خزعل الماجدي: عشتُ آلاف الحيوات وأنا أكتب عن الشعوب وتاريخها وحضاراتها وأديانها وأساطيرها

خزعل الماجدي: عشتُ آلاف الحيوات

وأنا أكتب عن الشعوب وتاريخها وحضاراتها وأديانها وأساطيرها

الدكتور خزعل الماجدي، الشاعرُ والكاتبُ، يرى في الكتابة نداءً إنسانيًّا حضاريًّا، وفي الشعر القلبَ النابضَ أبدًا في جسد الكتابة- الحياة. فالحياة بلا شعر لا يُعوَّل عليها؛ إذ هي في جوهرها شعرٌ لا ينتهي، وهاجسٌ لا ينفد. إنه المبدعُ اللازمني الذي لا يستفزّهُ الورق، بل هو مَن يستفزّ الورق، يعبثُ ببياضه، ويقلق سكينته، فلا يخشاه، بل الورقُ هو ما يخشاه لِمَا يملكه من قدرةٍ مستحيلة على غزوهِ شعريًّا في اللاوقت، ناثرًا فيه شعرًا راقيًا، وفكرًا مثيرًا للجدل.

الكتابةُ عند الدكتور الماجدي عهدٌ دهريّ، وميثاقٌ مكتوبٌ بإمضاء الروح والجسد، شاهدهما الأزليان: القلب والعقل؛ إذ لا حياة له خارج ممالك الكتابة، ولا معنى للوجود من دونها؛ فهي معادِلُهُ الموضوعي للجنون، والانتحار، والموت. تلك هي أيضًا مشاعر «ماريو فرغاس يوسا» و«نجيب محفوظ» وكل من يرون في الكتابة شعوذةً ضرورية، وتعويذةً جميلة تمنح الحياة معنى أسمى وأعمق.

منحازٌ هو للشعرـ أقصى درجات الحرية، كما يقول في حوار لـ «الفيصل». هذا المخلوق الأثيري يشكّل مركز دائرته الإبداعية، وقد تنوعت فنونه بتنوع حالات عشقه الجنوني، فيما يحيط هذه الدائرة: الحضارةُ والميثولوجيا والتاريخ. كل ذلك في إيقاع شعري إنساني باذخ، يفوق في تأثيره إشعاعات المجرات والكواكب.

خزعل الماجدي لا وطن له سوى الكتابة- الحرية، وبفعل أسئلتها الضرورية وأجوبتها الظامئة، صار العالم كله وطنًا له، حدوده الأفق.

الشعر هو القلبُ النابض لكلّ هذهِ الكتابة

  تعددت فنون الكتابة لديك، بمفهوم «دكتاتورية الكتابة» كما أطلق عليها رولان بارت: شعر، مسرح، نقد، فكر، ميثولوجيا، وحضارات، واستشراق. كُلّ ذلكَ وأنت تسافرُ مستمتعًا، منتشيًا على ظهر كلّ موجةٍ من موجات هذا البحر الهادر. أينَ وجدتَ نفسَكَ؟ مَن الأقرب إليك؟ بلْ مَن الذي يجيبُ أكثر عن أسئلتك الإنسانية والحضارية؟

  إن لم تكن الكتابة مبدعةً، فلا فائدة منها؛ حتى الكتابة الأكاديمية يجب أن تكون مبدعة ومكتوبة بأسلوب رشيق وجذّاب. بدأت حياتي الإبداعية شاعرًا، وصقل الشعرُ جوهري لعقدين من الزمن، وما زال يواصل فعله في داخلي. ثم مع بداية التسعينيات، نزلَ عليّ المسرحُ كأنه الوحي، فكتبته بأعمق ما أمتلك من الشعر والروح والحياة، وصارَ منذ ذلك الوقت صاحبي. في منتصف التسعينيات، وبعد حصولي على الدكتوراه في التاريخ القديم، سمعتُ في أعماقي نداء الأساطير فقرعتُ معها أجراس الترحاب وكتبت فيها أول أعمالي الفكرية: «إنجيل سومر»، «إنجيل بابل»، «ميثولوجيا الخلود»، «ميثولوجيا الأردن القديم»، إلخ ). وفي نهاية التسعينيات، وجدتُ نفسي في قلب الأديان القديمة، فأصدرتُ عنها ثمانية كتبٍ في سلسلة التراث الروحي للإنسان.

