أوليفييه روا، فرنسوا بورغا، وجيل كيبيل: سِيَر ذاتية لمسارات التخصص في الإسلام السياسي بفرنسا

أوليفييه روا، فرنسوا بورغا، وجيل كيبيل:

سِيَر ذاتية لمسارات التخصص في الإسلام السياسي بفرنسا

لقد أدى ثلاثة باحثين فرنسيين، وهم: أوليفييه روا، وفرنسوا بورغا، وجيل كيبيل، دورًا مهمًّا في الدراسات المتعلقة بالحركات الإسلامية في فرنسا، وكانوا أبرز الأطراف في مواجهة فكرية حول مسألة لطالما أثارت الجدل في هذا المجال الأكاديمي. تُنشر مؤلفاتهم في فرنسا عن طريق دور نشر كبيرة، وقد تُرجمت بعض أعمالهم إلى لغات أجنبية من بينها الإنجليزية والعربية. لقد منحت الأحداث التي على صلة بالإسلام السياسي، سواء في فرنسا أو في أماكن أخرى، هؤلاء الباحثين حضورًا إعلاميًّا واسعًا، مع تفوق واضح لجيل كيبيل في وسائل الإعلام الأكثر انتشارًا.

أدى تنامي النزعة الجهادية ووقوع الهجمات الإرهابية في فرنسا عام 2015م إلى بروز قراءات متعارضة بين جيل كيبيل، الذي يركز على مسؤولية هيمنة الخطاب السلفي في ولادة التطرف، وأوليفييه روا، الذي يرى أن المشكلة ليست في تطرف الإسلام نفسه، بل في أن الراديكالية هي التي اتخذت طابعًا إسلاميًّا، وفرنسوا بورغا، الذي يعتبر أن الظواهر الإسلامية والجهادية هي نتيجة للإرث الاستعماري، وللتمييز ضد العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية، وكذلك لقمع الأنظمة السلطوية العربية.

على الرغم من اختلافاتهم الفكرية، فإن هناك ما يجمع بينهم؛ فقد كتب الثلاثة سيرًا ذاتية يروون فيها مساراتهم الشخصية المرتبطة بتجاربهم في بلدان الشرق التي عاشوا فيها أو زاروها. يتطابق تاريخ نشر مؤلفاتهم بشكل أو بآخر مع سن التقاعد بالنسبة للمهن الأكاديمية والعلمية في فرنسا، أي عند سن الخامسة والستين لأوليفييه روا، والثامنة والستين لكل من فرنسوا بورغا وجيل كيبيل، على الرغم من أن ذلك لم يمنعهم من مواصلة أعمالهم البحثية بعد ذلك.

كان أوليفييه روا أول من نشر مذكراته عام 2014م، وذلك في شكل حوارات مع الصحفي جان-لويس شليغل، واختار لها عنوان «البحث عن الشرق المفقود»، وهو عنوان يستحضر البحث عن أصالة شرق متخيل ألهم أولى رحلاته إلى أفغانستان. تبعه فرنسوا بورغا في عام 2016م بعنوان أكثر بساطة ومرتبط مباشرة بموضوع بحثه: «فهم الإسلام السياسي. مسار بحثي حول الآخرية الإسلامية 1973-2016م». أما الأخير، جيل كيبيل، فقد استلهم المثل الفرنسي القديم «لا نبي في وطنه» ليعنون مذكراته التي صدرت عام 2023م بعنوان «نبي في وطنه».

تتوج هذه الكتب مسارات أكاديمية وعلمية على شكل سير ذاتية ترتكز أساسًا على تجاربهم الشخصية في الشرق، أو في أماكن أخرى، وخصوصًا في فرنسا، وترتبط بمسيرتهم بصفتهم متخصصين في الإسلام السياسي. ويمكن عدّ هذه الكتب مرافعات شخصية تهدف إلى تقديم صورة إيجابية عن مؤلفيها، حيث ينتقي هؤلاء، من سيرهم الذاتية، ما يدعم أطروحاتهم في سياقات تاريخية معينة، ويتجنبون أي نقد ذاتي. وتبدأ الكتب الثلاثة بقصة الرحلة الأولى إلى أحد بلدان الشرق.

