مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭ ‬الغريب‭ ‬بالمألوف،‭ ‬أنشأ‭ ‬مجلته‭ ‬‮«‬الهلال‮»‬،‭ ‬موحية‭ ‬بموضوعات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬العلمانية‮»‬‭ ‬وبتاريخ‭ ‬‮«‬جديد‭ ‬الكتابة‮»‬‭ ‬يتمرد‭ ‬على‭ ‬‮«‬الوثيقة‮»‬‭ ‬ويتوسّل‭ ‬‮«‬الخيال‮»‬‭. ‬واجتهد‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬الزيات‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬مثابرة‭ ‬فتحت‭ ‬صفحاتها‭ ‬‮«‬للمتشبهين‭ ‬بالقدماء‮»‬‭ ‬وللمدافعين‭ ‬عن‭ ‬الجديد،‭ ‬شعرًا‭ ‬ونثرًا‭ ‬ونقدًا،‭ ‬فارتاح‭ ‬لها‭ ‬الشيخ‭ ‬التقليدي‭ ‬علي‭ ‬الطنطاوي‭ ‬وكذلك‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬العقاد‭ ‬الشاب‭ ‬الثائر،‭ ‬الذي‭ ‬أضاع‭ ‬ثورته‭ ‬مع‭ ‬تقدمه‭ ‬بالعمر،‭ ‬ونشرت‭ ‬فيها‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬قصائدها‭ ‬الأولى‭.‬

‮«‬المجلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عنوان‭ ‬فعل‭ ‬فكري‭ ‬جديد‭ ‬اعتنقها‭ ‬مجددون‭ ‬عرب‭ ‬مختلفو‭ ‬الألوان‭ ‬الكتابية‭ ‬والطبائع؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬مثلت‭ ‬شكلًا‭ ‬حديثًا‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬الأدبي،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬اقتصادية‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الإيجاز‭ ‬وتؤالف‭ ‬بين‭ ‬المترجم‭ ‬والإبداع‭ ‬‮«‬المحلي‮»‬‭ ‬بلغة‭ ‬لطيفة‭ ‬التناول،‭ ‬لها‭ ‬عنوان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المجاز‮»‬‭ ‬وموضوعات‭ ‬واضحة‭ ‬الهويّة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬بدت‭ ‬مرآة‭ ‬‮«‬للحداثة‮»‬‭ ‬وللداعين‭ ‬إليها،‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬‮«‬بالمجلّد‮»‬‭ ‬الهائل‭ ‬الصفحات‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬بالصفراء‭ ‬المذهّبة‭ ‬الأطراف،‭ ‬العويصة‭ ‬اللغة‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬أعماله‭ ‬الكبرى،‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تبسيط‮»‬‭ ‬أفكاره،‭ ‬فأصدر‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الكاتب‭ ‬المصري‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الترجمة‭ ‬والتأليف‭ ‬ومقاربات‭ ‬المجددين‭ ‬والقدماء،‭ ‬واقتربت‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬تربوي‭ ‬جميل‭ ‬العبارة‭. ‬أما‭ ‬أحمد‭ ‬أمين،‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬‮«‬بأدب‭ ‬أخلاقي‭ ‬يرضي‭ ‬الكبار‭ ‬والصغار‭ ‬معًا،‭ ‬فأصدر‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الثقافة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬العنوان‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬مضمونه‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬القراءة‭ ‬العامة‮»‬‭. ‬اختصر‭ ‬جبران‭ ‬‮«‬وعظه‭ ‬الأدبي‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابين‭: ‬‮«‬النبي‮»‬‭ ‬و«المجنون‮»‬،‭ ‬أرضيا‭ ‬أدونيس‭ ‬رضاء‭ ‬لا‭ ‬نقصان‭ ‬فيه‭. ‬وواقع‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المجلة‮»‬‭ ‬صيغة‭ ‬ثقافية‭ ‬حداثية‭ ‬مرنة،‭ ‬ترضي‭ ‬الأفراد‭ ‬والأحزاب‭ ‬والجماعات،‭ ‬حيث‭ ‬الفرد‭ ‬يبث‭ ‬فيها‭ ‬رسالته‭ ‬الواعية،‭ ‬حال‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الثقافة،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الحزب‮»‬‭ ‬يثقف‭ ‬بها‭ ‬أفراده‭ ‬ويخبر‭ ‬عن‭ ‬رسالة‭ ‬‮«‬أيديولوجية‮»‬،‭ ‬كأن‭ ‬يدعو‭ ‬اللبناني‭ ‬المهندس‭ ‬أنطون‭ ‬ثابت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فكر‭ ‬تقدمي‮»‬،‭ ‬ينكر‭ ‬الاستبداد،‭ ‬وينشد‭ ‬العدالة،‭ ‬وينتهي‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬سياسي‭ ‬أيديولوجي‮»‬‭ ‬واضح‭ ‬العنوان‭ ‬والرسالة‭ ‬جسَّدَته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الطريق‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬من‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬مطالع
القرن‭ ‬العشرين‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬دار‭ ‬النشر‭ ‬طموحة‭ ‬تؤكد‭ ‬الجديد‭ ‬حال‭ ‬‮«‬دار‭ ‬العلم‭ ‬للملايين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬العلوم‮»‬،‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تقريبًا‭. ‬التصق‭ ‬طموح‭ ‬المجلة‭ ‬بمفكرين‭ ‬واضحي‭ ‬الغايات،‭ ‬كأن‭ ‬يأتي‭ ‬اللبناني‭ ‬ألبير‭ ‬أديب‭ ‬بمجلته‭ ‬‮«‬الأديب‮»‬‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وأن‭ ‬يخبر‭ ‬سهيل‭ ‬إدريس‭ ‬عن‭ ‬صوته‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الآداب‮»‬‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬واستمرت‭ ‬إلى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬ويُصدِر‭ ‬أدونيس‭ ‬مجلته‭ ‬‮«‬مواقف‮»‬‭ ‬مرتين‭: ‬مرة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬الثلث‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬المنصرم،‭ ‬ومرة‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬قرننا‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعمر‭ ‬طويلًا‭.‬

