فاز بجائزة سلطان العويس فرع الدراسات الإنسانية عبدالجليل التميمي: لو تعددت الدراسات الوثائقية عن الموريسكيين.. لخفّت حدّة النقاش حول الإسلام في أوربا

فاز بجائزة سلطان العويس فرع الدراسات الإنسانية

عبدالجليل التميمي: لو تعددت الدراسات الوثائقية عن الموريسكيين.. لخفّت حدّة النقاش حول الإسلام في أوربا

انطلقت المسيرة البحثية للدكتور عبدالجليل التميمي، الذي حاز مؤخرًا جائزة سلطان العويس فرع الدراسات الإنسانية، من الجامعة التونسية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس بعد دراسة امتدت بين المشرق في العراق والمغرب في فرنسا. برز اهتمامه البحثي بالتاريخ العثماني عقب دراسته وإتقانه اللغة التركية في جامعة إسطنبول عام 1966م. وقد أنتج العديد من الدراسات حول التاريخ العثماني في تونس وشمال إفريقيا والدول العربية، وامتدت أبحاثه لتشمل الشتات الموريسكي في الدول المغاربية، إلى جانب اهتمامه المميّز بالنخب الفكرية والحركة الإصلاحية المغاربية، فضلًا عن مشروعات بحثية حول الذاكرة. في عام 1974م أسس «المجلة التاريخية المغاربية»، ثم أطلق في عام 1990م «المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية»، الصادرة عن «مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات»، الذي أسسه بمدينة زغوان في تونس في ثمانينيات القرن العشرين (1985م) وتولى إدارته، ويعرف المركز اليوم باسم «مؤسسة التميمي للبحث العلمي».

زار هذا المركز العديد من الشخصيات العربية الفكرية منها والسياسية مثل: الملك سلمان بن عبدالعزيز، عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض، ووزير البريد والبرق والهاتف الأسبق السعودي الدكتور علوي درويش كيال، ووزير التربية والتعليم ومدير مركز البحوث والدراسات الكويتي عبدالله غنيم، والمفكر التونسي محمد الطالبي، والمفكر الجزائري محمد أركون، ووزير التعليم العالي الأسبق السوداني الدكتور عثمان أحمد إسماعيل البيلي، إلى جانب عدد من الباحثين من جامعات غربية وممثلين عن منظمات عالمية.

راكم التميمي زخمًا معرفيًّا منذ سبعينيات القرن العشرين متنقلًا بين التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر، وبين المشرق والمغرب، والفضاء العربي ونظيره الأوربي محاولًا تشكيل ذاكرة تاريخية عربية إسلامية شاملة.

في هذا الحوار مع «الفيصل»، يسعى المؤرخ عبدالجليل التميمي إلى إعادة الاعتبار إلى حقبتين مهمتين في التاريخ العربي: الحقبة العثمانية، وتجربة الشتات الموريسكي، من خلال مقاربة علمية تعتمد على الوثائق الأرشيفية والشهادات الشفوية. في مقاربته للتاريخ العثماني، ينقد الخطاب العربي الكلاسيكي الذي اتّسم بالإجحاف والتبسيط، ويقترح قراءة أكثر توازنًا تُبرز الجوانب الإدارية والتشريعية والمؤسسية لتلك الدولة. ويشدّد على أهمية العودة إلى الوثائق العثمانية الأصلية، المكتوبة بالتركية العثمانية، بوصفها مصدرًا معرفيًّا غنيًّا مهملًا في العالم العربي.

أما فيما يخصّ التاريخ الموريسكي، فيؤكد أن دراساته انطلقت من دافع علمي وأخلاقي لإنقاذ ذاكرة مهدّدة بالطمس. ويشدد على أن الاشتغال على هذا التاريخ من شأنه أن يثري النقاش المعاصر حول الإسلام في أوربا، ويُسهم في بناء ذاكرة عربية إسلامية جامعة. كما يدعو الجيل الجديد من الباحثين إلى استكشاف هذا المجال البكر والمهمّل. ويختم الحوار بالتأكيد على قيمة الذاكرة الشفوية في كتابة التاريخ المعاصر، منتقدًا تجاهلها من بعض الأكاديميين، ومبرزًا دورها في إغناء الرواية التاريخية الرسمية، بل وَصَفَ إقصاءَها بأنه جريمة معرفية في حق الذاكرة الجماعية.