أوليفييه روا: من أفغانستان إلى الإسلام المعولم

وُلِد أوليفييه روا عام 1949م في مدينة لا روشيل، وجذبته أفغانستان بعد أول رحلة له إلى تركيا عام 1968م، حيث التقى هناك مسافرين عائدين منها. في العام التالي، وبينما كان يحضّر لدخول المدرسة العليا للأساتذة وكان قد بدأ تعلّم اللغة الفارسية، حقق حلمه وابتعد من المسار المعتاد للهيبيين الغربيين الذين كانوا يتجهون إلى الشرق بحثًا عن المغامرة أو الروحانية، ليذهب وحده لاستكشاف منطقة نورستان. وفي أثناء إقامته لدى السكان المحليين وسفره برفقة آخرين في هذا الركن النائي من أفغانستان، أدرك أهمية القبائل والإثنيات في المجتمع الأفغاني، ولحظ في الوقت نفسه كيفية ممارسة الإسلام هناك. عند عودته إلى فرنسا، تابع دراسته في الفلسفة ونشر كتابين: الأول عن لايبنتس والصين (1972م)، والثاني عن «الروح العلمية الجديدة» لغاستون باشلار (1978م).

في كتابه الحواري، يستحضر أوليفييه روا سنوات دراسته الجامعية الأولى والأجواء الفكرية التي كانت سائدة في باريس مطلع السبعينيات من القرن الماضي. وقد دفعه انتماؤه إلى المجموعة الماوية «اليسار البروليتاري» إلى الاهتمام بحركة حرب العصابات في ظفار، التي حاول الالتحاق بها عبر عدن عام 1970م. لكنه، مع رفاقه الفرنسيين، لم يتمكن من تجاوز مدينة المكلا؛ إذ منعت السلطات اليمنية الجنوبية قافلتهم من عبور الحدود. ومع ذلك، تمكنوا من التوجه إلى صنعاء، حيث اعتُقد، لمدة وجيزة، أنهم أول وفد رسمي فرنسي أُرسل إلى الجمهورية العربية اليمنية بعد اعتراف فرنسا بها.

أصبح روا أستاذًا للفلسفة في التعليم الثانوي وقرر العودة إلى أفغانستان بعد الغزو السوفييتي عام 1979م. في رحلاته السبعة بين عامي 1980م و1988م، تجول في أفغانستان برفقة المجاهدين، وواجه معهم أخطار الحرب. سواء في أفغانستان أو في باكستان، التقى عددًا من الشخصيات من عوالم الاستخبارات والدبلوماسية والصحافة والعمل الإنساني، الذين غالبًا ما كانوا يمتلكون معرفة محدودة جدًّا عن المجتمع الأفغاني والحرب الدائرة. كانت هذه التجربة الميدانية هي الأساس الذي انطلقت منه أعماله العلمية؛ إذ طَوَّرَ مفاهيمَ حول الإسلام السياسي، وحرب العصابات الريفية، والقبلية، والعرقية في سياق الحرب. نشر عددًا من مؤلفات جعلته أحد أبرز المتخصصين في هذه المنطقة وفي الإسلام السياسي، منها: «أفغانستان: الإسلام والحداثة السياسية» (1985م)، و«فشل الإسلام السياسي» (1992م)، و«آسيا الوسطى الجديدة أو صناعة الأمم» (1998م)، و«إيران: كيف نخرج من ثورة دينية؟» (1999م). في عام 1990م، وبناءً على دعوة من الباحث الروسي فيتالي ناومكين، المعجب بتحليلاته حول أفغانستان، زار جمهوريات آسيا الوسطى. إلى جانب نشاطه بصفته باحثًا في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، عمل أوليفييه روا مستشارًا لوزارة الخارجية الفرنسية، وكان عضوًا لمدة عام بين 1988م و1989م في فريق منسق شؤون أفغانستان لدى الأمم المتحدة، ثم عُين عام 1993م رئيسًا للبعثة الدبلوماسية لمنظمة الأمن والتعاون في أوربا في دوشنبه، طاجيكستان.

