أسماء المرابط: المدرسة الفكرية التي تلهمني ولم أعثر عليها بعد هي التي تجمع ما بين المنظور الروحاني الصوفي والمنظور العقلاني المتنور

أسماء المرابط: المدرسة الفكرية التي تلهمني ولم أعثر عليها بعد

هي التي تجمع ما بين المنظور الروحاني الصوفي والمنظور العقلاني المتنور

الدكتورة أسماء المرابط كاتبة وباحثة ومحاضرة مغربية في موضوعات الرؤية الإصلاحية للتراث الإسلامي وحوار الديانات وقضايا «المرأة في الإسلام». رئيسة سابقًا لمركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام» بالرابطة المحمدية للعلماء، المغرب.

حاليًّا هي عضو اللجنة العلمية لمعهد بنزكري لحقوق الإنسان في المغرب، وعضو مؤسس لكرسي «فاطمة المرنيسي» بجامعة محمد الخامس بالرباط، وعضو مقيم بأكاديمية المملكة المغربية. وهي طبيبة متخصصة في تشخيص أمراض سرطان الدم بالمستشفى الجامعي ابن سيناء الرباط بالمغرب، طبيبة متطوعة سابقًا بمستشفيات العمومية بإسبانيا وأميركا اللاتينية.

هنا حوار معها حول تجربتها إضافة إلى عدد من القضايا الجوهرية:

تقدم بطيء لكنه مهم

  أنت من بين المختصات في العالم الإسلامي، في موضوع المرأة وهو موضوع ارتبط بشكل أساسي بسؤال الإصلاح الاجتماعي منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، مع فئة من المثقفين والمثقفات، الذين ارتأوا أن جزءًا كبيرًا من التغيير والإصلاح الاجتماعي في المجتمع العربي والإسلامي، لا بد أن يمر عبر إصلاح أوضاع المرأة من جهة التعليم والتربية والعمل… وهو سؤال لم يفرغ منه بعد، وقد مر عليه ما يفوق قرنًا من الزمن. السؤال هنا كيف تقيم الدكتورة أسماء المرابط جهود الذين اشتغلوا على قضايا المرأة طيلة القرن العشرين؟

  يمكننا تقييم هذه الجهود بشكل إيجابي نسبيًّا، مع العلم -للأسف- أن التيار المتشدد كان أقوى من تيار النهضة، ولم يسمح للرؤية الإصلاحية أن تنتشر وتعطي النتائج المنتظرة. ونأمل أن تكون ثمرات اجتهادات التوجه الإصلاحي ملموسة وأكثر نجاحًا. ولكن برغم كل هذا نقر بأن مدة قرن من الزمان تخللتها تطورات لا بأس بها في مجال تحرير المرأة من الأعراف الذكورية، وقد اكتسبت المرأة بعض الحقوق لم يكن من الممكن تحقيقها خلال قرون الانحطاط الإسلامي. وعلى الرغم من التقدم البطيء للفكر الإصلاحي في هذا المجال، فإن إنجازات اليوم في مجال الحقوق لم يكن من الممكن تصورها قبل قرن من الزمان.

تفعيل الخطاب الأخلاقي في الدين

  لا شك أن مختلف الخطابات التي اشتغلت على موضوع المرأة طيلة القرن العشرين، كانت مهووسة في جزء كبير منها بنزعة أيديولوجية: يسارية، تقدمية، قومية، إسلام سياسي، سلفية متشددة… وبالإمكان تقسيم مختلف تلك النزعات الأيديولوجية إلى نزعة تقلّد الغرب دون وعي نقدي وتستعدي كل ما هو قديم وينتمي إلى التراث الإسلامي، ونزعة مغلقة على كل ما هو قديم وتراثي دون وعي نقدي. ما المسلك المنهجي في قراءة مختلف تلك الرؤى بمعزل عن انسداداتها الأيديولوجية؟ بهدف بسط خطاب نقدي منفتح على الواقع وأبعاده الكونية والإنسانية، وفي الوقت ذاته يمتلك القدرة على استثمار ما هو إنساني في الماضي (التراث).