لحظ كم كان عقدُ التسعينيات، من القرن الماضي، مهمًّا في حياتي وهو يملي عليّ المسرح والأساطير ثم الأديان. حدث كل هذا تزامنًا مع حصولي على الدكتوراه، ومع دراستي للمسرح في جامعة بغداد ومع تدريسي للتاريخ القديم في جامعة ليبية. كان كلّ ذلك يحمل شحنة الإبداع والتجديد سواء في المواضيع أو الأسلوب أو طريقة النظر. وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة، وسّعت خطاي فذهبتُ للحضارات، وكان تحديًا صعبًا بسبب شموليته، لكني أنجزت فيه حتى الآن ثلث المشروع تقريبًا.

هكذا ترى -يا صديقي- كيف كانت خطواتي تمضي بإيقاع يتناوب بين تناقل الأنواع وميزة الابتكار. وما زلت، إلى اليوم، أكتب في هذه القطاعات الخمسة: الشعر، المسرح، الأساطير، الأديان، الحضارات. وقد أضفت إليها قطاعين جديدين هما: الاستشراق وتاريخ الفن، وهما في طور النمو البطيء. الشعر هو القلب النابض لهذه الدائرة. وعلى الرغم من أنه ما زال يسكنني كالطفل، يضحك ويبكي، لكنه لا يجيب عن كل شيء، ربما عملي في تاريخ الحضارات هو من يجمع الأجوبة أكثر من غيره.

لا أخافُ من بياض الورقة

  كتبَ همنغواي: «الورقة البيضاءُ، إنها أصعبُ ما يُمكنُ أنْ يواجههُ الكاتب». هل الورقة البيضاء جسدٌ، وعلى الكاتب أن يكونَ بمستواها الحضاري، كما يرى بعضٌ؟ كيف تتعاملُ مع استفزاز بياض الورق؟

  لا تصادفني ورقة بيضاء إلا وأود أن أملأها بالكتابة، من أي صنفٍ. لا أخاف من الورقة البيضاء مثل همنغواي، بل أشرع بالكتابة عليها فورًا. علاقتي مع الورقة إيجابية جدًّا، وما زالت كذلك على الرغم من كتابتي على الكومبيوتر الآن بشكل مباشر. أشعر بفرح لتمكني من تدجين هذا البحر الذي لا ينتهي من الأوراق الرقمية. الخوف، دائمًا، يأتي من بياض الورقة التي في داخلك، ومن عجزك عن التعبير عما في داخلك.

  في رواية «النسيان» لإكتور آباد فاسيولينسي عبارة تقول: «لا تتوقف عن الكتابة أبدًا، وكأنهُ أشارَ عليّ بألّا أتوقف عن الحياة.» ويقولُ نجيب محفوظ: «أموتُ إذا ما مُنعتُ من الكتابة». لو لم تكن تكتب، ماذا كنت ستفعل؟ هلْ يمكن أن تتوقفَ عن الكتابة يومًا ما؟

  لو لم أكن شاعرًا وكاتبًا لأصبتُ بالجنون أو بنوبات الرغبة في الانتحار. لا حياة لي خارج الكتابة، وكل ما كتبته نبع من حبٍّ عميق داخلي ومن حرارة وتفاعل. القراءة والكتابة بالنسبة لي هما شهيق وزفير متواصلان، أي حياة متواصلة. أشعر أنني عشتُ آلاف الحيوات حين كتبت عن الشعوب وتاريخها وحضاراتها وأديانها وأساطيرها وشعرها ونثرها. لم تكن سياحة بسيطة بل هي متاحف عشت فيه ورتبتها بيديّ، تدفقت منها نحوي شحنات روحية، وتركت عليها بعض لمساتي. أي أنني عشتها وساهمت في إثراء حياتي وتخصيبها. الكتابة والحب فنّا الحياة الكبيران.

دائرتي الإبداعية عملاقة

  الشاعر خزعل الماجدي وعالم الميثولوجيا الساحر، والسائح في غرف الحضارة المضيئة. ما الذي جلبك إلى هذه العوالم، وهي بتعريف الشعر فانتازيا، وأنت الشاعر الحالم، وأحد أيتام الحرية؟ أهو الشعر نفسه؟ وما علاقتهُ بهذه العوالم؟ وما مصدر المتعة وجوهر الجمال في لحظات السفر في هذه العوالم؟ وهل لها حدود، وجغرافيا، وتضاريس، أم إنها تنتمي إلى سحر غامض؟

  للشعر الدور الأعظم في كل سلالة اهتماماتي، ولم يكن ذلك ليحصل لولا أني قمت بفتح فضاء الشعر بابًا بعد آخر: المسرح، الأسطورة، الدين، الحضارة. كانت الأبواب تتوسع كلما مضيتُ إلى الأمام؛ لذا تجدني اليوم في دائرة عملاقة مركزها الشعر ومحيطها الحضارة، وما بين المركز والمحيط أعيشُ سعادتي.

