شايع الوقيان: الفيلسوف العربي يعيش غربة مزدوجة وأكبر عائق للمفكر هو «الجمهور» وليس سطوة الدولة
شايع الوقيان، متفلسف سعودي وباحث في الفكر والفلسفة. ساهم في تأسيس حلقة الرياض الفلسفية والجمعية الفلسفية السعودية. تتنوع أعماله بين مسائل الخطاب الفلسفي والأيديولوجيا والفن، ومسائل الوجود والوعي. يشتغل الوقيان من داخل المدونة الفلسفية التي تنتمي أنطولوجيًّا إلى الحداثة وما بعدها، غير أنه يتطلع من خلال مقالاته وأعماله المتعددة إلى رسم ملامح أخرى لترسانة المفاهيم التي ما زالت تتموضع بين حديّة التمركز حول ذات متعالية مختلفة لا تقبل التعدد، وبين ما يسميه بالمشترك أو ذاك الذي «يسمح للآخر بأن يوجد وأن يمارس حقه الأصيل في العيش» وفق تعبيره.
ينتصر الوقيان لفكرة الفيلسوف المنغمس في اليومي؛ إذ تندرج أعماله داخل إطار اليومي والمشترك على قاعدة «الاستعمال الفلسفي للفلسفة» و«رفض التقليد» والانصراف نحو الحاضر بما هو حقل التجربة الحيّة التي تهدم الفارق بين لغة وأخرى، كما يقول في هذا الحوار الذي خص به مجلة الفيصل. يرفض الوقيان صفة الفيلسوف بما هي امتياز أو تراتبيّة لا صلة لها -من وجهة نظره- بالفكرة الفلسفية الخالصة حول دور الفيلسوف ومكانته الاجتماعية والثقافية. وينشغل الوقيان بما سماه «الحقيقة الموضوعية» و«التحرر» ضمن جدلية الأنا المُفكرة/ المتفلسفة في عالم ما زال يستهلك بُناه التقليدية عربيًّا حتى غربيًّا؛ ليضحي فعل التفلسف نوعًا من مطاردة الحقيقة الحرة التي لا تحتمل ما يعدُّه «توظيفًا أيديولوجيًّا» للفلسفة.
هذه المسائل وغيرها، مثّلت الهاجس الفكري لمشروع شايع الوقيان، الذي لامس من خلاله عمق التجربة الفلسفية كتابة وترجمة وتأويلًا وشرحًا. من ابن تيمية إلى الغزالي إلى هايدغر وهوسرل، ومن مشروعات النهضة العربية مع محمد عبده والثعالبي ورشيد رضا، إلى محاولات تسييس هذا المشروع في بعض من دول العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين عبر تجارب سياسية- ثقافية؛ يرتحل شايع الوقيان بين الغرب والشرق وبين «هم» و«نحن» لا بوصفنا «نحن» مستهلكين بل بما يعدّه قُدرة على التفلسف من داخل ما أنتجه العقل العربي وبالاستفادة مما أتاحته فرصة الالتقاء التاريخي بين ضدين لم يعد من الممكن راهنًا أن يُترك فضاء الفلسفة المشترك بطبعه، بين عقل أُحادي التفكير أو ذي بُعد واحد تحت تسميات الحداثة وما بعدها. من بين أهم مؤلفات شايع الوقيان: كتاب: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا. وكتاب: قراءات في الخطاب الفلسفي. وكتاب: الوجود والوعي: استئناف الفينومينولوجيا. إضافة إلى كتب مشتركة، ككتاب: معنى سؤال التخلف. وكتاب: معضلة دريدا.
في ضرورة التسامح ومجاورة الشعر
● توفر أطروحاتك حول العيش المشترك والتسامح والآخر بوصفه «أنا» لديه الحق الفلسفي في الوجود، فرصة لقراءة الخطاب الفلسفي حول المدينة التي «يلتقي فيها الغرباء» وفق عبارة ريتشارد سينيت. فكيف تُحقق جملة تلك المفاهيم، شرط تدبير المدينة وتوفير فرصة اللقاء والالتقاء في ظل الأزمات السوسيوفلسفية الراهنة؟
■ لديّ قناعة أن البديل الوحيد للتسامح والتعايش هو التعصب والصراع. فمتى ما ذهب الأول، حضر الثاني، والعكس صحيح. ولو تأملنا تاريخ الصراع البشري لوجدنا أن غياب التسامح كان سببًا جوهريًّا في ذلك. والتعصب يحوّل الاعتقادات إلى قناعات قاتلة. التسامح هو أن «يسمح» المرء للآخر بأن يوجد وأن يمارس حقه الأصيل في العيش. فالتسامح مفهوم شامل ينطوي في داخله على مفاهيم ضرورية كالإيمان بالاختلاف والتنوع والتعايش المشترك. ومن دون التسامح «يبطل الاجتماع والتعايش» كما يقول مسكويه. ودون اجتماع لن تقوم أية مدنية. أو على أقل تقدير، ستقوم مدن فاسدة ومرذولة.
ومما يميز فضيلة التسامح هو أنها أم الفضائل الأخرى، إذا جاز التعبير. فكل فضيلة أخرى لا يرافقها روحٌ سمْحة تصبح رذيلة. فالكرم فضيلة، ولكن لو أن الشخص الكريم يعطي المحتاج، وهو يمنّ عليه، فلا يمكن عده كريمًا. والشجاع إذا لم يتحلَّ بالتسامح سيتحول إلى سفّاك دماء. وهكذا.