  أفضل مسلك منهجي في نظري المتواضع أمام هذه الأيديولوجيات هو أن نسلك «طريقًا ثالثًا»، وقد صدر لي كتاب بعنوان «الإسلام والمرأة: الطريق الثالث»، بهدف الخروج من المأزق التأويلي الذي تضعنا فيه تلك الأيديولوجيات المتشددة. فالطريق الثالث هو محاولة رفض الخضوع لمنظور «التقليد» السلبي للتراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه رفض الرؤية المنحصرة في الحداثة «المجردة» من أية مرجعية دينية وهيمنة الفكر الغربي العنصري. الطريق الثالث إذًا، رفض مزدوج للتقليد الأعمى لكل ما يسمى بالمبادئ الكونية، التي أفرغت من جوهرها من طرف رؤية غربية عنصرية ومهيمنة الأبعاد، وكذلك من رؤية تقليدية للتراث منغلقة الهوية.

فالمنهجية الممكن استخدامها ضمن هذا الطريق الثالث هي أولًا تفكيك فهمنا ومقاربتنا للحداثة. فالمبادئ الكونية للحداثة ليست حكرًا على الغرب وحده حتى لو أن هذه المبادئ صيغت في الإطار التاريخي للغرب، لكنها تبقى نتاج تراث متعدد المصادر قادم من جميع الحضارات الإنسانية بما في ذلك الحضارة الإسلامية، التي ساهمت في بناء أسس الحداثة عبر أفكار كثير من فلاسفة الإسلام كابن سينا ​​وابن رشد وغيرهما.

نحن في حاجة لقراءة تراثنا الديني لنتبين ما هو راجع إلى القرآن الكريم، وما هو إنتاج وتأويل بشري مثل التفسير والفقه. فالفقه مثلًا مع بداية ما يسمى بعصر الانحطاط أصبح مقدسًا على حساب النص القرآني والسنة الصحيحة، وفي سياق هذه القراءة للتراث الديني ينبغي أن نعطي الأولوية «للقراءة الأخلاقية» للنصوص الدينية وخاصة القرآنية منها بهدف استرجاع التوازن في مقاربة النص القرآني الذي خضع لمدة طويلة للقراءة والتفسير التقليدي التراثي، وبخاصة الجانب التشريعي منه، إذ تم تهميش جوهر الوحي الذي يتمثل في الأخلاق. وبهذه الطريقة المنهجية التي تعلي من قيمة الرؤية الأخلاقية، سنتمكن من تجاوز القراءات الازدواجية التي طالما عارضت الإطار الديني للمرجعية الخاصة بحقوق الإنسان والحداثة (في شقها الأخلاقي) وهذا المسلك سيمكننا من بناء جسور أخلاقية تجمع بين المرجعية الدينية والكونية.

فالخروج من هذا التعارض بين المرجعية الكونية والمرجعية الدينية لا يمكن أن يتم إلا إذا عدنا إلى المقاربة الروحانية الأخلاقية للنصوص الدينية، وهذا هو النقد الذي يوجهه اليوم أغلبية الإصلاحيين المعاصرين، فمنذ أكثر من ثلاثين عامًا، هناك «ديناميكية» جديدة تضم أكاديميين ومفكرين وعلماء في المجال الديني، رجالًا ونساء، في جميع أنحاء العالم، التي تقترح طريقة تأويلية إصلاحية جديدة منبثقة من مفاهيم روحانية وأخلاقية وعقلانية وإنسانية.

نحن ننطلق من الفرضية التي تؤكد أن القرآن الكريم له رؤية شمولية ملتحمة وتعاليم روحانية وأخلاقية وتشريعية متماسكة بشكل وثيق، وأنه لا يمكن فصل رؤيته الأخلاقية عن البعد التشريعي كما تفعل أغلبية التأويلات التقليدية، والعناية بالرؤية الأخلاقية ليست وليدة اللحظة، بل هي حاضرة في الثقافة العربية الإسلامية إذ تحدث بشأنها العديد من العلماء والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة، نذكر على سبيل المثال: ابن حزم، والغزالي، والكندي، والرازي، وابن رشد، وابن مسكويه صاحب كتاب «تهذيب الأخلاق».

