بول هيك: الدراسات الدينية في الجامعات العربية لم تخرج بعدُ إلى منطق الفهم بسبب غياب المتخصّصين وسيطرة منطق الإبطال عند مقارنة الأديان
البروفيسور بول هيك باحث أميركي، يدّرس الدراسات الإسلامية بقسم اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة جورج تاون بواشنطن. حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة شيكاغو. وكان زميلًا في جمعية زملاء جامعة برينستون. تشمل اهتماماته العلمية اللاهوت السياسي، وموضوع الإلحاد، ودور الروحانية والتصوف في المجتمع، والعواطف والدين، والمفاهيم الإنسانية التقليدية للدين. يُعَدُّ المدير المؤسس لدراسة الأديان عبر الحضارات من خلال اللقاء المباشر بين الباحثين في الأديان والتخصصات التي تهتم بالدين من الجامعات العربية، وكذا الجامعات الأميركية. يدرس حاليًّا بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية، يحاضر باللغة العربية ويكتب بها، وله مؤلفات ومقالات عدة.
من أحدث الإصدارات له بالإنجليزية: «السياسة الشرعية والإسلام: من نشأة الإمبراطورية إلى الدولة الحديثة» (2023م) وكتاب: «ظاهرة الشك في الفكر الإسلامي: لحظات من الحيرة»، نقله محمود سلامة إلى اللغة العربية، المركز القومي للترجمة بمصر (2021م) وكتاب «الأرضية المشتركة: الإسلام والمسيحية والتعددية الدينية» (2009م).. كما صدرت له مقالة مؤخرًا بعنوان: «مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا (ت: 281هـ)» في كتاب جماعي من إصدارات دار بريل الهولندية للنشر (2024م).
في هذا الحوار، الذي خص به مجلة الفيصل، يحدثنا بول هيك عن تجربة تدريسه بالجامعة الأردنية، وماهية القومية العربية، وعن ازدواجية السيادة، ومنهج دراسة الأديان، وعن الصحبة العلمية، والنظرة الدينية من خلال العلوم الإنسانية، وفي أثناء حديثه يلفت انتباهنا طريقة عرضه للأفكار ومناقشتها، مغلبًا منطق الفهم والاستيعاب، بدلًا من منطق الرد والحكم المسبق في محاورة الآخر المخالف دينيًّا.
القومية الإنسانية وسيادة الأخلاق
● عدت مجدّدًا إلى الأردن بعد غياب طويل، ما الذي دفعك إلى أن تغادر فضاءات جامعة جورج تاون بالعاصمة الأميركية إلى الجامعة الأردنية، هل يندرج الأمر ضمن مشروعك لمعرفة الآخر دينيًّا وثقافيًّا؟
■ تربطني ببلاد العرب رابطة وثيقة. وكما تعلمون تُعرف المنطقة بقومية عريقة، حتى قبل ظهور الإسلام، انتمت إليها شعوب من ثقافات وديانات مختلفة من قديم الزمان إلى اليوم، فضلًا عن أن القومية العربية تفاعلت ولا تزال مع قوميات كثيرة لا تقل عنها عراقة؛ منها الأمازيغية والكردية والفارسية والتركية.

عبدالعزيز الدوري
بدأت رحلاتي إلى بلاد العرب في تسعينيات القرن الماضي حين كنت طالبًا زائرًا بالجامعة الأردنية لسنتين. وفي تلك الأيام قمت ببحوث بإشراف الأستاذ المرحوم المؤرخ العراقي عبدالعزيز الدوري (ت: 2010م). كذلك حضرت دروسًا بانتظام في كلية الشريعة التابعة للجامعة الأردنية في عمان، وهي الكلية التي أدرّس فيها هذه السنة أستاذًا زائرًا، وذلك من أجل دراسة الإسلام في بيئة علمية إسلامية. إضافة إلى البيئة العلمية الغربية التي كنت أدرس فيها آنذاك بجامعة شيكاغو حيث حصلت على الدكتوراه (بإشراف الدكتورة وداد القاضي).
