حلبة الكارتنج أو الأطلسُ الذي يتململ في داخلي

حلبة الكارتنج أو الأطلسُ الذي يتململ في داخلي

«إن لم أكتبها، لا تبلغ الأشياءُ مداها، وتظلُّ مجرّد أشياءَ عشتها».  آني إرنو- الشاب

الانطلاق

النيّةُ صلالة؛ فانساقتِ الرحلةُ إلى جزيرةِ ياس.

مررتُ بمعالم الترفيه مرورَ المتبطّلِ الذي لا ينتظر شيئًا، وحين وصلتُ عالَمَ فيراري، كنتُ منهكًا. جلستُ على مقعد الانتظار.

ناداني صوت:

«كرسي فاضي، تبا تجرب؟»

وافقت.

لبستُ الخوذة. الجسد في الخلف، الرأس في الأمام، والكارت يلامس الأرض. اصطففتُ في آخر الصف، وانطلق السباق.

لم يكد يمضي نصفُ لفةٍ حتى انهمرت في رأسي كلُّ الأفلام التي شاهدتُها عن سباقاتِ السيارات. الأدرينالين يرفع الصوت الداخلي. الزمن يضيق. الضوضاء تتحوّل إلى إيقاع.

لم أفهم ما حدث؛ توقّفتُ، فوجدتُ اسمي في الصدارة…

الأطلسُ الذي يتململ في داخلي نَهَضَ أخيرًا.

المنعطف الأول- الفوضى تهمس بحقائقها

قبل أن تُطفأ الأضواءُ الحمراء، يبدو كلُّ شيءٍ واضحًا:

المسارُ مرسوم، الجدرانُ صامتة، والخطّ الأبيض لا يناور.

أصابعُ تشدّ على المقود، ضحكةٌ تخفي توتّرًا، وعربةٌ كامنةٌ خلف أخرى.

الوضوحُ خدعةٌ يصدّقها من يشاهد من الخارج.

الداخل له منطقه:

زاويةُ الانعطاف، وزنُ الجسد، لحظةُ رفعِ القدم عن الوقود… ولحظةُ انزلاقٍ قبل ملامسة المكابح.

الخروجُ من المنعطف أهمّ من الدخول إليه.

على خطِّ الانطلاق، تخيّلتُ هديرًا من المحرّكات،

لكنّ الصوت الحقيقي كان في داخلي:

تدافعٌ صامتٌ لأفكارٍ لا أعرف ترتيبها، وارتباكٌ لا يكشفُ سببَه.

الفوضى ليست عطبًا أصلحه،

بل ممرًّا أعبره قبل أن يثبت إيقاعي.

المنعطف الثاني- تشكّل الحلبة

في اللفة الثانية، لم يتغيّر داخلي بقدر ما تغيّر شكلُ الحلبة.

الزوايا التي أربكتني بدأت تُظهر حدودَها،

والمسافاتُ بين العربات لم تعد فوضى خالصة، بل خطوطًا يمكن قراءتُها.

المنعطف الثالث- المايسترو

خَلَت الحلبة. ظهرَ سائقٌ لم أكن أعرفه؛

وقف في منتصف المضمار كما لو أنّه يعرف الموسيقا التي لم أسمعها بعد.

حقّق أرقامًا لا أقتربُ منها، يميل قبل المنعطف بنصف ثانية،

ويخرج منه كأنّه ينفلت من نصٍّ يحفظه.

انعطفتُ خلفه.

قلّدتُ خطَّه… زاويتَه… ثمّ لحظةَ رفعِ قدمه عن الوقود.

كنتُ أسمع دائمًا أن التقليد عتبةٌ أولى، وأنّ كلَّ محترفٍ يبدأ بتتبّع أثرٍ؛ لكنني لم أفهمها إلا هنا.

هكذا يفعل المدربُ بالمقاتل، والمحرّرُ بالكاتب:

يمدّك بخيطٍ، ثم يتركُ التجربةَ التي لا يمكن أن يخوضها سواك.

المنعطف الرابع- انحراف صغير

بعد لفتين خلف المايسترو، حدث شيءٌ لم أحسب له حسابًا: ابتعد.

ثانيتان تكفيان لتتركني بلا خطٍّ أتبعه.

ظننتُني سأرتبك، لكنّ يدي سبقتني إلى زاويةٍ لم يُلقّنْها لي أحد.

انحرافٌ صغير، لكنه كبيرٌ بما يكفي:

مسارٌ لا يشبه خطَّه… ولا يشبه الخطأ.

المنعطف الخامس- الوجود يأخذ شكله

تمرّ على الحلبة، فتظنّها مجرّدَ دوائر هندسيّة؛

أسفلتٌ ناعمٌ تقف فوقه عربات.

العربةُ: مادّةٌ تنتظر من يمنحها هويّة.

الكارت مساحةُ وجود؛ أضيقُ من أن أهرب منه، وأوسعُ من أن أكذب على نفسي.

