في عاصمة الإنجليز من هولندا إلى لندن

في عاصمة الإنجليز

من هولندا إلى لندن

في الساعة السادسة بعد ظهر يوم الجمعة -١٧ ربيع الثاني- غادرت (فندق أوروبا) في مدينة (لاهاي) إلى مطار (أمستردام) فوصلت المطار الساعة السابعة، والمسافة خمسون كيلًا (٣٥ ميلًا). وفي الساعة السابعة والدقيقة العشرين امتطيت متن إحدى طائرات شركة(.K.L.M) بعد أن نقدتها الأجرة وقدرها (٣٣.٨٠) من الدولارات الأميركية، وبعد ساعة واحدة هبطت مطار لندن، أي الساعة ٨.٢٠ بتوقيت هولندا أو الساعة ٧.٢٠ بتوقيت لندن، فالفرق ساعة.

ولقد كانت المعاملة في مطار لندن سهلة، لم تتجاوز مجرد فتح الحقائب، بدون جس أو لمس لما في داخلها. وإن كنت من بين المسافرين الوحيد الذي لا يكترث بشيء من ذلك لفراغ حقيبتي، والحمد لله! و(فاز المخفون)!

ليلة ليلاء

قيل لي وأنا في هولندا: لا بد من حجز غرفة في أحد الفنادق في لندن لكي تسكنها، ساعة وصولك تلك؛ إذ من الصعب الحصول على مسكن في المدينة، فاتصلت من (لاهاي) هاتفيًّا بمكتب الدكتور حامد حسن ولكنه كان غير موجود في مكتبه، وكنت قد حددت موعد السفر، فعزمت عليه، وتركت أمر الفندق حتى أصل (مدينة لندن) وهناك، كما يقولون: «يحل المشكلة حلالها».

ولما وصلت المدينة قلت لسائق سيارة الأجرة: إلى الفندق! فاستوضح مني عن اسم الفندق الذي أريده، فقلت: أي فندق كان! وكان التخاطب بيني وبينه بالإشارات فهو يرطن ويهذر باللغة الإنجليزية وأنا لا أفهم شيئًا مما يقول. ولا أجيبه إلا بالإشارة. مررنا بعدد من الفنادق بين صغير وكبير ومتوسط، نقف عندها ويتحدث مع أصحابها، ثم يأتي إليَّ مقطب الوجه وهو يشير بيده قائلًا: (نو. نو) ومردفًا ذلك بكلام كثير لا أفهمه.

وبعد أن أخذ الغضب من السائق كل مأخذ، من كثرة ما مررنا عليه من الفنادق، تذكرت أن أحد الإخوان في مطار الرياض قد كتب لي عناوين بعض الأصدقاء في لندن، فأخرجت «المفكرة» من الحقيبة وأريت السائق تلك العناوين. ومنها رقم هاتف الدكتور حامد حسن، فوقف عند باب أحد الفنادق، ثم عاد إلى تكرار إشارته الأولى التي تدل على (الخيبة)، ولكنني ذكرت عنوان مسكن الأخ عبدالعزيز المنقور. وأنه (أيجل هاوس كرافن رود) فنطقت بهذه الكلمات للسائق نطقًا فهمه بعد لَأْيٍ، فسار بي منطلقًا كالسهم، يخترق الشوارع والأسواق الكثيرة، حتى وقف عند باب ذلك المكان. وهب مسرعًا لينزل الحقيبة، فأشرت إليه ليبقيها فأشار إليَّ لكي أدخل المكان لأبحث عن صاحبي ولكنني خشيت -من طول ما لاقاه من عناء- أن يهرب، وأنا لم أحفظ رقم السيارة، فأشرت إليه لكي يدخل معي المنزل، فكان ذلك. وقام هو بالبحث بعد أن كررت له اسمه حتى حفظه. ولكننا بُؤْنا بالفشل، فلم نجد في المنزل من يخبرنا عنه. وقد بلغ الغضب من السائق مبلغه، وحاول أن ينزل حقيبتي من سيارته، ولكنني حاولت تهدئته وأمرته بإبقائها في السيارة.