تستند هذه الأنشطة الاستشارية بشكل خاص إلى ضرورة فهم وجهة نظر صانعي القرار والمنطق الذي يقود إلى اتخاذ القرارات السياسية. يعرض أوليفييه روا في كتابه تأملات محفزة حول العلاقات بين الأوساط الجامعية ومراكز الفكر والسياسيين، موضحًا اختلاف الدوافع والمنطلقات التي تحرك كل طرف منهم. لاحقًا، طور روا أبحاثًا حول مسألة التدين، أي الكيفيات التي يعيش بها المؤمنون دينهم، وكذلك حول مفهوم الثقافة في سياق العولمة. وقد أثمرت هذه الأبحاث مؤلفات مهمة، منها: «عولمة الإسلام» (2002م)، «الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة» (2008م)، و«تسطيح العالم: أزمة الثقافة وسطوة القواعد والمعايير» (2022م).

وفيما يتعلق بموضوع الاستشراق، يوجه أوليفييه روا نقدًا إلى بعض أوساط اليسار المناهض للإمبريالية، وبخاصة تلك التي يمثلها فرنسوا بورغا، الذي يرى أن المسلم مضطر دائمًا للحديث انطلاقًا من هويته الإسلامية، في حين يرى روا أن «الدين يُوظَّف دائمًا للدلالة على شيء آخر».

فرنسوا بورغا: من الجزائر إلى «الخطاب الإسلامي»

فرنسوا بورغا، المولود في شامبيري عام 1948م، يسعى في مؤلفه إلى تحديث جميع الفرضيات التي كان قد طرحها في كتبه الثلاثة، وذلك في ضوء الثورات العربية لعام 2011م: «الإسلام السياسي: صوت الجنوب» (باريس، 1988م)، «الإسلاموية في المواجهة» (1995م)، و«الإسلام السياسي في زمن القاعدة: إعادة أسلمة، تحديث، راديكالية» (2005م). ويشير بورغا إلى أسباب عدة دفعته لاختيار مسار مهني مرتبط بالشرق، منها: أفراد من عائلته انتقلوا للإقامة في الجزائر في القرن التاسع عشر، وأول رحلة سياحية له إلى فلسطين عام 1964م، تلتها بعد عامين رحلة صيفية إلى بلدان عدة في المغرب العربي والشرق الأدنى، وفي عام 1967م رحلة إلى أفغانستان وباكستان.

ومع ذلك، فإن أول تجربة مطولة لفرنسوا بورغا في العالم العربي كانت في الجزائر، حيث أقام بين عامي 1973م و1980م ودرّس في جامعة الجزائر، بينما كان يواصل أبحاثه لنيل الدكتوراه. وقد حصل على دكتوراه الدولة في القانون العام من جامعة غرونوبل 2، بعنوان «القرى الاشتراكية للثورة الزراعية الجزائرية: مكانة القانون في التغيير الاجتماعي». لقد ساهمت إقامته في الجزائر في تشكيل وعيه السياسي من خلال تطوير معرفته التاريخية بالعنف الاستعماري ودوره في «انتزاع الهوية الثقافية» لدى المجتمعات المستعمَرة. ومن هناك أيضًا نشأت لديه الرغبة في تعلم اللغة العربية.

يمكن القول: إن هذه التجربة شكلت الإطار المرجعي الذي بنى عليه بورغا رؤيته التحليلية للمجتمعات العربية، وهو ما يظهر، على سبيل المثال، من خلال ربطه في سيرته الذاتية، بين تسمية أحد أحياء دمشق بـ «الحريقة» وبين قصف الجيش الفرنسي لهذا الحي في عام 1925م. ولكن قبل أن يهتم بالإسلاموية، كانت المقارنة بين الجزائر وليبيا محور أبحاثه بعد انضمامه إلى المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) عام 1983م. وتُعد روايته للقاء الذي جمعه بالرئيس معمر القذافي عام 1987م نقطة انطلاق لتطوير أفكار حول موقف الباحثين تجاه القادة السياسيين، وهو موضوع استلهمه أيضًا من تجربته عندما كان مديرًا للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى في دمشق بين عامي 2008م و2012م.