● يرى زيجمونت باومان أن الفيلسوف -إضافة إلى الروائي- يذهبان إلى أن الفن العظيم لا وطن له. أليست رحلة شايع الوقيان نحو فلسفة ابن تيمية وربما مقارنته بهايدغر، هي دعوة فلسفية نحو الاستعانة بروافد فلسفية من خارج الفلسفة لموضعة الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا (وهو عنوان أحد كتبك)؟
■ صحيح. الفلسفة، في أغلب مباحثها، تتطلب انفتاحًا على بقية الحقول الفنية والمعرفية. والفيلسوف الذي ينطوي على نفسه لن يتقدم خطوة واحدة. فهذا الانطواء على الذات، أو هذه الخطيئة- كما يسميها برديائيف، قد تكون بسبب اعتقاد بعض الفلاسفة أن الفلسفة هي السبيل الوحيد لبلوغ الحقيقة. ولا سيما الفلاسفة الذين يربطون الحقيقة بما هو مفارِق: أي خارج التاريخ. وعلى الرغم من أهمية الأصول المفارِقة فيما يتعلق بالمنطق أو الميتافيزيقا، أو حتى في تأسيس مذهب أخلاقي أو فني متين، إلا أن المفارِق يجب أن ينكشف في غضون المحايث؛ ففي ملابسات اليومي يمكن أن نعثر على الحقائق الموضوعية التي تصلح أساسًا للتفكير والعمل. وهذا ما كان يراهن عليه فلاسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) والوجودية وفلاسفة الحياة عمومًا.

مارتن هايدغر
إن الشعر لا يقل أهمية عن الفلسفة في إيضاح معنى الوجود. ومن ثم وجب على الفيلسوف أن يتخلى عن هويته الصلبة التي تمنعه من التواصل مع الشعر والفنون الأخرى. وعلى الشاعر أن يفعل المثل. فالشاعر الذي لا يقرأ الفلسفة والعلوم سينتج لنا قصائد جميلة في مظهرها، ولكن فارغة في الأعماق.
ولا يكفي قراءة كتب الشعر والأدب والعلوم، بل على الفيلسوف أن يكون منفتحًا على العالم والواقع المعيش، وألا يجنح إلى العزلة كما كان يفعل بعض الحكماء قديمًا. فهؤلاء الحكماء انصرفوا عن الناس لما رأوه من فساد الأخلاق، كما يزعمون. وهذا الهروب من الواقع ليس إلا أنانية مقنّعة. وحديثًا، قد يمتعض الفيلسوف بسبب سيادة التفاهة والسطحية التي ساعد على رسوخها توغل السوشال ميديا. ولكنَّ هَجْرَ العالَمِ لن يكون حلًّا لأية مشكلة، سوى مشكلات الذات الممزقة التي لم تعد تحتمل العيش معًا.
محاولة لتجاوز مركزية الوعي
● تُعيد في جزء من كتاباتك طرح فكرة الكوجيتو الديكارتي ومن ثمة فكرة الأنا والآخر عند بول ريكور وفيخته وهوسرل وغيرهم. أليست هذه الاستعادة، محاولة تأويلية تسعى من خلالها إلى استئناف درس الفينومينولوجيا بوصفه مشروعًا يرسم -من وجهة نظرك- طوبولوجيا الوجود والوعي؟
■ يمكن القول: إن الكوجيتو الديكارتي هو أهم أُسس التفكير الفلسفي الحديث. وقد أقيمت على هذه الفكرة مذاهب فلسفية متنوعة. ومر الكوجيتو بتحولات جذرية مع إيمانويل كانط الذي نقل الأنا من حقل السيكولوجيا إلى حقل المنطق، فصارت الأنا ذات طابع كلي ومجرد. وأما فيخته فنقلها من المنطق إلى الإرادة، وأضحت الأنا ذات قدرة وفعل. وتطور نمو الكوجيتو حتى وصل إلى حالة «التصدّع» مع بروز فكر ما بعد الحداثة. وقد أرهص له فلاسفة وعلماء مثل شوبنهاور ونيتشه وفرويد. فلم تعد الأنا العارفة أو القادرة هي المسيطر على تأسيس المعرفة والأخلاق. واكتُشف اللاوعي أو اللا-أنا بوصفه البديل. في غضون ذلك، ظهر هوسرل بمنهج الفينومينولوجيا. وقد طوَّر الكوجيتو الديكارتي-الكانطي ليكون كوجيتو واقعيًّا. فالعقل أو الوعي عندما يفكر لا يفكر في فراغ، بل هناك شيء ما، يقع خارجه، وهو «العالَم». فالعالم جزء من الوعي، وبالتالي جزء من الذات. وقد طوَّر هايدغر هذه الفكرة ليظهر لنا بمبدأ أنطولوجي مؤثر وهو (الوجود-في-العالم/ومع-الآخرين). وقد حاولت في كتابي «الوجود والوعي» استئناف ما وصل إليه هوسرل وهايدغر. وقد أخذت عليهما أنهما ما زالا في إطار المركزية الأنثروبولوجية (النزعة الإنسانية) التي تورّط فيها ديكارت منذ بادئ الأمر. وحاولت أن أقيمَ أسس التفكير على ما يقع خارج الوعي وما يقع خارج قلق الدازاين، وهو عالم الأشياء في ذاتها (النومينولوجيا). وقد طبَّقتُ ما نظّرتُ له في «الوجود والوعي» في كتاب سيظهر قريبًا بعنوان «الأخلاق: ما قبل الخير والشر». والفكرة المحورية لكل ذلك هي أن الفكر الفلسفي المعاصر، ولا سيما الذي أجد نفسي أشتغل فيه، لم يتجاوز الخلط الديكارتي بين الفكر والوجود. فالوجود، مهما يكن، ليس «فكرة»، على الرغم من أننا بحقٍّ لا نستطيع أن نلمس الوجودَ أو نحس به، وإنما نحس بما هو «موجود».
