الشاعر دبلوماسيًّا… أوكتافيو باث في الهند

الشاعر دبلوماسيًّا… أوكتافيو باث في الهند

بصفته دبلوماسيًّا محترفًا، عُيِّن أوكتافيو باث مرتين في الهند. كانت إقامته الأولى لمدة وجيزة مدتها ستة أشهر، بدءًا من ديسمبر 1951م، سكرتيرًا ثانيًا للمساعدة في إنشاء أول سفارة لأميركا اللاتينية في الهند المستقلة حديثًا. وكانت المرة الثانية بعد عقد من الزمان في عام 1962م، عندما عاش في نيودلهي لمدة ست سنوات سفيرًا للمكسيك. وكانت تلك المدة بالغة الأهمية لحياته الإبداعية والعاطفية لدرجة أنه أطلق عليها اسم «ولادته الثانية».

في أثناء إقامة باث الأولى في الهند، لم يكن لديه أي أصدقاء إلا نادرًا، وكان يعيش إلى حد كبير داخل حدود الفندق الذي يقيم فيه، ولم يكن يحب نيودلهي ولا الأشخاص الذين التقاهم. وفي وقت لاحق، أعاد تقييم ردود أفعاله باعتبارها جزئيًّا إسقاطًا لتعاسته وجزئيًّا لتأثير التحيزات الغربية العميقة الجذور التي كان يحملها داخل نفسه دون وعي. وهكذا أعدّته الرحلة الأولى ذهنيًّا لمدة أطول مدتها ست سنوات، التي غالبًا ما وصفها بأنها أسعد سنوات حياته.

كانت الإقامة الثانية (1962-1968م) هي السنوات الأكثر إبداعًا وإنتاجية في حياته بأكملها. لقد انغمس تمامًا في تاريخ الهند وفلسفتها وفنها وأدبها. أصبح منزله نقطة التقاء للفنّانين والكتّاب والمفكّرين الهنود، فأنتج الكثير من الشعر والمقالات من هناك: «المنحدر الشرقي»، «نحو البداية»، «الأبيض»، «التيار المتردد»، «أدوات الوصل والفصل». كما تعرّف أيضًا على زوجته في تلك المدة، ماري خوسيه تراميني، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من شعره اللاحق.

لم يسبق في التاريخ أن انخرط كاتب كبير من أميركا اللاتينية بهذا العمق في حوار بين الثقافات مع الشرق. في أثناء وجوده في الهند، لم يكتب باث عن الموضوعات الهندية فقط. كتب كتابًا في الأنثروبولوجيا بعنوان» كلود ليفي شتراوس حول مهرجان إسوبو الجديد» (1967م)، وأحد المقالتين الطويلتين عن الرسام مارسيل دوشامب الذي أصبح» أبارينسيا ديسنودا « (1973م). كما كتب على نطاق واسع عن السياسة العالمية والأدب العالمي، وساهم في مختارات مختلفة، وراجَعَ الإصدارات السابقة من أعماله. في أثناء وجوده في الهند، كتب باث ملحوظات غزيرة لكتاب تطور فيما بعد إلى «الشعلة المزدوجة»، الذي نُشر عام 1993م، حيث قارن بين أفكار الحب في التقاليد الغربية والهندية، وغالبًا ما كان يتتبّع الاختلاف بينها في بنياتهم الموسيقية.

كان باث يدرك جيدًا أنه ينتمي إلى تقليد طويل من الكتّاب الدبلوماسيين في أميركا اللاتينية: غابرييلا ميسترال، وبابلو نيرودا، وميغيل أنخيل أستورياس، وروبين داريو، وأليخو كاربنتييه. منذ القرن التاسع عشر، دخل بعض أبرز كتاب أميركا اللاتينية عالم السياسة وأصبحوا رؤساء، برغم أنهم لم يكونوا دبلوماسيين محترفين، مثل: رومولو جاليجوس في فنزويلا، ودومينغو فاوستينو سارمينتو وبارتولومي ميتري في الأرجنتين. توفي خوسيه مارتي عام 1895م وهو يقاتل من أجل استقلال كوبا عن إسبانيا، ورُشِّح نيرودا للرئاسة، كما ترشح فيسنتي هويدوبرو بالفعل للرئاسة، وإن لم ينجح، كما فعل ماريو فارغاس يوسا. وفي المكسيك وحدها، تضم قائمة الكتّاب الدبلوماسيين أسماء بارزة مثل كارلوس فوينتيس، وألفونسو رييس، وخوسيه خوان تابلادا، وفيديريكو جامبوا، وخوسيه جوروستيزا، وخايمي توريس بوديت، ومابلز آرسي، وجميعهم كانوا زملاء لأوكتافيو باث.

