«عمة آل مشرق» لأميمة الخميس سردية الأنا والآخر وبحث في الهوية وتحولات المجتمع

«عمة آل مشرق» لأميمة الخميس

سردية الأنا والآخر وبحث في الهوية وتحولات المجتمع

تقف الرواية التاريخية عند تقاطع فريد بين الأدب والتأريخ؛ فهي لا تكتفي باستعارة أحداث الماضي كخلفية للسرد، بل تغوص في أعماق الذاكرة الجماعية لتستنطق المسكوت عنه، وتملأ الفجوات التي يتركها التاريخ الرسمي. على عكس المؤرخ المُلزم بالوثيقة والحقيقة المثبتة، يمتلك الروائي حرية التأويل والخيال، وهو ما يسمح له بإعادة بناء العوالم الغابرة، وإعطاء صوت للشخصيات الهامشية، وطرح أسئلة جريئة حول طبيعة الحقيقة نفسها. من خلال هذا التفاعل الخلّاق، لا يصبح التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل يتحول إلى تجربة إنسانية حية، ويصبح التأويل الأدبي وسيلة لفهم أعمق للماضي وتأثيره الممتد على الحاضر.

وهذا التقاطع بين التاريخ والتخييل هو الرهان الرئيس لرواية أميمة الخميس الجديدة «عمة آل مشرق» (دار الساقي، 2024)؛ حيث تتشابك خيوطُ الهُويَّة والتاريخ كنسيجٍ ثقافيٍّ معقَّد، بينما تُحاك تقنياتُها السردية في نسغ هذا النسيج ببراعة فنية. فهي ليست مجرد حكاية عائلية غامضة، بل «رهان ثقافيٌّ فنيٌّ» يستعيد الذاكرةَ المنسيةَ للجزيرة العربية ويُعيد تشكيلَها جماليًّا.

تنسج أميمة الخميس في هذا العمل الأدبي المميز ملحمةً تاريخيةً واجتماعيةً تمتد أحداثها عبر قرنٍ كامل. ينطلق السرد من عام 2018م، حيث يستعد حفيد عائلة سعودية لتصوير فِلْمٍ عن لغز اختفاء عمته «الجازي» وزوجها في البحرين، بعد أن غادرا المملكة إلى مصيرٍ مجهول. ثم يعود بنا الفلاش باك إلى نقطة التحوُّل عام 1918م: حين أراد المساعد الطبي الأميركي «ماثيو» نقلَ الجازي للعلاج، فاشترط والدها زواجهما للموافقة؛ لينتهي الأمر باختفاء الزوجين في غياهب النسيان. بعد مئة عامٍ، يحاول الحفيد كشف الحقيقة عبر عدسة السينما.

لكن الرواية لا تقف عند حدود الحكاية العائلية؛ بل تتحوّل إلى مختبرٍ سرديٍّ تُشرَّح فيه طبقات الذاكرة الجماعية، وتُفكَّك شيفرات التحولات الاجتماعية الجذرية، وتُختبر علاقات القوة بين الأنا والآخر في سياق تاريخي معقد.

إذن يحوم الغموض حول مصير الجازي وماثيو إبان وباء الإنفلونزا الإسبانية فيما سُمّي بـ«سنة الرحمة». وبعد زمنٍ طويل، يحاول الحفيد فكّ طلاسم ذلك الماضي عبر عدسة السينما؛ ليكشف النقاب عن ماضي عائلته الغامض، مسلحًا بكاميراه وشغفه بفض الأسرار، ينطلق في رحلة بحث شاقة لفك طلاسم «لغز» الاختفاء، ساعيًا عبر الفِلْم الوثائقي إلى تجميع شتات أحجية تاهت عبر الزمان والمكان.

النسق الفني وآليات تشكيل المعنى الجمالي

تكمن جماليات «عمة آل مشرق» في بنيتها السردية المتشابكة التي تعكس طبيعة الذاكرة الإنسانية نفسها: مجزأة، انتقائية، وقابلة للتأويل. تتجلى هذه البنية في تقنيات عدة:

أولًا، البناء الزمكاني المُركَّب: تُحطِّم الرواية الخطَّ الزمني التقليدي عبر تقطيع المشاهد بين الماضي (أحداث الجازي) والحاضر (بحث فواز)، وهو ما يُجسِّد فكرة «استمرارية التاريخ». ويتجلّى التناوب الزمني، حين تتنقل الرواية بسلاسة بين الماضي (زمن الجازي وماثيو في 1918م) والحاضر (رحلة بحث الحفيد فواز بعد قرن). هذا التنقل يخلق حوارًا مستمرًّا بين الزمنين؛ حيث يصبح الماضي مفتاحًا لفهم الحاضر، بينما يسعى الحاضر جاهدًا لإعادة بناء الماضي المفقود.

الفضاءات المتنقلة (السعودية، أميركا، البحرين) تخلق خريطةً سرديةً تعكس امتداد التأثير الثقافي العربي. ويحمل كل مكان من هذه الفضاءات المتنقلة شِيفرته الثقافية الخاصة، ومحمولاته السوسيولوجية.

ثانيًا، تعدد الأصوات السردية: تُحوِّل الرواية الحقيقةَ إلى فسيفساء من وجهات النظر (فواز، الجازي، ماثيو، الوثائق)، وهو ما يخلق بنيةً شبكيةً تُحاكي تعقيدَ التاريخ، حيث تتخلى الخميس عن الراوي العليم التقليدي، وتوزع السرد على شبكة من الأصوات. نسمع قصة «العمة» من خلال شجن الجد، واقتضاب مجالس الرجال، وتفاصيل النساء الحسية، وهمس الأجيال الشابة. هذا التعدد لا يثري النص فحسب، بل يؤكد الفكرةَ المحوريةَ: الحقيقة ليست كيانًا صلبًا، بل هي فسيفساء تُشكّلها وجهات نظر مختلفة.

ثالثًا، التوظيف الرمزي: الكاميرا السينمائية: أداةٌ لفك «طلاسم» الماضي، ورمزٌ لسلطة السرد البصري. الوباء (سنة الرحمة): إطارٌ لرصد التحولات الاجتماعية، وتمثيلٌ للهشاشة البشرية أمام التاريخ. الصحراء: فضاءٌ سيميائي يُنتج الدلالات (الذاكرة/النسيان، القوة/الضعف).