لكن بالرغم من جهود هؤلاء وغيرهم، لم تحظ الفلسفة الأخلاقية باهتمام كبير، ولم تحضر كمنظومة نظرية ضمن تاريخ العلوم الإسلامية. نستحضر في هذا السياق جهود المثقفين المعاصرين في التنبيه لأهمية المدخل الأخلاقي في فهم وتحليل ونقد مختلف قضايا التراث والحضارة الحديثة، من بينهم طه عبدالرحمن ومحمد عابد الجابري. وبرغم اختلاف منهجهما الفلسفي؛ الأول من منظور صوفي والثاني عقلاني، لكن أهمية فكريهما تكمن في أن إحياء التراث الإسلامي في ظل الحداثة لا يمكن أن يكون فعالًا إلا من خلال خطاب ديني حول الأخلاق.

الجمع بين البرهان والعرفان

  القارئ لمؤلفاتك، سيلحظ أنها تنهض بجانب مهم يتعلق بالتأسيس المنهجي والمعرفي، في التعاطي مع موضوع المرأة من زاوية «الإنسان» بمعزل عن ثنائية الأنثى والذكر، الرجل والمرأة، ويحضر من خلال هذا الطرح نفس تأويلي بشكل متسع لنصوص القرآن خاصة التي تطرقت لموضوعات المرأة. هنا نريد منك أن توضحي للقارئ أمرين: الأمر الأول: على المستوى الشخصي ما هي الدواعي والأسباب الشخصية وغير الشخصية التي جعلتك تطلين على الموضوع من زاوية إعادة قراءة وتأويل آيات القرآن المرتبطة بموضوع المرأة؟ الأمر الثاني: ما المدارس والرؤى الفكرية التي تأثرت بها منذ البدء وجعلتك في هذا الاتجاه المعرفي الذي لك فيه كثير من السبق؟

  الدوافع متنوعة، هناك تلك التي ترجع إلى البيئة الأسرية وبخاصة جانب التربية التي تلقيتها على يد أبي -رحمه الله- الذي كان يساريًّا سياسيًّا، صارمًا جدًّا فيما يتعلق بقضايا العدالة والمساواة الاجتماعية والسياسية والحرية، ولكنه ظل متأثرًا في الوقت نفسه بالتقاليد والأعراف التي عرف بها الوسط المحافظ، وهي نظرة حاضرة بالنسبة له داخل المنزل وبخاصة تجاه بناته. فكنت حينها لا أستوعب ولا أفهم هذا الانفصام الفكري! ثم أيضًا في لحظة معينة من حياتي، في أثناء دراستي الطب، شعرت بالحاجة النفسية إلى الروحانية والتقرب إلى الله. كنت أشعر بفراغ روحاني رهيب، لكن «التدين» الذي كنت أراه من حولي وفي التقاليد العائلية والثقافية لم يكن يرضيني لا روحانيًّا ولا عقلانيًّا، وبخاصة ما يتعلق بالتمييز ضد المرأة التي كانت دائمًا تحت الهيمنة الذكورية والنظرة الدونية وكل هذا باسم الدين. ولكن وفي الوقت نفسه كان لدي إيمان قوي بالعدالة الإلهية وأن الله لا يمكن أن يسمح بالظلم ولا بأي نوع من التمييز بين خلقه.

هكذا قررت أن أرى بنفسي وأدرس وأبحث وأفهم ما تقوله النصوص الدينية، وانغمست لسنوات عديدة في دراسة القرآن وكتب التفسير والسنة النبوية… حتى أدركت أن هناك فجوة كبيرة بين ما هو في النصوص القرآنية والمصادر الصحيحة للسنة النبوية، وبين فهم وتفسير أغلب المفسرين لمختلف الموضوعات التي تتعلق بالمرأة… وعندها قررت مواصلة البحث والكتابة للتنديد بهذه القراءة التمييزية والمغلوطة التي تتناقض مع نصوص صريحة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة. والذين أثروا فيّ وألهموني كثيرون، وأذكر على سبيل المثال علي شريعتي، نصر حامد أبو زيد، ومحمد الغزالي، وعائشة بنت الشاطئ، وعابد الجابري، وغيرهم.. في الحقيقة المدرسة الفكرية التي تلهمني والتي لم أعثر عليها بعد هي التي بإمكانها الجمع ما بين المنظور الروحاني الصوفي مثل روحانية ابن عربي والمنظور العقلاني المتنور لابن رشد…الجمع بين
البرهان والعرفان.

