطاطة الإسبانية نورية غارسيا ماسيب: الخط العربي رحلة روحية مع كلام الله

«الجمال والبساطة والصلة مع كلام الله»، ثلاثة أسباب دفعت الإسبانية نورية غارسيا ماسيب إلى التعلق بالخط العربي ودراسته؛ حتى أصبحت واحدة من الخطاطات المعاصرات القليلات اللواتي حصلن على إجازة في الخط العربي حول العالم. أمضت غاسيب مع فن الخط العربي رحلة طويلة من التعلم والتعليم؛ حتى عُدَّتْ سفيرة مهمة لهذا الفن عبر العالم. وصفها أستاذها الخطاط التركي الشهير حسن جلبي بأنها أفضل يد نسائية معاصرة، وأشاد بفنها أستاذها الخطاط الأميركي محمد زكريا ورآها نظيرًا لكبار الخطاطين الأتراك.

أقامت نورية العديد من المعارض في الإمارات وتركيا وإسبانيا والكويت وجنوب إفريقيا، ونالت العديد من الجوائز؛ منها ست جوائز من تركيا وثلاث جوائز من الإمارات، وألقت العديد من المحاضرات في المملكة العربية السعودية وتركيا ولندن، وشاركت عام 2015م في كتابة جزء كامل من القرآن الكريم في إطار مبادرة وزارة الثقافة في الإمارات. كما شاركت حديثًا في توثيق المخطوطات المغربية مع الخطاط المغربي بلعيد حميدي والبروفيسور أمبرتو بونجيانينو من جامعة أُكسفورد.

وأيضًا شاركت نورية زوجها الخطاط الإيراني الفرنسي «بهمن بناهي» عددًا من المعارض، وزوجها يجيد مختلف ألوان الخط العربي خصوصًا الخط الفارسي، وكان أحدث معارضهما المشتركة في نيومكسيكو بعنوان: «الخط موسيقا العين». وتعقد «نورية» حاليًّا ورشة أسبوعية لتعليم الخط العربي في باريس حيث تقيم هي وزوجها، وتبذل كل جهد ممكن حتى يصبح الخط العربي جزءًا من الحياة اليومية للناس.

هي من مواليد جزيرة إييزا جنوب إسبانيا 1978م، عاشت الشطر الأول من حياتها بين إسبانيا والولايات المتحدة، وحصلت عل درجة البكالوريوس في الأدب الفرنسي من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأميركية 1999م. وفي العام نفسه سافرت إلى المغرب لتعلم اللغة العربية، ولاستكشاف الفنون التراثية خصوصًا البلاط التقليدي «زليج»، ذلك الفن العريق من لوحات الفسيفساء المدقوقة فوق لوحات من الجبس الذي يُعَدّ من الخصائص المعمارية الأصيلة في التراث المعماري المغربي والأندلسي.

وفي مساجد مدينة فاس وقعت في هوى الخط العربي وتشكيلاته البديعة وأحرفه النورانية، واقتربت من فلسفته من خلال بلعيد حميدي الخطاط الشهير الذي هو أول خطاط مغربي يكتب الحلية الشريفة بالأسلوب المغربي الأندلسي. وحين اتخذت القرار لأنْ تصبح فنانة محترفة للخط العربي بحثت عن أستاذ لها؛ لتبدأ طريق الحصول على الإجازة أو الشهادة بالأهلية الفنية للخطاط، فبدأت مع الخطاط الأميركي الشهير محمد زكريا المعروف بإجادته مختلف الخطوط العربية، واشتهر برسم طابع صدر من مكتب البريد الأميركي بمناسبة الاحتفال بعيد الفطر في 1 سبتمبر 2001م.

وفي إسطنبول تعلمت «نورية» على يد الخطاط التركي حسن جلبي، وهو من كبار الخطاطين المعاصرين، وقد نقشت أعماله في مسجد قباء ومسجد الجمعة في المدينة المنورة، ورمَّمَ اللوحات الخطية في المسجد النبوي التي تعود إلى العصر العثماني. ثم انتقلت نورية إلى التعلم على يد تلميذه داود بكتاش وهو من شيوخ خط الثلث حاليًّا. بعد تعلمها على يد هذا الثالوث انطلقت نورية لتبدأ رحلة ثرية من الممارسة وتدريس الخط العربي.