أصدر‭ ‬سهيل‭ ‬إدريس‭ ‬مجلته‭ ‬‮«‬الآداب‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬أديبًا‭ ‬حاول‭ ‬الرواية،‭ ‬وأشرف‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬على‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬نخبوية‮»‬‭: ‬‮«‬الكرمل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وتوقفت‭ ‬قليلًا‭ ‬وعادت‭ ‬إلى‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭. ‬مجلة‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فلسطينية‭ ‬حداثية‭ ‬كونية‭ ‬المضمون‭ ‬تتعايش‭ ‬فيها‭ ‬نصوص‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬وقصائد‭ ‬عربية‭ ‬جديرة‭ ‬بالقراءة‭. ‬وكان‭ ‬محمود،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُرحَّل‭ ‬من‭ ‬وطنه،‭ ‬ينشر‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬الحيفاوية‭ ‬التي‭ ‬أسسها‭ ‬وأشرف‭ ‬عليها‭ ‬الروائي‭ ‬والأديب‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬طه‭.‬

مشروعات‭ ‬تبدأ‭ ‬كبيرة‭ ‬وتنتهي‭ ‬باكرًا

كانت‭ ‬المجلات،‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬مضى،‭ ‬أدبية‭ ‬المنشأ‭ ‬والرعاية‭ ‬والنزوعات‭ ‬الفكرية‭ ‬السياسية‭. ‬ارتبط‭ ‬اسم‭ ‬اللبناني‭ ‬حسين‭ ‬مروة‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬الطريق‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬فيلسوفًا‭ ‬محترفًا‭ ‬انشغل‭ ‬بالفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬‮«‬نزوعاتها‭ ‬المادية‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بعيدًا‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬وهواه‭ ‬من‭ ‬المصري‭ ‬محمود‭ ‬أمين‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬أنشأ‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬دراسات‭ ‬فكرية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬أوراق‭ ‬ثقافية‮»‬‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬الذاكرة‭ ‬خدعتني‭ ‬في‭ ‬العنوانين،‭ ‬وهذه‭ ‬المجلة‭ ‬لم‭ ‬تعش‭ ‬طويلًا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬الثقافية‭ ‬العالية‭.‬

يدفعنا‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المجلات‭ ‬والفلسفة‭ ‬التذكير‭ ‬بمجلة‭ ‬عاشت‭ ‬قليلًا‭ ‬بدورها،‭ ‬أشرف‭ ‬عليها‭ ‬المصري‭ ‬الدكتور‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود،‭ ‬عنوانها‭: ‬‮«‬الفكر‭ ‬المعاصر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تحيل،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬إلى‭ ‬مجلة‭ ‬تشبهها‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ ‬والمضمون،‭ ‬أصدرها‭ ‬مطاع‭ ‬صفدي،‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬ونقل‭ ‬معه‭ ‬فكره‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬وكان‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ (‬المؤقت‭ ‬دائمًا‭) ‬أنطون‭ ‬مقدسي،‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬قد‭ ‬حاول‭ ‬الارتقاء‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬المعرفة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدرها‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬سبق‭ ‬‮«‬القهر‭ ‬الحزبي‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المصري‭ ‬الدكتور‭ ‬حسن‭ ‬حنفي،‭ ‬حاول‭ ‬بدوره،‭ ‬إصدار‭ ‬مجلة‭: ‬‮«‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬المعاصر‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬أغلقها‭ ‬سريعًا‭… ‬لا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬السوري‭ (‬مقدسي‭) ‬حقّق‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬ولا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬المصري‭ (‬حنفي‭) ‬لامس‭ ‬أهدافه‭.‬

وواقع‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭ ‬ازدهرت‭ ‬قبل‭ ‬مجيء‭ ‬‮«‬الأنظمة‭ ‬الأحادية‭ ‬الصوت»؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬رزحت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬تحت‭ ‬شكلين‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭: ‬رقابة‭ ‬سلطوية‭ ‬أولًا؛‭ ‬تشوّه‭ ‬المضامين‭ ‬و«تقزّم‮»‬‭ ‬الأفكار،‭ ‬ورقابة‭ ‬دينية‭ ‬ثانيًا؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المتديّنين‭ ‬يحافظ‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬القاعدة‭ ‬القائلة‭: ‬‮«‬من‭ ‬تفلسف‭ ‬تزندق‮»‬،‭ ‬ناهيك‭ ‬أن‭ ‬الارتقاء‭ ‬الثقافي،‭ ‬والمجلات‭ ‬أحد‭ ‬وجوهه،‭ ‬يحتاج‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬ثقافية‭ ‬حوارية‭ ‬تتسم‭ ‬بالديمقراطية‭ -‬الغائبة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬غالبًا‭- ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬نسبية،‭ ‬كحال‭ ‬تعددية‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬السلطات‭ ‬السياسية‭ ‬المسيطرة‭ ‬شعارات‭ ‬فقيرة‭ ‬طاردة‭ ‬للحوار‭ ‬والثقافة‭ ‬معًا‭.‬