مدونة الأسرة في القرآن

  يضم القرآن الكريم كثيرًا من الآيات التي تطرقت لموضوع المرأة والأسرة، والزواج والطلاق ورضاعة الأبناء والعدة والنفقة والإصلاح بين ذات البين والإرث… في تقديرك هل يمكننا القول: إن القرآن يضم أول مدونة للأسرة في التاريخ العربي الإسلامي؟ مع أن ما قال به القرآن حول الأسرة والمرأة جاء مشتبكًا مع المحيط الاجتماعي والثقافي للجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، فالقرآن الكريم لم ينزل في فراغ. في تقديرك كيف نميز في الخطاب القرآني فيما يخص قضايا المرأة والأسرة، بين ما هو ثقافي ويخص زمن النزول وبين القيم والأخلاق ذات البعد الكوني والإنساني؟

  أعتقد أن القرآن لم يضع قانونًا (كما نفهمه اليوم) محددًا للأسرة، بل وضع «إطارًا أخلاقيًّا» للزواج والأسرة. وهذا ما يسمح بتكييف المقاصد الأخلاقية للقرآن مع السياق الزمني والتاريخي. وهذا المبدأ هو الذي يبقى صالحًا لكل زمان ومكان، فأما المقاصد الأخلاقية فهي دائمة، وأما الأحكام فتطبيقها يأخذ في الحسبان السياق والعرف والمصلحة وهي حتمًا متغيرة. ولنا أمثلة عديدة في التراث وأفعال الصحابة وأقوال العلماء. ومقولة الفيلسوف ابن مسكويه تلخص هذا المبدأ: «إذا تعارض النص مع المصلحة العامة عمل بالمصلحة لأن النص جاء أصلًا من أجل رعايتها». ولتمييز ما يتعلق بالسياق الثقافي لزمن الوحي وما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية ذات الأهداف الكونية في مجال قضايا المرأة، ينبغي أن نستخدم أولًا المنهج الذي تحدثت عنه آنفًا وهو منهج القراءة الأخلاقية الروحانية. فبهذا المنهج سيتبين لنا مثلًا أن مفهوم المساواة بين الخلق عامة وبين الرجال والنساء خاصة موجود في القرآن الكريم. حتى لو لم يظهر مصطلح المساواة بذاته. فإن روح هذا المفهوم ومعناه حاضران بقوة في كثير من الآيات وفقًا لنظام «مفاهيمي مساواتي» يمكننا العثور عليه وفق النقط التالية:

المسواة في خلق الإنسان أو «المساواة الإنسانية» من خلال مفهوم «النفس الواحدة» قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء) حيث خُلق الإنسان من الجوهر نفسه أي من نفس واحدة، ومن تلك النفس خُلق «زوجها» أي شقيقها أو مثلها وهذه الثنائية نجدها في آيات أخرى قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات) ثم بث منهما أي من الطرفين رجالًا كثيرًا ونساء. وهذا على عكس ما يقول به أغلبية المفسرين، حيث يعاد إنتاج أسطورة خلق حواء من ضلع آدم كما هي في العهد القديم.

المساواة هي أيضًا القاعدة على المستوى الأنطولوجي والعقائدي، حيث لا يوجد فرق بين الجنسين بالنسبة للمكافآت والعقوبات في الدنيا والآخرة، وهذه المساواة الوجودية معترف بها من خلال التفسير التقليدي الذي في الوقت نفسه يرفض المساواة في الحقوق.

المساواة واضحة أيضًا في «معايير» تقييم الرجل والمرأة كإنسان قبل كل شيء، وهذا التقييم لا يعتمد على اختلافاتهم البيولوجية، بل على مفاهيم شتى مثل: معيار «العمل الصالح» في هذه الدنيا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل) ومفهوم «العمل الصالح» هو معيار تقييم الإنسان ذكرًا كان أم أنثى. معيار «التقوى» قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾﴾ (الحجرات). معيار «الاكتساب» قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(النساء). معيار «العلم» قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر).

