نصل حجري ونواة حجرية مكتشفة في جدة تعيد تاريخ الاستيطان البشري لسواحل البحر الأحمر في السعودية إلى العصر الحجري القديم

نصل حجري ونواة حجرية مكتشفة في جدة

تعيد تاريخ الاستيطان البشري لسواحل البحر الأحمر في السعودية إلى العصر الحجري القديم

في أثناء التنقيب الأثري في بيت البنط، عام 1430هـ، بتوجيه من المهندس سامي نوار- الذي أعدّه مؤرخ جدة التاريخية الأول- عندما كنا نعمل في إدارة السياحة والثقافة، التابعة آنذاك لأمانة محافظة جدة، كان الهدف هو الكشف عن الرصيف القديم لميناء جدة، الذي كانت تأتي إليه القوارب والسنابيك في عهد الملك عبدالعزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة، طيب الله ثراه. وعلى عمق متر ونصف تقريبًا، لفت انتباهي جسم حجري؛ اتضح لي بعد تنظيفه بفرشاة ناعمة أنه نصل حجري من حجر الصوان.

شواهد استيطان مبكر

كان هذا النوع من النِّصَال يُستخدم عادة في عصور ما قبل التاريخ كأداة حادة لتقطيع اللحوم وتكسير العظام، بما في ذلك الأسماك. وقد عُثر على أمثلة مشابهة له في مواقع ساحلية عديدة حول العالم؛ منها موقع في جنوب إفريقيا على ساحل المحيط الأطلسي، يعود إلى نحو 20 ألف سنة من وقتنا الحالي، كما عُثر على أدوات مشابهة في المملكة المتحدة وفي سواحل أستراليا الشمالية الغربية.

غير أن هذا النصل ذا الشكل المستطيل والحواف الحادة، يبدو -في اعتقادي- أقدم بكثير من تلك المكتشفات في جنوب إفريقيا. فالتقنية المستخدمة في صناعته تدل على العصر الحجري القديم، أي ما بين 60 ألفًا و50 ألف سنة من وقتنا الحالي؛ إذ إن شكله المستطيل، وحوافه الحادة، وغياب التشذيب الدقيق، كلها سمات تشير إلى تقنيات ذلك العصر في صناعة الأدوات الحجرية.

في أثناء ذلك، قمت بجولات ميدانية في معظم شرق مدينة جدة، وبخاصة الجبال المنخفضة القريبة، فعثرت على قطعة حجرية على أحد جبال جدة المنخفضة شرق أم السلم، وكانت عبارة عن نواة حجرية.

هذه النواة تمثل دليلًا ماديًّا واضحًا على وجود موقع لصناعة الأدوات الحجرية في ذلك المكان أو بالقرب منه، وبالتالي فإن وجود نصل حجري داخل المدينة القديمة، بجوار الميناء القديم، لا يمكن عده محض مصادفة.

والنواة -كما هو واضح في الصورة- غير منتظمة، وتظهر عليها آثار ضرب واضحة، وكذلك آثار تعرض للنار، وهي علامات تدل أيضًا على تقنيات العصر الحجري القديم.

تكتسب هذه المكتشفات أهميتها حين نضعها في سياق الاكتشافات المشابهة حول العالم، ولا سيما في المواقع الساحلية. فقد عُثر في موقع بولدنور كليف، الذي يعود إلى العصر الحجري الوسيط، قبالة جزيرة وايت في المملكة المتحدة، على أدوات مشابهة تحت الماء، غمرها البحر بعد ارتفاع منسوب المياه عقب نهاية العصر الجليدي الأخير نحو 11,700 ق.م. وعُثر على أدوات مماثلة في أرخبيل دامبير شمال غرب أستراليا، في دراسة نشرت في مجلة الآثار في الجزر والسواحل عام 2021م، حيث عثر على أدوات حجرية عبارة عن شفرات ونِصَال في منطقة المد والجزر.

علمًا أن الميناء القديم لمدينة جدة يقع على الرصيف الموجود في باب البنط مباشرة. ولو جرى تجفيف مياه البحر -عبر الواقع الافتراضي والمعزز- للرجوع إلى العصر الجليدي الأخير؛ فستكون اليابسة داخل مياه البحر حاليًّا بأميال عدة، وسيكون الرصيف القديم للميناء عبارة عن يابسة والجبال القريبة شرق جدة لن تبعد أكثر من 4 أميال من الساحل.

دلالة الاكتشاف

هذا الاكتشاف هو دليل جديد على أن شبه الجزيرة العربية -وتحديدًا المملكة العربية السعودية- هي موطن أقدم حضارة بشرية؛ حيث استوطن آدم -عليه السلام – وحواء في مكة، في أول بيت وضعه الله للناس، قبل 100.000 سنة من وقتنا الحالي. آنذاك كانت المنطقة تمرُّ بالعصر الجليدي الأخير الذي تضمن أوقاتًا رطبة مطيرة وأخرى شبه مطيرة وأخرى جافة. فكانت تلك البقعة حينها هي أنسب موقع على الأرض للاستيطان البشري، بينما تقبع بقية أجزاء العالم تحت كتلة جليدية أدنى سماكة لها تبلغ كيلومترين ونصف كيلومتر، وأقصى سماكة لها تبلغ 4.5 كيلومترات. بينما أرض شبه الجزيرة العربية تغطيها طبقة كثيفة خضراء من نباتات غابات وسافانا وتنتشر فيها بحيرات، بما في ذلك صحراء الربع الخالي، التي أظن أنها تخفي مواقع أثرية ربما تكشف النقاب عن الحضارات المفقودة، بما في ذلك حضارة مدينة إرم العظيمة وكذلك حضارة الجرهاء.

ما يدعم هذا الافتراض هو الاكتشاف الأخير في صحراء النفود لعقلة إصبع بشرية تؤرخ إلى 85.000 سنة، وكذلك بقايا عظمية لفرس النهر، إضافة إلى مواقع عِدّة في المملكة العربية السعودية اشتهرت قديمًا بالأسود التي لا تعيش إلا في سافانا وغابات.