الشاعرة الكولومبية مريم مونتويا: المشهد الثقافي الكولومبي غني ومتعدد وأسعدني أن يكون اسمي جسرًا للقائي بالعرب
تُعد مريم مونتويا أحد أهم الأصوات الشعرية في كولومبيا وأميركا اللاتينية عامةً. تعيش موزعة بين تشبثها بأصولها المنحدرة من آخر سلالة هنود الأمازون، وإقامتها الطويلة بباريس. تحفل نصوصها باقترابها من لحظات التشظي الإنساني الأكثر عمقًا. أصدرت مجموعة من الأعمال الشعرية، من بينها «الهروب»، «آثار»، «اجتثاث»، «أتيت من الليل»، «وردة الرفض» و«بوصلة الأيام». وترجم أعمالها كلود كوفون وستيفان شومي الذي أسست برفقته دار نشر خاصة بالإصدارات الشعرية. تَرجمت مجموعة من النصوص إلى الإسبانية، من بينها أعمال الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، والشاعرة التونسية أمينة سعيد.
هنا حوار معها.
● لنقترب أولًا من الحركة الثقافية بكولومبيا. هل أبقت الحرب الأهلية الطويلة التي عرفها البلد على هامش للإبداع؟
■ الحقيقة أن المشهد الثقافي الكولومبي يتسم بغناه وبتعدده الخاص، كما هي الحال بالنسبة إلى جغرافيا كولومبيا نفسها، القائمة على توزعها على خمس جهات كبرى، حيث تبلور تاريخ كولومبيا، وحيث تكونت المظاهر الثقافية، سواء المرتبطة منها بالخصوصيات العميقة لكولومبيا، أو المتمخضة عن امتدادات المثاقفة التي تشكل أحد خصائص ثقافتنا. لقد شكلت مكونات الثقافة الأهلية الأولى، وامتدادات الوجود الإسباني ابتداءً من القرن الخامس عشر، والحضور الإفريقي ابتداءً من القرن السادس عشر، أُسسًا ثقافية تتجلى امتداداتُها من مختلف مظاهر الإنتاج الإبداعي للعديد من مناطق كولومبيا. وارتباطًا بذلك، نجد مثلًا أن روح الإبداع الإفريقي تحكم حكمًا واضحًا رقصات وأغاني مناطق المحيطين الأطلس والهادئ، بالرغم من وجود جانب من الفن الإسباني وفن الهنود الحمر. وفي الإطار ذاته، تحفل مناطق الأمازون الكولومبية بموسيقاها السرية العريقة، وهي موسيقا ما زالت تحتفظ بطقوسها البدائية المدهشة، حيث تختلط أصواتُ المحاربين وابتهالاتُ المتضرعين إلى الله وتأوهاتُ المنتشين. وارتباطًا بذلك، تشهد كولومبيا، طيلة السنة، العديد من الاحتفالات والكرنفالات والمعارض والمهرجانات التي يعاد منها إنتاج وتكريس مختلف المظاهر الثقافية، وذلك بشكل قد يفاجئ الزائر الأجنبي. ويمكن أن أستحضر، في هذا الإطار، كرنفال برانكيا ومهرجان الأكورديون وعيد السكر ومعرض الورد وكرنفال البيض والسود، وأيضًا المهرجان الشعري الدولي لمدينة ميدلين.
وبالرغم من الغياب شبه التام لوزارة الثقافة، ومحدودية الدعم الرسمي، ثمة رغبة حقيقية لدى الأفراد والجماعات، ولدى المقاولات الخاصة أحيانًا، لبلورة مشروعات ثقافية عديدة. ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الدور الفعال لمجموعة من الجامعات والمؤسسات غير الحكومية والجمعيات والمجلات الأدبية التي تسعى إلى خلق حركة ثقافية دائمة.
لقد وصلتنا الأساطير والقصائد الشعبية السابقة على الوجود الإسباني من طريق لغة الاستعمار. ويمنح كل ذلك صورة شفوية باهتة عن تاريخنا الأصلي العريق، وعن تاريخ لغاتنا الممنوعة والمنسية. وظلت بذلك أصولُنا مقيمةً خارج الكتابة. وكما هو الأمر بالنسبة إلى تاريخنا، يبدو شعرُنا المكتوب بدوره «حديثًا»؛ إذ تعود بداياتُه إلى أواخر القرن الخامس عشر. كما أن مساراته اتسمت بقطائع عديدة، ارتبطت بالغزو، والاستعمار، و«الاستقلال». وتحتفظ هذه المسارات باستمرار امتدادات ضغط الفكر الاستعماري، والرشوة، والنزعات الكاثوليكية، ومساوئ الرأسمالية والديمقراطية المزيفة والتبعية الاقتصادية ومختلف مظاهر التخلف.