بين عامي 1989م و1993م، أقام في مصر بصفته باحثًا تابعًا للمركز الوطني للبحث العلمي، وكان يعمل في مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية بالقاهرة (CEDEJ). ويوضح أنه بفضل تجربته في مصر، وكذلك في السودان والأردن وفلسطين، اتسعت رؤيته للعالم العربي، وهو ما دفعه إلى إعطاء أبحاثه بُعدًا مقارنًا مع دول المغرب العربي، وإلى تعميق فرضياته حول الإسلاموية، إضافة إلى توسيع معرفته باللغة العربية. وقد قادته رحلته في المشرق العربي بعد ذلك إلى اليمن، حيث تولى إدارة المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية في صنعاء بين عامي 1997م و2003م، وهناك وضع كتابه «الإسلام السياسي في زمن القاعدة»، مستفيدًا من تجربته اليمنية وموظفًا معرفته بالتاريخ اليمني، ولا سيما الانقسام الثنائي الذي عرفه البلد حتى عام 1990م، الذي يرى فيه «مصدرًا فريدًا لفهم التيارات الإسلاموية فيه».

كانت آخر إقامة مهنية له في العالم العربي في سوريا، حيث عُيّن مديرًا للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى بين عامي 2008م و2013م، وهناك أدرك مدى قوة الانقسامات الإثنية والطائفية في المجتمع السوري. وقد قضى السنة الأخيرة من مدة عمله في بيروت بسبب إغلاق المعهد عام 2012م نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا. وقد أشرف، مع برونو باولي، على تحرير الكتاب الجماعي «لا ربيع لسوريا: مفاتيح لفهم الفاعلين وتحديات الأزمة (2011-2013م)» الذي صدر عام 2013م.

وبعد تجربته في سوريا، يعرض فرنسوا بورغا رؤيته حول وضع المسلمين في فرنسا وأوربا، ضمن مقاربة مقارنة مستوحاة من مسيرته البحثية. هذا الجزء، الذي يمكن تسميته «العودة إلى فرنسا»- على الرغم من أنه لم يتوقف أبدًا عن المشاركة في النقاش الفرنسي- يسمح له بتوضيح مواقفه وانتقاد كل من «المصلحين الباريسيين للإسلام»، مثل عبدالوهاب المؤدب، وكذلك طريقة تناول الإعلام الفرنسي لقضايا الإسلام والإسلاميين. وقد توسع في هذه القضايا في الفصول الأخيرة من الكتاب، حيث خصصها للأحداث الفرنسية، من رسوم شارلي إيبدو الكاريكاتيرية إلى الهجمات الجهادية، إضافة إلى نقده للأطروحات التي قدمها أبرز منافسيه في مجال الإسلام السياسي، جيل كيبيل وأوليفييه روا.

جيل كيبيل: من مصر إلى الجهادية المتجذرة في المناخ العام

يعود أول اتصال للباحث جيل كيبيل، المولود في باريس عام 1955م، بالعالم العربي إلى عام 1974م عندما زار مصر سائحًا. وعلى عكس أوليفييه روا، الذي كان التزامه الماوي أكثر دوامًا، اختار جيل كيبيل التروتسكية التابعة لرابطة الشيوعيين الثوريين في آخر سنتين له في الثانوية. أمضى كيبيل عام 1977م في سوريا لدراسة اللغة العربية في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، حيث كوّن صداقة مع الباحث الفرنسي ميشيل سورا الذي توفي في أحد سجون حزب الله في لبنان عام 1986م. عاد جيل كيبيل إلى مصر عام 1979م لإجراء دراسة استكشافية أولية حول الإخوان المسلمين، ثم في عام 1980م لإعداد أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية حول الحركات الإسلامية.

كانت مدينة أسيوط أول ميدان لأبحاثه، حين عُيِّن مشرفًا على برامج التعاون الأكاديمي بين الجامعات. يروي أن بحثه حول تصاعد قوة الحركات الإسلامية في مصر أثار عداء السفارة الفرنسية التي كانت ترغب في عودته إلى فرنسا. غير أن اغتيال الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر 1981م جاء ليؤكد أهمية بحثه. ذاع صيته بعد صدور كتابه «التطرف الديني في مصر: الفرعون والنبي» عام 1984م. ويروي جيل كيبيل كيف أن مقدمة برنارد لويس للترجمة الإنجليزية لهذا الكتاب جلبت له عداء «مجلة الدراسات الفلسطينية» التي اعتبرته شريكًا لمقدِّمه، الذي كان هدفًا لنقد إدوارد سعيد!