الحكم العثماني في تونس والبلدان العربية وحوض المتوسط

  في أعمالك مثل «دراسات في التاريخ العربي العثماني (1453–1918م)»، و«الحياة الاجتماعية في الولايات العربية أثناء العهد العثماني»، و«دراسات في التاريخ العربي العثماني»، حاولت تجاوز القراءات الأحادية للنظام العثماني، وتقديم رؤية بديلة تتناول هذا التاريخ انطلاقًا من مقاربة اجتماعية وثقافية وتفاعلية مع المجتمعات العربية. والملحوظ في كتاباتك اعتماد واضح على الوثائق الأرشيفية من فرامانات ودفاتر ومراسلات عثمانية تَرجمتَها وفَسَّرْتَها. فهل كان الهدف الأساسي من اعتماد هذه المقاربة هو تجاوز هذه القراءات الأحادية السائدة؟ أم تقديم قراءة علمية موضوعية لتلك الحقبة التاريخية؟ وما الرهانات العلمية والمنهجية التي يتيحها الرجوع إلى الوثائق الأرشيفية العثمانية في كتابة هذا التاريخ؟ وكيف يمكن لتأريخ هذه المرحلة أن يساعد على فهم تعقيدات الحاضر؟

  سعيتُ من خلال دراسة التاريخ العثماني إلى تجاوز الطروحات الكلاسيكية التي تبنتها المدرسة التاريخية العربية، والتي رأيت فيها قدرًا من الإجحاف بحق هذا التاريخ، والنزعة لتوصيفه بالاستبدادي. وقد حاولت إقناع عددٍ من المؤرخين والباحثين العرب، أمثال ليلى الصباغ وعبدالعظيم رمضان، بأن الاستمرار في هذا التوجّه غير الأكاديمي لم يعد ممكنًا في الحقل البحثي؛ إذ لا يمكن دراسة التاريخ العثماني دون الاطلاع على الجوانب الإيجابية التي قدمتها هذه الدولة مثل التشريعات القانونية، والنظم الإدارية، والمؤسسات التعليمية، وغيرها. ومن هنا برزت الحاجة إلى تنظيم مؤتمرات علمية وفتح باب الحوار المعرفي مع مختلف الباحثين من عرب وأتراك. وبالفعل، نُظّمت في تونس ثمانية عشر مؤتمرًا علميًّا حول التاريخ العثماني في البلاد العربية، إضافة إلى تسع ندوات متخصصة تمحورت حول موضوع الآثار والهندسة المعمارية العثمانية في المنطقة. وقد شارك في هذه الفعاليات العلمية عدد من المؤرخين البارزين من الدول العربية وتركيا، مثل محمد بن عبدالله آل زلفة من السعودية، وليلى الصباغ من سوريا، وخليل إينالجك من تركيا.

لقد كان الهدف من هذه المبادرات هو تأطير الدراسات العثمانية ضمن رؤية أكاديمية علمية، والعمل على تجاوز مفهومي «استبداد» و«استعمار» من حقل الدراسات التاريخية العثمانية، واستبدالهما بمفهوم «عثمنة الإيالات العربية»؛ ونعني به إدماج النظام العثماني في البنى الإدارية والسياسية في البلدان العربية. وساهمت مجموعة واسعة من الوثائق الأرشيفية العثمانية التي حالفنا الحظ بالاطلاع عليها وترجمة بعض منها، في صقل هذا المفهوم الذي اعتُمِدَ لاحقًا، والذي بلور توجّهًا جديدًا في مقاربة التاريخ العثماني، وهو ما دفع بعض المؤرخين العرب في السعودية والإمارات إلى الاهتمام بهذا التاريخ والعمل على جمع الوثائق المتعلّقة به. وتعدّ الوثائق الأرشيفية العثمانية كنزًا من الكنوز المعرفية العالمية؛ إذ يناهز عددها مئة وعشرين مليون وثيقة، تُعنَى ثلاثةُ أرباعِها بالعالَمِ العربيِّ. ومن هذا المنطلق، دعوت المؤرخين العرب إلى عدم الاكتفاء بالترجمات من اللغات الغربية، مثل: الإنجليزية والفرنسية، والاهتمام بدراسة اللغة التركية العثمانية التي ستمكنهم من الاطلاع على هذا الأرشيف الثري وتحليله؛ إذ إنه يقدّم صورة أخرى أكثر علمية وموضوعية.