سعادتي لا تتحقق إلا حين أكتب في هذه الحقول، وحين أدخلُ هذه الأبواب. كلّ يوم يذهب بندول الكتابة من الشعر نحو الحضارة، ويعود ثانية. وهكذا تتجدد سعادتي وتصبح لا حدود لها. أما الحياة فتجمع بين الحب والكتابة والسفر وتقدمها لي ممزوجة بمذاق فريد ونادر.

الكتابة وطني الأمثلُ وجغرافيتهُ الحُريّة

  أبسط تعريف شعريّ للوطن أنهُ تركيبة من أشياء لا نهائية، تقف خارج الهوية والجنسية تمامًا. «تيري أجيلتون» يصفه بأنه «الحرية العُليا والمكان الهندسي للعقل الكُلّي»، بينما يراه الشاعر المتمرّد بداخلنا، أكذوبة بالغة الخطورة! فهل نحنُ متورطون بالوطن، أم إن الوطن هو المتورّط بنا؟ ولماذا نبدو، رغم الحنين، مواطنين مجازًا في أغلب الأحيان؟

  نحن متورطون بالوطن، بيولوجيًّا وروحيًّا، لكنه حين يكون سجنًا فيجب أن نتمرد على ورطتنا، ونتحرر من قيوده، حينها يصبح الوطن هو أي مكانٍ يمنحك الحرية والأمان والإبداع. أقولها بكل صراحة: الكتابة هي وطني. نبتت بيضتها في وطني داخل قفصٍ، وحين فقّست صار لها أجنحة وأصبح بإمكانها الطيران. والكتابة التي لا تطير لا خير فيها. العراق منحني كل أعماقه وبيئته وتراثه الذي انتميت له بحبٍّ، لكني حين نضجت لم يسمح لي أن أتكلم بحرية. كان هناك من حمل مخيطًا ليخيط فمي، لكنني رفضت هذا المصير. شعرت أنني هالكٌ لا محالة، إن بقيت فيه، فاخترت المنافي القريبة منه، تلك التي فيها من العراق الكثير. وحين عدت إلى وطني آخر مرةٍ وضعني في تنوره المشتعل بالموت والدم والخراب، وأصابني منه الكثير، فقررت الخروج منه نهائيًّا. حينها عرفتُ أن الحرية موجودة ويجب البحث عنها والعيش فيها. وهكذا أصبح العالم كله مكانًا لي أتنقل فيه وأنعم بحريتي رغم السهام التي تهبط عليّ من تلك البلاد القاسية المتجهمة التي يشتغل فيها السجّانون المهرة والإرهابيون. هكذا أصبحت الكتابة وطنًا أبديًّا لي والتي تولد تحت راية الحرية فقط.

ليسَ لدينا نظرية نقدية

  بصفتك ناقدًا رؤيويًّا، هل لدينا نقدٌ هادف، ونقّاد جادون؟ دونالد ماكدونالد يجزم بـ «موت الناقد»، وصموئيل بيكيت يرى أن النقد: «استئصال للرحمِ بمجرفة» ما رأيك؟ وبوصفك شاعرًا وكاتبًا ومفكرًا، هلْ أنصفكَ النقد؟ هل لدينا نظرية نقدية عربية؟ ومَنْ ناقدك الأمثل عربيًّا وعالميًّا؟

  لم يعد النقد كما كان في أهميته للآداب والفنون. لقد حلت العلوم الإنسانية محله، وأخذت على عاتقها مهمة التحليل النصّي والفكري. جميع النقاد الذين لم يرقَ نقدهم باتجاه العلوم الإنسانية أجدبوا وتوقفوا أو استمروا بضعف واضح. لا أخفيك، فأنا توقفت من زمان عن قراءة النقد الأدبي والإنصات له. ربما جاء هذا أيضًا بسبب نضج معارفي في العلوم الإنسانية المحايثة له. وهذا أقرب للدقةِ، فأنا مهتم بعلوم اللغة والنص والأسلوب والكتابة، وهناك علوم الأساطير والنفس والاجتماع والأنثروبولوجي وغيرها كثير، كلها صارت تمنحني الثراء المعرفي أكثر.