لقد بدأ تمثل القيم الغربية بكولومبيا وببقية دول أميركا اللاتينية منذ نهاية القرن التاسع عشر، واتخذ ذلك شكلًا واضحًا مع سنوات القرن العشرين. بينما يبدو البحثُ العميق والحقيقي عن الهوية وعن صوتنا الخاص حديثًا، وفرديًّا أيضًا. كما أن هذا البحث احتفظ بخصوصية استناده إلى مرجعيات الآداب الكونية، وخصوصًا الإغريقية منها والرومانية والروسية والإسبانية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والعربية أيضًا، وذلك مع التوجه الجديد نحو الإنصات لجانب من صوت أدب أميركا الشمالية.
إنها مسارات خاصة ومتميزة. يبقى أن تمثلها لا يمكن أن يتم من دون استحضار جانب من تاريخ كولومبيا المشحون بامتدادات حروبه الأهلية الدموية.
المشهد الشعري الكولومبي
● تبدو الصورة التي رسمتها للمشهد الثقافي بكولومبيا قاتمة إلى حد ما. هل يحكم الوضعُ نفسه التجربة الشعرية الكولومبية الجديدة؟
■ تعرف كولومبيا حاليًّا حركة شعرية مهمة. غير أنه يبدو من الصعب الحديث عن تبلور حركة شعرية جديدة. فالأصوات الشعرية نفسها تستمر في تكريس أحاديتها ضدًّا على قيم التعدد والاختلاف، وذلك بشكل يبدو معه المشهد الشعري متمركزًا حول شعراء معينين، كجوزي أسونسيو سيلفا، وبورفيريو باربابرا جاكوب، ولويس فيدالس وغيرهم. وتبدو قراءة كل شاعر من هؤلاء ممرًّا إجباريًّا لكل شاعر شاب. وخارج ذلك، يحتفظ المشهد الشعري الكولومبي بلحظات مضيئة، ترتبط أساسًا، بالأوقات التي ينفصل خلالها الشعر عن الانشغالات السياسية، وعن أجواء العنف. ويمكن في هذا الإطار، استحضار عدد من المجموعات التي انتظمت داخلها مجموعة من الشعراء، وبخاصة ما يتعلق بمجموعة «الجدد» ومجموعة «ميتو» و«الجيل المجهول» ومجموعة «العدم». وتحتفظ المجموعة الأخيرة برؤياها القائمة على الرفض، وبمواجهتها المعلنة لقيم المجتمع المحافظة، ولقدسية الطقوس الكاثوليكية. وشكلت هذه المجموعة نقطة قطيعة مع الأجيال الشعرية خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث احتفظت تجربتها بهويتها الخاصة، وباختلافها سواء على مستوى شكل القصيدة
أو أسئلتها الأنطولوجية.