وأخذت بيده مشيرًا إلى لافتات لعدد من الفنادق. فسار معي، وبعد أن أوشك اليأس يستولي على نفسي مررنا بفندق صغير يحمل اسم (رونالد هوتيل) وهو مقابل للمكان الذي بحثنا عن الأخ المنقور فيه. فدخلناه، ولكن السائق بعد أن أطال الكلام مع صاحب الفندق أشار إليّ بأنه لا يوجد فيه مكان.

وأسرع خارجًا منه، فأشرت إليه بالرجوع، ووقفت أحدث صاحب الفندق بالعربية مستعينًا ببضع كلمات إنجليزية حفظتها خلال الرحلة. وما أشد سروري حينما نطق الرجل ببعض الكلمات العربية التي فهمت منها أنه لا يوجد لديه سوى غرفة صغيرة في أعلى طابق في الفندق، والفندق ليس به مصعد، والبرد شديد، والمطر يهطل بغزارة. فما كان مني سوى أن ذهبت مسرعًا إلى السيارة وتناولت حقيبتي وأشرت إلى السائق لكي يدخل معي الفندق لأدفع له أجرته، بعد أن أطمئن بوجود مكان، ولكي يتولى صاحب الفندق دفع الأجرة التي يستحقها.

أخذ صاحب الفندق حقيبتي ووضعها في الغرفة التي هو فيها، ولما حاول أن نصعد إلى المكان طلبت إحضار الحقيبة، ولكنه أجاب -إشارةً ونطقًا غير واضحين- بأن الغرفة ضيقة، لا تتسع إلا لجسمي، فقفزنا درج خمسة أدوار مسرعين، ثم دخلنا غرفة -وكلمة غرفة كبيرة هنا- فيها سرير صغير ومنضدة صغيرة لم تتسع لكتاب كبير كنت أحمله بيدي، فأسندته على الجدار.

كان التعب من المشي ومن البرد، ومن هطول المطر، قد أخذ مني كل مأخذ، وكان الليل قد أوشك أن ينصرم، فرميت بجسمي فوق ذلك السرير القصير وتقرفصت فيه -مع قصري- فاستغرقت في نوم عميق حتى الساعة السابعة.

في المتحف البريطاني

خرجت من الفندق مبكرًا، ولعل من أسباب ذلك أنني خشيت أن تكون تلك الغرفة (أو الكنُّ) قد حجزت لغيري فيطلب مني صاحب الفندق الخروج منها قبل أن أقضي أَرَبي من لندن، وما لي فيها مِن أَرَبٍ سوى زيارة بعض المكتبات. ولهذا كان أول ما قصدت فيها (المتحف البريطاني) الذي وصلت إليه الساعة الثامنة والنصف، وكان لا يفتح إلا بعد تمام الساعة العاشرة، ولما دخلت بابه الخارجي محاولًا أن أجلس داخل الأروقة اتقاءً للمطر حتى يُفتح منعني الحاجب، فخرجت وأمضيت الوقت متجولًا في الشارع.

لم أحتج إلى دليل داخل المتحف مع سعته وكثرة أقسامه؛ إذ حينما دخلت الباب الداخلي شاهدت خارطة توضح أقسام المتحف. فاتجهت إلى القسم الشرقي من مكتبة المتحف، وأفهمت مدير هذا القسم بأنني لا أعرف غير اللغة العربية، فاتصل هاتفيًّا بأحد الأقسام، وبعد بضع دقائق، كنتُ خلالها أطالع أسماء الكتب العربية المطبوعة الموجودة في غرفة مدير القسم الشرقي. ما شعرت إلا ورجل أشقر اللون، ذو عينين حادتي النظر، ووجه نحيل، ولحية معفاة، وإن لم تكن كثّة، يقف بجانبي قائلًا: «السلام عليكم»، فرددتُ عليه السلام. فقال لي: أنا موظف هنا. وأتيت لمساعدتك فيما تريد، فأخبرته بأنني أحب الاطلاع على بعض المخطوطات العربية، التي تتعلق بتاريخ العرب أو جغرافية بلادهم، فأحضر لي فهرس الكتب العربية الموجودة في المتحف، في ثلاثة مجلدات، وقدّم لي ورقة، وقال لي: إن هذه تمكنك الدخول إلى هذا القسم في خلال أسبوع. وإذا احتجت إلى شيء من الكتب المخطوطة، فاكتب رقم الكتاب على ورقة من أوراق الاستعارة -وقدم لي شيئًا منها- وأنا أحضر لك ما تطلبه من كتب، ثم ذهب وعاد إلي بعد برهة من الزمن وقد كتبت أسماء عدد من الكتب التي أريد، فأحضرها.