أزمة الفيلسوف لا أزمة الفلسفة
● هل تتفق مع فكرة أن الفيلسوف توقف منذ زمن عن مساءلة نفسه وتحوّل إلى مُبتكر أيديولوجي، قياسًا على وصف كورنيليوس كاستورياديس لأزمة المجتمع؟ بمعنى، هل أزمة الفلسفة هي في الأساس أزمة السؤال الفلسفي وأزمة المفهوم، وبخاصة أنك تُحذّر من التوظيف الأيديولوجي للفلسفة؟
■ مع بدايات الفكر الفلسفي الحديث، كان السؤال الفلسفي متمحورًا حول فحص الملكات العقلية ودورها في إنتاج المعارف. وكانت الفلسفة على صلة وثيقة بالعلوم. في القرن العشرين بدأ التوظيف الأيديولوجي للمعرفة ينتشر مع انتشار الأحزاب الشمولية مثل: النازية والفاشية والشيوعية. وانجرف كثير من الفلاسفة والعلماء نحو الاستقطابات السياسية الحادة التي ميزت القرن الماضي. ولم يعد السؤال الفلسفي: كيف تكون المعرفة ممكنة؟ بل تحول ليكون: كيف نبرر الأيديولوجيا؟ وفي المرحلة النقدية التي تمثلت في فكر فلاسفة فرانكفورت وبعض فلاسفة ما بعد الحداثة، ظهر سؤال: كيف نفسّر مفهوم «القوة» أو السلطة؟

إدموند هوسرل
بكل حال، لا أعتقد أن الفلسفة بذاتها تمرّ بأزمة، بل الفيلسوف هو من يفعل ذلك. فالفيلسوف في كل تحول درامي لمسار التاريخ البشري يسأل نفسه باستمرار: ما دوري في هذه التحولات؟ هل يمكنني فهم العالم وهو في هذه الوتيرة المتسارعة؟ هل أنا قائد أم مقود؟ هل أنا ناقد أم مبرر للواقع؟ هل يجب أن أظل متمسكًا بالهمّ الفلسفي التقليدي بصرف النظر عن التغيرات الواقعية أم عليَّ الانخراط فيها، على الرغم من المخاطر التي يمكن أن يجلبها هذا الانخراط؟
مشكلة الفلاسفة أنهم بطيئو التفكير؛ بمعنى أنهم لا يفكرون بسرعة، بل عليهم التأني والتوقف طويلًا عند الموضوعات المدروسة. وهذا الإيقاع البطيء لم يعد ملائمًا لعصرنا اللاهث وراء التغير والتجدد. إن بومة منيرفا، كما يقول هيغل، لا تطير إلا في الغسق. أي أن الحكمة، التي ترمز لها تلك البومة، تأتي متأخرة. وبناء على ذلك، فما يمر به البشر اليوم من تحولات لم يصبح بعدُ موضوعًا للفلسفة الراهنة. وعلينا الانتظار حتى يخلد الناس إلى النوم.
يستطيع الفلاسفة الابتعاد من مشكلات العالم اليومية. لكنهم يظلون بشرًا ويريدون أن يسهموا مع الناس في فهم العالم ومن ثم تأسيسه. وهذا يتطلب نمطًا من التفلسف السريع الذي لا يصلح للكتابة الفلسفية ذات الطابع الرسمي أو الأكاديمي. وذلك النمط السريع يظهر على شكل شذرات أو مقالات. أما تأليف الكتب الضخمة فلم يعد صالحًا في هذا الزمان.
تحرير السؤال من أسر الأيديولوجي
● ثمة تباين واضح في تفسير دور الفلسفة ضمن السياق العربي انطلاقًا من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي. ضمن مساهماتك في هذا النقاش المفتوح إلى حد ما، كيف يمكن من وجهة نظرك تحرير الفلسفة من أزماتها المصطنعة في عالمنا العربي؟
■ أكبر أزمة مر بها الفلاسفة العرب قديمًا وحديثًا، أي منذ الكندي حتى ابن رشد، ومنذ فرح أنطون حتى اليوم، هو الاستعمال غير الفلسفي للفلسفة. فالفلسفة بطبيعتها ترمي إلى إنتاج الحقيقة من خلال آليات الفهم والتأويل. لكن حدث عربيًّا أن استُعمِلَت الفلسفة وسيلةً للإقناع. ومن هنا تحولت الفلسفة إلى دروس في البلاغة. في العصر الحديث، لجأ الفلاسفة العرب إما إلى العودة للماضي الإسلامي أو إلى الاقتباس من الحاضر الغربي، والغاية من ذلك ليس إنتاج معرفة، بل تبرير المواقف السياسية التي اعتنقوها. وفي ظل «حمّى» النقل والاقتباس ضاع التفلسف الأصيل، التفلسف الذي يعلو على الأطر المذهبية والقومية المسبقة، وينبذ إستراتيجية الاصطفاف الأيديولوجي مع هذا الفريق أو ذاك. عندما يفكّر الفيلسوف، عليه أن ينسى كل ذلك: لا ينبغي عليه أن يكون محاميًا عن أحد سوى ما يرى أنه هو الحقيقة الموضوعية. حتى لو تمكن الفيلسوف من التحرر من الأطر المسبقة فإن هناك إطارًا داخليًّا أكثر خطورة، وهو «تقليد» الفلاسفة أنفسهم. عربيًّا، هناك ميل نحو اصطناع المناهج الفلسفية التي راجت في فرنسا أو ألمانيا، بل محاكاة الهموم والمشكلات التي عملوا عليها. وبهذا يضيّع الفيلسوف على نفسه فرصة الانطلاق من الواقع العربي، وهو في الحقيقة «أرض بكر» قلما تفلسفنا انطلاقًا منها!
لذا، يجب على الفلاسفة العرب اليوم، أساتذة أو طلابًا، أن يتحرروا من الاقتباس المفرط من الماضي أو الحاضر، وأن يعودوا إلى أرض الواقع المعيش بعقلٍ متجرّد وخال من التصورات المسبقة. ولا أقصد من قولي أن يصبح الواقع المعيش هو الموضوع الوحيد للتفلسف، بل المراد هو أن يكون الواقع دائمًا هو الخلفية التي تظهر فيها النصوص والكتابات.