● يظهر من خلال حديثك أن المشهد الشعري الكولومبي تقوده الجماعات الشعرية. أنت مثلًا، تنتمين، كما يُفترض، إلى جيل التسعينيات. هل خضتِ التجربة بإحساس الانتماء إلى جماعة معينة؟
■ لا أستطيع أن أحسم في انتمائي لجيل شعري أو جماعة شعرية معينة. وخارج ذلك، أستحضر أمرًا يبدو محددًا لجانب من مساري الشعري. لقد استفدتُ في سن السادسة عشرة من فرصة التعرف إلى مجموعة من شعراء مدينتي ميدلين، وكانوا حينها منضمين لمحترف شعري يديره الكاتب الكولومبي مانويل ميخيا فالخو. كنتُ حينها مراهقة خجولة تتابع دراستها بالتعليم الثانوي، بينما كان الشعراء الآخرون في منتصف مسارهم الإبداعي. لقد شجعني هؤلاء على استكشاف شعراء آخرين ونصوص شعرية جديدة. وكانت تلك المرحلة بالنسبة لي لحظةَ تعلم وقراءة بامتياز، أَنصَتُّ خلالها للقصيدة ولصوت عزلتي ولتاريخي الشخصي ولتاريخنا الجماعي. لقد قرأتُ بحب ترجمات لنصوص شعراء، مثل: سيزار بافيس، وبودلير، وفرلين، وهدرلين، وناظم حكمت، ووالت وايتمان. كما قرأت نصوص شعراء أميركا اللاتينية، مثل: روبين داريو، وبابلو نيرودا، وجيرفاسي، وألكسندرا بيزرنيك، وبورخيس، وغابرييل ميسترال. وتعرفتُ من خلال صوت المغني الإسباني خوان ماويل سيرات على قصائد ميغيل هيرنانديز وأنطونيو ماشادو. كما اكتشفتُ فيما بعد فيدريكو غارسيا لوركا، وأوكتافيو باث، وفيزنت ألكسندرو وآخرين. وإلى جانب ذلك، ثمة محطة أساسية داخل حياتي، ارتبطت أساسًا باستقلالي عن بيتي الأبوي بمدينة ميدلين منذ سن التاسعة عشرة، حيث أقمت بمدينة طونخا طيلة سبع سنوات، وتعرفتُ هناك إلى شعراء، كنانا رودغيز وكارلوس كاستيو وفيكتور لوبيز. وعلى الرغم من اشتغالنا الجماعي في إطار مجلة «راسبودا» التي تولينا نشرها، فلم يكن لدينا الإحساس بتاتًا بانتمائنا لمجموعة أو لجيل معينين؛ وذلك لسبب بسيط، هو أن الكتابة هي فعل فردي بامتياز.
تأثير باريس
● تقيمين في باريس منذ مدة طويلة. ما الذي منحته هذه التجربة لمسارك الشعري؟
■ شكلتْ إقامتي بباريس تجربة أساسية لمساري الشعري، لقد كانت الفضاء الذي تحقق داخله، بفعل قدر ما، نشر عملي الشعري الأول، وهو الأمر الذي كان يبدو عسيرًا بالتأكيد. إن أميركا اللاتينية تحتفظ، على المستوى الأيديولوجي، بعلاقات خفية وعميقة مع فرنسا، حيث إن استقلال عدد من دولها كان بتأثير ثوابت الثورة الفرنسية القائمة على مبادئ الحرية والمساواة والأخوة. وامتدادًا لذلك، شكلت باريس، في الماضي القريب خاصةً، معْبرًا أساسيًّا، ليس فقط لهذا الاعتبار التاريخي، ولكن أيضًا لامتلاكها قدرة خفية على اجتذاب مختلف أدباء وفناني العالم. إلى جانب جمالها، تبدو باريس فضاءً ملائمًا للاحتفاء بالعزلة وبالفردانية.
● صدرت مجموعتك الشعرية «هروب» عن دار النشر الفرنسية المشهورة «لارماتان». ماذا حمل لك ذلك على مستوى تجربتك الشعرية؟
■ فتح صدورُ مجموعتي الشعرية «هروب» ضمن منشورات لارماتان العديد من الأبواب، خصوصًا أن نقل النصوص إلى الفرنسية قد تولاها مترجم معروف. وعلى الرغم من محدودية النجاح التجاري لهذا العمل، فقد لقي اهتمامًا خاصًّا من جانب الصحافة الثقافية والنقاد، سواء في فرنسا أم في أميركا اللاتينية. لقد منحني هذا العمل فرصة حضور العديد من التظاهرات الأدبية، كما أتاح لي إمكانية تمويل نشر مجموعتي الشعرية الثانية.
الحضور العربي
● تُبدين اهتمامًا بمعرفة الأدب العربي. هل استطعت الاقتراب من مشهده؟
■ الحقيقة أن اقترابي من الأدب العربي ما زال محدودًا جدًّا. لقائي الأول به كان من خلال قراءة «ألف ليلة وليلة». كما اطلعت على نصوص متفرقة مترجمة إلى الفرنسية. وقد راقتني كثيرًا قصائد محمود درويش وأدونيس اللذين يحظيان باحترام كبير من جمهور الشعر بكولومبيا. وخارج الاهتمام الشخصي، أستطيع أن أقول: إن مهرجان ميدلين الشعري، المنظم منذ أكثر من عقد، قد فتح هامشًا حقيقيًّا للاقتراب من الشعر العربي. لقد كنتُ هناك سنة 2000م. وعاينتُ دهشة الجمهور الكولومبي إزاء شاعر عربي يقرأ نصوصه بلغة عربية تحتفظ بشحناتها الدلالية والصوتية، التي منحها صوتُ الشاعر وحركاتُ يديه قوة مذهلة. كما كانت قراءة الترجمة لحظة مفاجئة واكتشاف أيضًا.