رابعًا، اللغة الاستعارية: تستخدم الخميس لغةً شعريةً تُحوِّل الواقعَ إلى استعارةٍ ثقافية: «الهدوء المسرف» للصحراء يُصوَّر كـ«ضجيج ماكر». «المأكول يصبح آكلًا» يُجسِّد صراعَ التراث مع الحداثة.

خامسًا، الواقعية السحرية وتداخل الخرافة: لا تكتفي الرواية بالوقائع التاريخية، بل تدمج عناصر من الخرافة والموروث الشعبي، مثل تدخل الجن في صياغة نهايات القصة. هذا الأسلوب يطمس الحدود بين ما حدث فعلًا وما تُدُووِلَ، ويعكس كيف تعيد الذاكرة الشعبية إنتاج الأحداث بلمسة أسطورية.

سادسًا، السرد البصري (تقنية السينما): يُعد توظيف شخصية فواز، صانع الأفلام الوثائقية، تقنية سردية ذكية. فكاميراه لا تبحث عن الحقيقة فقط، بل تمثل عين الحداثة التي تحاول تأطير الماضي وفهمه. تصبح عملية صناعة الفِلْم استعارة لعملية كتابة الرواية نفسها: كلاهما يجمع «اللقطات» والشظايا لصناعة سردية متماسكة.

سابعًا، تشكيل الشخصيات: نماذج إنسانية على مفترق طرق: شخصيات الرواية ليست مجرد أدوات لتحريك الأحداث، بل هي تجسيد حي للصراعات والتحولات التي مرت بها المنطقة: الجازي (الأنا المحاصَر): هي ليست مجرد فتاة مريضة، بل رمز للأنا في مرحلة ما قبل الحداثة، محاصرة بالمرض والتقاليد الصارمة. رحيلها ليس مجرد رحلة علاج، بل هو خروج قسري من عالمها المغلق نحو المجهول. قصتها تطرح سؤال الهوية الأنثوية في مجتمع يمر بمخاض التغيير، وثمن البحث عن الخلاص الفردي.

ماثيو إيدن (الآخر المُخلِّص والمُربِك): يمثل ماثيو «الآخر» الغربي بكل تعقيداته. هو ليس المستعمر المتغطرس، بل الممرض الذي يحمل معه العلم والخلاص. لكن هذا الخلاص يأتي بثمن: شرط اعتناق الإسلام يجعله هو الآخر يخوض أزمة هوية، ويتحول من فاعل خارجي إلى جزء من نسيج العائلة والمنطقة. علاقته بالجازي تتجاوز ثنائية «شرق/غرب» البسيطة لتقدم نموذجًا للحوار الثقافي القائم على الحاجة الإنسانية المتبادلة.

فواز (جيل الأسئلة): يمثل فواز الجيل الجديد الذي ورث حكايات غير مكتملة. هو لا يبحث عن إجابات بقدر ما يبحث عن فهم لجذوره وهويته التي تشكلت على أنقاض هذا اللغز. سعيه ليس مجرد فضول، بل هو ضرورة لإعادة الاتصال بماضيه من أجل بناء مستقبله.

النسق الثقافي: صراع السرديات واستعادة الهُويَّة

العلاقة بين الشرق والغرب: حوار الضرورة لا صراع الهيمنة: تقدم الرواية قراءة عميقة ومختلفة للعلاقة بين الأنا (الشرق) والآخر (الغرب) من خلال علاقة الجازي وماثيو. هذه العلاقة لم تنشأ في سياق القوة والهيمنة، بل في سياق «الضرورة والحاجة الماسة». الجازي تحتاج إلى علمه للبقاء على قيد الحياة، وهو يحتاج إلى قبول شرطها (اعتناق الإسلام)؛ ليتمكن من إنقاذها.

هذا التبادل يكسر الصورة النمطية للغرب المتفوق والشرق الخاضع. كلاهما يقدم تنازلًا، وكلاهما يتغير بفعل الآخر. تحوّل ماثيو إلى «مسلم» وزواجه من الجازي يجعله «مستشرقًا» من نوع جديد؛ ليس الذي يراقب من الخارج، بل الذي يعيش التجربة من الداخل. بذلك، تصبح علاقتهما نموذجًا «للتثاقف» و«الحوار الإنساني» الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والدينية، ويؤكد أن التفاعل بين الحضارات يمكن أن يكون مصدرًا للإثراء المتبادل لا الصراع الحتمي.

صراع الروايات: تتحوَّل قصة «الجازي» إلى ساحة صراع بين روايات متعددة (العائلة، المستشرقين، الوثائق التاريخية)؛ وهو ما يعكس مقولة نيتشه: «لا توجد حقيقة، بل تأويلات». تُمثِّل الرواية «مقاومةً للسردية الأحادية» التي فرضها الآخر («المارون بها»)، وتؤكد حقَّ العرب في رواية تاريخهم «بألسنتهم». تمتد الأحداث من 1918م (وباء الإنفلونزا الإسبانية) إلى 1970م؛ لترصد تحولات المجتمع السعودي في حقبة التحديث، دون قطيعة مع الماضي.

تشتغل الرواية في خطابها الرؤيوي على سردية الأنا والآخر، وتبحث في الهوية الثقافية والتحولات الاجتماعية الكبرى التي حدثت في المجتمع عبر مئة عام، وتتجلى هذه الأنساق الظاهرة والمضمرة في التقديم الذي قدّمت به أميمة الخميس لروايتها، حيث تقول: «منها خرج الغزاة وطلاب المغامرة، واحتلوا نصف العالم، وغرسوا بيارقهم وقصائدهم وملامحهم التي ستصادفك بين الجبل والشاطئ، مآذنهم في عواصم العالم، تصدح (مانيفستو الثورة) الأول في اليوم خمس مرات، نسغهم يجري في عروق الدنيا؛ فلا يخلو منه بيت من سمرقند إلى مالقا، ولأنهم يصلّون لإلههم بولاء وخشوع وإخلاص عميق، فقد زحزح رب الناس لهم بوابة البئر، وانبثق الكنز عاليًا حتى بات يعبث ببورصات العالم، ومن تحت الرمال، اهتزت وربت ممالك العرب البائدة، وعادت تطالب بأسطر من الحكاية تروى بلسانها… وليس كما كتبه المارون بها عنها… عادوا بعد قرون يحاولون فك نقوش الأسلاف وطفولة البشرية».

وبتحليل الأنساق الثقافية في النص السابق يتضح لنا أن:

أولًا، التمثيل الحضاري- التوسع التاريخي: يشير النص إلى الإرث التوسعي للحضارة العربية/الإسلامية («خرج الغزاة… احتلوا نصف العالم»)، مستحضرًا الفتوحات الإسلامية التي وصلت من سمرقند إلى مالقا.