تراجع الكاريزما ومطلب الكونية
● يُوصف الفلاسفة في العالم العربي وغير العربي بأنهم جماعة كاريزمية؛ في تجاوز لمفهوم الإنتلجنسيا والمثقف العضوي والمثقف المحترف وغيرها من التوصيفات. فأين يُحدد شايع الوقيان مكانة الفيلسوف ضمن المصفوفة التنظيمية لبنية الدولة ما بعد القومية، والدولة العربية الحديثة؟
■ قد يعتقد بعض الفلاسفة أنهم أعلى درجة من غيرهم من العلماء أو المفكرين. وهذا الاعتقاد له ما يبرره قديمًا؛ حيث كانت الفلسفة أم العلوم، وكان الفيلسوف لا يستحق هذا الاسم إلا إذا حاز على معرفة شاملة في كل العلوم المعتبرة في وقته، مثل: الفلك والطب واللغة والرياضيات والميتافيزيقا. وهذا يفسر لنا لماذا كان ابن سينا، مثلًا، طبيبًا وشاعرًا وفلكيًّا وفيزيائيًّا، إضافة إلى كونه فيلسوفًا. أما اليوم فلم يعد هذا مبررًا. فالفلسفة صارت حقلًا معرفيًّا مجاورًا لبقية الحقول. لكنها تظل تمتاز بالعلو في التجريد. فهي تبحث في الأسس التي ليس وراءها أسس أخرى.
عمومًا، الفلسفة كتخصص لم تعد تسمح بأن يكون الفيلسوف شخصية كاريزمية ملهمة. لكن هل المثقف العضوي أو التعبير عن فئة معينة هو البديل للفيلسوف الكاريزمي؟ ليس بالضرورة. فالمثقف العضوي، على الأقل كما يصوره غرامشي، ليس مناسبًا للفيلسوف. فالفيلسوف يظل معبرًا عما هو مشترك بين البشر. وبمجرد أن يعبر عن مذهب ديني معين، أو عن عرق محدد، أو عن فئة اجتماعية ما، فقد تخلى عن دوره كفيلسوف وتحول إلى مبشر أيديولوجي. النص الفلسفي، مهما تكن طبيعته، ينبغي أن يكون ذا مقروئية كلية. فإذا قرأتُ نصًّا فلسفيًّا لكاتب من البرازيل فلن أشعر بالغربة أو الغرابة، حتى لو كان للبيئة أثر فيه. فهو في النهاية لا يخاطب القراء البرازيليين بل كل القراء الفعليين والممكنين. وهذا لا يصدق على الشعر مثلًا. فالشاعر البرازيلي يكتب لمن يعرف قواعد اللغة البرتغالية وقوانينها البلاغية. إلا في حالات استثنائية؛ وهي الحالات التي يستطيع فيها الشاعر أن يوظف ما هو محليّ للتعبير عما هو كلي وعالمي.
الموقع الحقيقي للفيلسوف هو العالَم كله. ويجب أن ينظر إلى مشكلات الآخرين على أنه جزء من مشكلاته، وهذه المشكلات على كل حال ذات طابع كوني، وإلا فلتُترك إلى أصحابها والقريبين منها. لكن كونية الفيلسوف لا تمنع من استثمار التراث المحلي في التفلسف. وقد وظَّف صديقنا عبدالله المطيري ثيمة الضيافة والكرم لإنجاز نص فلسفي يقبل أن يُقرأ من أي شخص في العالم.

● كيف يمكن للفيلسوف، في ظل الأزمات الراهنة، أن يحتل مكانًا داخل الفضاء العربي المتأزم ثقافيًّا واجتماعيًّا؟
■ الفضاء الاجتماعي، عربيًّا وعالميًّا، لم يعد مكانًا مريحًا للفيلسوف. وصارت قيادة الرأي العام بيد مشهوري السوشال ميديا التي بدأت تزاحم الوسائط التقليدية المسؤولة عن توجيه الرأي العام. لكن في بلدان غير عربية (بلدان أوربية مثلًا، أو في أميركا) تظل الجامعات والمعاهد فضاء ممتازًا ويمكن للفلاسفة أن يتنفسوا فيه بسهولة. وهذا للأسف ما نفتقده عربيًّا. فالأكاديميا العربية كانت ولا تزال خانقة للروح الإبداعية في الفلسفة والعلوم. وهكذا فالفيلسوف العربي يعيش غربة مزدوجة، مع وجود استثناءات بسيطة. وأعتقد أن الفلاسفة العرب يجب أن يتقربوا من بعض، ويتواصلوا، ويتفاعلوا مع أطاريح بعضهم بعضًا. بهذا يمكن أن تنشأ هيئة تلقٍّ عربية قوية وداعمة للإبداع الفكري. وعندما يقوى هذا المجتمع المعرفي سيكون الفيلسوف، وقتئذ، قادرًا على أن يجد له مكانًا في الفضاء الاجتماعي، ويصبح مؤثرًا في الرأي العام.
الذي أراه حاليًّا هو أن هناك ميلًا للتجاهل المتبادل بين الفلاسفة العرب. وكل فيلسوف مشغول باقتباس آراء فلاسفة من الخارج أو التعريف بأفكارهم، أو التفاعل معهم. ولا بأس بهذا التواصل الخارجي. لكنه لن يكون ذا جدوى ما دام التواصل الداخلي هشًّا.