عرفت أن هذا الرجل إنجليزي من قرية قريبة من (مانشستر) وهو يدعى الدكتور (مارتين لينجز) ويعرف بهذا الاسم. وهو يشغل وظيفة مساعد حافظ في القسم الشرقي من مكتبة المتحف البريطاني، وقد أسلم وحج عام ١٩٤٨م- وأقام في مصر من سنة ١٩٣٩م إلى سنة ١٩٥٢م.واشتغل فيها مدرسًا في كلية الآداب في الجامعة -وله مؤلفات في التصوّف- باللغة الإنجليزية- وأنه يقوم الآن بتأليف كتاب عن (الشيخ أحمد العلوي المستغانمي الجزائري) سينشر في أول العام القادم (١٩٦١م). وهو يتكلم العربية بطلاقة، واسمه بعد ما أسلم (الحاج أبو بكر سراج الدين) ولكنه لا يعرف في المتحف البريطاني إلا باسم (لينجز) الاسم الإنجليزي الأول.

العودة إلى الفندق

اطمأنت النفس بعد أن أمضيت برهة من الزمن في مكتبة المتحف، وبعد أن علمت بأن فنادق كثيرة بقرب المتحف فيها أماكن خالية للسكن. ولكنني وجدت صاحب الفندق الذي أقيم فيه يقابلني بكثير من البشاشة ويشير بأنه كلّم الدكتور حامد حسن، وأن الدكتور سيتصل بي، فأظهرت عدم اهتمامي بالأمر، واستوضحت منه عما إذا كان سيجد لي غرفة خيرًا من التي أنا فيها فأبدى استعداده، وفعلًا أخذ بيدي إلى غرفة واسعة في مكان مناسب.

في حديقة (هايد بارك)

وفي اليوم الثامن عشر من الشهر -وهو يوم أحد- ويوم الأحد عطلة والمكتبات مغلقة فكيف أقضي هذا اليوم؟ أأذهب إلى حديقة الحيوان؟ ولكن اليوم مطير فكيف أتقي المطر؟ ذكرت ما قرأته عن «حديقة هايد بارك» وما حُدِّثت عنها فركبت إحدى الحافلات إليها، ولكنني نزلت بعيدًا من مدخلها الرئيسي، وهي غير مسورة وجميع جهاتها مداخل وطرق، وكان المطر يهطل غزيرًا. وليس في تلك الحديقة الكبيرة ما يستظل به فهي عبارة عن أرض واسعة ذات تلال ومنحدرات مكسوة بالنبات الأخضر القصير (الثيل)، وجوانبها محاطة بأشجار باسقة.

كنت أريد المكان الذي يجتمع فيه الناس ليستمعوا إلى الخطباء والمتحدثين الذين يخطبون ويتحدثون عن كل شيء وبكل صراحة وحرية تامة. فكيف أعرف ذلك المكان؟

شاهدت رجلًا يسير في الحديقة مسرعًا اتقاء المطر، ومعه طفل رضيع وضعه داخل عربة يجرها. اقتربت من الرجل، ثم نطقت بكلمة إنجليزية ملحونة وأرفقت النطق بإشارات من يدي كلتيهما، ففهم ما أردت، وأشار إليّ لأسير معه. ترك اتجاهه الأول واتجه ناحية أخرى، وسرنا في الحديقة حتى أشرفنا على أناس مجتمعين في أحد جوانبها، فعرفت أن ذلك هو مكان الاجتماع، فشكرته، وأشرت إليه ليرجع إلى وجهته. علمت من هذا الرجل أنه من (سيلان) وأنه موظف كبير في سفارة هذه البلاد. وصلت مكان الاجتماع وكان المطر قد وقف، فوجدت الناس يتحدثون فيما بينهم وهم وقوف، حديثًا لم أستغرب منه إلا ارتفاع الأصوات، ولم أفهم مما يقولون شيئًا. وفي ذلك الركن من الحديقة كراسيُّ صغيرة منتشرة كثيرة، وعدد قليل من الكراسي الكبيرة المنتشرة في جميع أنحاء الحديقة، وكنت قد أحسست بشيء من التعب من كثرة المشي، فجلست على أحد الكراسي الكبيرة، جوار رجل أدركت من سحنته أنه إفريقي.