ما أريد قوله في هذا السياق: إن إنسانيتي قد توسّعت، وكذلك آفاقي العلمية والثقافية، بفضل تجاربي المتنوعة ببلاد العرب في غضون تلك السنتين، وهو الأمر الذي دفعني إلى إعادة النظر في هُويتي؛ لأكتشف أنها متكوّنة من أكثر من انتماء. اليوم بات أمرًا مسلّمًا به أن فكرة القومية لا تقتصر على العرق فحسب، فقد ارتكزت في الماضي على تراث مترامي الأطراف من الحكمة التي تفاعلت مع الدين وتناقلتها الشعوب جيلًا بعد جيل من خلال الأمثال والقصص وغير ذلك؛ لذلك تساءلت مع ذاتي: لماذا أحرم نفسي مما تحبل به قوميات أخرى من الحكمة وأنقص من إنسانيتي؟ إذن، كان أمرًا طبيعيًّا أن أقدم إلى المملكة الأردنية الهاشمية مجددًا هذه السنة الدراسية لأشارك في الحياة العلمية والثقافية بجامعاتها.
● في آخر مقالاتك فتحت بابًا للنقاش حول قومية العروبة والحكمة التي تجسّدها، والتي تكمن فيها سيادتها، ما الذي دفعك إلى التنقيب حول الأمر، هل للأمر علاقة بسؤال المواطنة في بلاد العرب؟
■ عادةً لا أتكلم عن المواطنة. بالتأكيد، لا يزال مفهوم المواطنة مفيدًا باعتبارها وسيلة معترف بها دوليًّا لشعوب هذا الوطن أو ذاك. مع ذلك، أفضّل لفت النظر إلى سيادة غير حكومية الأصل، سيادة غير سيادة المواطنة، سيادة تسبق كلًّا من سيادة المواطنة وسيادة الدولة الوطنية. ومن الجدير بالذكر أنّ السيادتين الأخيرتين (سيادة المواطنة وسيادة الدولة الوطنية) مترابطتان بروابط وثيقة، وذلك باعتبار الدولة الوطنية الكيان الذي يمثّل، من حيث المبدأ، مصالح الوطن ومن ثمّ مصالح المواطنين. دعونا نسمّي السيادة الموازية التي أودّ لفت النظر إليها سيادة الأخلاق.
إجمالًا، يدرك الإنسان سيادة الأخلاق من خلال الدين، والشعور بأن الله يهديه في حياته اليومية برسالة متسامية وبالأخلاق الصادرة عنها، وذلك بمعزل عن الدولة ككيان دنيوي، التي لا تستطيع أن تمثّل سيادة متسامية ولا تقنّنها بكاملها، وذلك مهما كان للدولة من شرعية؛ لأنّ سيادة متسامية، بطبيعتها، تفوق سلطة الدولة الدنيوية. بطبيعة الحال، لا يعرف الإنسان سيادة الأخلاق عبر الدين فقط، بل أيضًا من خلال الحكمة التي تجسّدها قوميته.
إذن، سيادة الأخلاق هي من جهة مستقلّة عن سيادة الدولة، فلا تعطيها الدولة، ولا تنزعها، إلا أنها من جهة أخرى لا تتعارض مع سيادة الدولة، فإن السيادتين (سيادة الدولة وسيادة الأخلاق التي يكون مسكنهما قلب الإنسان) غير غريبتين بعضهما عن بعض، إلا أنهما متمايزتان.