حاجتنا إلى مجتمع فلسفي عربي متفاعل
● ظهرت على امتداد القرن الماضي مشاريع فكرية عدة ومتنوعة ما زالت محل نقد إلى اليوم. نذكر من بينها كتابات محمد عابد الجابري، ومحمد سبيلا، وياسين الحافظ، وعبدالله العروي، وحسين مروّة وغيرهم. قدمت جميعها جردًا نقديًّا لما توافر من مفاهيم ومقاربات على امتداد أزمنة مختلفة وسياقات ثقافية وسياسية وفكرية متباينة، ومكّنت من خلق فرص للنقد وللتأويل والفهم. فكيف يمكن أن نتموضع بين حديّة التراث والحداثة أو التجديد والتحيين، وبخاصة أن بعضًا يرى أننا لا نزال في عالمنا العربي شراحًا ونقادًا للفلسفة أكثر من كوننا فلاسفة مُجدّدين؟
■ الفلاسفة العرب المعاصرون يعانون الأزمةَ التي أشرت إليها أعلاه. وهي أزمة غياب التواصل الداخلي الذي هو شرط ضروري لقيام مجتمع فلسفي عربي حقيقي. لقد ذكرتَ في سؤالك أسماء عربية كبيرة. لكن هل التواصل فيما بينهم متين؟ للأسف لا. قد يوجد تواصل نادر أو تواصل سطحي.

عبدالله العروي
لقد قدم هؤلاء الرموز (الجابري، العروي، أركون، الغذامي، علي حرب…) مشروعات ضخمة في قراءة التراث بعيون نقدية ومتجددة. وأحدثوا تأثيرًا في قرائهم. لكن هذا التأثير انتهى بالقراء إلى أن يكونوا أتباعًا لهم. وكان بالإمكان أن تنضج تلك المشروعات لو أن بقية الرموز انخرطوا في نقاش فلسفي أصيل، وتفاعل بنّاء، بدلًا من النقد السلبي الذي يريد مصادرة جهد الكاتب أو اتهامه بالسطو على أطاريح غيره. أما الأثر الاجتماعي لتلك المشروعات فيحتاج إلى أن تتحول (تلك المشروعات) إلى أجندة عمل تتولاها مؤسسات الدولة والمجتمع. ولا يمكن للمفكر أن يغير الواقع بقلمه.
● تتجدد الدعوات على امتداد العالم العربي لتأسيس فضاء عمومي يُوفر إمكانيات النقاش والتداول وغيرها. وربما وقع تأسيس مثل هذه الفضاءات في دول مثل تونس والمملكة العربية السعودية، مثل جمعية الفلسفة، وفي غيرها من الدول. كيف تُقيّم من وجهة النقد الفلسفي، مُنجزات هذه الفضاءات على مستوى ما تطرحه من قضايا وهل استعاد الفيلسوف من خلالها، مهمته الرئيسة داخل جغرافية الأضداد وصراعات الهوية والتقنية والافتراضي وغيرها من باثولوجيات مجتمعات الحداثة المتأخرة؟
■ جمعيات الفلسفة العربية تقوم بدور لا بأس به، على الأقل في لمّ الشمل، إن صحت العبارة. وقد تأسست الجمعية الفلسفية في السعودية لغايات من بينها أن تكون فضاء يلتقي فيه المهتمون بالفلسفة ويتواصلون فيما بينهم ويعرضون أفكارهم على بعض، عبر اللقاءات والندوات والمؤتمرات. وما يميز جمعية الفلسفة السعودية أنها لا تزال فتية، وهذا يجعلها أكثر حيوية ونشاطًا. وقد تجلى ذلك في الأعمال التي تقوم بها على مدار السنة من محاضرات ودورات تدريبية وورش عمل، إضافة إلى عنايتها بالنشر الورقي والإلكتروني. وقد أسست من أجل ذلك دار نشر اسمها دار فلسفة، وأصدرت مجلة نصف سنوية هي مجلة مقابسات.
وعلى الرغم من ازدهار الفلسفة في السعودية والخليج إلا أن بلدان المغرب الكبير ولا سيما تونس والمغرب والجزائر لا تزال هي التي ترفع شعلة التفلسف منذ عقود. فبعدما كانت مصر والشام والعراق هي رائدة الفكر والأدب، أصبح هناك تحول في الاهتمام ملحوظ وواضح. وما يتصف به المشهد الفكري في بلدان المغرب الكبير هو التواصل الداخلي المحمود بين مفكريه وفلاسفته. فلا نعدم أن نجد مفكرًا كبيرًا يكتب عن مفكر مبتدئ ويتفاعل مع نصه بشكل مُثْرٍ. بل إن بعضهم يترجم لبعض سواء من العربية إلى الفرنسية أو العكس. وأتمنى أن يحدث مثل هذا التفاعل الجميل في بقية البلدان العربية.
الترجمة والانتقاء والتفلسف الحر
● كيف ينظر شايع الوقيان إلى حركات الترجمة في العالم العربي؟ وهل يمكن أن تكون الثقافة العربية بمستوياتها السيميائية واللغوية والأنثروبولوجية حقلًا مُستقطبًا للآخر المختلف بفلسفته وبإدراكه لمستويات ونوعية العلاقة مع «النحن» العرب؟
■ منذ بدايات عصر النهضة العربية الحديثة إلى عهد قريب، كانت الترجمة الفلسفية في الثقافة العربية تُنجَز على أيدي فلاسفة، وليس مجرد نقلة. فكان الفيلسوف عثمان أمين يمارس الترجمة، وكذلك أحمد لطفي السيد، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وغيرهم. ولذا كانت ترجماتهم من أفضل الترجمات. مؤخرًا تغير الحال وصار المترجمون إما مجرد نقلة لا يملكون من الكفاءة سوى معرفة اللغة المنقول منها، أو فلاسفة لا ينقلون إلا لغايات ربحية. الحقيقة أني غير راضٍ تمامًا عن حال الترجمة اليوم، وقلما نجد كتابًا فلسفيًّا مترجَمًا يستحق القراءة. وقد دعوتُ القراء في غير موضع إلى أن يتعلموا إحدى اللغات الفلسفية (وتحديدًا الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية) حتى يصلح حال الترجمة.