لا توجد لدينا نظرية نقدٍ عربية أو مدرسة عربية في النقد، ولم يعد من أحفل به في النقد عربيًّا، أما عالميًّا فقد بقيت الأسماء القديمة التي طالعتها في شبابي مائلة وقوية: غايتان بيكون، أرشيبالد ماكليش، روزنتال، بورا… إلخ.

التاريخ: صراع الديني والدنيوي

  عودة معك إلى عالم الميثولوجيا والأديان والحضارات. قال تولستوي: «إنّ الفنّ تعبيرٌ عن التصوّر الديني للعصر». ما رأيك في هذه العبارة؟ هناك مَن يراها أقرب إلى الحقيقة من كلّ ما قاله الفيلسوف «كانت»؟

  في التاريخ حقلان تصارعا وتداخلا على امتداد الزمن، وهما: الحقل الديني والحقل الدنيوي، وكان أحدهما يوازي الآخر أحيانًا، بل يعكسه في أحيان أخرى. من هذا المنطلق كانت الفنون والآداب في العصور القديمة والوسيطة تعبر عن التصور الديني لتلك العصور. لكن ذلك لم يعد كما كان في التاريخ الحديث والمعاصر، فقد أصبحت الفنون والآداب مستقلة، قدر الإمكان، عن مقابلاتها الدينية، ولم تعد الأديان نشطة في منح الوجدان ما يشبعه، كما كانت تفعل من قبل؛ لذلك أرى أن الفنون والآداب قد خُلِق لها مناخ خاص، لكنها لا تزال في بدايات الطريق نحو خلق أعماقٍ روحية مستقلة، تُشبع حاجة الإنسان بعيدًا من الدفع الروحي التقليدي للأديان. وأقصد هنا ضرورة نشوء روحانية خاصة بالفن والأدب، نابعة من داخلهما، وليست مستعارة من الموروث الديني. وهذا ما قد يلتبس على بعض الفلاسفة والنقاد، فيبدو لهم الأمر واحدًا، بينما هو أعمق وأكثر تعقيدًا.

حين كتب الناقد الكندي نورثروب فراي كتابه الشهير «المدوَّنة الكبرى: الكتاب المقدس والأدب»، وجد في الكتاب المقدس تماهيًا عميقًا بين الشعر والتدفق الأسطوري فيه، وهو ما يدل على العلاقة التاريخية القديمة بين الفن والتصور الديني، لكنها لم تعد حتمية
كما كانت.

الكونُ كُلّهُ مُشفّر في أعماقنا

  من شذرات الفكر النقدي للسيميائي رولان بارت قوله: «الكتابة فنّ طرح الأسئلة، وليستِ الإجابة عنها»؛ تُرى ما سؤالك الأعظم والمثير، الظامئ للإجابة شعرًا ونثرًا وفكرًا؟

  كنتُ، لزمنٍ طويل، أردد عبارة: «الكتابة هي فن لطرح الأسئلة وليس للإجابة عنها»، لكني، في لحظة تأمل عميق، توقفت عن القناعة بهذه العبارة وترديدها. أدركت أن من الضروري أن نسأل ونجيب معًا، فالسؤال دون إجابة يشبه إعادة ورقة الامتحان بيضاء إلى المعلم، ومن الطبيعي أن يمنح صاحبها (صفرًا).

من هذا المنطلق، اندفعت في مشروعي الفكري لأجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحضارات والأديان والأساطير والأدب والفن والاستشراق. وهكذا انفتحت لي أبواب لم أكن أحلم بها.

التأثّر بمبدع حافز للخروج لدائرة أوسع

  اعترف لورانس داريل بفضلِ هنري ميللر عليه، وبخاصة كتابه «ربيع أسود». بمَنْ تأثرت؟ ومنْ لهُ الفضل عليك في هذه المسيرة الإبداعية، وأنت تتفجّر شعرًا راقيًا، ونثرًا تأمليًّا جميلًا؟

  كثيرون أثروا فيّ، وخصوصًا في مراحل النشأة، في كل حقلٍ من الحقول التي مارستها. وكان تأثيرهم إيجابيًّا ونوعيًّا، لكني كنت أضع نصب عيني الخروج من دائرة تأثيرهم، وتأسيس دائرتي الخاصة. وقد تحقق ذلك مع جميع من تأثرت بهم؛ لأصل لاستنتاجٍ مهمٍّ جدًّا وهو أنك حين تتأثر بمبدعٍ حقيقيّ وأصيل، فإنه يحفزكَ على الخروج منه لدائرةٍ أوسع وأرقى.