حول تلك المسيرة التي استغرقت نحو ربع قرن يدور حوار «الفيصل» معها:

رحلة لاكتشاف الذات عبر الخط

  الخط العربي أحد الفنون التراثية الإسلامية المهمة، وقد عَدَّه ابن خلدون ثاني مرتبة من مراتب الدلالة اللغوية، ورأى أن جودة الخط تدل على مدى التقدم والعمران والحضارة. ما الذي جذبك شخصيًّا لهذا الفن؟

  بدأ اهتمامي بفن الخط العربي في أثناء رحلتي للبحث عن وسيلة لاكتشاف ذاتي والتعبير عنها. كان ذلك في أثناء دراستي الفلسفة في الولايات المتحدة الأميركية، فقد دارت في عقلي أسئلة أثارت حيرتي وأقلقت وجداني، ومن حسن حظي التقيت آنذاك الفيلسوف سيد حسين نصر الذي يدرس في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة جورج واشنطن، والذي تميزت فلسفته بالنظرة النقدية للحداثة وتأثيراتها السلبية في حياة الإنسان. وعلمت منه أنه يمكنني إيجاد طريقة للتعبير عن نفسي من خلال الفنون التراثية، ومن ثم ذهبت إلى المغرب 1999م وفي مدينة فاس مكثت مدة عام، تعرفت فيه إلى مختلف الفنون الإسلامية، ومنها الخط العربي الذي انجذبت إليه بفضل بساطته؛ فقط عبر القلم والورق والحبر يمكنك خلق آية من الجمال.

الخطاط التركي حسن جلبي

كما أن الخط العربي هو صلتي بالنص القرآني لأني مسلمة فهو يمثل كلام الله، وهو ما يجعلك حين ترسم الحروف بمنزلة مسافر في رحلة روحية؛ إذ يهذب هذا الفن الروح ويمنحها نوعًا من السكينة. صحيح أنك تمسك بالقلم لترسم الحروف وتراعي أبعادًا ونسبًا لكنك في الوقت نفسه تضبط إيقاعك الداخلي ولذلك يُعَدّ الخط العربي من أروع الفنون الإسلامية.

عقب عودتي إلى الولايات المتحدة وجدتُ أنني في حاجة إلى معلم محترف حتى أحصل على الإجازة، فالتقيت الخطاط الأميركي محمد زكريا، وقد قبلني تلميذةً له، وظللت معه مدة عامين حيث تعلمت خطَّيِ الرقعة والثلث. ثم انتقلت -كما نصحني هو- لتعلم خطَّيِ الثلث والنسخ على يد أستاذه الخطاط التركي حسن جلبي في إسطنبول، الذي نصحني بالتعلم أيضًا على يد تلميذه الخطاط الشهير داود بكتاش وهو من المميزين في خط الثلث الجلي.

وهكذا قضيت سبع سنوات في التعلم حتى حصلت عام 2007م على الإجازة التي كانت مجرد البداية، فبعد الإجازة نظل نتعلم ونتعلم، ففن الخط العربي، مثل كل الفنون التراثية، كالعزف على القانون أو العود، يحتاج إلى مران مستمر. وقد عزّزت معرفتي به من خلال الممارسة وحضور العديد من المؤتمرات والمعارض والورش.

  بوصفك ابنة الثقافة الغربية، هل وجدتِ صعوبةً في الإلمام بفنون الخط العربي التي تتطلب معرفة بالحرف العربي وأنواع الخطوط وفلسفتها، والثقافة التي أفرزت هذا اللون من الخط مع تعدد مدارسه؟

  عندما بدأت دراسة الخط العربي كان عليّ تغيير نمط حياتي كله، والتوفيق بين دراساتي الأكاديمية ودروس الخط. إضافة إلى ذلك درست اللغة العربية لسنوات بما يتيح لي معرفة قواعد النحو وكتابة النصوص وفهم القرآن الكريم. كما تعلمت اللغة التركية للتواصل مع أساتذتي في إسطنبول. من المؤكد أن الأمر تطلب قدرًا كبيرًا من التضحيات، ولكن الصبر والحب يجعلان المرء يتحمل كل الصعاب، خصوصًا حين يأمل أن يكتب النص القرآني بخط احترافي.