ولا يزال التراث العثماني حاضرًا في واقعنا، من خلال ما خلّفه من معالم أثرية مادية مثل: القلاع والقصور والمؤسسات التعليمية، كما توجد شخصيات فاعلة كان لها أثر كبير في تونس وفي الفضاء المغاربي، من بينها خير الدين باشا وفكره الإصلاحي في المجالين السياسي والإداري الذي ضمّنه في كتابه الشهير «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، الذي يعدّ نموذجًا مبكرًا لما يجب أن يقوم به العالم العربي من إصلاحات. إن العلاقات العربية العثمانية تقتضي إيلاء التاريخ العثماني وتراثه ما يستحق من اهتمام؛ لما يؤديه من دور حاسم في تعميق فهمنا لتحولات الحاضر.

الشتات الموريسكي في تونس

  لقد خصصت جزءًا مهمًّا من أبحاثك لدراسة الشتات الموريسكي، منها، «دراسات في التاريخ الموريسكي»، «الدولة العثمانية وقضية الموريسكيين الأندلسيين»، «دراسات جديدة في التاريخ الموريسكي»، في تجاوزٍ من رصد الأحداث إلى تفكيك البنى السياسية والدينية والثقافية التي شكّلت المسار التراجيدي لهذه الجماعة وتأثير وجودها في المجال المغاربي. فهل كان الدافع لانخراطك في هذا المشروع إنسانيًّا، أرشيفيًّا، أو علميًّا يهدف إلى إنقاذ ذاكرة كادت تطمس في ظل شح الدراسات العربية حول هذا التاريخ؟ وهل تعتقد أن دراساتك قد نجحت في تقديم إضافة نوعية، من ناحية المنهج أو الرؤية، مقارنة بالدراسات الأخرى؟ وهل تثمين البحث والدراسات حول الشتات الموريسكي يمكن أن يُسهم في تأطير النقاشات الراهنة حول الإسلام في أوربا، وفي بناء ذاكرة جمعية عربية إسلامية عابرة للحدود؟

  احتضنت تونس أكثر من خمسين ألفًا من الموريسكيين وسهلت إقامتهم بعد تدخّل «أبا غيث القشّاش» لدى البايات، وهو ما أتاح لهم فرصة الاندماج في الحياة الثقافية والاقتصادية وأداء أدوارٍ إيجابية في المجالين السياسي والاجتماعي. وقد أرسل الموريسكيون وفدًا إلى مدينة زغوان لدراسة مدى تطابق هذا الفضاء الجغرافي مع الفضاء الأندلسي، فوجدوا تشابهًا بين الفضاءين، نظرًا لتوفره على عناصر طبيعية شبيهة، منها خصوبة التربة وجمال الطبيعة، ووفرة المياه. ذلك ما شجعهم على الإقامة في مدينة زغوان ثم في مدن أخرى، حيث تعايشوا مع السكان المحليين. وقد ساهم الموريسكيين في تأسيس أكثر من عشر مدن سواء على السواحل أو في مناطق الشمال الغربي التونسي.

وأريد لفت الانتباه إلى ندرة المهتمين بالتاريخ الموريسكي وبالأرشيفات سواء في تونس وشمال إفريقيا أو في الدول العربية. فالباحثون لا يهتمون كثيرًا بهذا المجال الدراسي ولا بالوثائق الأرشيفية، وقد حاولنا لفت الانتباه إلى أهمية هذا التراث وتعميم المعلومات حول الموريسكيين؛ لأنه موضوع مسكوت عنه لما فيه من ظلم، فحتى الإسبان يرفضون الاعتراف بما قاموا به ضد الموريسكيين من تنكيل وقتل وتهجير وإعدام لتراثهم الفكري. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه توجد آلاف الوثائق الموريسكية مخزنة في المقرات البلدية في إسبانيا لم تُدرس بعد.

في إطار الدراسات التي أنجزناها انصب تركيزنا في الأساس على كشف المخزون الوثائقي، لما له من أهمية محورية في إعادة بناء الذاكرة التاريخية. وأرى نفسي من الباحثين الذين أَوْلَوْا عناية خاصة بهذا الجانب، ليس فقط فيما يتعلّق بالموريسكيين في تونس فقط، بل حتى في المجال المغاربي والعربي، وفي مختلف مجالات البحث التاريخي الحديث منه والمعاصر.