فكرة الترجمة عمومًا فكرة عظيمة وهي سبب من أسباب النهوض الحضاري في أي بلد. فالانتفاع بما لدى الأمم الأخرى من علوم وفنون ومهارات شرط ضروري للتقدم. وليس هناك بلد بلغ من التقدم مبلغًا رفيعًا إلا وكان بلدًا منفتحًا على الحضارات الأخرى، ومستلهمًا لتجارب الآخرين. وأفضل مثال هو ما حدث في مطلع العصر العباسي الذي شهد حركة ترجمة فعالة أدت إلى ظهور ونمو كثير من المعارف والعلوم التي ظلت إلى يومنا هذا شاهدًا على عظمة العقل العربي.
● يحظى الأثر الفلسفي لابن رشد والغزالي وابن تيمية والفارابي باهتمام بالغ في أطروحاتك الفلسفية. هل يمكن لهذا الأثر أن يكون نقطة انطلاق للإجابة عن أسئلة الدولة العربية الحديثة والذات العربية والهوية وغيرها، وبخاصة أن جزءًا مما يُكتب حول تراث ابن تيمية والفارابي والغزالي، خصوصًا العلاقة بالمسألة الدينية، يُقيم تضادًّا بين المُفكَّر فيه فلسفيًّا وبين ما توفره فلسفات عصر التنوير العربي؟
■ ليس هناك تضاد بين الفكر القديم وفكر التنوير، لكن هناك فرق. هذا الفرق يجب أن يقودنا إلى إدارة وترتيب العلاقة مع الماضي. يجب التشديد دائمًا على أننا ننتمي للحاضر. وأن الماضي يجب أن ينتصب لنا كمستودع للمعاني والدلالات التي قد تفيدنا في حياتنا اليومية وفي نشاطنا الفكري. وهذا المستودع فيه ذلك الذي لا يزال يفيض بالحياة، وفيه ذلك الذي زال عنه الأثرُ وصار شاهدًا تاريخيًّا. إن العيش في الماضي هو أكبر خطر يهدد الماضي نفسه ويجعله غيرَ ماضٍ! فتقدير الماضي هو بإبقائه ماضيًا. وحتى فيما يتعلق بالعلوم الدينية (وليس الدين)، فلنا نحن أبناء الحاضر مطالب ولنا بنية ذهنية مختلفة عما كان في الماضي.

محمد عابد الجابري
استلهام الماضي يجب أن يكون انتقائيًّا. وقد يعترض كثيرون على هذا الرأي؛ لأن الانتقائية عمل عشوائي كما يظهر للوهلة الأولى. لكنها لو تدبرنا الأمر جيدًا لوجدنا أنها أفضل خيار عملي لجعل الفكر القديم ذا أثر إيجابي في حياتنا الحاضرة. يجب ألّا يتغلغل الماضي في كل شيء وإلا ضاع الحاضر من بين أيدينا؛ إذ على الماضي يكون كالمهماز الذي يحفزنا إلى التقدم والتحرك إلى الأمام. أما ما يجرنا إلى الوراء فهو الفكر الذي لم يعد ذا قيمة فاعلة اليوم، رغم أنه كان نافعًا في وقته.
لا يمكن لي أن أعتنق مذهب الفارابي كله. فهذا عمل جنوني. بل يكفيني منه أن أنتقي تلك الأفكار الحية التي أستطيع أن أبني عليها مذهبي أو أدعم بها أفكاري. وبكل حال، فالاعتناق الكلي لمذاهب قديمة ليس مقبولًا إلا لدى بعض الكتّاب الأصوليين أو التقليديين. أما أغلب المفكرين العرب فتجاوزوا التقليد. لكن السؤال: هل نجوا من تقليد الحاضر المغاير؟ أي تقليد الفكر الغربي؟ أليس من الجنون أيضًا أن يعتنق المرء مذهب ديكارت كاملًا؟ أو كانط؟ أو فتغنشتاين؟ بلى. ومن ثم فالأصوب هو ممارسة السلوك الانتقائي نفسه مع الفكر الغربي. وهذه الانتقائية سوف تسمح للمفكر بأن يبحث لنفسه عما يعبر عنه. فمن خلالها تنفتح بعض الثغرات التي تؤسس لإبداع نص فريد.
من التنوير إلى الذكاء الاصطناعي
● هل تُقرأُ كتاباتك حول العلمانية والدين والمرأة والتنوير الأوربي في الجزء المتعلق بما تضمنته هذه الكتابات من نقد، واسترجاع -نقدي تأويلي- لأطروحات الفارابي والغزالي وغيرهم، كمشروع أو كرؤية لاستمرارية فكرة التحديث العربي من بداياته إلى حدود العصر الحديث، مع طرح فكرة التعايش والاختلاف والتسامح وغيرها، وذلك كإجابة -ضمنية- على هشاشة ما سماه وائل حلاق بالدولة المستحيلة التي تتعارض مدونتها الأخلاقية مع مُخرجات الحداثة؛ هذه الحداثة التي نفهمها بما يتوافر في تراثنا الفلسفي العربي؟
■ كتاباتي حول العلمانية وقضايا التنوير يغلب عليها الطابع الدعَويّ. وهي في مجملها كتابات صحفية أريد بها إيقاظ العقل العربي من سباته، كما يفعل غيري من مفكري التنوير العربي منذ محمد عبده والكواكبي إلى اليوم. ولا أعتقد أن لدي أطروحات أصيلة في هذا المجال. وأما في الفلسفة، فأكتب بطريقتين؛ الأولى تقديم الفكر الفلسفي للقارئ العربي، والسعودي تحديدًا، كمحاولة مني لتفادي غياب الفلسفة في مجال التعليم العام والأكاديمي. والطريقة الثانية هي طريقة الإبداع الفكري. وفيها أحاول أن أطرح آرائي الفلسفية، وليس آراء غيري. حتى لو صادَف أن دخلت في حوار مع فلاسفة آخرين، فإني أدخل للإفادة منهم في تمتين نصي وتدعيمه بالأدلة والبراهين. بل إني أتعجب من كتّاب فلسفة كبار ينفقون حياتهم في شرح الفلسفة وتقريبها للناس، ولا يكتبون شيئًا يعبر عنهم شخصيًّا. فأقول في نفسي: لعله لجأ لذلك إما بسبب حاجته للمال (فكُتُب الشرحِ أكثر رواجًا) أو لأنه غير قادر فعلًا على التفلسف، فيكتفي بالشرح أو الترجمة. وهي عمومًا أعمال جليلة، ولكنها لا تؤهلهم ليكونوا في خانة الفلاسفة، إلا إذا وسّعنا المفهوم بحيث يشمل كل من يشتغل في الفكر الفلسفي.