وبهذا، نتحدث عن سيادة مزدوجة، سيادة الأخلاق في ظلّ سيادة الدولة. ولكن الأمر قد اختلط اليوم. في كلّ أنحاء العالم، حيث باتت فكرة السيادة مبتورة مع ظهور الحداثة لتقتصر على سيادة الدولة الوطنية دون سيادة الأخلاق المتسامية. وليست الأخلاق هي التي تقلّصت مع ظهور الحداثة، بل فكرة أن الأخلاق تمثّل سيادة غير سيادة الدولة الوطنية. إذن، لم تعد سيادة الأخلاق أمرًا بديهيًّا؛ لذا فلن يتم تثبيتها وتعزيزها إلا بتضافر جهود الجميع، وذلك، من أجل التلاقي والتعارف بين شعوب هذه القومية أو تلك بمختلف نزعاتها الفكرية. إن عملية التلاقي والتعارف، تتمخض عنها يومًا بعد آخر الحكمة التي ترتكز عليها القومية، والتي لا تستقيم إلا بها، وترسخ بها سيادة الأخلاق التي توجه بوصلة شعوب هذه القومية أو تلك، حفظًا لكرامتها بل لإنسانيتها.
من ناحية أخرى، فقد انتشرت اليوم شكوك في سيادة الدولة الوطنية نفسها وعلاقتها بالسيادة القومية. هل تمثّل الأولى الأخيرة بكاملها؟ في الحقيقة قد سئم الكثير من الناس مساعي قصر القومية في فكرة وطنية، دينية أم غير دينية، التي يقول عنها أهلها: إنها تمثّل القومية بمختلف تلاوين شعوبها. إذن، نحن أمام فرصة لإعادة النظر في القومية والحكمة التي تجسّدها، ومن ثمّ نوعية السيادة التي تريد شعوبها أن تتحلى بها.
لهذا السبب كتبت مقالين في جريدة «الرأي» الأردنية مؤخرًا، لإثارة النقاش حول هذا الأمر الذي يغيب عن وسائل الإعلام، والذي ترغب شعوب المنطقة في اكتشافه في ضوء تطوّرات العصر؛ الأول كان بعنوان: «العروبة المسيحية والفتوحات الإسلامية: ما هي طبيعة العلاقة؟» والثاني بعنوان «الخليفة الذي كان يمشي مشية الرهبان.» ومن الجدير بالذكر، أني أسعى أيضًا إلى إثارة النقاش ذاته في الولايات المتحدة الأميركية.
السيادة المزدوجة
● على هامش كتابك الصادر مؤخرًا باللغة الإنجليزية، «السياسة الشرعية والإسلام: من نشأة المُلك إلى الدولة الحديثة» (2023م) خلصت إلى أن معضلة الديني والسياسي ظلت ملازمة للبشرية عبر التاريخ، إلى أن وضعت الحداثة حدودًا بينهما، لكن في كتابك بينت ذلك التلازم بين الدين والسياسة في الإسلام، وأشرت إلى قضايا أخرى من قبيل ازدواجية السيادة، هل يمكن أن تسلّط مزيدًا من الضوء على فكرة الكتاب وغاياته؟
■ أولًا، لا بدّ من القول: إن موضوع الكتاب، الذي تناولت فيه تاريخ الإسلام، ينطبق على تاريخ كلّ مجتمع، حتى في مجتمع يفصل دستوره الدين عن الدولة. بدأت البحث بطرح السؤال التالي: ما الذي ينظّم مكونات مجتمع الإنسان في حقيقة الأمر؟ غصت في تاريخ الإسلام، كنموذج، بحثًا عن الجواب لسؤالي. وباختصار، خلصت لما يلي: لا يوجد مجتمع لا يعترف بـ «المطلق»، الذي قد يتّخذ شكلًا دينيًّا أو غير ديني -لا ننسى أن الإلحاد هو دين الدولة في الصين الشيوعية- ثم إن الأمر الذي لا بدّ من التشديد عليه في هذا السياق، أن هذا المطلق الذي لا يخلو مجتمع من تمثله بصورة أو بأخرى، هو الذي تصدر عنه وترجع إليه قيم المجتمع العليا. وهو الذي من أجله تضحي الشعوب وتقاتل لإثبات سيادتها. إذن، فإن كل مجتمع يُعرّف الدينَ بمعنى المطلق الذي يمثّل سيادته وكرامته.