واصل جيل كيبيل أبحاثه حول انتشار الحركات الأصولية في فرنسا، التي أدت إلى تأليفه لكتابه الرائد «ضواحي الإسلام: ولادة دين في فرنسا»، الذي نُشر عام 1987م، أي بعد عام من اغتيال ميشيل سورا في لبنان، وهو ما لا يفوّت كيبيل الإشارة إليه. وعلى عكس سورا الذي كان مؤيدًا بشكل صريح للقضية الفلسطينية، يفضل جيل كيبيل، كما يكتب بنفسه، أن يلتزم «الحياد القيمي» الذي دعا إليه ماكس فيبر. وقد ساهم في نشر مجموعة مقالات لميشيل سورا بعنوان «سوريا: الدولة المتوحشة» عام 1989م. وفي العام نفسه، أمضى بضعة أشهر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة لدراسة الحركات الأصولية المسيحية واليهودية؛ ليضع بذلك موضوع بحثه الرئيسي في إطار مقارن. كما زار لأول مرة تشيكوسلوفاكيا، بلد ميلاد والده. وقد أثمرت هذه الأبحاث عن كتابه «ثأر الله»، الذي صدر عام 1991م وتُرجِمَ إلى تسع عشرة لغة.

لكن نجاحه الإعلامي لم يقابله تقدير مماثل في الأوساط العلمية، برغم أنه عُيّن مديرًا للبحث في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي في عام 1995م، كما شغل منصب أستاذ زائر في جامعتي كولومبيا ونيويورك. اختار جيل كيبيل التدريس في معهد الدراسات السياسية بباريس، وأنشأ سلسلة «الشرق الأدنى» في دار النشر الجامعية الفرنسية لنشر أطروحات طلابه من الدكتوراه. واصل عمله البحثي من خلال دراسة حول المسلمين السود في أميركا، والتعبئة الإسلامية في المملكة المتحدة بعد قضية سلمان رشدي، وكذلك في فرنسا. وقد نُشرت نتائج هذه الأبحاث في كتابه «غرب الله» عام 1994م.

بعد ذلك، أصبحت الحركات الجهادية محور أبحاثه، وهو ما أثمر مؤلفات عدة تحمل عناوين دالة، منها: «الجهاد: توسع وانحسار الإسلاموية» (2000م)، و«الفتنة: حرب في قلب الإسلام» (2004م)، و«الرعب والاستشهاد: مواجهة تحدي الحضارة» (2008م). يدافع جيل كيبيل عن نفسه بأنه لم يستلهم أفكار أوليفييه روا حول فشل الإسلام السياسي عند تأليف كتابه «الجهاد: توسع وانحسار الإسلاموية»، كما ادعى زميله. وفي موضع آخر من كتابه، ينتقد أطروحة أوليفييه روا التي تذهب إلى أن الجهادية هي تعبير إسلامي عن الراديكالية السياسية التي تظهر في أشكال أيديولوجية متطرفة أخرى (من اليسار المتطرف إلى الفاشية). كما يعبر عن استيائه من روا الذي أصبح أستاذًا في المعهد الجامعي الأوربي بفلورنسا، وبحصوله على تمويل بحثي كبير، تمكن من استقطاب بعض طلاب الدكتوراه السابقين لديه. يخصص جيل كيبيل بعض الصفحات للقائه مع سلمان رشدي في جامعة برينستون عام 2017م، حيث أخبره الأخير بصدور حكم الإعدام عليه من جانب جهادي من داعش، وهو ما لم يترك أي أثر لدى مؤلف «آيات شيطانية». واصل جيل كيبيل أيضًا أبحاثه حول الإسلام في فرنسا، ونشر كتاب «ضاحية الجمهورية: المجتمع والسياسة والدين في كليشي سو بوا ومونتفيرميل» (2012م) وكتاب «ثلاثة وتسعون» (2012م). أما الثورات العربية فقد دفعته للقيام بجولة في دول عربية عدة، ألهمته تأليف كتابه «الشغف العربي» (2013م).