● هل من حق الفيلسوف أن يقول بإمكانية التفلسف من خارج أُطر الفلسفة؟ بمعنى أن يدفع -على سبيل المثال- باتجاه فهم العقل- الآلة كما كتبت حوله في نصك المشترك مع الأستاذ عبدالله المطيري، أي ألا يركُن الفيلسوف أمام حوسبة العقل في ظل تطور العقل الأداتي راهنا؟
■ الآلة يمكن أن تفكّر إذا فهمنا التفكير بوصفه حسابًا (calculative thinking). فالآلة الحاسبة البسيطة تستطيع إجراء عمليات حسابية معقدة لا يقدر عليها أغلب البشر. والتفكير الحسابي لا يقتصر على الرياضيات، بل يمتد إلى مجالات العلوم والحياة. وهو يقوم على وجود مدخلات وعمليات ومخرجات ويتكئ على مبادئ مثل السببية والارتباط الإحصائي وغير ذلك. وبهذا فالآلة -ممثلة اليوم في الذكاء الصناعي- تستطيع التفكير. لكن هل التفكير حسابي فقط؟ بعبارة أخرى: هل يستطيع الذكاء الصناعي أن يتفلسف؟ لربما يكتب نصًّا يبدو في ظاهره فلسفيًّا. لكن إذا علمنا أن التفلسف يستوجب الإبداع، والإبداع ينطلق من الفرادة والاختلاف، وكل أولئك متصل بالحرية، فسنقول عندئذ: إن الذكاء الصناعي غير قادر على التفلسف الحقيقي. التفكير الحسابي منهجي وخاضع لقواعد مقررة مسبقًا، بخلاف التفكير الإبداعي (creative thinking) الذي ينطلق مما هو مفاجئ وغير متوقع و«ملتوٍ» (إذا استعرنا عبارة شوقي الزين). وهذا الالتواء لا يحتمله سوى كائن حر يجعل من ذاته سببًا أول لا سبب قبله. وإذا جاء اليوم الذي يكون فيه الذكاء الصناعي حرًّا فإنه سيصبح إنسانًا، وعندها سيكون قادرًا على التفلسف الحقيقي وكتابة الشعر الأصيل وليس محاكاة النماذج المسبقة.
الشعب والجمهور
● بين الحرية الموجبة والحرية السالبة بتوصيف إشعيا برلين، تتموضع الفلسفة عربيًّا بما هي دعوة للحرية. ما آليات الدفع في اتجاه تلك الحرية من وجهة نظرك؟
■ هناك ثلاثة اتجاهات تتعلق بمفهوم الحرية (بمعناها الفلسفي وليس السياسي). الأول الاتجاه الحتمي الذي ينكر حرية الإرادة، وعلى الرغم من وجاهة أطروحاته إلا أني أرفضه، وآمنت بالاتجاه الثاني الذي هو الاتجاه الحر أو الليبرتاري. وقد قدمت حججي في كتاب «الوجود والوعي» وأيضًا في كتاب «مفاهيم ونظريات». أما الاتجاه الثالث فهو التوافقي، ويحاول أن يبين أن الإنسان حر حتى لو كانت الحتمية صحيحة. وأعتقد أن الرأي الثالث يكاد يكون حتميًّا.
أما المعنى السياسي للحرية فيسلِّم مقدمًا بأن الإنسان حر، ولكنه يسأل: ما حدود حريته سياسيًّا واجتماعيًّا؟ ورأيي هنا لا ينتمي للمذهب الليبرالي، فليس لدي أي اقتناع بالنموذج الديمقراطي في إدارة شؤون الحكم، وأعتقد أن النموذج الأرستقراطي الجديد، أي ذلك الذي يعتمد على مفهوم الجدارة وليس النبالة، هو الأفضل. وأكتفي بالديمقراطية فيما يتعلق بالأمور الاجتماعية. ونحن عربيًّا نعاني كثيرًا سطوةَ الجمهورِ أكثر من سطوة الدولة. وأكبر عائق للمفكر العربي هو مجتمعه وليس حكومته. وعلى الرغم من أن كلامي سيثير غضب المفكرين (وبخاصة من تأثر منهم بالأطاريح اليسارية حتى لو لم يكن يساريًّا) إلا أن هذه القناعة ترسخت عندي بسبب التغيرات التي طرأت على مفهوم الدولة في السياق العربي في القرن الحادي والعشرين، وهو قرن انهيار الأيديولوجيات الكبرى مثل: الشيوعية والقومية والبعثية والإخوانية. فلم يبقَ لدينا سوى الحاكم والشعب. ولم يعد هناك شيء يتوسّط بينهما. والمثقفون ليسوا «أحزابًا» بل أفرادًا متحررين. ولا يعوق طريقهم سوى «الجمهور» الذي يختلف عن الشعب في كونه كتلة صماء لا وعي لها، تسحق ما يقف في طريقها. ولا يمكن التخفيف من سطوة الجمهور إلا بسن قوانين مدنية تحمي الأفراد. وكل هذا منوط بالحكومة. فإذا جاءت الحكومة المستنيرة فإن الفضاء العام ينفتح ولو بشكل جزئي على مفهوم الشعب. ولإيضاح الفرق، أقول: الشعب هو كل الناس محتفظين باختلافاتهم، بينما الجمهور هو أناس متشابهون حتى لكأنهم نسخ مكررة من بعض. وبهذا فمطالب الشعب قانونية ومعقولة، بخلاف مطالب الجمهور التي لا تهم سوى من ينتمي إليهم.