واليوم، إجمالًا، تركّز البحوث في مسألة السيادة على سلطة الدولة بما تستحوذ عليه من مؤسسات وقوانين تنظّم شؤون المجتمع وتضبطها، ناهيك عن رموز وطنية أخرى تساهم في إثبات سيادتها تلك. ولكن الأمر الذي سعيت إلى الكشف عنه في الكتاب هو أن السيادة نفسها ليست أمرًا بسيطًا. في حقيقة الأمر، لا يستقرّ مجتمع دون سيادة موازية تكمن في نفوس الناس، بحيث تمثّل مجالًا لا تستطيع الدولة السيطرة عليه بكامله. تنطلق هذه السيادة الموازية من المنطلق نفسه الذي تسعى الدولة إلى تمثيل سلطته. إلا أن السيادة الموازية يتمّ تبليغ سلطتها إلى نفوس إنسانية باسم رسالة متسامية يستعصي على الدولة تمثيلها بكاملها، وذلك بسبب كونها كيانًا دنيويًّا قابلًا للفساد. هكذا، تتجسّد السيادة الموازية في ذلك الرصيد الأخلاقي الكامن في النفس الإنسانية؛ الذي يوجه الفرد في علاقاته ومعاملاته مع غيره. إذن، فهذه السيادة هي مما ينظّم المجتمع إضافة إلى قوة الدولة التنظيمية، بل لا يستقرّ مجتمع دون تعزيز سيادة الأخلاق.
مجمل القول، أن السيادة التي تنظّم المجتمع هي -في الحقيقة- سيادتان: الأولى؛ سيادة الدولة التي تتحرك بمنطق القوة، والثانية؛ سيادة الأخلاق التي تتحرّك بمنطق الصلاح، الذي يشعر به الإنسان عند الاهتداء به. وقد سعيت أيضًا إلى تسليط الضوء على تداخل وجود السيادتين والعلاقة المتنوعة بينهما من حيث تنظيم المجتمع في تاريخ الإسلام، وذلك بناء على أمثلة تجسدت على أرض الواقع منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا.
هكذا خلصت إلى أن الرؤية الإسلامية، مثلها كمثل غيرها من الآراء الدينية في الحضارة الإنسانية، تشهد فكرة السيادة المزدوجة. أما الغرض من تأليف الكتاب، فهو غرض علمي في الأساس، يروم الكشف عن بعد من أبعاد الحقيقة الوجودية التي يعيشها الإنسان. وفي الوقت نفسه أتمنى أن يغني الكتاب نظرة القارئ إلى بيئته السياسية بما فيها من سيادة مزدوجة.
المنهج المناسب لدراسة الأديان
● انطلاقًا من تجربتك في تدريس الأديان بجامعة جورج تاون بواشنطن بقسم علم اللاهوت والدراسات الدينية، وكذا ببعض الجامعات العربية كالمغرب والأردن وغيرهما، في نظرك ما هو المنهج الأكثر فاعلية لدراسة الأديان والعلاقة بينها في كلّ من بلاد العرب وغيرها على حدّ سواء؟
■ أولًا، لا بدّ من القول: إن الإشكالية الكبرى التي تطول الدراسات الدينية في الجامعات العربية تتمثل في غياب المتخصّصين في الأديان من غير الإسلام. حيث لا يوجد فيها باحثون مؤهّلون لتدريس الأديان بالنوعية المعترف بها على المستوى العالمي. ربما يُعزى ذلك إلى قلة الإمكانيات المادية في الجامعات العربية، لتكوين متخصصين في دين غير الدين الإسلامي، إضافة إلى أن تكوين هذه النوعية من الباحثين لا يتم إعدادها بين ليلة وضحاها؛ إذ يحتاج الأمر إلى سنين من الدراسة والتكوين، إضافة إلى خبرة طويلة مع أهل الدين الذي يسعى الباحث إلى فهمه والتخصص فيه.