يتطرق جيل كيبيل في سيرته الذاتية إلى تعثرات مسيرته المهنية، وبخاصة عندما أُلغي في عام 2012م كرسي «الشرق الأوسط والبحر المتوسط» في معهد الدراسات السياسية، الذي كان يشغله. كما يروي علاقاته مع مختلف السلطات الرسمية، ولا سيما في إطار المهمة التي أُوكلت إليه عام 2014م لإعداد تقرير حول الدراسات المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي في فرنسا، وهو تقرير طواه النسيان.

ويختتم الفصلان الأخيران من سيرته الذاتية الفكرية بسرد علاقاته مع مسؤولين سياسيين سعوديين، وبذكر الظروف التي ابتكر فيها مفهوم «الجهادية المتجذرة في المناخ العام» في سياق المجتمع الفرنسي.

السيرة الذاتية مدخل لتأكيد الشرعية العلمية

تتشابه هذه السرديات في التركيز على سرد السيرة الذاتية العلمية استنادًا إلى الموضوعات التي طُوِّرَتْ فيما يتعلق بمجالات البحث، وذلك لترسيخ الشرعية العلمية لهؤلاء الباحثين، ولتأكيد الطابع غير المسبوق لتحليلاتهم أحيانًا. هؤلاء الكتّاب الثلاثة يكادون لا يذكرون الانتقادات التي أُثيرت حول أطروحاتهم. تعطي هذه السرديات مساحة واسعة للطرائف التي يُفترض أن تكون دالة، والتي تبرز حدة ذكاء مؤلفيها. في حالة جيل كيبيل، تُمكّنه هذه الطرائف من تصفية الحسابات مع بعض الزملاء أو المثقفين أو السياسيين الذين اعترضوا على سلطته الأكاديمية. هؤلاء المؤلفون الثلاثة لا يكشفون فعليًّا كواليس الحياة الأكاديمية الفرنسية، حتى وإن كان جيل كيبيل يشير إلى ما يعدّه مظالم مهنية. وهناك شخصية بارزة في البحث العلمي الفرنسي تُذكَر بشكل إيجابي في الكتب الثلاثة: ريمي لوڤو، المتخصص في العلوم السياسية والمغرب، الذي أدى دورًا مهمًّا في تطوير البحث حول العالم العربي في فرنسا. أما شخصية ميشيل سورا، الحاضرة في كتب أوليفييه روا وجيل كيبيل، فهي غائبة بشكل لافت عن كتاب فرنسوا بورغا، رغم أعماله حول جماعة الإخوان المسلمين وسوريا.

من المهم أيضًا ملاحظة التباين الكبير في المساحة الممنوحة للحياة الشخصية، بل حتى الحميمة، في كل من هذه السِّيَر. فأوليفييه روا يقدّم تفاصيل عن زوجتيه، ولا سيما زواجه من زوجته الثانية، وهي من أصل تركي وديانة سريانية أرثوذكسية. ويختتم كتابه بفصل عن نشأته بصفته شخصًا بروتستانتيًّا في فرنسا في الخمسينيات والستينيات.

أما فرنسوا بورغا، فقد نوه في المقدمة إلى أن كتابه ليس سيرة ذاتية ولا مذكرات شخصية، بل هو «عرض بأكبر قدر ممكن من الدقة للتفاعلات التي بقيت في وعيي وذاكرتي بين حياة شخصية، ومسيرة مهنية، ومسار بحثي». ومن المؤكد أن هذا الحرص على تأكيد الطابع العلمي لعمله لا ينفصل عن كون أن نشر هذا الكتاب قد تم بتمويل من البرنامج البحثي الذي كان يشرف عليه، والذي كان موضوعه مستوحى من الثورات العربية «عندما تسقط الأنظمة السلطوية في العالم العربي». أما جيل كيبيل، فقد ركّز على مساره البحثي، وتجنّب التطرق إلى جوانب من حياته الشخصية. وقد عوّض هذا لاحقًا بنشره كتاب «طفل بوهيميا» عام 2022م، حيث تحدّث فيه عن أصوله العائلية التشيكية.