يمكن‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬وبشكل‭ ‬مختزل،‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬ملحوظات‭ ‬‮«‬غير‭ ‬سعيدة»؛‭ ‬أولاها‭: ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر،‭ ‬وجمهورها‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬الجامعيين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حضورها‭ ‬موسميًّا‭ ‬ومحدودًا‭. ‬وثانيتها‭ ‬أنها‭ ‬خاضعة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬رقابة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬مسؤولين‭ ‬فقيري‭ ‬القيم‭ ‬والثقافة‭. ‬وثالثتها‭ ‬هناك‭ ‬الاستسهال‭ ‬والأخذ‭ ‬بالتلقين،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الترجمة‮»‬‭ ‬دليلًا‭ ‬مريضًا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه،‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬موضوعات‭ ‬‮«‬مدرسية‮»‬‭ ‬ويُلبّي‭ ‬حاجات‭ ‬متقشفة‭ ‬تتوسل‭ ‬إجابات‭ ‬جاهزة‭.‬

المثقفون وكونية الأحلام

المثقفون وكونية الأحلام

في كتاب طُبع مرتين 1978 و1986، عنوانه: «الجمر والرماد، ذكريات مثقف عربي»، استعاد الفلسطيني الراحل هشام شرابي سفره إلى أميركا لاستكمال تعليمه فكتب: «لم يكن يخطر على بالنا تأجيل دراستنا -عام 1947م- والبقاء في وطننا لنقاتل. كان هناك من يقاتل عوضًا عنا. أولئك الذين قاتلوا في ثورة 1936م، والذين سيقاتلون في المستقبل. إنهم فلاحون، وليسوا بحاجة إلى التخصص في الغرب. موقعهم الطبيعي هنا، فوق هذه الأرض. أما نحن -نحن المثقفين- فموقعنا في مستوى آخر. نحن نصارع على جبهة الفكر ونقاتل قتال العقل المرير».

يبدو ما قاله شرابي تبريرًا، قبل نكبة 1948م، عاد ونقضه آسفًا بعد تجربة المنفى وضياع الوطن. ومع أن النقد الأسيف لا يغير شيئًا، رغم صدقه، ففي كلمات شرابي الشاب ما يعلن عن صورة المثقف التقليدية، سواء أكان ذلك في علاقته «بفكره المقاتل» أم جاوز القصد وامتدّ إلى «الأميّين». والقول لا خفاء فيه، يتراءى واضحًا في كلمات متضافرة؛ تستهل بالانقسام الاجتماعي والتقني، إن صح القول.

فالفلاحون جزء من الأرض والمثقفون جزء من اختصاصهم، لكل ما يحسنه، وما تحسنه العقول المفكرة تجهله الأيدي العاملة. أمّا المضمر، الذي لا يحتاج إلى إضمار، فماثل في المستويات الاجتماعية؛ إذ الفلاح مشقّق اليدين يختلف من بلدة إلى أخرى على «دابّته»، منقطع الصلة مع فلسطيني يذهب إلى السينما ويتحدث الإنجليزية ويتهيأ للسفر، بحرًا، إلى جامعة جورج تاون الأميركية.

عروبة مستنيرة

تتلامح معالم المثقف في خطاب هشام شرابي: تمايز العمل الذهني من العمل اليدوي، ومعركة الفكر المريرة من معركة الأيدي والعضلات، والسلب «القديم» الذي جعل المثقف يوزّع «شعبه» إلى مراتب. إذا كان في الملامح الثلاثة ما يؤكد صورة المتعلّم لا المثقف، فإن شرابي، عالِـم الاجتماع النبيه، أعلن عن المثقف الحقيقي بالتذكير بأحلامه الضائعة. ذلك المثقف الذي تطلّع إليه، بعد اختبار وأوكل إليه نقد المجتمع «البطريركي»، القائم على الإخضاع والانصياع، واستعمال العقل النقدي لأهداف وطنية.

هشام شرابي

فوطنية العقل من اقتراحاته، من مساره المتحوّل المتبدّل المنتقل من الفكر المجرد إلى العمل المفكّر به انطلاقًا من التجربة. عاش هشام شرابي شبابه حزبيًّا معروف الانتماء «حزب القوم السوري» وأنهى حياته متحزبًا للحقيقة. قصد، دائمًا، وحدة العدل والحرية وتحرير العقل العربي من عادات ونواهٍ وقواعد رأت في تحطيم العقل فضيلة.