باث العالمي

تقف حياة باث مثالًا ساطعًا لكيفية استخدام مزايا الحياة الدبلوماسية في حَفْز الإنتاج الأدبي. لقد أثارت السنوات التي قضاها في باريس عقله من خلال جعله على اتصال وثيق بالطليعة الأوربية. شكّلت السنوات التي قضاها في الولايات المتحدة شعره من خلال الاتصال الوثيق بالحساسيات الأدبية الأنغلو أميركية. وكانت باريس أيضًا نقطة التقاء للكتاب والفنانين في أميركا اللاتينية لاكتشاف القواسم المشتركة بينهم. لقد منحهم العيش بعدًا منظورًا مختلفًا عن منظور المطّلعين العاديين. إن التجربة الوثيقة للثقافات البعيدة مثل الهند أعطت باث العالمي رؤية غير غربية للحياة. أمضى جزءًا كبيرًا من وقته في السفر برًّا عبر شبه القارة الهندية. واستضاف باث خوليو كورتازار، وسيفيرو ساردوي، وروفينو تامايو في منزله، واختبروا الهند من خلاله. وفي أثناء وجوده في دلهي، أقام أيضًا صداقات وتعاونات عميقة مع الملحن الأميركي جون كيج، والراقصة ميرس كننغهام، والرسام روبرت روشنبرج، إضافة إلى علاقات إبداعية مع مجموعة واسعة من الرسامين والكتّاب والمثقفين الهنود الذين شكّلوا الثقافة الهندية «الحديثة».

وكجزء من البروتوكول الدبلوماسي، كان على باث أن يقدم أوراق اعتماده إلى رئيس الوزراء الهندي، جواهر لال نهرو، بعد خمسة أيام من وصوله إلى الهند. لقد اندهش من أناقة نهرو وحنكته، التي مكنته من التألّق في سنواته الأخيرة على الرغم من سنوات النضال الطويلة وهزيمة الهند المذلة في الحرب الصينية الهندية. وقد أتيحت له الفرصة للتعرف على نهرو «من مسافة قريبة» عندما زار معرضًا فنيًّا للفنانين الهنود الشباب كان قد نظمه. قرأ باث كتبه باهتمام واستمع إلى خطبه. لقد استلهم قدرة نهرو على الجمع بين المرونة والطاقة والبراعة الفكرية والواقعية السياسية.

وبعد أيام قليلة من لقاء نهرو، قدم باث أوراق اعتماده للرئيس الدكتور سارفيبالي راداكريشنان، وهو فيلسوف سياسي من التقليد الأفلاطوني. وأشار باث إلى أنه «عندما تُوضَع الفلسفة موضع التنفيذ، فإنها تصبح تربية، وهي في أعلى صورها سياسة». وأشار إلى العمل الأكاديمي للدكتور راداكريشنان، مشيرًا إلى أنه لا يوجد شيء أكثر إرضاءً من تحية رئيس دولة كان أيضًا معلمًا وباحثًا عن الحقيقة.

التقى باث «إنديرا غاندي» بمعيّة والدها (نهرو)، وبعد وفاته عام 1964م، أصبحت وزيرة في الحكومة. في ذلك الوقت، التقى باث «السيدة غاندي» كثيرًا وأصبحا قريبين، بما يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. وبما أن الهند لم يكن لديها أي سياسة محددة تجاه أميركا اللاتينية، فقد اعتمدت على باث في صياغة سياسة للمنطقة. لقد سافرت إلى المكسيك في عام 1961م، ومن ثم عرفت أوجه التشابه بينها وبين الهند، لكن معرفتها كانت محدودة نسبيًّا عندما يتعلّق الأمر ببلدان أميركا اللاتينية الأخرى.

التدخلات السياسية والتجارية

تكشف الأرشيفات الدبلوماسية لأوكتافيو باث، التي رُفعت عنها السرية، عن العديد من الحقائق غير المعروفة في التاريخ العام. لقد أدى دورًا مهمًّا في «تحرير جوا»، الذي بدأ في عام 1961م وأُضفِيَ الطابعُ الرسمي عليه في عام 1962م. واعتبر البرتغاليون ذلك «ضمًّا» من جانب القوات المسلحة الهندية، الذي وضع حدًّا للمستعمرات البرتغالية في الخارج التي دامت 451 عامًا. وبحلول الوقت الذي وصل فيه أوكتافيو باث إلى الهند، كانت السفارة المكسيكية متورطة فعليًّا في الصراع بين البرتغال وجوا، واقترحت استخدام موقعها في أميركا اللاتينية لإقامة حوار مع السلطات البرتغالية في كل من جوا ولشبونة. اقترح نهرو أن يتوسّط باث مع البرتغال. ومن عجيب المفارقات أن السفارة البرتغالية طلبت أيضًا من باث أن يتوسط في قضيتها مع الهند؛ لأنها فضّلت طرفًا ثالثًا خلال «العملية الطويلة والمعقدة».

على الرغم من أن باث كان يؤيد بشدة اندماج جوا مع الهند، فإنه سعى إلى تحقيق توازن دبلوماسي دقيق في مفاوضاته مع الحكومتين، مشددًا على أنه سيكون خطأً فادحًا «إذا ألغيتْ القيم الثقافية اللاتينية لجوا باسم إنهاء الاستعمار». وقد أوضح هذه النقطة بشكل مؤكد ومتكرّر أمام المسؤولين الحكوميين الهنود رفيعي المستوى الذين التقاهم. واختلف معه بعضهم وجادلوا لصالح «إضفاء الطابع الهندي على جوا».