ويعود الفضل في هذا الاهتمام إلى الدكتور عبدالرحيم عبدالرحمن عبدالرحيم المؤرّخ المصري، الذي زارني ذات مرّة وأطلعني على ما اكتشفه في المحاكم الشرعية المصرية من مئات الوثائق الأرشيفية توثّق دور الموريسكيين المغاربة في مصر في الحياة التجارية والاقتصادية، كما تكشف هذه الوثائق أيضًا كيفية تهميشهم وإقصائهم. وبالتعاون مع هذا المؤرخ المصري أَعددْنا ستة أجزاء تحت عنوان «وثائق المغاربة من سجلات المحاكم الشرعية المصرية مارس 1676-1689م»، تتضمن وثائق جديدة توثّق التواصل التجاري للموريسكيين المغاربة في المجتمع المصري وهي وثائق لا نظير لها.

وفي مقابل الشح الواضح في الدراسات العربية المتعلّقة بالتاريخ الموريسكي، نجد عددًا من الدراسات الغربية، سواء باللغة الفرنسية أو من بلدان أميركا اللاتينية، التي تناولت المسألة الموريسكية بعمق. من أبرزها أعمال المؤرخ لويس كارداياك، الذي يُعدّ أحد مؤسسي الدراسات الموريسكية في العالم. التقيته في مؤتمر في الجزائر، وقد أهداني أطروحته التي دوّن فيها عددًا من الحقائق حول تهجير الموريسكيين، فترجمتها إلى العربية تحت عنوان: «الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون: المجابهة الجدلية 1492- 1640م، مع ملحق بدراسة عن الموريسكيين بأميركا».

إضافة إلى ذلك فإن لكارداياك دراسات أخرى مهمة حول الوجود الموريسكي في أميركا اللاتينية، وتأثيره في البنى الاجتماعية والثقافية والمعمارية، حيث أسهم الموريسكيون في تشييد المعابد والكنائس والأديرة، وتوجد قائمة توثّق ذلك التراث. كما اهتمت كذلك الباحثة لوث لوبيث بارالت -أستاذة الأدب الإسباني والأدب المقارن بجامعة ببورتو ريكو والمختصة أيضًا في الدراسات الإسلامية والأندلسية- بالمسألة الموريسكية وقضية تهجيرهم واستقرار بعضهم في أميركا اللاتينية.

وقد راسلت عددًا من رؤساء الجامعات العربية وبعض المراكز البحثية؛ بهدف ترجمة كتابها «الأدب السرّي لمسلمي إسبانيا الأواخر (الأدب السري الموريسكي)»، ولكن المبادرة لم تجد تفاعلًا من أغلبهم، سوى المؤرخ السعودي يحيى محمود بن جنيد وهو مؤرخ استثنائي؛ إذ دعاني إلى الرياض للنقاش حول هذه الموضوع، وقد تكفّل بترجمة هذا الكتاب ونشره.

وأنا أدعو الجيل الجديد من الباحثين إلى التوجّه لدراسة التاريخ الموريسكي، على غرار عدد من الباحثين الليبيين والجزائريين والمغاربة في الجامعات العربية. فهناك وثائق لم تكتشف بعد، ولم تُخضع للدراسة، وهو ما يمنح هذا التاريخ راهنية علمية ومعرفية. أذكر في هذا السياق قول الدكتور عبدالعظيم رمضان ذات مرّة: إن العرب قد أجحفوا كثيرًا حق التاريخ الموريسكي بل حتى العثماني؛ بسبب إهمالهم دراسة الوثائق الأرشيفية.

فلو تعددت الدراسات الوثائقية عن الموريسكيين لخفّت حدّة النقاش حول الإسلام في أوربا. كما أن الاشتغال على الأرشيفات يعدّ جزءًا لا يتجزأ من التراث الأندلسي العربي، وهو إرث مشترك وملك لنا جميعًا، ويجب أن نحافظ عليه. أما ترك الاهتمام به فيدخل في صلب الجريمة الأخلاقية. ومن هذا المنطلق أوجّه نداءً إلى الجامعات العربية والمغاربية لتخصيص أطروحات دكتوراه تعنى بهذا الملف. فالاهتمام بهذا التاريخ قادر على الإسهام في بناء ذاكرة عربية إسلامية جامعة.