– التأثير الثقافي المتجذر: يُصوَّر هذا التأثير كـ«نسغ يجري في عروق الدنيا»، مؤكدًا اختراق اللغة والفنون (القصائد) والملامح الجينية للعالم العربي.

– الرمزية المعمارية: «مآذنهم في عواصم العالم» ترمز إلى الانتشار الروحي والثقافي، وتحويل الأذان إلى «مانيفستو ثورة» يربط الدين بحركة التحرر.

ثانيًا، المقاومة الثقافية واستعادة السردية- نقد التمثيل الاستشراقي: تُرفض رواية «المارون بها» (المارّين العابرين، إشارة للمستشرقين) الذين كتبوا تاريخ المنطقة من منظور خارجي.

– استعادة الحق في الرواية: «تطالب بأسطر من الحكاية تُروى بلسانها» تؤكد حقَّ العربِ في صياغة تاريخهم وهويتهم بعيدًا من التزييف الخارجي.

– إحياء الممالك البائدة: «اهتزت ممالك العرب البائدة» ترمز إلى صحوة الهوية العربية وإحياء التراث المغمور تحت رمال النسيان.

ثالثًا، الثروة والتحول الاقتصادي- رمزية النفط: «انبثق الكنز عاليًا… يعبث ببورصات العالم» إشارة واضحة للنفط الذي حوّل المنطقة من صحراء إلى قوة اقتصادية عالمية. المقابل الديني: الربط بين «الولاء في الصلاة» و«زحزحة بوابة البئر» يخلق سردًا مقدسًا لتحول الثروة كهدية إلهية مقابل الإخلاص.

رابعًا، البعد الروحي والهوية- الأذان كفعل ثوري: تحويل الأذان إلى «مانيفستو» يدمج الدين بالهوية المقاومة، مؤكدًا أن الإيمان هو جوهر الاستمرارية الحضارية.

– العمق الروحي: التوصيف «يصلون بولاء وخشوع وإخلاص عميق» يربط القوة المادية (الثروة) بالعمق الإيماني كأساس للنهضة.

خامسًا، الزمن الحضاري المتداخل- حوار الأزمنة: النص يدمج الماضي (الممالك البائدة) مع الحاضر (بورصات العالم) في استمرارية واحدة. استعادة الجذور: «فك نقوش الأسلاف وطفولة البشرية» يشير إلى محاولة فهم الهوية عبر تراث يعود إلى بدايات الحضارة الإنسانية.

النسق الثقافي المضمر

يُقدّم النص مشروعًا هوياتيًّا ثوريًّا يجمع بين الاعتزاز بالإرث الحضاري (الفتوحات، التأثير الثقافي) ورفض التبعية السردية للآخر. ربط الثروة المادية بالعمق الروحي كأساس للقوة. توحيد الزمن العربي من الممالك القديمة إلى النفوذ المعاصر.

النمط اللغوي نفسه يعكس هذا النسق: جمل طويلة متشابكة كتمثيل لتعقيد التاريخ، واستخدام مجازات قوية («نسغهم يجري في عروق الدنيا») تؤكد حيوية الثقافة واستمرارها.

هكذا تُعيد الخميس صياغة السردية العربية كـ«فعل وجودي مقاوم»، حيث الماضي ليس أثرًا بل وقودًا للحاضر، والهوية ليست ذكرى، بل مشروعًا مستقبليًّا يُروى «بلسانها».

في «عمة آل مشرق»، لا ينفصل النسقُ الثقافي (استعادة الهوية، تفكيك المركزية الغربية) عن النسق الفني (تعدد الأصوات، الرمزية، التشظي الزمني). فالفنُّ هنا ليس وعاءً لحمل الأفكار، بل آلية للكشف عن طبقات الثقافة المدفونة. بهذا تصنع الخميس روايةً- كونًا، حيث يصير الفِلْمُ الوثائقي داخل النصِّ مرآةً لجوهر العمل نفسه؛ بحثًا عن الحقيقة في متاهة التأويلات.

مساءلة الأنساق الثقافية في قصص عبدالله الدحيلان

مساءلة الأنساق الثقافية في قصص عبدالله الدحيلان

إن العتبات النصية، من عنوان رئيس وعناوين فرعية وإهداء وتصدير واقتباسات من نصوص لكتاب آخرين، تتقاطع مع النص الماثل وتتفاعل معه. قد تكشف العتبات النصية الخطاب السردي الذي يتبناه الكاتب، وقد تنقضه وتقدم خطابًا مفارقًا له؛ لذا عند مقاربة الخطاب السردي في قصص الكاتب عبدالله الدحيلان في مجموعة «الرجل الذي لا يُقطع لسانه» نتساءل عن مدى تمثُّل الكاتب لخطاب العتبات وهو يبني مروياته السردية وتجليات تلك العتبات في النصوص العشرين التي كوّنت المجموعة القصصية.

يهدي الكاتب نصوصه إلى «روح سماح إدريس، النبيلة التي ضاقت ذرعًا من العيش في زمن البغاة والخِرَق البالية.. فغادرت هذه الدنيا مبكرًا».

فهل ثمة تجليات وتقاطعات لهذا الإهداء في نصوص المجموعة بحثًا عن «زمن البغاة» الذي غادره سماح إدريس؟ ربما يأتي النص الأول «الغربان» كاستعارة سردية عن «زمن البغاة»، فهي «تحوم فوق سماء المدينة، فارضة عليها طوقًا من العتمة. لم يعد هنالك شبر واحد يخلو منها، فهي في الشوارع والأزقة ومواطن الرزق، وفيها تتشكل بحسب الحاجة، سواء على هيئة بشر أو شجر أو حجر».

وهل رسالة عبدالرحيم البستاني -إلى العماد الأصفهاني- التي يتحدث فيها عن الكتابة والإحساس بعدم الرضا الدائم، تتقاطع مع النص الذي منح المجموعة عنوانها «الرجل الذي لا يقطع لسانه»؟ هل يُعدّ هذا النص استعارة سردية ومعادلًا موضوعيًّا لدور الكاتب الذي لا يمكن أن يُكسر قلمه، فكلما كُسِر قلمه نبت له آخر كي يكشف المسكوت عنه واللامقول، مثل الرجل الذي كلما قطع له نائب السلطة لسانه، نبت مجددًا؛ ليفضح ممثل السلطة؟!