لكل مثقف، بعيدًا من الإنشاء والصفات الجاهزة، أحلامه وسياقه، فإن شاءت «الأقدار» أن يكون عربيًّا، اقترح «التحرير» مدخلًا إلى المحاكمة والكلام. سعت أحلام شرابي إلى عروبة مستنيرة تستعيد المفقود وتتخلّص من العقائد العقيمة. لم يقع الجغرافي المصري العظيم جمال حمدان في خطأ، ولم يحمل نفسه على مراجعة تمسح الأخطاء. أعطى منظوره متكاملًا في كتابه: «إستراتيجية الاستعمار والتحرير»، بدأ بما يجب البدء به؛ إذ الاستعمار غادر العالم العربي ولم يغادره، وإذ السواد العربي مطالب بطرد الاستعمار.

قابل شرابي بين «الجمر والرماد»، حيث الجمر سيرٌ إلى الأعلى «والرماد خيبة حارقة»، وفصل حمدان بين تحرير التاريخ وتخلّف ثابت المواقع. اتكأ منظوره على العلم الوطني القائم على وعي تاريخي يسائله: «كان القرن التاسع عشر هو قرن الذين يملكون والذين لا يملكون، والقرن العشرون -أكثر من أي وقت مضى- قرن الذين يعلمون والذين لايعلمون، العلم حضارة المستقبل ومستقبل العالم الثالث مرهون بتطوره العلمي» (ص: 350). تتساوى الشعوب بعلم «راهن» ترشده سياسة علمية ترى العلم تحرّرًا والتحرر إرادة تُدْرِج العلم في سياسة وطنية: «لا يجب بيع واقع الثورة التحريرية من أجل وهم الثورة التكنولوجية. فمثل هذه المساومة أو الصفقة لن تُبقي في الظروف الراهنة سوى الاستسلام، وبالتالي فقدان التحرر والتكنولوجيا معًا وإلى الأبد. بينما الصمود والمقاومة جديران بكسبهما معًا وإلى الأبد». تُنتج الإرادة الوطنية الحرّة العلم والتكنولوجيا، على خلاف منظور قاصر يمجّد التكنولوجيا ويختزلها إلى سلعة يمكن شراؤها يجهضها استعمال متخلّف.

قرّر شرابي أن إصلاح الحاضر يستقيم بمعرفة من الحاضر صقلتها التجربة، وأعلن حمدان أن قهر التخلّف يأتي به وعي التاريخ الوطني؛ ذلك أن التكنولوجيا المجردة لا تفعل شيئًا سوى تزييف الوعي، وتسبغ على التخلّف ديمومة زائفة.

أحلام معلّقة بين الوطن والمنفى

مثقفان عربيان حملا أحلامًا أجهضها الواقع العربي. هجس الأول بعروبة موحّدة تسترجع فلسطين، وهجس المصري صاحب السِّفر الكبير «عبقرية المكان» بأفكار تسترجع فلسطين وتحرّر العرب وتعيّن جغرافية مصر عبقرية في ذاتها، تنتظر تحررًا جديًّا يأتلف مع إشارات «المكان الموزعة على الوادي والصحراء والدلتا ومصبّ النيل العظيم».

من مآثر التاريخ الحزينة أن يُقرأ كل إنسان فيما انتهى إليه، كما قال المنفي الألماني المحترف سيغفريد كراكور في كتابه عن التاريخ. رجع شرابي من «ديار الغربة»، وكان محاضرًا في جامعة جورج تاون، إلى بلد عربي طرده فاستوطن الغربة ومات فيها، وسجّل ما عاش في «ذكريات مثقف عربي». عاش مآله غريبًا مغتربًا، فلا هو مقبول من «أمته» ولا هو مستقر في بلاد الآخرين. خلّف وراءه شهادة عن مثقفين يعاقبون على وطنيتهم ونظرهم الثقافي المسؤول.

الجغرافي جمال حمدان المتفوق في مراحل التعليم جميعًا، رفض أن يكون أستاذًا في جامعة بريطانية، أراد تدريس علمه الجغرافي في بلده، واجه أكثر من خلل واصطدم بقيم متدهورة، عاف التدريس وزهدت روحه بما رأى، فابتعد واعتكف واعتزل الناس ورحل في صدفة مؤسيّة. أعطى درسًا كريمًا في أخلاق الأستاذ الجامعي الرافض للانحراف والتشوّه، وواجه ورحل وحيدًا عن العالم، كما لو كانت نهايته تعليقًا على مآله. جسّد ملحمته في كتاب: «شخصية مصر»، القريب من أربعة آلاف صفحة، عرض علمه الغزير بلغة نضرة يقصّر عنها الأدباء المحترفون، وبرهن عن عشق لمصر لا نظير له.

فرانتس فانون

التبس شرابي بإمكانية ثقافية مغتربة يحاضر في جامعة غير عربية بالإنجليزية، ويكتب لجمهور لا يراه بالعربية، وجسّد حمدان مأساة الإمكانية المصادرة، يكتب لقراء انعزل عنهم ويعيش في وطن معطوب المرجع. مازجت أحلامهما الخيبة والحرمان، وسقطت في وضع مفارِق، فلا هي قابلة للتحقق، ولا هي بالمسكوت عنه، الملتحق بالنسيان.