المؤرخ والتاريخ الشفوي والذاكرة الوطنية

  نشرتَ عددًا من الدراسات حول الذاكرة الوطنية واعتمدت أساسًا على الشهادات الشفوية لتوثيقها. تركز على استكشاف تجارب الأفراد والجماعات التي لم تحظَ بتمثيل كافٍ في الوثائق أو في الرواية الرسمية للدولة، عادًّا الشهادة الشفوية مصدرًا غنيًّا لفهم أعمق لتجارب الفاعلين السياسيين، وتسليط الضوء على زاوية من التاريخ الاجتماعي والسياسي. ما تقييمك لمكانة «الشهادة الشفوية الحية» في البحث التاريخي؟ وهل تعد ضرورية لاستكمال الصورة التاريخية وبناء الذاكرة الوطنية؟ كيف يتعامل المؤرخ مع ذاكرة في ظل متنازع عليها أو مؤدلجة؟

  نبهني المؤرّخ عبدالعظيم رمضان، إلى أهمية الشهادات الشفوية وخطورتها في كتابة التاريخ. ومن هذا المنطلق، سعيت إلى تثمين الذاكرة الشفوية بوصفها أداة المنهجية في التأريخ، على الرغم من التبخيس الذي يمارسه العديد من الباحثين والجامعيين، المنضوين تحت رداء الفرانكوفونية، الذين يعدُّون هذا النوع من الشهادات مفتقرًا إلى القيمة العلمية؛ غير أن الذاكرة الشفوية الوطنية تظل جزءًا جوهريًّا وفاعلًا، ولا يمكن فهم التاريخ أو كتابته بمعزل عنها. وقد كانت مؤسسة التميمي حاضنة لهذه الذاكرة؛ إذ وُثِّقَ عدد كبير من الشهادات لشخصيات سياسية تونسية، مثل: شهادة محمد المزالي، والشاذلي العياري، وأحمد بن صالح، ومحمد الصياح.

وقد أسفرت جهود التوثيق عن إصدار سبعة أجزاء حول الشهادات الشفوية تحت عنوان: «مرصد الثورة»، فضلًا عن ستة أجزاء أخرى أطلقنا عليها عنوان «دليل معارف الذاكرة الوطنية»، وشاركت فيها شخصيات سياسية مرموقة.

لقد مكّنتنا هذه الشهادات من تسليط الضوء على تجارب شخصيات لها أدوار محورية في المسار السياسي. ومن يرفض هذا النوع من الشهادات فإنه يُقصي جزءًا أساسيًّا من الذاكرة، ويرتكب بذلك جريمة معرفية في حق التاريخ العربي. كما ينبغي على الباحث، في تعامله مع الذاكرة أن يمتلك فهمًا عميقًا لمسار الحركة الوطنية، حتى لا يقع في فخ الذاكرة المتلاعب بها. تحتل الذاكرة مكانًا أساسيًّا في عمل المؤرخ. وهنا أتوجه بنداء إلى الجيل الجديد من المؤرخين؛ لأنبههم إلى أهمية هذه المقاربة نظرًا لدورها في فهم الحركة الوطنية، وفي إعادة الوصف إلى الشهادات الشفوية، بوصفها مصدرًا لا غنى عنه في كتابة تاريخنا المعاصر.

  حُزْتَ مؤخرًا جائزة العويس عن فرع الدراسات الإنسانية؛ ما تعليقك حول هذا الفوز المستحق، وكيف ترى دور الجوائز في حَفْزِ الباحثين العرب؟

  جائزة العويس مهمة جدًّا واعتراف بالجهود البحثية، وأعدها تفاعلًا إيجابيًّا مع ما دعيت إليه من مراجعات. كما أنها حافز لمزيد من العطاء، وأيضًا دافع للباحثين الشباب، في حال فاز بها باحث شاب. من ناحية أخرى، دول الخليج اليوم توفر أطرًا معرفية وبحثية مهمة، ومناخًا بحثيًّا جيدًا للباحثين العرب. لقد زرت مرات عديدة مؤسسات علمية وجامعية في الخليج العربي، ورأيت الطفرة النوعية والاهتمام الكبير بالمعرفة والاستثمار في البحث العلمي.