ربما يدعم هذا المعنى السابق الاقتباس الذي تناص معه الدحيلان والذي نسبه إلى غابريل غارثيا ماركيز «يمكن لرعب الكتابة أن يكون غير محتمل، مثل رعب عدم الكتابة». كما يتمثل الكاتب الحكمة الروسية «من تركنا في منتصف الغابة، لا يحق له أن يسأل عما فعلته بنا الذئاب». ففي نص «الغابة» يصنع الكاتب تمردًا محسوبًا ضد الأسد وسلطانه، فيجعل من الضعفاء والحكماء حكامًا محتملين يدافعون عن سكان هذه الغابة أو تلك. وربما يدعم هذا الخوف من سلطان الغابة نص «السائل» الذي يدفع فيه سلطان الغابة الناس أن يمشوا منحني الرؤوس والظهور.

في تصديره لنصوص المجموعة يتحدث عن الجذوة التي يمكن أن تطفئها أطراف العابرين الباردة، لكنها تظل مشتعلة، مثلما تمسكت فتاة بحلمها وحاول والدها شغوفًا أن يحققه لها في قصة «حلم فتاة».

وفي حديثه عن الصمت، حيث يُعدُّ «الصمت ليس من الرحمة في شيء، هو الموت البطيء ولو لم يسمه أحد» يتمثل ذلك المعنى في نص «الخائن»، حيث يستيقظ البطل ليجد القرية كلها تعاني تشوه الأفواه وإصابة الجميع بالصمت، وحين يكتشفون أنه الوحيد الذي يمتلك فمًا يتحدث به يتهمونه بالخيانة، فينطوي على نفسه في منزله خائفًا منطويًا.

رهان الخطاب ومقارعة الأنساق الثقافية

تتقاطع العتبات النصية مع الخطاب السردي للنصوص في إلحاح من الكاتب على كشف المسكوت عنه في علاقة الفرد بالمجتمع وقيمه وتمثلاته الرؤيوية من ناحية وعلاقته بالسلطة من ناحية أخرى في استعارات سردية تخييلية إسقاطية على الواقع في بعض النصوص وإحالية مرجعية في بعضها الآخر كاشفًا عن خطاب سوسيولوجي، كاشف بدوره عن علاقة الأفراد بالمجتمع والسلطة متوسلًا بلغة إيحائية مرة وإخبارية أخرى. أحد رهانات هذه النصوص السردية ليس فقط سرد الحكايات والاشتغال على بلاغة القصة القصيرة في كثافتها اللغوية، بل ثمة رهان رئيس لهذه النصوص المهمومة بتقديم خطاب ثقافي واع بأنساقه الثقافية التي تحكم وعي الجماعة والأفراد الذين يتوجه إليهم الكاتب بالخطاب. فالخطاب الذي يحمل رؤية العالم يبرز واضحًا في النصوص -منذ النص الأول «الغربان»- التي أسقط الكاتب رؤيته للواقع من خلالها، فهي تكمن في كل زاوية وركن، وهي تتجسد وتتخفى في العديد من الأشكال، لكنها تمثل «الشر» الذي يفسد المجتمع، وتحتاج إلى مواجهة تكون قادرة على كشف نسق الشرّ المحيط بالمجتمع في أشكال عدة، ويتحكم في اللاوعي الجمعي: «الغربان تطوف في سماء المدينة، فارضة عليها طوقًا من العتمة… تجتمع كل صباح في إحدى الباحات، وتنعق بشكل هستيري، متباهية بزهو وانتشاء بحجم الأذى الذي ألحقته بالناس، وتسخر من عجزهم عن كف يدهم».

وكأن نص «الغربان» هو مقدمة لاستشراء الشر في المجتمع، وتأتي النصوص التالية كتمثلات سردية له، فالنص التالي «الخائن» وبرغم مفارقة العنوان، فالخائن في الحقيقة لم يكن خائنًا لنفسه، فهو لا يزال يحلم ويحاول التعبير عن أحلامه والتعبير عن ذاته بالكلام. تتكشف لنا في هذا النص تمثلات الشر التي أصابت المجتمع بالخرس حتى أفقدته القدرة على الكلام، وصار الصمت هو السائد ومحاولة التعبير عن الذات بالكلام هو الغريب المرفوض حتى إن من يحاول الكلام يصبح هو الخائن، وكأنه خان الجماعة الشعبية التي استسلمت للشر.

التمثل التالي للشرّ في نص «السائل»؛ فالقرية رمزية غير متعينة في الزمان والمكان، هي قرية رمزية افتراضية يُؤمر الناس فيها ألا يرفعوا رؤوسهم أبدًا، وأن يمشوا محنيي الظهر. لم يجرؤ أحد على طرح السؤال: إلى متى سنظل ننحني؟ وحين تجرأ «السائل» وطرح هذا السؤال المحرّم، لم يجد إلا تعنيفًا وتوبيخًا، ثم عقابًا استمر حتى وُصِم هو وعائلته بـ»المحدودب».

نصوص رمزية وأخرى واقعية

يتوالى تمثيل الشر سرديًّا ففي نص «أصحاب السعادة» يتقاطع مع نسق النفاق الاجتماعي والسياسي، فالضيف الذي يزور قريته، مسقط رأسه في موعد محدد، ويحرص (العمدة) على حشد الناس في مشهد معبر عن النفاق. يقف الضيف، صاحب السعادة، ليتلقى طلبات الناس ويلبي حاجياتهم، لكنه في حركة لا إرادية يشم أصابعه، لنكتشف المفارقة في نهاية النص أن صاحب السعادة ما هو إلا مجرد رجل يعيش في ركاب صاحب سعادة آخر. وهكذا يتوالد أصحاب السعادة الذين يلتف العامة حولهم دون أن يعرفوا حقيقتهم المذلة: «وفي كل مرة يدور هذا الحديث كنت أسأله ما إذا كان أهالي القرية على دراية بالمهنة التي يشغلها، فذكر لي أن لا أحد يعلم بذلك، وشدد على أهمية كتمان ذلك السر عن أهالي القرية؛ كي يبقى محافظًا على سمعته، ومكانته بينهم بصفته مساعدًا شخصيًّا، دون الخوض في تفاصيل تلك المساعدة».

وفي نص «قضاعة بن جُحيش» يكتب عن أحد تجليات الشر. لكن ثمة نصوص سردية أخرى تقترب من الواقع وهمومه الإنسانية الذاتية، فلم تكن كل الخطوط السردية رمزية، فنص «الأسقف المشوهة» يرصد الكاتب موت الشغف بين المرأة والرجل، وقدرة المرأة على مواجهة النسق الذكوري الذي لا تفلح فيه النساء من رفض الرجال أو طلب الطلاق.