إلا أن هذا الوضع سيعرف تغيرًا إلى حدّ ما مع باحثي الجيل الصاعد، الذين استفادوا شيئًا ما من برامج الدراسات الدينية في بلدان أخرى، وأخذوا ينتبهون إلى أهمية فهم الأديان الأخرى كما يفهمها أهلها. بالتأكيد، تستقبلنا الجامعات العربية أحسن استقبال أنا ومن يرافقني، ولكن اللافت هو أن الدراسات الدينية في الجامعات العربية لم تخرج بعدُ من منطق الردّ إلى منطق الفهم؛ لسببين: الأول هو غياب المتخصّصين، والثاني هو أن المنهج السائد في مقارنة الأديان لا يزال يسيطر عليه منطق الردّ، بل منطق الإبطال بصورة أو بأخرى.

البروفيسورة وداد القاضي
بخصوص سؤالك حول المنهج المناسب لدراسة الأديان الذي يمكن أن تتبناه الجامعة في بلاد العرب وغيرها على حد سواء، أعتقد -في نظري الخاص- أنه يكمن في ذلك المنهج الذي بإمكانه أن يكشف عن الروابط الدينية بين الأديان، التي قد يتآلف أهلها عليها، في أفق أن نجعل من علم الأديان علمًا نافعًا للجميع، وأن ينأى الباحث في الأديان سواء كان في الشرق أو في الغرب، عن الأسلوب الذي يُخوّف مجتمعه من الأديان الأخرى. إذن، سنمرّ هنا لسؤال آخر لا محيد عنه، وهو: ما هو المنهج الذي يناسب دراسة الأديان في ظلّ العولمة اليوم؟
من ناحية أولى، لا بدّ من اتباع سبيل الانفتاح، وذلك شرقًا وغربًا، على كلّ المناهج، سواء التي لا تعترف بوجود الهدي الإلهي الذي أتى الدين لتوجيه الإنسان إليه، مثل المناهج البارزة في علم الاجتماع وعلم النفس، حتى علم الأعصاب، الذي يسلّط الضوء على جانب من جوانب الدين بناءً على تحليل لنوعية الحركة في علاقتها بخلايا الدماغ عند الصلاة. وبذلك، فكلّ منهج يسلّط الضوء على جانب من جوانب الظاهرة التي يدرسها الباحث يعد مفيدًا له ولا يمكن القفز عليه.
من ناحية ثانية، تتمثّل إحدى الإشكاليات الكبرى في علم الأديان، شرقًا وغربًا كذلك، في الباحث الذي يفرض على الدين الذي يدرسه هواجسه أو أهواءه أو لنقل أيديولوجيته، علمية كانت أو اجتماعية أو دينية؛ لينتهي بتصور حول ذلك الدين الذي درسه في صورة غريبة عن أهله الذين يدينون به. لذلك، نتساءل في هذه الحالة: هل يمكن فعلًا للباحث أن يصير أعلم بدين ما غير دينه من أهله الذين ينتمون إليه؟ وهل يمكن أن نقول، بصيغة أخرى، بأن هذا الباحث يعرف جيدًا دِينَ الآخَرِ، غير أنه ظل جاهلًا بالشيء الأعزّ على أهله في هذا الدين؟
لذا، فنحن في أمس الحاجة إلى منهج من خلاله يفتح الباحث عقله وقلبه على مكامن هدى الله في الدين الذي يدرسه. فلا يتنازل عن شيء من معتقداته، بل يدرك في دين غيره شيئًا من لا محدودية الهدى الإلهي، وهي مما تثبته كل الأديان بصورة أو بأخرى. هكذا، قد يتمكّن الباحث الذي يدرك فكرة لا محدودية الهدى الإلهي من رسم الروابط الدينية بين الأديان والطموحات الدينية التي يتشاركها الجميع، وذلك دون صرف النظر عن الاختلاف القائم بين الأديان. ومن شأن هذا المنهج المقترح أن يعيد النظر في معنى الاختلاف بينهم. هل هو ما يفرّق بين دينه ودين غيره؟ أو هو ما يزيده علمًا بلا محدودية الهدى الإلهي المُضمّنة في الأديان الأخرى؟