قدّم الطرفان صورة عن تداخل الأيديولوجيا واليوتوبيا؛ إذ الأولى قوة فاعلة تائهة الحركة، فهي حاضرة وغائبة معًا، وإذ الثانية حلمٌ يسجل خطواته المجتهدة في صفحات طويلة مؤجّلة القراءة؛ لكأن المثقف، الذي يتشهّى تحويل العالم، حالة افتراضية توجد ولا توجد معًا، توجد كفكرة ومشروع وأطياف وتغيب كواقع معيش واضح المساحة. شيء لا يبتعد من أحلام المارتنيكي النبيل فرانتس فانون، الذي انتمى إلى الثورة الجزائرية في البداية وأبعده «الثوار الزائفون» عنها في النهاية، ورحلت إلى غير ما كان يطمح إليه.

الارتقاء والنهوض والصعود

أصدر فانون كتابه الأشهر: «معذبو الأرض» باللغة الفرنسية عام 1961م، أثنى عليه الفيلسوف جان بول سارتر وكتب له مقدمة ضافية، وأثار حوارًا فكريًّا واسعًا. عالج المفكر الثوري، وهو طبيب نفسي، آثار الاستعمار على الشعوب المستعمرة وتأثير كفاحها على المستعمرين. ومع أن في الأثر والتأثير ما ينفتح، لزومًا، على تحرّر ملتبس الوضوح، فالوعي لا يسبق الفعل بل يلتحق به، فإن في المنطق الداخلي لكتاب فانون ما يدع تعبير «التحرّر» معلقًا، ويستبقي صفة: الكفاح ضد الاستعمار الذي هو سيرورة معقدة متعددة الوجوه. ما توحي به عملية التحرّر الملتبسة عند فانون ينطبق بدوره، على: المثقف الذي يلعب دورًا «أساسيًّا» في تحرّر شعبه. فهو حامل أحلام الاستقلال الذي يعهد إلى شعبه بتوليد «تاريخ جديد»، يسيطر عليه «تاريخ قديم» صعب الرحيل.

تحيل أحلام المثقف، نظريًّا، إلى الارتقاء والنهوض والصعود والثورة وتستدعي «المستقبل»، في التحديد الأخير. يأخذ مسارها شكل القاعدة، وتظل قاعدة بلا قواعد؛ ذلك أن الأحلام لا تبنى دفعة واحدة، وأن حامليها بحاجة إلى من يبني أحلامهم أيضًا. لكأننا نسأل: هل تولد الأحلام نقيضًا للكوابيس، أم إن في إخفاق الأحلام ما يستولد كوابيس متوالدة؟ ما يمنع النوم الهادئ الصريح؟ تأتي الأحلام من ضرورة الأحلام في أزمنة خانقة وبلا أفق، وتقترحها الأفكار المنطوية على عجز يحكم قبضته عليها، حالها قريب من الشعر الذي تؤبّده رتابة الأزمنة ومجازات الحب الذي لا ينتهي.

عَدَّ فانون المثقفَ ضرورة وطنية منطقية تاريخية. له من الوعي ما ينكر العفوية والارتجال، ويطالب بتنظيم المتفرّق وتشكيل كتلة وطنية مقاتلة متجانسة، وله معرفة تضيء الطريق للعميان، وله زمن وطني وشعبي يهيب به أن يكون فاعلًا أو يقيّده إلى حسابات سالبة، فيصمت ويُؤثر اللواذ. تملي السيطرة الكولونيالية، أي الاستعمار الذي انشغل فانون بتحليله، على المثقف أن يلتفت إلى ثقافته الوطنية، التي تنكمش بفعل السياسة الاستعمارية وتميل إلى الذبول، وعليه أن يدافع عنها كي تصبح «ثقافة مقاتلة»، تكشف عن حقيقتها وعن خصائص الثقافة المهددة لها.

جمال حمدان

أثنى، وليس بلا اضطراب، على قوة التقاليد في «معذبو الأرض»؛ إذ التقاليد ثقافة ساكنة يفتح أمامها القتال التحرري «أبواب الإبداع»، وإذ الثقافة مخزون من الرموز والتقاليد والعادات، تتغيّر فاعليّتها من سياق إلى آخر، مثلما أن المثقف الذي لا مخزون له يبدأ من العراء. يقوم مرجع الثقافة والمثقف عند فانون في «جوهر الثورة» كما أرادها في كتابه «دراسات في كولونيالية محتضرة»، حالمًا بثورة «طليقة الحركة» تعيد تخليق الأشياء والبشر: «إن الذي يستديم خلقه لنفسه ليس البنادق، ولا التنظيم، بل كائن الثورة نفسه». القول صحيح لو لم يكن قوامه يشكو من خلل لا يُرى، فالثورات رمادها من بداياتها الأولى.

نقف على موقفه من المثقف في كلام له صيغة الاعتراف: «المثقفون عنصر أساسي في نجاح إزالة الاستعمار لتجاوز العقلية المانوية لكنهم هم أيضًا منغمسون فيها»، بلغة مستعارة من نايجل سي غبسون في كتابه: «فانون- المخيّلة بعد الكولونيالية». يكاد هذا الموقف أن يعبّر عن اندفاع فانون إلى دور المثقف وعن حيرته وقلق اندفاعه في آن، ما يبرّر الحديث عن «المثقف المفترض» أو «مثقف مشروط»، كما لو كان لا وجود للمثقف إلا في نقصه.