وكذلك نص «حلم فتاة» عن فتاة تحلم بامتلاك حصان، وهو طلب إنساني بسيط. وهكذا تنوعت موضوعات النصوص ما بين نصوص رمزية يسقط من خلالها على الواقع لكشف المسكوت عنه في الأنساق الثقافية الاجتماعية، ونصوص واقعية تكتب لحظات لهموم إنسانية ذاتية، تتموضع فيها الذوات الساردة موضع المساءلة الاجتماعية والأخلاقية.

فلسفة الزمن وطرائق السرد في «رجل تتعقبه الغربان»

فلسفة الزمن وطرائق السرد في «رجل تتعقبه الغربان»

رجل يخاف خوفًا مرضيًّا من صوت الغربان، يعاني قلقًا وجوديًّا من انتشار الأوبئة، حيث تكثر الجثث في الشوارع لتتخطفها الغربان. فرّ هذا الرجل من وباء «كورونا» تاركًا قريته قبل عقود من انطلاق السرد، وسكن مدينة أخرى بمرافقة ابنته وحفيديه، لكنه في لحظات قلق وجودية مشابهة، وبعد عشرين سنة من فراره من الوباء، يفتح دفاتر أحزانه، دفاتر يومياته؛ ليسرد لهذين الحفيدين حكاياته وحكايات أجداده عن الأوبئة. وفي أثناء ذلك يسرد طرفًا من سيرته الذاتية وسيرة قريته الصغيرة في صحراء المملكة العربية السعودية؛ لنتعرف إلى تفاصيل الحياة وسيرة الناس الديموغرافية، سيرة الإنسان في الزمان والمكان في رواية «رجل تتعقبه الغربان» للروائي يوسف المحيميد التي صدرت عن دار العين بالقاهرة.

مدينة بيضاء ميتة

إنها رواية أقرب إلى روايات الدستوبيا، حيث يعيش السارد في عام 2048م، وسط عالم فاسد بيئيًّا واجتماعيًّا. تبدأ الرواية من المستقبل، حيث يعيش سليمان الزارع مع ابنته وولديها، في مدينة «بيضاء ميتة» في إشارة لمدينة غريبة يغطيها الثلج والموات النفسي بعيدًا من الأوطان: «هل تحتفظ بالذكريات التي كتبتها آنذاك يا أبي؟ حين كنا محبوسين في منزلنا القديم في حي قرطبة؟ ليتك تقرأ عليهم شيئًا مما كتبت! تنحنح الجد، وقال لهما: تعاليا هنا أنتما بخير» (ص11). يتخذ السارد من طلب ابنته تكأة سردية ليبدأ الحكي لحفيديه إبراهيم وإسماعيل التاريخ الاجتماعي لعائلته البسيطة. لكن أية مدينة تلك التي لم يحشد السارد إشاراته الثقافية لنتعرف إليها إلا في موضع وحيد، حيث يقول: «صخب المتظاهرين بجدائلهم القصيرة وقبعاتهم الصغيرة المستديرة السوداء، وقد مروا أمامه حاملين لافتات وأعلامًا زرقاء وبيضاء، وهم يغنون احتفالًا باليوم الوطني المئة لبلادهم». فهل هي إسرائيل التي خرج العم ليحارب ضد نشأتها وضياع القدس قبل مئة عام من هذا التاريخ؟ فهل قصد الكاتب أن يحدث صدمة وعي للقارئ، بأن زمن الدستوبيا سوف يحول العدو إلى صديق؟ أم إنها مدينة لا تزال تعاديه كما عادت عمه والعرب جميعًا، ولو كانت العداوة ضمنية؛ فهي «مدينة بيضاء ميتة»؟

إن السارد يعاني غربة واغترابًا نفسيًّا، فقد فرّ من بلده هربًا من قضاء الله، إلى «مدينة بيضاء ميتة» ليعيش الغربة بعيدًا من الوطن، والاغتراب الذي لم يحققه بالاندماج مع الآخر الذي كان يومًا عدوًّا. يقول: «من أنت؟ أنا سليمان الزارع أو سليم كما يسمونني، يصغرون اسمي احتقارًا، فأنا مجرد رجل حقير، لم يستطع أن يحافظ على شيء، لا امرأة استطاع أن يخرسها حين تعصف به مجنونة كالريح، ولا أم رد عنها الأذى والموت، ولا أب استطاع أن يغسله ويكفنه، ويقبله، أو حتى يلمسه قبل دفنه، كل ما فعله أن تأمله من وراء زجاج سميك وهو يحتضر، حتى بلاده التي انفرطت من بين يديه بغتة كمسبحة في هاوية» (ص9).

يحاول السارد أن يبرر غربته واغترابه، لكن محاورة حفيديه لا تترك له فرصة للهروب من انثيال الذاكرة، يقول: «حين عاد الأب إلى غرفته، جعل يستعيد تلك الذكريات أيام حظر التجوال، وما تلاها من أحداث سريعة، وابتسم في عتمة غرفته، تذكر سؤال إسماعيل لماذا تركت بيتك وشجرة التوت التي تحبها يا جدي؟ قال: إن دراسة أمهما هديل هي السبب، فسأل إبراهيم: لماذا لم تعودا بعدما خلصت أمي من الدراسة؟ لم يجب، وإنما استمر يحكي لهما عن ذكرياته، فلا أحد غيره وهديل يعرف سبب هجرتهما… إنه الخوف المرضي الذي لازمه» (ص12).

لم يكن وباء كورونا هو الوباء الوحيد الذي أثار كل هذا القلق الوجودي في أرواح شخصيات الرواية، فها هو وباء آخر يقفز في الفضاء السردي من ذاكرة الجد صالح. إنه وباء الجدري الذي أصاب القرية قديمًا وأودى بحياة أحد أولاد الجد صالح الثلاثة، فقد غادر قريته إثر إصابة ابنه بالوباء إلى الرياض بحثًا عن علاج، لكن الزوجة تصاب بالعدوى، وتلحق هي الأخرى بابنها، ليظل الجد صالح وابناه في الرياض بمرافقة أخيه حمد. يسافر حمد ليشارك في الحرب في فلسطين، ولا يعرف عنه الجد صالح شيئًا، لكنه سمع أن كتيبة الجنود عادت إلى جدة، فقرر الذهاب للبحث عنه. وفي طريق الذهاب إلى جدة تنفتح ذاكرة السرد، سرد الوباء وما رافقه من مآسٍ إنسانية غير محتملة: «فوق جذوع الأثل على صناديق الشاحنة صوب الرياض، الصراع مع الجدري، وموت عثمان الصغير، ودفنه في مقبرة ضارج، ورحيل زوجته في ثليم، ودفنها في مقبرة شلقا، وإصابة محمد بالجدري» (ص151).