المساواة بين الرجل والمرأة صريحة أيضًا في مفهوم «الولاية» المشتركة قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(التوبة) المسؤولية الجماعية مشتركة في المجال الاجتماعي والسياسي.

المساواة في «الاستخلاف» وهو مفهوم يتجلى في مسؤولية الرجال والنساء في بناء الحضارة الإنسانية على هذه الأرض قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة).

وهنالك مفاهيم قرآنية في السياق نفسه حول الزواج حيث يعرفه القرآن الكريم بأنه «ميثاق غليظ» مشروط بمبادئ أخلاقية مثل المعروف، والتشاور والتراضي والإحسان والفضل والمودة والرحمة بين الزوجين…

هذه المفاهيم من خلال النقاط التي جئت على ذكرها، تكاد تكون غائبة في كتب الفقه والتفسير حيث تستعمل مصطلحات سلبية كحق الزوج في «تملك» الزوجة و«التمكين» والتسلط عليها وهي غائبة في النص القرآني. فينبغي ألا نغفل أن هناك مفاهيم قرآنية تشكل الإطار المرجعي للرؤية الأخلاقية للقرآن حول العلاقة بين الرجل والمرأة ومفهوم الزواج، وهي مفاهيم تؤكد أخلاقيات «عدالة مساواتية» بدلًا من مفهوم «المساواة المجردة بين الجنسين».

قانون للميراث في ميزان العصر

  كيف تقرأ أسماء المرابط موضوعات ثار حولها كثير من الجدل نذكر هنا: المرأة وموضوع القوامة، المرأة والإرث، المرأة والولاية في الزواج، مع العلم أن المرأة تكون قاضية وعادلة، المرأة والنفقة، الرجل ملزم بالنفقة على الأبناء في حالة الزواج والطلاق، والمرأة يجب عليها ذلك بمقدار ما عجز عنه الرجل. هذه الموضوعات وغيرها تعرف نوعًا من الجدل ما بين اتجاهين: اتجاه باسم ما هو علماني وآخر باسم ما هو إسلامي، وهذا تفكير يرتهن على الثنائيات؛ إذ ليس بالضرورة أن ما هو علماني ضد ما هو إسلامي والعكس صحيح. فهل هناك طريق ثالث للخروج من هذا الانسداد؟

  لا يمكنني هنا أن أخوض في تفاصيل كل هذه القضايا الخلافية المذكورة، لكني أود أن أذكر، على سبيل المثال، مسألة الميراث، وهي أكثر حساسية لسبب بسيط، وهو أنه موضوع يتعلق «بسلطة المال» وتوازن القوى الاقتصادية بين الفقراء والأغنياء، والنساء والرجال.

يجب إعادة قراءة هذا الموضوع في ضوء الإطار المفاهيمي للعدالة المساواتية والأخلاقية المذكورة آنفًا، ولكن أيضًا في ضوء القواعد التي وضعها القرآن نفسه، مثل قاعدة أولوية الوصية التي «نسخها» الفقه أو بالغ في التشدد في شروط ممارستها. ويوضح السياق التاريخي للوحي تعميم حق الميراث على جميع النساء (بينما لم يكن لهن هذا الحق قبل الإسلام، مثل الشيوخ والأطفال). فبرغم أنهن لم يشاركن في النفقة أو الدفاع عن القبيلة، أي على الرغم من أنهن لم يستوفين معايير الجدارة الاستحقاقية لأخذ حق في الميراث في ذلك الوقت فإن الوحي فرض وألزم حق الميراث لهن. فالرؤية المقاصدية تدفعنا أن نقول اليوم، وهن يشاركن مشاركة شبه كاملة أحيانًا في الإنفاق على البيت، والأسرة، والمصاريف المادية المختلفة، ومساهمتهن في اقتصاد البلاد: إنه ينبغي لنا أن نعيد قراءة آيات الميراث (وفريضة الوصية) وفقًا لتلك المعادلة القرآنية (مقصد العدل) لإنصافهن.