نقلت له باللغة العربية: هل الأخ من السودان؟ فأجاب: نعم أنا من بلاد السودان. فسررت بالتقائي بإنسان أستطيع الحديث معه لولا أن المطر عاد مرة أخرى ففرَّق بيننا، قال لي هذا الرجل، يدعى صالح عثمان صالح، وهو رئيس شركة تجارية في الخرطوم للاستيراد والتصدير: إن الاجتماع في هذا المكان يبدأ بعد الساعة الثالثة مساء. وهؤلاء المجتمعون يخوضون في شتى الأحاديث، وجل ما يتحدثون عنه من الأشياء التافهة. ولكن هذا المكان يشاهد المرء فيه العجب من صراحة بعض الخطباء والمتحدثين، ولا يتعرض لهم أحد. كان السيد السوداني عائدًا من «فنزويلا» وله ثمانية أيام في «لندن» لأمر يتعلق بتجارته. ولكنه يشكو مر الشكوى من كسل التجار هنا ويقول: إن الوقت يمضي ولا يستطيع المرء أن ينهي عمله معهم؛ فالواحد لا يعمل في اليوم إلا ساعات قليلة، لا يحضر إلى مكتبه إلا متأخرًا ويذهب منه متقدمًا.

دعاني السيد السوداني للغداء، وأشار إلى الفندق الذي هو ساكن فيه. قال لي: إن بجواره فندقًا كبيرًا -سمّاه لي جوار حديقة (هايد بَارْك)- رأى فيه عربًا يلبسون الملابس العربية. فشكرته على دعوته، وقلت له: لا حاجة لي إلى الاجتماع بأحد. ثم اشتد نزول المطر ففرَّق بيننا. وكنت أدركت أن المسافة بين الفندق الذي أسكن فيه وبين الحديقة ليست طويلة. فعزمت على العودة إلى الفندق ماشيًا وكان وقتُ الغداء قد أزف؛ فاتجهت صوب الفندق، وكلما قطعت شارعًا أو انحرفت بانحراف أحد الأزقّة أخرجت البطاقة التي فيها عنوان الفندق وسألت أحد المارة. وقد أضطر إلى قطع مسافة طويلة في غير الاتجاه، لقلة المارة في الطرقات. والدكاكين والمحلات التجارية مع كونها مغلقة في يوم الأحد إلَّا القليل، فإن كثيرًا من الأسواق والمحلات لا يوجد فيها دكاكين، وفي بعض جهات المدينة تنحصر الدكاكين والمحلات التجارية في الشوارع الرئيسة.

وصلت إلى الشارع الذي يقع فيه الفندق، ويسمى (ويست بوردن تراس)، فشاهدت في أحد منعطفات الأزقة المتصلة به لافتة مطعم. دخلته فتقدم إلى النادل بقائمة، وقبل أن أنظر فيها قلت له: (سوب)، أي أني أريد حساءً؛ لأنني أحس بالبرد. فقال: (عدس) باللغة العربية، والظاهر أنه أدرك من عدم إجادتي نطق الكلمة الإنجليزية ومن لهجتي ونطقي ببعض الكلمات العربية أنني عربيّ. كان الرجل يعرف كلمات من اللغة العربية، وهو هندي مسلم يدعى (أحمد) والمطعم يسمى (المطعم الشرقي- الهندي الباكستاني). وكان الغداء غداء شرقيًّا لذيذًا، وأصبح المطعمُ المطعم المفضل أثناء إقامتي في لندن.