عتبات النص

عتبة العنوان تستحق تأملها بتروٍّ، فقد دأب الناس على تسمية سليمان الزارع بالرجل الذي تتعقبه الغربان نتيجة لخوفه المرضي منها. معروف عن الغربان أنها تحوم حول الجثث التي تخلفها الأوبئة. تشير الغربان إلى الأوبئة التي لم تقتصر على وباء كورونا الذي فرّ منه السارد 2020م، بل تعقب الكاتب تاريخ الأوبئة عبر تاريخ المنطقة، ما بين وباء الطاعون والجدري والكوليرا وكورونا. ويتجلى العنوان في أكثر من موضع في الرواية. يقول وهو يتذكر زميلًا له في عمله السابق: «لم تعد الغربان هي تلك الطيور التي تحلق وتنعب طول الوقت، بل حتى زميلي في العمل تضعف ساقاه وتحمران أحيانًا، ثم ينحني نحو الأرض شيئًا فشيئًا، وينبت حول ذراعيه ريش أسود، فتصبح مشيته في الممرات كمشية غراب يبحث في الأرض، أهرب منه من دون أن أفضي إليه بوساوسي، لكن الآخر… الغراب يلاحقني بصوت غير مفهوم، صوت غامض يشبه النعيب» (ص180).

أما الاقتباسات والعناوين الداخلية، فتكمل ما تحققه عتبات النص من تفاعلات نصية تخرج بالنص عن مجرد سرد الحكاية إلى جدل في الوعي وتفاعل للإشارات الثقافية؛ وهو ما يوسع منظور الرؤية. حيث يفتتح المحيميد روايته باقتباس دال من الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد (1946م): «أيها الغراب / كف عن نعيقك / جنازة تمر»، وبالمقولة النجدية: «لا عيون إلا بعد جدري، ولا عيال إلا بعد حصباء»، وبقول جاك لندن (1876 -1916م): «الأنظمة المتوارية تنهار مثل رغوة. نعم، رغوة ومتوارية. كل كدح الإنسان على الكوكب كان مجرد رغوة». تتألف الرواية من تسعة فصول «مدينة بيضاء ميتة/ فبراير 2048»، «كيف أحرك يدي الحجرية/ مارس- فبراير 2020»، «تفاصيل منسية/ ضارج- الرياض 1939»، «سجين خلف زجاج نافذة في ملحق خارجي/ الرياض 2020»، «أوراق منسية في زمن بعيد/ الرياض- فلسطين 1945- 1950»، «يطرقون رؤوسهم كما السجناء/ الرياض 2020»، «الجنود في حقل الذرة/ الرياض- فلسطين 1948-1949»، «أعد المنظار الروسي إلى جرابه القديم/ الرياض 2020» و«الحكاية دائرة تتكرر، مايو 2048».

فلسفة الزمن

إن الاشتغال على الزمن وفلسفته رهان رئيس من رهانات الرواية، سواء زمن القصة أم زمن السرد. زمن القصة يتوزع ما بين النصف الأول من القرن العشرين وعشرينيات الألفية الثالثة وصولًا إلى نهايات النصف الأول من تلك الألفية، حيث ينطلق السرد عام 2048م. أما زمن السرد فقد فارق الكاتب الزمن التتابعي الخطي الذي يعد ثمة من سمات السرد الكلاسيكي إلى زمن يتوزع ما بين الفلاش باك أو الزمن الاسترجاعي وهو المهيمن فعليًّا على بنية الزمن السردي، والزمن الاستباقي الذي جاء، على قلته، ليكشف عن جِدَّة بناء الرواية ومعمارها.

منذ البداية يحرص الكاتب على توظيف زمن الاسترجاع، فحين يفتح دفاتره ويقرأ على أحفاده تاريخ أسرته، منذ الجد صالح، يضطر إلى أن يعود بالزمن مرة إلى زمن وباء كوفيد 19 وأخرى إلى زمن انتشار الجدري وثالثة إلى زمن انتشار الكوليرا، وقبل كل ذلك وباء الطاعون الذي أصاب قرى نجد قبل مئة عام. كان الراوي (سليمان) يقرأ من دفتر مذكراته بصوت يشبه تلاوة القرآن، فتعيده الذاكرة إلى حيث حياته الأولى، حين كان يسمع القرآن بصوت أبيه، فطريقة التلاوة قفزت من ذاكرة السرد لتحمل تفاصيل حياة مرّت، لكنها تثير النوستالجيا في روح الجد: «التلاوة ذاتها، والصوت العميق الذي أسمعه الآن في حوش منزلنا، زمن الوباء والعزلة، لتذرف عيناي خلسة، وتنتابني غصة بكاء مكتومة، كنت أرى الله ماثلًا أمامي حين يتلو أبي الآيات في العتمة بصوته الذي يجرح الروح، ويبث قشعريرة كالماء في الجسد» (ص30).

أما عن الزمن الاستباقي أو الاستشرافي، فهو يتكرر في الرواية؛ ليفيد منه الكاتب من شد انتباه القارئ للأحداث المتوقعة عبر الزمن السردي، فيأتي الاستشراف في النص لتهيئة القارئ نفسيًّا لما سيأتي من أحداث. عقب انتشار وباء الكورونا وخوف السارد الرئيس سليمان الزارع من كل ما حوله، حتى عواء ذئب في الجوار يجعله يفكر في مطاردته ببندقيته. يقول المحيميد على لسان سليمان الباحث عن الذئب العاوي: «كيف لي أن أستدرجه بأن أرمي قطعة لحم مقلي قرب الحاوية الصفراء، ثم أنثر أحشاءه بالبارود، أو أخرج باحثًا في الطرقات المحيطة، كيف أخرج في الشوارع حاملًا بندقية صيد بطول جسدي؟ كيف ستكون ردود أفعال الجيران؟ ستصيح امرأة تطل من نافذة غرفتها، وتهرول بحثًا عن زوجها… وقد يبادر الزوج الأحمق مرتبكًا، فيتصل بدوريات الأمن، ثم تأتي الشرطة على عجل فتقتادني» (ص137).