في حضرة الآلة يغيب الإنسان
● أي «دازاين» ممكن لفيلسوف القرن الحادي والعشرين من منظورك الشخصي بوصفه مواطنًا أولًا يلحظ ويتابع ما يجري من أحداث، وبصفته ناقدًا أدبيًّا ثم متفلسفًا على طريقته؟
■ الإنسان بوصفه «دازاين»، أي بوصفه كائنًا معنيًّا بوجوده، يعاني ضروبًا من التمزّق الناجمة من طبيعة العلاقة بينه وبين المحيط الاجتماعي. الوجود -مع- الآخرين شرط أساسي لوجود الشخص. أي لتحوّله من مجرد فرد أو كائن حي إلى كائن له هوية شخصية. والتواصل مع الآخر هو سمة الوجود الاجتماعي. وكان التواصل واقعيًا يحدث وجهًا لوجه، وكان التضامن قويًّا، وكذلك الصراع. في عصر التواصل الإلكتروني أو الافتراضي اختفت «الوجوه» وصارت الصور تنوب عنها. في بعض تطبيقات التواصل مثلًا يكفي أن أضع أيقونة وجه غاضب لينوب عن وجهي الحقيقي المتفجّر بالدماء، أو أيقونة وجه باسم ليعبر عن وجهي السعيد. وهكذا فـ«العلامات» التي تنوب عن المدلولات تضاعفت عددًا، وصار التواصل عبارة عن علامات فوقها علامات. وبهذا اختفى الواقع، كما تنبأ جون بودريار.
لا يمكن أن تنمو شخصية الإنسان وجوديًّا إلا إذا كان هناك واقع، أي مرجع خارجي تتكئ عليه الإحالات الرمزية التي نعبر بها عن أفكارنا ومشاعرنا. هذا المرجع هو ما يجعل العلامة أو الرمز دوالّ منفصلةً عن معانيها، ولكنها متصلة بها كإحالة. وغياب الواقع يعني أن الدوال ستظل دوالّ للأبد، وستفقد المعاني أية قيمة لها. فالمعنى ينشأ من التقاء الدال بمدلوله، أي أن يحيل إلى شيء يقع خارجه. بتعبير آخر، غيابُ الواقع سيجعل كلَّ شيء افتراضيًّا، وكلَّ شيء خاضعًا لسيطرة المنطق الخوارزمي أو اللوغاريثمي الذي تسير عليه آلات التواصل الاجتماعي المعاصرة. إذا فقد الإنسان حريتَه وقدرتَه على الفعل والتفكير، بفضل الخدمات المريحة التي تقدمها الخوارزميات، فإنه لن يعودَ «دازاين»، وجودًا لذاته، بل حجرًا صلدًا، وجودًا في ذاته. «العودة إلى الواقع» هو الشعار الذي يجب أن يسود.
● انطلاقًا من الراهن الإقليمي والدولي وما يجري من أحداث مختلفة على امتداد الجغرافيا العربية والدولية؛ كيف ينظر شايع الوقيان -بوصفه متفلسفًا فيما يُفكّرُ فيه وبكونه فيلسوفًا فيما يكتُبه- إلى دور الفيلسوف في علاقة بالدعوات المتصاعدة إلى إعادة فحص القدرات الإجرائية لترسانة مفاهيم الحداثة وما بعدها والقطع مع حالة الأزمة أو ما يمكننا تسميته بحالة «خلو العرش» بتعبير أنطونيو غرامشي؟
■ هناك نوع من التحوّل العميق يشهده الفكر البشري، في تجلياته العالمية على أقل تقدير، منذ بدايات القرن الراهن. ويمكن استجلاء بعض مظاهر هذا التحول في التغير السياسي والاقتصادي الناجم عن الثورة المعلوماتية والإلكترونية. لم يعد الفضاء السياسي-الاقتصادي اليوم قادرًا على تحمّل أعباء الحداثة وما بعد الحداثة. ويبدو أن الحداثة وما بعدها هي تعبيرات مفهومية لحقبة تاريخية مرتبطة بالقرن الماضي وما تميز به من انتشار للفكر الأيديولوجي الذي برز واضحًا إبان الحرب الباردة. حتى مفردة «العولمة» تنتمي لتلك الحقبة على الرغم من أننا اليوم نشهد ما يمكن أن نطلق عليه «عولمة» بالمعنى التقليدي. لكن المفردة تلاشت اليوم أو لم يعد لها استعمال سوى الاستعمال التأريخي.
نحن اليوم نلج برادايم جديد، لكنه من دون ملامح واضحة. إنه ما بعد ما بعد الحداثة، وما بعد العولمة. برادايم عالمي يسيطر عليه نموذج الذكاء الصناعي والسوشال ميديا والسوق الافتراضية. ودور الفلاسفة اليوم توقف عن أن يكون إنشاء المذاهب الفكرية، واكتفوا بتحليل العلاقات الوجودية بين البشر في ظل هذا التطور الفائق للذكاء الصناعي والتواصل الحضاري الافتراضي. وبسبب هذا التحول، صار مبحث الأخلاق اليوم له السيادة على بقية المباحث. وعمومًا، أعتقد أن فكر الحداثة -كمشروع مستمر- أو حتى ما بعد الحداثة، أصبح غريبًا اليوم، رغم أن بعض شرائح المثقفين لا تزال تستعمل مفاهيمها.