في لفةٍ ما، رأيتُ الصبيَّ الذي تحمله أسرته كلَّ يومٍ إلى الحلبة؛ كأنّهم يحجزون له خانةً على شبكةِ الانطلاقِ العالمية…

الأحلام لا تنمو وحدها؛

يلزمها أرضُ أيدٍ تُمسك بها.

المنعطف السادس- وزنٌ زائد

جرّبتُ حسابَ السعراتِ الحراريّة، حِميةَ الكيتو، حتى وصلتُ إلى تاجِها: الصيامِ المتقطّع.

فترةٌ كنتُ فيها أخفَّ على نفسي، أنشطَ ذهنًا، وألينَ في مزاجي…

ثم تركتُه في زحمةِ العزائم.

في المضمار، لم أكن أفكّر في شيءٍ من هذا؛ كلُّ ما أردتُه: لفةٌ أسرع.

زاويةٌ ضيّقة في آخر المستقيم، وعربةٌ أمامي تزحف.

إمّا أن أرفع قدمي، وأرى رقمي يتبخّر كبرقٍ خُلَّب،

وإمّا أن أقترب أكثر ممّا تسمحُ به نصائحُ السلامة.

صدّقتُ الحدوسَ التي خامرتني؛

ثِقَلٌ خفيٌّ يفضحُه مقعدٌ يضيقُ بي،

وحزامٌ يشدّ خصري،

وتُعامَلُ العربةُ كما لو كنتُ حمولةً إضافيّة.

أنا، المعروفُ بالحياء خارج الحلبة، شدَدتُ المقود إلى الداخل؛ لمستُ مؤخرةَ العربةِ التي أمامي، فاهتزّت وانزاحت عن الخطّ، وانفتح الطريق.

في تلك الثانية، ومض في رأسي مشهدٌ من سباقاتِ الفورمولا 1:

سيارتان من المصنع نفسه، صوتٌ في أذنِ أحدِ السائقين يأمره أن يفسح الطريق لزميله في الفريق، وتردّدٌ لا يظهر إلا في عينيه؛ شيءٌ من الحربِ دون طلقات، كما لمح جورج أورويل.

بعد تلك اللفة بدا اللعبُ أقلَّ براءة؛

كأنّ «رغبةَ اللعب هي في جوهرها رغبةٌ أن أكون»- جان بول سارتر.

المنعطف السابع- خطُّ نهايةٍ لا ينتهي

حين أكتبُ، أتوقّفُ عن الكتابة؛

فالكتابةُ منظورٌ أكثرُ منها لَبوسًا، طريقةٌ أرى بها الأشياء.

إذا غِبتُ، يفتّش أهلي عنّي في مكانين:

بين رفوف المكتبة، أو في حلبةِ الكارتنج التي جاورت طريقي سنواتٍ،

مررتُ مرارًا، وأصدرتُ عليها حكمًا مُسبقًا: ملاهٍ للأطفال لا تخصّني، ولا تستحقّ أن أَمْنَحَها فرصةَ تجربة.

في إحدى الجولات، جاء زميلٌ لا يدفع ريالًا

إلا بعد أن يمرّ على مجلس إدارة شركته.

أنهى الجولة، نزع الخوذة، والتقط أنفاسه، ثم قال:

«جوله زود… الفلوس ما تهمّن».

اعتبرتُ ذلك فتحًا في أسلوبي الإقناعي.

مساءً آخر، امتلأت الحلبةُ بموظّفي شركةٍ قرّروا أن يخلَعوا عنهم ثقلَ المكاتب.

على وجوههم خليطٌ من الرسميّة والارتباك؛

لكن ما إن التحمت العرباتُ بالمسار حتى ذابت الألقاب،

وصار كلُّ واحدٍ منهم جسدًا يضحك.

الشيءَ الذي يشرحه المدير في عبارات «بناء الفريق»

تتكفّل به جولةُ لعب.

عند طرفِ الشبكة، في الممرّ الداكن،

الساعةُ المعلّقة فوق المضمار واحدة، والأضواءُ هي نفسها للجميع، لكنّ المشهدَ من الخلف غيرُه من الأمام؛

من في المقدّمة يرى شريطًا من الفراغ،

ومن في المؤخّرة لا يرى في البداية

إلا تداخُلَ عرباتٍ تهتزّ أمامه،

وأشرطةَ مكابحٍ تومض شررًا.

يبدو المسارُ كتلةً؛

ثمّ يتخلخل المشهدُ شيئًا فشيئًا:

تتباعد، وتلوحُ فراغاتٌ وخطوطٌ جانبيّة.

لكلِّ موضعٍ على الشبكة ابتلاؤه؛

من يبدؤون في الأمام مشغولون باتّساع الطريق،

ومن يأتون من الخلف عالقون في تداخُلِ العربات.

وحين تسكنُ المركباتُ في أمكنتها

وترتفعُ العيونُ إلى اللوحة،

قد يصعدُ إلى رأسِ القائمة

اسمٌ لم يكن أوّلَ من وصل؛

فالكارتنج يحسبُ تلك اللفةَ التي أصابتْ زخمَها،

لا موضعَ العربةِ لحظةَ الوصول.