«يوميات حقيقية لفتاة متخيلة» لهناء حجازي مساءلة الأنساق الثقافية

«يوميات حقيقية لفتاة متخيلة» لهناء حجازي

مساءلة الأنساق الثقافية

تعد المذكرات واليوميات من السرود التي تركز على هوية الذات ومشاغلها وهمومها وأحلامها، فيتم تضييق المسافة بين الذات والعالم، بين الذات الساردة والراوي الخارجي، لكن هل هذه الذات هي ذات الكاتب الحقيقية؟ وهل يمكن النظر إلى السردية التي توظّف اليوميات والمذكرات كطرائق سردية جمالية باعتبارها انعكاسًا لذات المؤلف؟ أم نعتبر كل هذه السرود رؤى تخييلية لا تخص الذات إنما تخص الشخصية الروائية، ففي الرواية التي توظّف اليوميات والمذكرات تبدو الذات في هذه النصوص «ترتكز على الهوية، أي على غياب المسافة الفاصلة بين شخصية السرد الرئيسة التي هي الذات وبين الراوي الذي يتحدث بضمير الأنا ويكتب بصيغة المتكلم» (بول ريكور، بعد طول تأمل، ترجمة: فؤاد مليت، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2006م، ص: 23).

حجاب التخييل

إن اليوميات والمذكرات كتقنية فنية توهم بالإحالة إلى الذات بشكل مباشر دونما مواربة أو التخفي وراء التخييل، وتحفل بالإسهاب في السرد ونقل المشاعر والانطباعات. وأتصور أن الكاتبة السعودية هناء حجازي في نصها الأحدث «يوميات حقيقية لفتاة متخيلة، أو العكس»- الذي صدر عن دار جداول (يوليو 2022م) -كانت تعي تلك المساحة الملتبسة بين التخييل والواقع، بين المذكرات كتقنية جمالية وبين كونها كتابة سيرية صريحة، كما أتصور أنها تعي المحاذير في الثقافة العربية التي لا تسمح بالكشف والتعرية وفضح المسكوت عنه؛ لذا عنونت النص بعنوان يضع مسؤولية تصنيفه على القارئ، فهي لم تحسم أمرها صراحة في تجنيس النص هل هو «مذكرات حقيقية لفتاة متخيلة» أم «مذكرات متخيلة لفتاة حقيقية» ألم تقل لنا «والعكس» في تجنيس النص؟

تترك الكاتبة للقارئ مهمة التصنيف الإجناسي، فتقول في إحدى عتبات النص: «لا أعرف ما الذي جعلني أقرر كتابة يومياتي. لم أنجح يومًا في فعل ذلك، وحتى هذه المرة لا أستطيع الادعاء أنني نجحت تمامًا. هذه مذكراتي لمدة عامين… هل يمكنني أن أدع أمي تقرؤها، ربما أبي؟ لا، لا أتخيل ذلك أبدًا، حتى لو بعد وفاتي… أنا حريصة على تدوين يومياتي، قررت أنني سأتوقف تمامًا عن إكمال هذا الفعل. ولا أعرف إن كنت سأحتفظ بها أم سأقوم بحرقها» (ص6).

في هذه المقدمة تطرح الكاتبة فلسفة الكتابة، فهي تخشى المحاذير الاجتماعية، فلن تدع أسرتها تقرؤها، كما أنها لم تحزم أمرها هل ستحرقها أم تتركها للقارئ، وما دامت قد وصلت لنا- نحن القراء الافتراضيين- فقد حزمت أمرها ودفعتها للنشر. تبدأ الكاتبة المذكرات في أكتوبر 2019م، وتنهيها في يوليو 2020م، لكنها تقدم لها صفحتين أو يزيد لتُوجز لنا سيرة الساردة، فهي امرأة مطلقة، تعيش بمفردها ولم تعد لبيت أهلها كخطوة أولى للتحرر من هيمنة الثقافة الذكورية التي تفرض وصاية على المرأة بعد أن تُطلق، كما أنها تعمل، وتنتمي لأسرة تحترف الكتابة، أب وأم يمارسان الكتابة الإبداعية، وهي في طريقها لذلك عبر تدوين مذكراتها ويومياتها.

هناء حجازي

الخطاب المعلن والنسق المضمر

تراهن الكاتبة على مساءلة النسق الذكوري الذي يستغل الوضعيات الاجتماعية للنساء، فتبدأ أولى يومياتها «20 أكتوبر 2019م» يوم إعلان نتائج جائزة نوبل، ثم تخبرنا أنها ستعلَن بعد حجبها العام الماضي بسبب الفضائح الجنسية، ثم تتوالى سرديات ابتزاز النساء جنسيًّا انتقالًا من نوبل إلى فضيحة المذيع الأميركي الشهير، ثم فضح النسق الثقافي الذي أدى للتحرش بالنساء في بلاد الغرب التي من المفترض أن المرأة فيها وصلت لمكانة وتمكين قضيا على تهميشها، لكن الساردة تقفز فجأة من الثقافة الغربية إلى النسق الثقافي العربي، وتتخيل اليوم الذي تتمكن فيه النساء من فضح من يتحرش بهن.

الكاتبة واعية لآليات النسق الذكوري الذي يتخذ من النساء أنفسهن مدافعات عنه؛ وهو ما يمثل مزيدًا من تهميش النساء. فوالدة الساردة -وهي مثقفة وكاتبة ومن المفترض أن تمتلك خطابًا نسويًّا قويًّا ينحاز للمرأة- نجدها تُدين فضح المتحرش، بل تطالب عبر نقاشها مع الساردة بالستر والتغاضي والتجاوز: «يرعبني أحيانًا هذا البرود الذي تتحدث به ماما. هذه المرأة المثقفة التي عانت وخاضت الكثير من الحروب في أيامها، كي تحصل، هي وغيرها، على حقوق لم تكن متاحة، كيف تتكلم بهذا الشكل عن النساء؟» (ص12).

كما تسرد الكاتبة العديد من الممارسات التي يقوم بها النسق الثقافي؛ ليُهمن على النساء، فتحتفي في النص بالنقلة الثقافية الكبرى التي حدثت في المجتمع السعودي المحافظ بمجيء الأمير «محمد بن سلمان» الذي أحدث تغييرًا جذريًّا: «أحب محمد بن سلمان، كلنا نحبه نحن الذين عانينا من الخوف من الهيئة، نحن الذين كنا نقابل الشباب في الشقق خوفًا من لقاءات المقاهي بسببهم. نحن الذين كنا لا نجرؤ على كشف شعورنا في المولات خوفًا من طريقتهم القاسية… سيبقى ما فعله أمرًا تاريخيًّا» (ص56).