إذن، لا بدّ لنا اليوم، في الشرق كما في الغرب، من منهج يُطلِعُ الباحث على الأبعاد الدنيوية للدين الذي يدرسه، ومنها الأبعاد الاجتماعية والنفسية والتاريخية، دون أن يصرف هذا الانفتاح نظره عما يعيشه أهل ذلك الدين من هدى الله (حيت تتجسد فكرة لا محدودية الهدى). ويبقى السؤال مفتوحًا، رغم كل ما قلناه آنفًا: هل هنالك مناهج -في الجامعات الحديثة سواء كانت في الشرق أو الغرب- تزوّد الباحث فعليًّا بما يحتاج إليه للكشف أو للاطّلاع على هدى الله في دين غيره؟
الصحبة العلمية
● تناولت جامعات عالمية عدة دراسة الأديان من زوايا متنوعة كمشروع «هارفارد» التعدّدي، ومشروع دمج الحوار بين الثقافات والأديان في إطار متعدّد التخصصات، وتجربة جامعة القديس يوسف في لبنان، لكن يبقى مشروعك «دراسة الأديان عبر الحضارات» فريدًا من نوعه، بوصفك المؤسس له، هل يمكن أن تحدثنا عن معالم هذا المشروع بإجمال؟
■ منذ إطلاق المشروع قمنا ببرامج كثيرة في بلدان عدّة مكّنت عشرات من الباحثين من التدرّب على منهجية المشروع، وكان عنوانه الأبرز الصحبة العلمية وهي التي تميّز المشروع من غيره. ما هي هذه المنهجية التي تدعو إلى قيمة الصحبة المعرفية؟ في الحقيقة، لا يقتصر الدين على مجموعة من المعقولات والمنقولات الموجودة في الكتب فحسب، وإنما يوجد بالدرجة الأولى في قلب الإنسان تجاوبًا مع تجاربه الإنسانية حسب ظروفه الاجتماعية المختلفة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الطريقة المثلى لاكتساب العلم عبر القلب؟ والجواب، من وجهة نظري: من يعرفك جيدًا هو من يصاحبك كثيرًا. إذن، لا بدّ من إدخال الصحبة في صيرورة العملية العلمية. ولا ينبغي أن تقتصر على مجموعة من اللقاءات المعدودة والمحدودة فحسب. فلا تصح الصحبة إلا بصحبة تدوم. إذن، الصحبة العلمية هي عبارة عن التلاقي والتعارف عبر جلسات علمية سنة بعد سنة حتى يمسي الآخر المخالف دينيًّا قريبًا، وهو الأمر الذي يزيد الباحث اعتناءً بالدين الذي يدرسه. فلا يفرق بين من يَدرس وما يُدرس، ولنقل بعبارة أخرى: يقع التداخل بين الذاتي والموضوعي.
فيكتشف أهل الصحبة العلمية رغم الاختلاف في الدين على مستوى العقائد والأحكام، أنهم ليسوا بغرباء -كما يعتقدون- بعضهم عن بعض من حيث طموحات القلب الدينية. فيتحقق للباحثين في الأديان حسب هذه الطريقة إدراك الأبعاد الدينية الأخرى كافة؛ سواء منه ما يُقرأ في الكتب أو ما يُقرأ عبر» القلب». وذلك كلّه هو الذي قد يُلهم الباحث، ويساعده في أن يبدّل بمنطق الردّ منطق الفهم. إذن، فمنهجية الصحبة العلمية تكشف للباحثين آفاقًا دينية جديدة؛ تجعل من علم الأديان علمًا نافعًا للبشرية جمعاء.