والمطالبة بهذا المقصد الأخلاقي للعدل والإنصاف في سياقنا الاجتماعي اليوم لا يعني المس بقدسية القرآن الكريم، بل هي بالأحرى السير في الاتجاه السهمي لأخلاقيات العدل القرآني. ولم يعد بإمكاننا اليوم أن نتسامح مع التمييز الصارخ باسم الدين في مثل قضايا الميراث بالتعصيب حيث بحضور الإناث وحدهن، يمتد الميراث إلى الذكور من ناحية الأب على حساب بنات المتوفى! ونذكر أن هذه الممارسة (في مسألة التعصيب بالنفس) غائبة تمامًا في النص القرآني. وبالتالي فإن نظام التعصيب في الميراث هو نتاج بشري لاجتهاد الصحابة والعلماء الأوائل.

في الماضي، كان مفهوم العصبة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنفقات ومسؤولية الأسرة الممتدة وحماية العشيرة، وإعالة الأقارب ولهذا السبب كانت تقع على عاتق الرجال. أما اليوم في واقعنا المجتمعي فهذه المسؤولية تقع غالبًا على عاتق البنات اللواتي يقمن بهذه المسؤولية تجاه الآباء، فكيف يعقل أن يأخذ العم أو أبناء العم من ميراث البنات؟ هذا ظلم صارخ مرتكب ضد الزوجة وبناتها اللاتي يمكن أن يصبحن بين عشية وضحاها في الشارع دون موارد للعيش. علاوة على ذلك، فإن العديد من الأسر -الأكثر ثراءً عمومًا- التي لديها بنات فقط اليوم تتحايل على هذه القوانين خلال حياتهن من خلال «الهبة» للممتلكات إبان حياتهم حفاظًا على ميراث البنات وحتى لا يضطررن إلى تقاسمه مع أقارب الأب.

بين تجاوزات الرؤية المعولمة والخطابات المتشددة

  لا يخفى عليك أن هناك اتجاهات في الغرب تنظر لموضوع المرأة والهوية الجندرية، بمعزل عن أي مطلق: ديني أو قيمي أو عقلاني… وقد ترتب على هذا الفهم موضوع العبور الجندري أو التحول الجنسي، وهي فكرة تنسف مفهوم الأنثى ومفهوم الذكر، ومفهوم الأمومة والأسرة… في الوطن العربي هناك من ينظر للمرأة من هذه الزاوية، بدعوى التفكير الكوني. كيف تنظرين لهذا الاتجاه المندفع عبر العالم؟

  هذا الاتجاه في رأيي نتاج انحراف أخلاقي غير مقبول، هذه رؤية متطرفة تشير إلى تراجع خطير في الرؤية الإنسانية الكونية، وأوضح أن هذه النظرية التي ولدت في أحضان الفكر الغربي المتطرف تبقى أقلية ويرفضها أيضًا كثير من الغربيين سواء كانوا مؤمنين أو ملحدين، إنها قضية تمس بالفطرة السليمة والأخلاقيات الكونية وبكرامة الإنسان، وبالتالي تمس أسس حقوق الإنسان ولا يمكن التساهل معها.

ونشير هنا إلى أن هذه الأزمة العالمية للقيم العائلية المنبعثة من الغرب قد أثرت في مجتمعات الجنوب، وبخاصة المجتمعات الإسلامية؛ بسبب التوترات التي سببها الغرب بشكل متتابع [الاستعمار والحداثة والعولمة الاقتصادية] وكل هذا خلق وضعًا أسريًّا مختلفًا عن طبيعة الأسرة كما هي في القدم. وقد كان لدخول المرأة سوق العمل والمساهمة في نفقات الأسرة أو حتى في بعض الأحيان ضمان الدعم المادي للأسرة بأكملها، دور مهم في تحول الأسرة، وهي مسألة إيجابية، لكن هناك أمور أخرى، تعود إلى الغرب وليس بالضرورة أن تتوافق مع مؤسسة الأسرة، بوصفها ركيزة مجتمعية، تحافظ على القيم الأخلاقية المتوارثة عن الأجداد، مثل: احترام الوالدين، والتضامن الأسري، على الرغم من النظام الأخلاقي المعولم الذي يدمر الروابط الأسرية. ولا يزال يشكل مكانًا لكل المعالم الثقافية، وآخر سور للهوية الاجتماعية والدينية، وبالتالي المكان (الشرعي) لكل المخاوف وكل المقاومة.