لكن هذا المثقف الذي يُسهم في إزالة الاستعمار ويلحق به شيء من آثاره، يأخذ شكلًا أكثر أهمية لحظة انفصاله عن ثقافة البلد الاستعماري، فيرفض الثقافة التابعة ويعيد اكتشاف ماضيه الأصيل إلى تخوم اختراعه. بيد أن تناقضاته، وهي جزء من وجوده، تدفعه أحيانًا إلى ماضوية مؤذية، تحارب الجديد الثقافي وقد تندّد به.

يحمل خطاب فانون، الذي لا ينقصه الاضطراب، ثناء على المثقف لا تحفظ فيه، فيؤكد في «معذبو الأرض»: «في التنظيم الجنيني الذي يتشكّل بين المناضل المديني والجماهير الريفية، يقوم المثقفون بدورهم في تفجير الحقائق الكولونيالية القديمة واستخراج معانٍ جديدة متأصلة في التحولات الجذرية التي تمر بها الحركة المعادية للاستعمار. ولكن نصوصها لا تكون جاهزة». إن ضربنا صفحًا عن الجملة الأخيرة، يتكشّف المثقف مناضلًا مدينيًّا، «يضاف» إلى الجماهير الريفية، وتحتاجه الطبقة العاملة المدينية الفقيرة، دون أن تطمئن إليه ولا يطمئن إليها.


الإشارات:

1. الدكتور جمال حمدان، «إستراتيجية الاستعمار والتحرير»، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م.

2. هشام شرابي، «الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي»، بيروت: دار الطليعة، 1978م.

3. Andrew Leak, Jean-Paul Sartre, London: Reaktion Books, 2006.

المثقفون وأحلام المدينة الفاضلة

المثقفون وأحلام المدينة الفاضلة

جمع العربي المسلم ابن طفيل (ت: 58هـ) بين الفكر والإيمان، وصل في حكايته الرمزية إلى «مدينة فاضلة صغيرة»، تقنع الروح وتحررها من القلق والأسئلة المضنية. ساءل النظر الإنساني في «حي بن يقظان»، حيث الحياة من اليقظة، يحيا الإنسان أولًا وينبثق من حياته وعي يعلّمه ما لا يعلم، يرضيه ويلحقه بالسماء. يتطوّر الإنسان إن ساءل عقله ظواهر الطبيعة، وأدرك العلاقة بين الأسباب والمسببات. يبدأ بعيدًا من المقدس المتعالي وينتهي وقد أسلم ذاته لمقدس أعلى وحيد، لم يكن يعرفه يجلب له الرضى ويعيش، في النهاية، وفقًا لما قال به عقله الذاتي. لم يستغنِ عقله عن الله بل قاده إليه.

اطمأن ابن طُفيل إلى عقله ونظر إلى السماء، وقاده علمه العاقل إلى الله. في حين احتفى المفكر الأوربي النهضوي، بعد زمن، بمقولات ثلاث: العقل والعلم والتاريخ، حيث التحرّر من المقدسات، والعقل المكتفي بذاته يوصل إلى علم وتقنية علمية تُؤَنسن الطبيعة، تجعلها امتدادًا للإنسان والإنسان امتدادًا لها، كما لو كان في العلم الحديث ما يعيد خلق الطرفين. بدا التاريخ بدوره علاقة أليفة ثالثة، بفضل نزوعه الغائي «العاقل»، الذي يحقق ما يتطلع الإنسان إلى تحقيقه، فبالعلم يتقدم الإنسان الطبيعي، وحركة التاريخ المتقدمة تضمن التقدم وتضاعفه، كما لو كانا حليفين يتبادلان
الدعم والمؤازرة.

إذا كان ابن طفيل، في جزيرته المنعزلة اكتشف «عقله الذاتي» وآمن بالله مرجعًا للأسباب جميعها، فإن العقل النهضوي الأوربي أخرج الله من فضاء أسئلته ووزّع صفاته على مقولاته الثلاث: غدا العقل إلهًا يشرح ما داخله وما خارجه، وصار العلم عقيدة دينية صرفت غيرها من العقائد، وصار التاريخ إلهًا مكتفيًا بذاته، يتقدّم إلى الأمام ولا يصدّ أحد تقدّمه.

اعتنق الفرنسي برودون التقدّم دينًا حديثًا أخذ مكان الدين المسيحي، كما جاء في كتاب الألماني كارل لوفيت: «التاريخ والخلاص» الذي ظهر باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة عام 1949م، كان قد كتب في اليابان عام 1940م. التقى برودون بخلاصه، أو بمدينته الفاضلة، وهو يُخلي أركان عالمه من «الخلاص المسيحي». فالتقدم والإيمان الديني بُعْدانِ لا يلتقيان، وعلى الإنسان والعدالة الإنسانية أن يأخذا بأيديهما الشأن الإنساني في وجوهه كلها. «سيأخذ الإيمان بالتقدم الإنساني مكان الإيمان بالعناية الإلهية». أظهر ج. د. بوري في كتابه «فكرة التقدم» الذي ظهر في نيويورك عام 1932م، أن التنويريين الأوربيين آمنوا بتقدم الإنسان تقدمًا لا حدود له، وأن فكرة التقدم عليها أن تأخذ مكان العناية الإلهية.