الإنسانية اللاهوتية
● هل لهذا المشروع علاقة بمشروعك الآخر، «النظرة الدينية من خلال العلوم الإنسانية» (مشروع الإنسانية اللاهوتية)، الذي تحدثت عنه بتفصيل عبر منصة «الإنسانية اللاهوتية: طرق الله في عالم اليوم» التي أنشأتها جامعتك جورج تاون؟
■ باختصار، نعلم جميعًا أنه قد تكوّنت رؤية معرفية جديدة مع ظهور الحداثة جرّدت الدين من علاقته المعرفية بالتجربة الإنسانية، التي انحصرت بمقاييس الحداثة في الحواسّ. إذن، بهذه الرؤية المعرفية الحديثة، أصبح الدين الذي يفتح عقل الإنسان إلى ما لا يُدرك بالحواس، لا علاقة تربطه بالتجربة الإنسانية. ودرءًا لسوء الفهم المتحصل هنا، أخذ مشروع «الإنسانية اللاهوتية» على عاتقه أن يلفت إلى ما يتجلّى في الفنون، والآداب، من أفكار دينية تتداخل مع التجارب الإنسانية. يكشف الأدب والفنّ في الحقيقة عن حقائق دينية مختلفة، إلا أنهما لا يعبّران عنها كما في مجال العقائد أو الأحكام، بل من حيث هي تمثلات لتجارب الإنسان والتفكّر في معانيها الأخرى.
من ناحية أخرى، فإن الدين له شقِّان؛ شقّ رباني وشقّ إنساني، ولا يتّضح الأول إلا في ضوء الآخر. ومع ذلك كثيرًا ما ندرس الدين بوصفه مجموعة من العقائد والأحكام، بمعزل عما يعبّر عنه الأدب والفنّ من عمق إنساني. ومن يدرس تاريخ الدين يدرك أن كبار العلماء لم يفصلوا الدين عن الأدب بأي شكل من الأشكال. وعليه، يلتقي هذان المشروعان في إنسانية التجربة الدينية، فالإنسان لا يعرف هدى الله إلا من خلال معايشة التجربة الإنسانية في أشكالها كافة، والتفكّر فيها، والتعبير عنها بصيغ كثيرة، كالأدب والفن وغيرهما، إلخ.
الأمر الذي يعني أن الحاجة كانت مبكرة في التاريخ الإسلامي لصياغة هذا الموقف النظري من العالم، وكأن المسلم يريد أن يتلمس موقفه من محيطه كله بوصفه تسلم للتو الرسالة السماوية ويطمح إلى صياغات عقلية أكثر تفصيلية من مجرد الإشارات القرآنية التي تحتمل تأويلات متعددة. ومن هنا بدأت البحث في علم الكلام في كتاب التشكلات، وأيضًا وصلت في آخر كتاب صدر لي إلى التصوف. ويمكنك أن تتخيل معي مدى مركزية بعض المسائل المشتركة بين الخطابين التي كانت تكشف لي في كل لحظة هذا الطموح الكوني عند المسلم وعمق الاشتراك في المبادئ الرئيسة التي تحرك المنتمين إلى الخطابين.
ولكن حتى هذه الصفات ودور الفاعلية الإلهية في العالم كانت تختلف إلى هذه الدرجة أو تلك بين مدرسة وأخرى، وكان هذا الاختلاف أيضًا يرتبط بالنظرية العامة التي تبنيها كل مدرسة عن العالم. فالله الذي تعترف كل التيارات النظرية في الإسلام على وحدانيته، تختلف في كل شيء آخر حول طبيعة هذه الوحدانية، فالله يُستحضر نظريًّا عند هذا التيار وتلك المدرسة بطريقة تختلف عن استحضار مدرسة أخرى وحقل نظري آخر؛ لذلك لا يمكن فهم رؤية المسلمين للعالم دون البحث في طريقة فهم الله، وهو أمر لا تصعب ملاحظته على الدارس للتراث الإسلامي، فالله عند الأشاعرة ليس مطابقًا تمامًا لما هو عند المعتزلة، وكلاهما يختلفان عن الحنابلة، وكل هؤلاء يختلف تصورهم عن الله عند المتصوفة والفلاسفة. من هنا يمكن القول إن الله هو الموضوع المركزي في أي بناء للعالم داخل الإسلام، وذلك من خلال طريقة استحضار وعي مدرسة ما لله في العالم.
●