في الواقع، بين تجاوزات الرؤية المعولمة والخطابات التقليدية المتشددة، تبدو الأسرة رهينة بين التساهل المفرط والمحافظة المتصلبة، فالأسرة في عصرنا هذا في مواجهة تحديات متواصلة تدفعنا اليوم إلى بناء مقاربات جديدة، ولا سيما الاجتماعية والقانونية، من أجل الحفاظ على توازن هذه البنية المجتمعية، التي تظل ذات أهمية في تماسك كل المجتمع وتوازنه. يجب بناء مفهوم أسري ينعم فيه الرجال والنساء والأطفال بالحقوق والمسؤولية، في توافق رزين بين هويتهم وأصولهم الثقافية وأخلاق دين الإسلام والعالم الذي يعيشون فيه. لا بد من إعادة هيكلة الأسرة على أساس متطلبات أخلاقية، أساسها العدالة المساواتية في الحقوق والواجبات والمسؤولية.

تيار النسوية الإسلامية

  نريد منك قراءة لاتجاه من النسوة لهن كتابات ومقاربات حول المرأة، وقد صار هذا الاتجاه معروفًا بالنسوية الإسلامية.

  أود أن أوضح هنا أن اسم «النسوية الإسلامية» جاء في الأصل من الأكاديميين الغربيين من خلال تحليل المنهج والقراءة الجديدة التي قام بها بعض الباحثات المسلمات لصالح قراءة أكثر مساواة وعدل للنصوص الدينية فأعطوا هذا الاسم لهذا التيار الفكري. من ناحية أخرى، هذا التيار مكون من مجموعة متنوعة من النساء والرجال؛ أكاديميون ومفكرون وباحثون، حاولوا منذ ما يقرب من 30 سنة تقديم بدائل للتفسيرات التمييزية وغير العادلة تجاه المرأة، وأدانوا هذه الرؤية الدونية التي تحتكر الكلام باسم الله. هذه الحركة موجودة في كل مكان في العالم: في ماليزيا مثلًا هنالك زينة أنور، وفي جنوب إفريقيا مثل سعدية الشيخ، وفي الولايات المتحدة مثل أمينة ودود، وفي إنجلترا مثل زيبا مير حسيني، وفي مصر مثل أميمة أبو بكر وملكي الشرماني وغيرهن كثيرات.

يحاول هذا التيار تفكيك القراءة التميزية وبناء إطار جديد لإعادة تأويل وتفسير أكثر توافقًا وتوازنًا وعدالة بين الرجل والمرأة وطبقًا لمقاصد القرآن العادلة. من وجهة نظري، ولكي أوضح موقفي، أرى أننا لسنا أمام «قضية المرأة « أو مسألة حقوق المرأة فقط، بل هي قضية تتعدى هذه النظرة الضيقة إلى موضوع حقوق الإنسان، رجالًا ونساءً. بالنسبة لي هناك رؤية للإنسان في القرآن تتجاوز الذكر والأنثى؛ إنها فلسفة قرآنية حقيقية للتحرر الإنساني من كل الماديات. المنطلق بالنسبة لي هو منطلق رؤية تنبع من أصلها الإسلامي مع الانفتاح على المبادئ الكونية الحقيقية والرافضة للهيمنة والظلم السياسي الغربي، فهو موقف نابع من رؤية إصلاحية إنسانية روحانية وأخلاقية. هذا طريقي وكفاحي وهدفي.

لا شك أن التوفيق بين القيم الكونية لحقوق الإنسان (في مفهومها النبيل) والإطار الديني الأخلاقي الإنساني الهادف ليس تنازلًا، كما يفهمه بعض، بل ضرورة وحقيقة واضحة اليوم، فالمجتمعات الإسلامية تملك الإمكانات الإنسانية والروحانية والسياسية اللازمة لتحقيق هذه المصالحة والمواءمة. على الأقل، نأمل ذلك، وبخاصة للأجيال القادمة.