أصالة المدرسة الكلاسيكية

  تميز تاريخ الخط العربي بوجود العديد من المدارس كالفارسية والمملوكية والعثمانية ومر بكثير من المراحل، فإلى أي مدى التجأت إلى التحديث في هذا الفن؟

  أنا من أنصار المدرسة الكلاسيكية التقليدية حتى فيما يتعلق بالخامات المستخدمة في الكتابة من الأحبار والأوراق والأقلام التقليدية، فأنا أعتقد أنها مصدر الروح والحيوية، بل البركة في هذا الفن. وهي التي تجعل هذا الفن جميلًا وتمنحه ذلك العبق الذي نستشعره حين نتطلع إلى تلك المصاحف والمخطوطات الإسلامية التراثية التي احتفظت بمحتواها من الكلمات والرسوم عبر قرون طويلة. فأنا أستخدم الأقلام المصنوعة من البامبو أو القصب القديم، وذلك حسب النص المراد كتابته وحجم الحروف، فالنصوص الكبيرة نسبيًّا تستخدم فيها الأقلام المنحوتة من الخشب، بينما يستخدم القلم الجاف المصنوع من أوراق شجرة استوائية للنصوص الأصغر حجمًا. أما الأحبار، فأستخدم حبر السناج وهو السخام الناتج عن حرق زيت بذور الكتان والكيروسين، ويُمزَج مع الصمغ العربي لتثبيته على الورق. وأستخدم الأحبار الملونة مثل الأصفر الزرنيخ أو الأحمر القرمزي على خلفيات داكنة كما هو متبع منذ قرون. والأوراق تُصبَغ بالمواد الطبيعية مثل قشر البصل أو الشاي، ثم تغطى بطبقة من النشا وثلاث طبقات من خليط من بياض البيض والشب، وبعد جفاف الأوراق نصقلها بحجر العقيق، ثم تترك جانبًا قبل استخدامها بنحو عام على الأقل.

  بما أنك من أنصار المدرسة التقليدية في فن الخط العربي. مَن مِن الخطاطين القدامى والمعاصرين جذبك إنتاجه التراثي؟

  من الصعب انتقاء أسماء محددة بين الخطاطين المعاصرين فهناك أسماء بارزة في أنحاء العالم الإسلامي لهم جميعًا إسهامات رائعة في كتابة مختلف أنواع الخطوط النسخ والديواني والرقعة والثلث وغيرها. أما عن المدارس التراثية فأنا أحب المدرسة العثمانية، فهي القريبة من قلبي وهي مدرسة عريقة ينتمي إليها العديد من الخطاطين البارزين؛ منهم سامي أفندي وحامد أيتاج ومحمود جلال الدين. وما زالت المدرسة التركية تواصل العطاء فهم يولون الخط اهتمامًا كبيرًا.

  معظم الخطاطين خصوصًا الغربيين يجدون في زيارة معالم وآثار البلدان الإسلامية فرصة مثالية للتعرف إلى فنون الخط العربي، من خلال لوحاته التي تزين المساجد والأسبلة والخانقاوات الأثرية، فإلى أي مدى حرصت على تلك الرحلة التعليمية الميدانية؟

  بدأت هذه الرحلة بزيارة معالم إسطنبول بحكم وجودي فيها لتعلم الخط العربي، وزرت بعد ذلك العديد من الدول العربية؛ منها المغرب ومصر وسوريا. كما زرت معظم أنحاء العالم الإسلامي لحضور مناسبات خاصة ومعارض للخط العربي. وعندما كنت في السابعة عشرة من عمري زرت القاهرة، وأحببت فيها المساجد المملوكية وجذبتني روعة الخطوط في مسجدي السلطان حسن والسيدة نفيسة، وشعرت فيهما بروحانية كبيرة وبالقرب من الله.

  هل تعتقدين أن حركة التصوف كان لها دور في تطور فن الخط العربي؟

  التصوف يمثل الحياة الروحية للإسلام ومن الطبيعي أن كثيرًا من الخطاطين اتبعوا طرقًا صوفية مثل الخطاط الشهير عبدالعزيز الرفاعي، الذي عاش في مصر وكتب فيها مصحفًا مذهبًا آية في الجمال، وتخرج على يديه كثير من الخطاطين، وقد اكتسب اسم الرفاعي لأتباعه «الطريقة الرفاعية». وهناك نماذج عدة لخطاطين متصوفة ساهموا في نقل الخطوط من الورق إلى الجدران لتزيين المنشآت الدينية. وأعتقد أن هناك نقاط تماس بين التصوف والخط العربي، ففن الخط شأنه شأن الفنون الكلاسيكية من الرسم والموسيقا والرقص، يعلمك الصبر ويدفعك إلى تهذيب النفس وكبح جماحها، وهي مفاهيم تدعو إليها الصوفية.