إنه احتفاء كبير بالسماح للنساء بممارسة حرياتهن بدءًا من قيادة السيارة والتخلص من وصاية «هيئة الأمر بالمعروف» على النساء، والتدخل فيما يرتدين ويفعلن والاعتراض على الحفلات والفعاليات الفنية، ولكنها في تبنيها للخطاب النسوي لم تكن واعية بأن ذلك الخطاب يعامل النساء كذوات كاملة الأهلية والحقوق، ولا يجب أن يكنَّ موضوعًا يُفعل بهن ما يشاء أصحاب الثقافة الذكورية، فنجدها تحتفي بالحرية التي حصلت عليها صديقتها «وعد»؛ لأن هناك رجلًا دعمها وحماها من مساءلة المجتمع. فتقول: «لا أظن أنني أستطيع الخروج دون عباءة. وعد تستطيع لأنها متزوجة وزوجها يدعمها. وعد أيضًا استطاعت أن تحصل على رخصة قيادة، وعلى سيارتها الخاصة» (ص14).

في أكثر من موضع تقرن الكاتبة بين تحرر النساء ودعم الرجال، وكأنه تحرر مشروط، إن دعمك رجل فيمكن لك أن تنالي كل حريتك، وإن لم يدعمك رجل، فسوف يقيدك المجتمع «تضع وعد صورها في «الانستغرام» وفي «تويتر» و«الفيس بوك» تضعها في كل مكان، وهي ترتدي الفساتين القصيرة، وتقبل زوجها، وتنام بالبيجاما… كنت سأفعل كما فعلت وعد لو كنت متزوجة من شخص كزوج وعد» (ص15). وعلى الرغم من أن الخطاب النسوي ينقصه الوعي الكافي بأهمية أن تكون المرأة ذاتًا فاعلة لا تحتاج إلى الرجل لدعمها، فإنها تلح على كشف الممارسات الذكورية ضد النساء، وهو ما يستوجب المساءلة: «اكتشفت أن الرجال هكذا، شيء في تركيبتهم يجعلهم يضخمون الأشياء التي يقومون بها…إذا قررنا أن نتغافل فنحن ضعيفات ومسكينات وعبدات للرجل، وإذا قررنا ألا نتغافل، فنحن مسترجلات ونسويات وضد الرجل» (ص51).

مساءلة النسق الاجتماعي

تحتفي الكاتبة بالخطاب الاجتماعي، فالسرود الروائية قادرة على أن تكتب خطاب الهامش الاجتماعي وعلاقته بالمتن أو المركز، وأتصور أن الكاتبة واعية بذلك الخطاب، فقد حاولت في مواضع جمة أن تكشف النسق الاجتماعي، نسق العادات والتقاليد، نسق التغيرات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع في السنوات الأخيرة والتي نقلته نقلة حداثية لا يمكن للمراقب من الخارج إغفالها. تقول حجازي: «غدًا 14 فبراير. أتذكر كل أعياد الحب التي قضيتها خائفة من هيئة الأمر بالمعروف. كل الحكايات. كل الورد الأحمر الذي لم نجده، كل الهدايا التي لم نتمكن من استقبالها. كنت أحاول مع أمي وأبي في كل مرة كي أسافر. ماما تفهم وتحاول أن تساعد، تخاف لكن تحاول. بابا لا أدري إذا كان لم يفهم، أو أنه يتخذ وضعية الرجل الشرقي الذي يعتقد أن كل البنات إلا ابنته يمكن أن تفعل شيئًا يسيء إلى براءتها» (ص22).

تحيل الذات الساردة الأنثى (الفرد) من جهة، والمجتمع بأسره من جهة ثانية، إلى أنها ذات شديدة الارتباط بهموم مجتمعها وتناقضاته وأزماته. ولذلك يمثل البحث عن الهوية والتوازن النفسي أحد مكونات هذه الذات المأزومة: «ما زال النقاش مستمرًّا حول أغنية «بنات مكة»… حزنت من أجل الفتاة، كلمات الأغنية وطريقة غنائها وفخرها ببنات مكة كانت جميلة. مشكلتها الوحيدة أنها كانت سمراء، وكل من معها في التصوير كانوا كذلك. بين يوم وليلة انقلبت الدنيا… فجأة قبض عليها. انفجر «تويتر» بالتعليقات. قلة من يرون فيما فعلت أنه شيء عادي. وعلينا ألا نفرط في ردة الفعل» (ص25).

كما ترصد الكاتبة ما طرأ على المجتمع من تغيرات بسبب جائحة كورونا، وكيف تلقت، هي وغيرها، الإجراءات الاحترازية التي حدثت مع الجائحة: «أي شخص يعود من الخارج، يضعونه في الحجر المنزلي أو في فندق ما، لمدة أسبوعين. والآن، حديثًا، طُبّق منع التجوّل… بسبب كورونا، العدو غير المرئي» (ص29).

كما تعري الكاتبة النسق الثقافي القبلي، وتصنيف الناس بناءً على وضعياتهم الاجتماعية، فترفض التصنيف أيًّا كان، وتنتصر للقيم الإنسانية المشتركة بغض النظر عن وضع الفرد بالنسبة للمجتمع: «لماذا يحتاج الناس إلى تصنيفك؟ ما هذه الرغبة الشديدة عندهم لوضعك في خانة؟ تقييمك يعتمد على البيت الذي قدمت منه. هل أنت قبيلي؟ إذا كنت قبيليًّا والسؤال صادر من قبيلي فهذا يعني الاستحسان، لكن ليس استحسانًا كاملًا؛ لأنك قد تكون قادمًا من قبيلة أقل شأنًا من قبيلته، أو هذا ما يُعتقد؛ لأن غالبية القبائل تعتبر القبائل الأخرى أقل شأنًا منها» (ص49).

تعكس الكاتبة وجود الذات الممزقة التي عجزت عن التكيف مع واقعها، وهو ما دفعها إلى الوهم ورحلة البحث عن اليقين والطمأنينة؛ في حالة توازي بين تلك الذات والمجتمع الذي يعاني هو الآخر، فالذات في النص هي مرآة لحياة المجتمع القائم على التنصيف والاستبعاد والتهميش.