قصتان

قصتان

الركض في الحلم

استيقظت اليوم متعبًا من الركض في الحلم، ونهضت من فراشي على مهل، وكأنني كبرت عشر سنوات في ليلة أو نصف ليلة.

مشيت، ووقفت أمام مرآتي أتفقد ملامحي كي لا تضيع مني؛ لأطمئن على التجاعيد التي بدأت تظهر على أطراف العيون، وأتأكد بأنها تنمو بشكل طبيعي.

فتحت حنفية الماء لأغسل بكاء الليل من على وجهي، لكني تذكّرت بأنني لم أستطع أن أدفع فاتورة المياه لهذا الشهر، وأن البيت قرّر أن يتركني بلا ماء أنا وعائلتي!

الوطن يؤمن بأنّنا رجال من حديد، وأننا قادرون على الاستمرار بالوقوف والعيش وإن كان بلا ماء. منذ أكثر من خمس ليالٍ وأنا أركض باحثًا عن قتل فاتورة.

ولكني لم أستطع أن أشيّع جثمانها إلى مثواه الأخير هناك في مقبرة السارقين في عرقي الفواتير في وطني لا تموت. وإنْ متّ ستتجدّد خلاياها، وتكبر، وتمتد. إنّه اليوم الأول لي بلا ماء! هل ستمطر يا صديقي؟ من المفزع أنْ تجد كلّ الأبواب مغلقة في وجهك في لحظة.

أن تركض نحو الجدار بكل قوّتك، ولكن اندفاعك لا يُحدث أيّ اهتزاز في الجدار. تقف ثابتًا كمسمار عتيق ضربوه في تابوت المحاولة منذ زمن. أنا تمامًا كذلك المسمار، ولكنّ الصدأ أكل قلبي، حتى أصبحت هشًّا، وقد أتحلّل في لحظة، ويأكلني دود النهايات بنهم.

هل جرّبت يا صديقي أن تنظر في عيون أطفالك وهم يسألون ألف سؤال، ولكنك عاجز تمامًا عن إجابتهم، وتصمت، وتبتلع كراكيب البكاء في صدرك؟!

أنا أفعل ذلك كل ليلة، ولكنّني أبتلع قلبي مع الدموع، وأنظر إلى الجدران الباردة علّها تتصدق عليّ برغيف الحبّ أو حتى لقمة حنين.

نافذة الشوق هي الوحيدة التي تفتح ذراعيها لي فتوصدها خيباتي المتكررة.

ليته يأتي

اليوم، أتمت الستين من العمر.. أفشت بذلك، ورقة الروزنامة المثبتة على الحائط في حجرة الاستقبال. اليوم، ويا للمصادفة، الذكرى السابعة على رحيل زوجها إلى طريق الأرض كلها.. الموت، لم يتوقف عداد الساعة عن المضي قدمًا رغم أنها توقفت من مدة عن الإحساس بمروره. تنظر إلى جدارية، تحمل صورة ابنها الوحيد، رسمها بريشته.. فهو فنان تشكيلي من المولد، وقد صقل موهبته الفطرية، بدراسة أكاديمية متخصصة في إيطاليا.

يوم مولده، أطلق عليه والده، اسم: «وحيد».. فهل كانت نبوءة منه؛ ليظل وحيدًا: اسمًا، وحالًا؟! لطالما سألته، برغبة وقلق: «متى أفرح بك عريسًا، وأفرح بأولادك؟» يجيبها، وقد شعر بضيق من تكرار السؤال:

«أرجوك يا أمي، لا أريد تكرار الفشل». «وهل الفشل مرة، يقتل النجاح، يا بني؟»

«فشل المشاعر، أقسى من أي فشل». هكذا كانت تسأله، وهكذا كان يجيب.. وكأنهما يرددان معًا، نصًّا مكتوبًا في كتاب من كتب مدرسة الحياة! خطب فتاة، وأحبها جدًّا، ربما لأنها تجربته الأولى في الحب. لكن ذلك الحب لم يدم؛ فقد اكتشف أنه أسير الجمال، وليس أسير الروح.. روحها! انفصلا، وترك هذا الانفصال ندوبًا غائرة في نفسه، وروحه، وقلبه.

تنظر الأم إلى الساعة المعلقة على الحائط، كلما سمعت عدد الدقات المتزايد، التي أكملت العقارب دورتها! تزايدت دقات الساعة، تزايد قلقها عليه؛ فليس من عادته أن يهمل هذه المناسبة، مع أنه يرى ملامح الحزن على وجهها، فهي تحزن مرتين: مرة، على أيام عمرها التي تمضي، ومرة ثانية، على ذكرى رحيل زوجها!

هل أخذته مشاغل الحياة بعيدًا عني؟ هل يقسو القلب من الألم الذي استوطنه؟

هل الطرق مزدحمة إلى هذه الدرجة؟ كانت تتساءل، وتلتمس الأعذار، وأفكارها تذهب وتجيء، كأنها تمارس لعبة «قطف البتلات»، وتقول مع كل بتلة تنزعها: سيأتي.. لن يأتي. سيأتي.. لن يأتي! انتصف الليل، ولم يحضر! عند الساعة الواحدة صباحًا، رن الهاتف.

إنه هو، قالت الأم بلهفة. كان على الطرف الآخر، صوت غريب، يقول لها على استحياء: ابنك مات في حادث سير!