إضافة إلى اشتراكهم في موضوع معرفي واحد هو الإسلاموية، هناك نقطة أخرى تجمع بينهم؛ فقد وُظِّفُوا جميعًا في المركز الوطني للبحث العلمي، في عام 1983م بالنسبة لفرنسوا بورغا وجيل كيبيل، وفي عام 1985م بالنسبة لأوليفييه روا، على الرغم من أن الأخيرين واصلا مسيرتهما المهنية في مؤسسات أكاديمية أخرى، حيث انتقل جيل كيبيل إلى معهد الدراسات السياسية في باريس، وأوليفييه روا إلى المعهد الجامعي الأوربي في فلورنسا بإيطاليا.

ختام حقبة وزوال نموذج من الباحثين

كانت التجارب الميدانية الأولى لهؤلاء الباحثين الثلاثة- أفغانستان بالنسبة لأوليفييه روا، الجزائر بالنسبة لفرنسوا بورغا، وسوريا ومصر بالنسبة لجيل كيبيل- حاسمة في تحديد مسارهم الأكاديمي، ومواضيع أبحاثهم، وتصوّراتهم حول الإسلام السياسي، وإن كان من الضروري بالطبع أخذ عوامل أخرى يصعب تحديدها في الاعتبار، وهي عوامل ترتبط بميولهم الشخصية، والعلاقات والانتماءات، والأيديولوجيات، وكذلك بموقعهم في الحقل الأكاديمي.

من الصعب تصنيف هذه الأعمال الثلاثة ضمن فئة أدبية محددة. فهي تمزج بين عناصر من أنواع عدة: من «تاريخ الأنا» على غرار بيير نورا، إلى السيرة الذاتية الفكرية، وحتى المذكرات الإثنوغرافية في بعض الأحيان. ومع ذلك، تبقى هذه الأعمال بعيدة من طموحات السيرة الاجتماعية والتحليل الذاتي السوسيولوجي على طريقة بيير بورديو؛ إذ ينصب التركيز فيها بشكل أساسي على بناء هويات سردية، على حد تعبير بول ريكور، تستند في جوهرها إلى التبرير البيوغرافي لمسيرتهم العلمية.

وعلى الرغم من أننا لا ينبغي أن نَعُدَّ هذه الكتب الثلاثة عينة كاشفة عن الوسط الأكاديمي الفرنسي المهتم بدراسة الإسلام والحركات الإسلامية؛ فهذا الوسط أكثر تنوعًا بكثير مما تعكسه هذه الشهادات، فهو يتكوّن من مئات الباحثين الذين يعملون غالبًا بشكل جماعي ضمن جامعاتهم ومراكز أبحاثهم، ومع ذلك فإن حضورهم في الفضاء العام ووسائل الإعلام يظل محدودًا مقارنة بحجم المعرفة العلمية التي ينتجونها. ومع ذلك، فإن المسارات البحثية التي تستعرضها هذه الكتب الثلاثة تسلط بعض الضوء على الفرص التي تتيحها المؤسسات الأكاديمية الفرنسية للباحثين، كما تكشف في الوقت نفسه عن مدى الاستقلالية العلمية التي يتمتعون بها، وعن تأثير الضغوط الإعلامية والنقاشات السياسية في أعمالهم البحثية.

يمكن التساؤل عما إذا كان صدور هذه الكتب الثلاثة، بين عامي 2014م و2023م، يمثل بالفعل نهاية حقبة بدأت مع الغزو السوفييتي لأفغانستان والثورة الإيرانية عام 1979م، وأيضًا أفول جيل من المتخصصين الفرنسيين في شؤون الشرق الذين وثّقت أبحاثهم وقائع تلك المرحلة. لقد شكّلت المنافسة الفكرية بين هؤلاء الباحثين الثلاثة في نهاية المطاف حافزًا مشتركًا لتعميق أطروحاتهم وتوسيع مجالات أبحاثهم. لكن هذا الميل نحو بناء مواضيع بحثية ذات نطاق متزايد الاتساع قد يثير أيضًا انتقادات حول الفجوات المفترضة بين تفسيراتهم التي أصبحت أكثر تعميمًا، وطرائقهم المتباينة في تشريح الواقع.