وبغض النظر عن المخاوف السياسية، فقد بادر باث مبادرات ثقافية عدة مبتكرة وغير مسبوقة، التي نُفِّذت بحماسة شديدة. حاول نشر الوعي بالثقافة المكسيكية في الهند من خلال تنظيم معرض متنقل واسع النطاق للحرف اليدوية المكسيكية في الهند عام 1965م، ولفت الانتباه إلى أوجه التشابه بينهما. بدأ المعرض المتجوّل الذي يحمل عنوان «صورة للمكسيك» والذي حقّق نجاحًا كبيرًا من مانيلا وانتقل شرقًا إلى كلكتا ومدراس ونيودلهي، وانتهى في بومباي.

ولعب أوكتافيو باث أيضًا دورًا رئيسًا في أول معرض على الإطلاق لفن التانترا في أوربا، حيث ساهم في كتالوج المعرض في عام 1955م. وفي فبراير 1970م، أقيم أول معرض تاريخي لفن التانترا في «لو بوينت كاردينال» في باريس، وتلاه معارض في ميلانو وروما. في ذلك الوقت، أصبح العديد من الكتّاب والفنانين الغربيين مهتمين بفن التانترا تحت تأثير الجمعية الثيوصوفية.

كما قام باث ببعض المبادرات التجارية الرائدة. وفي عام 1964م، أبرم صفقة تجارية لتصدير القرفة الهندية على نطاق واسع إلى المكسيك. على الرغم من استخدام القرفة في وقت سابق في المطبخ المكسيكي، فإن استخدامها أصبح شائعًا بشكل متزايد، وبخاصة في الأطباق الحلوة والسلطات والمنتجات المخبوزة والنبيذ الساخن والمشروبات الأخرى. وعلى الرغم من أن عمله الدبلوماسي لم يكن متطلبًا للغاية، فإنه حافظ على أخلاقيات العمل الأساسية، وحافظ على فصل حياته الكتابية عن عمله الدبلوماسي.

ودفعته المخاوف الجادة بشأن وضع الغذاء والجوع في الهند إلى مد يد العون. حيث تحدّث إلى السيدة غاندي عن بذور القمح عالية الإنتاجية التي طُوِّرَت في المكسيك، وهو ما ساهم في ثورتهم الخضراء في الخمسينيات من القرن الماضي. وبتشجيع منها، استورد كميات كبيرة من أصناف القمح قصيرة القش وعالية الإنتاجية والمقاومة للأمراض التي طُوِّرَتْ في ولاية سونورا والتي أعطت نتائج رائعة وأصبحت تعرف باسم «بذور سونورا».

استقالة

يمكن أن نفهم قصة استقالة باث المثيرة في أكتوبر 1968م بالعودة إلى الوثائق الأرشيفية. كان يخطّط للاستقالة من السلك الدبلوماسي على أي حال والعودة إلى المكسيك لإصدار مجلة. ولم تؤدِّ التطورات السياسية إلا إلى تسريع قراره، ومن المفارقة أنها أخّرت عودته إلى المكسيك لمدة عامين بسبب عداء حكومته. صاغ أوكتافيو باث خطاب استقالته بعناية باللغة الرسمية حتى لا تبدو كأنها استقالة، على الرغم من أنها كتبت «بالألم والغضب».

وصف لحظة مغادرته بأنها «حلوة ومرّة»؛ بسبب ردود الأفعال الدافئة التي تلقاها في الهند تأييدًا لقراره. زار سيل لا نهاية له من الغرباء منزله من طابق واحد لتهنئته. وعندما وصل إلى محطة القطار للحاق بالقطار المتجه إلى بومباي (حيث سيصعد على متن سفينته إلى أوربا)، وجد حشدًا من الناس قد تجمعوا لتوديعه. وانتظر الطلاب والكتّاب والفنانون على أرصفة السكك الحديدية في جميع محطات القطار الوسيطة حاملين أكاليل في أيديهم حتى ساعات متأخرة من الليل للتعبير عن احترامهم له.

لم يندم باث قط على قراره ولم يتُق قط إلى العودة إلى الخدمات الدبلوماسية. لقد كان ممتنًّا؛ لأنها أتاحت له الفرصة للسفر إلى بلدان ومدن بعيدة والالتقاء بأشخاص من لغات وأعراق وظروف إنسانية متنوعة. وفوق كل شيء، كان يشعر بالامتنان؛ لأنها منحته الهند وماري خوسيه، التي أصبحت مركز حياته وشعره.


المصدر: مجلة Latin American Literature Today – عدد جوان 2024م.

الرابط: https://latinamericanliteraturetoday.org/2024/06/the-poet-as-diplomat-octavio-paz-in-india/