● هل الوضع هو نفسه بالنسبة إلى الحضور الثقافي والإبداعي العربي بكولومبيا؟
■ الحقيقة أنه خلافًا لمحدودية حضور الأدب العربي بكولومبيا، نجد آثارًا عميقة لمظاهر الثقافة العربية الأخرى. من علامات ذلك انتشارُ استعمال عدد كبير من الكلمات العربية، سواء على مستوى الحياة اليومية أم على مستوى الأسماء، والاهتمامُ الذي تحظى به الموسيقا العربية، سواء الكلاسيكية منها، مثل: أغاني محمد عبدالوهاب، أم الحديثة، مثل موسيقا الراي. ويعود هذا الحضور أساسًا إلى وجود عدد من المنحدرين من أصول عربية، خصوصًا في مدن مثلك سانتا مارتا وقرطاجنة وبرانكيا.
انتِ أيضًا تحملين اسمًا عربيًّا…
أعتقد أن الأسماء جميعها هي ألفاظ قديمة جدًّا، لها مصدر واحد. غير أن الثقافات تسعى أحيانًا، إلى تملكها. لقد علمتني والدتي، منذ طفولتي، أنَّ أصْل اسمي ساميٌّ. وحين وصلت إلى باريس، فوجئت برد فعل عدد من الأصدقاء العرب الذين راقهم أن تحمل كولومبية اسمًا عربيًّا. لقد أسعدني حقًّا أن يكون اسمي معبرًا للقاء.

مهمة الشعر
● يعيش العالم تحولات عميقة. ما الذي يعنيه أن تكوني شاعرة الآن؟
■ أعتقد أن الشعر ليس فقط شكلًا معرفيًّا، بل هو طريقنا نحو ملامسة الجمال والحقيقة والحلم. إنه أيضًا سبيلنا نحو تمثل التحولات الجذرية التي تعيشها الإنسانية. إن الاكتشافات العلمية الهادفة إلى إزالة الحدود بين البيولوجيا والإعلاميات والإلكترونيات الذرية هي بالتأكيد مصدر حيرتنا العميقة، وهي اكتشافات تفتح الباب للتساؤل بشكل أنطولوجي حول مصير شروط الضعفاء إزاء خطاب قائم على الاحتفاء بقوة الإنسان المذهلة. وتكمن هنا بالضبط مهمةُ الشاعر، الذي من المفروض أن يحافظ على مسافة معينة إزاء كل التحولات تلك، وذلك عبر نسج تصوراته الخاصة للحدود الفاصلة بين المتخيل والفعلي.
وعلى الرغم من تراجع مكانة الشاعر، فتظل وظيفتُه، كما هي وظيفة الشعر، قائمةً. وتكمن بالضبط في حفز المحيط الإنساني وعوالمه السفلى، وفي تبين مظاهر تشظيه. إن الإنسانية لم تصل بعد درجة اكتمالها المثالي؛ لذلك يبقى الشعر مدعوًّا للإجابة عن أسئلتها المؤجلة، حيث إن الثورة المعلوماتية واكتشاف الفضاء وغيرها من مظاهر التطور هي وجه واحد فقط للحقيقة. ثمة وجه آخر يجب تجليته. وتلك مهمة الشعر. وعلى الرغم من كل ذلك، فمن المفروض أن نتساءل إن كان التكنوقراطيون هم الذين سيرثون الأرض، أم هم الذين سيدمرونها، وإن كانت فتن الكون، وحروبه الجديدة وأمراضه ومجاعاته الكبرى ستدفع العالم إلى التفكير في التوازن والعدالة، أم سيجد الشاعر نفسه مدعوًّا إلى الغناء من أجل خراب جنة كانت دائمًا بين يديه، ولم يتقن يومًا ما ملامستها برقة.