لم تكن فكرة التقدم إلا الإيمان بإنسان يخلق نفسه متحلّيًا بالفضائل جميعها، ينحو إلى كمال لا نقص فيه. آية ذلك الكتاب الذي وضعه الفرنسي كوندورسيه عام 1793م بعنوان: «مخطط لوحة تاريخية لتقدم الفكر الإنساني»، ألغى فيه الحدود بين المستقبل والكمال؛ إذ الإنسان والزمن يسيران معًا إلى حقبة مضيئة تجانس بينهما، تترجم تطوّر القدرات الإنسانية خلال التاريخ الإنساني. أقام تفاؤله على إيمانه بمعرفة إنسانية مفتوحة التطور تفضي إلى سعادة غير مسبوقة.

الخلق الذاتي للإنسان

بدت المعرفة مرجعًا مطلقًا للسعادة، وبدا الإنسان منتجًا للمعرفة وضامنًا لتقدمها، وهو ما يؤكد «الخلق الذاتي للإنسان»، الذي يتحكّم بالمعرفة وباستعمالاتها مازجًا بين إنسان المعرفة و«السوبرمان». ومع أن كوندورسيه، كما معاصريه من النهضويين، وضع الإله جانبًا وأراد أن يكون «علمانيًّا» متسقًا، فقد كان في منظوره أبعاد مسيحية ظاهرة؛ ذلك أن الإيمان المسيحي يقول بدوره بمستقبل ينقض النقص ويسعى إلى الكمال.

رسم الإيطالي كامبا نيللا مدينته المتخيّلة ودعاها «مدينة الشمس»، وتكاثرت في فرنسا القرن الثامن عشر حكايات «الرحلات» التي تقود إلى بلاد عالية التنظيم تنْعم بالرفاه. كتب الإنسان ويكتب عما يرغب فيه ويؤجّل محاكمة رغباته إلى حين. فاليوتوبيا هي اللامكان، كلمة مقترحة، لم تمنع توماس مور من العثور على مكانه المرغوب المحدد الصفات في «يوتوبياه» التي نشرها عام 1616م.

تضمّنت مدينة مور خطابات ثلاثة محددّة، كأنها موجهّة إلى مكان معروف الاتجاهات: خطاب نقدي يحاكم الوضع الاجتماعي في إنجلترا وغيرها من أوربا، وخطاب تسويغي، يشرح الشروط التي تجعل «اليوتوبيا» ممكنة وقابلة للتحقق. وخطاب حالم يقول بأن ما كان مرغوبًا يمكن الذهاب إليه والعيش فيه. كان خطابًا فلسفيًّا نسجته الأفكار، التي تعرف من أين تجيء ولا تعرف إلى أين تذهب.

اليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة، احتجاج على واقع يتطلّع الإنسان إلى غيره، إلى بديل يرضي رغباته، يقترحه الفلاسفة والأدباء، يدعون إليه كإمكانية واجبة ومحتملة، يوجبها توق الإنسان إلى معيش جميل يصوغه الإيمان بقوة العلم والمعرفة، ويلقي عليه ما لم يكتشف بعد ظلالًا من الاحتمال.

اليوتوبيا، في التحديد الأخير، كلمة وقع عليها «مفكر سياسي» كثير الأسئلة، جمع بين الشك واليقين، رآها في «الإمكان»، وأوكل إلى العقل البحث عن مكانها، مفترضًا مكانًا فارغًا يرسل الإنسان إليه أحلامه المتقادمة، فلكل زمن تاريخي مدينة فاضلة مضمرة، أو معلنة، يراها بعد عيش مغترب في مدن لا فضائل فيها. يتوهم المغترب المتسائل أنه ذاهب إلى مدينته الفاضلة إنْ واظب على العمل والانتظار، أو أنه راجع إليها إن تذكّر الطريق، لربما قامت في أزمنة ذهبية سابقة. يظن، في الحالين، أن الوجود السعيد من حقه، وأنه واصل إليه بعد إعمال فكره وتنظيمه، رافضًا الاعتراف بصدف لا تعترف به، متناسيًا أن عبث الوجود يشكّل جزءًا من الوجود، مثلما يشكّل الجهل بعدًا من المعرفة.

ولعل رغبات الإنسان، الذي يرحل قبل أن يحقق رغباته، هي التي تقنعه بعدالة التاريخ العاقلة، بل بعقل يتقاسمه مع التاريخ، ذاهبيْنِ معًا من تقدم إلى آخر، تقدّم ينجزه الإنسان ويراكمه التاريخ ويعلن، بعد تراكم معين، عن انتصار الإنسان وامتلاك مفاتيح مدينة الفضيلة. فلولا التراكم الذي يسمح به التاريخ لما حصل الإنسان على شيء.

انطوت الاكتشافات الجغرافية في عصر النهضة الأوربي على احتمالاتها المختلفة. كانت طريقًا إلى النهب الاستعماري، وإخضاع من لا يعرف إلى من يعرف، وسيطرة على وجه الأرض وباطنها، ودربًا يبدأ بالمعلوم وينتهي إلى مجهول، إن لم يبدأ بالمجهول ويجعله مرشدًا. عثر المجهول الواعد على مطارح للمتخيل، لم تضنّ على المدينة الفاضلة بإقامة طويلة الأمد، قبل أن تلملم أطرافها وتبدأ بالرحيل.