الخط العربي بعيون غربية

  جذب الخط العربي عددًا من الفنانين الغربيين المعاصرين، وظهرت العديد من الخطاطات أيضًا، منهن الإيطالية شاميرا مونتسي، والبولندية إيزابيلا ماريا أوخمن، واليابانية كوزومى باندو. هل نستطيع القول: إن هناك اهتمامًا متزايًدا في الغرب في الآونة الأخيرة بفن الخط العربي؟

  هناك قَطْعًا اهتمامٌ متصاعد في الغرب بكل الفنون التقليدية التي تعيد للنفس شيئًا من الروحانية التي فُقدت في ظل المادية المفرطة والاستخدام المتزايد للتقنية، فلجأ الإنسان الغربي إلى الاهتمام بالفنون الكلاسيكية ومنها الخط العربي؛ فهو من أحلى تلك الفنون وأغناها. من ناحية أخرى هناك مسلمون كثيرون يعيشون في الغرب الآن، ويهتمون بالفنون التراثية الإسلامية. لكن الخط العربي في الغرب لا يَلْقَى دعمًا أو اهتمامًا حكوميًّا، بل هو اهتمام من بعض المؤسسات والأفراد، ولهذا نحاول نحن الخطاطين القيام بأقصى ما في وسعنا؛ لتعليم الطلاب وعقد الورش التدريبية وتنظيم المعارض، وأيضًا تغيير المفاهيم وبيان جماليات الخط العربي وقيمة لوحاته فنيًّا وإنسانيًّا، خصوصًا أن معظم الدراسات الأكاديمية تهتم بتاريخ الخط العربي من دون التطرق إلى فلسفته ونظرياته.

  ماذا عن الاهتمام بالخط العربي في إسبانيا تحديدًا وهي مسقط رأسك والمكان الذي نشأت فيه حضارة الأندلس العريقة، التي تركت آثارًا إسلامية غنية بمحتواها من الخطوط العربية؟

  لقد غادرت إسبانيا مع عائلتي منذ كنت في الثانية عشرة إلى فرنسا ثم الولايات المتحدة، وبعد حصولي على إجازة الخط عشت لسنوات في ميونخ بألمانيا، وبالتالي لا أستطيع إعطاء صورة عن مدى انتشار الخط العربي في إسبانيا تحديدًا، ولكن بوجه عام أستطيع القول: إنه ولسنوات عدة كان هناك رفض لكل ما يرتبط بالتراث الإسلامي في إسبانيا، وإن بدأ الوضع في الآونة الأخيرة يتغير ويصبح هناك شيء من التقبل لهذا التراث، خصوصًا في مدن الجنوب حيث كانت حضارة الأندلس. وقد شاركت في معرضين للتعريف بالخط العربي في إسبانيا هما: معرض سرقسطة 2008م، معرض مدريد 2016م.

  تُعَلمين فن الخط العربي منذ سنوات، فما فئات الطلاب الذين يقبلون على ورش التدريس؟

  هناك طلاب من مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية يقبلون الآن على دراسة الخط العربي ولدى مجموعة رائعة من التلاميذ، وقد منحت إجازة واحدة للإسباني خالد بابلو كاسادو عام 2014م وهو الآن خطاط محترف. ونصيحتي دومًا لمن يريد تعلم هذا الفن أن الصبر والحب مهمان للنجاح في عملية التعليم الطويلة التي يتطلبها فن الخط العربي.

  هناك من يرى أن المرأة بما تمتلكه من صبر قد تكون أكثر قدرة على ممارسة الحرف اليدوية والفنية، فهل ينطبق هذا على فن الخط العربي؟

  الرجال والنساء متساوون في مدى استعدادهم لتعلم هذا الفن، وفي كثير من الدورات نجد النساء أكثر إقبالًا على تعلم الفنون عامةً والخط العربي خاصةً. لكن على المستوى الاحترافي لدينا عدد أكبر من الرجال، وذلك بسبب الثقافة والأوضاع الاجتماعية التي تجعل المرأة منشغلة بأمور أخرى مثل الزواج والبيت والإنجاب وتربية الأبناء، فاحتراف الخط العربي يحتاج إلى كثير من التفرغ، وهو ما يتاح للرجال نسبيًّا. ولكن هذا لا يمنع على الإطلاق أنني أشجع النساء اللواتي يحضرن ورش الخط على الاحتراف، فالأمر يحتاج فقط إلى عزيمة وحب. وقد أقمت معرضين في تركيا تشجيعًا للمرأة، هما: «نساء في الفن» 2010م، و«نساء في فن الخط» 2019م.


الموقع الرسمي للخطاطة ماسيب: https://nuriaart.com/