لم يحتفِ القرن الثامن عشر كثيرًا بمفهوم التقدّم، إنما مهّد لاتساع الحديث عنه وإرساء الاتساع على قواعد موحّدة، رأت التاريخ في أزمنته الثلاثة، وعينت التقدم جزءًا من الماضي والحاضر والمستقبل. فلولا الماضي لما تم الوصول إلى حاضر تجاوزه، ولولا الزمنان لغاب الحلم في مستقبل مزدهر. كما لو كان العقل المتفائل أعاد تأويل الماضي وهو يؤوّل المستقبل بمعايير قرأهما العلم المتحقّق، وصيّر التاريخ موضوعًا علميًّا يمكن التحكّم بمساره. أعلن أن المدينة الفاضلة تقوم على العلم، يؤسّسها ويحدّد مواد بنائها، وأن العلماء يصلحون «الجنس البشري» ويعطونه ولادة جديدة.

غدا التاريخ في التصوّر العلمي المتفائل حكاية، معروفة المبتدأ أو النهاية، حال الحكايات جميعًا. غير أن هذا التصوّر انقلب من العلم إلى «الأيديولوجيا»، التي تقيم علاقة وهمية بين وقائع مشخصة، أو تغيّب وهمها وراء الوقائع المشخصة الواجبة التحقق. والمنتظر «واجب التحقق» يعتمد وضوحًا ساطعًا، ما هو بالوضوح، آيته صورة القومية لدى «مفكري القومية العربية». فالقومية هذه ضرورة، ويا لها من ضرورة، تحرّر فلسطين، إنْ لم تسقط من الذاكرة، وتعيد الوحدة العربية «الواجبة التحقق» للصوت العربي مَهابتَه بعد أن سقط في قاع الهزائم وتبدّد إلى شظايا.

بيد أن هذه المدينة الفاضلة العربية هي أيديولوجيا تشكو من أمرين: القومية العربية غائبة بغياب شروطها الموضوعية، والقائلون بها مثقفون -لهم نيات حسنة- يحكمهم غيرهم ولا يتحكّمون بمقاديرهم الملحقة، لزومًا، بسلطات حاكمة، لا يتسع قاموسها لكلمة الوحدة إلا صدفة، تدع الحشود تصفّق عامًا أو عامين وتعود وتردّها إلى ما كانت عليه، كما حصل في حقبة الوحدة المصرية- السورية التي أملاها سياق جاء مرة واحدة. السياق يأتي ويرحل و«يعوّل عليه» منْ فَقَد الذاكرة.

جماعة العلماء

استولدت المدينة الفاضلة، بالمعنى الأوربي، «جماعة العلماء» التي عايشت زمنًا تاريخيًّا، أنتجت فيه علمًا وارتكنت إلى علم منجز سبقه، وآمنت أن التجربة العلمية تاريخية، قابلة للقياس والاختبار وتصحيح الخطأ. لم تكن بين هذه الجماعة و«جماعة الفكر القومي العربي» علاقة. لم تنتج الأخيرة «نظرية» واعتبرت القومية المنجزة بداهة، لا تُقاس ولا تختبر، وما لا يختبر لا يصحّحه أحد. لكأنها جماعة متخيّلة، طوباوية «محددة المكان واللغة»، مطلقة اليد في مكانها وزمانها. ولأنها متخيّلة، بلا مراجع مادية تستند إليها، تتخيّل ما تشاء وتعتقد أنه حقيقة.

ولم يكن حال «جماعة الفكر الإسلامي العربي» مختلفًا، كانت تحتفي بما ترغب فيه قبل أن يأتي ويكون الاحتفاء حقيقيًّا والمرتجى وهميًّا، اعتبر سماحة الشيخ الفلسطيني أمين الحسيني أن بلده منتصر في «مؤتمر العلماء المسلمين» الذي عقد في القدس في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وأن المشروع الصهيوني سائر إلى زوال. لا «المفكّر القومي» ساوره القلق، ولا «العالِم المسلم» لامسه الشك وغادره اليقين، فلكل بداهته المنتصرة في ألوانها الأيديولوجية، وما عليه إلا انتظار اللحظة الموائمة التي لا يغيّر استعجالها في مصيرها شيئًا.

تسمح المحصلة الأيديولوجية العربية بسؤال بديهي: ما الذي يتبقى من «مثقف» يخطئ الحسبان ولا يدري؟ وهل يختلف السؤال إن كان «المثقف العربي»، في ألوانه الثلاثة، صادقًا؟ ذلك أن معنى الأيديولوجيا «الكفاحية» من النتائج التي تصل إليها؟ يمكن نزع بعض التشاؤم عن الإجابة بتذكر الفكرة القائلة: تخترق المفارقة كل مثقف يبشر بالهدم وبناء عالم جديد، ويرجع فيراجع ما اقترح بناءه ويقدم اقتراحًا مغايرًا، هذا إن كان فكره نقديًّا. وما يفكّر به صحيح انطلاقًا من مبدأ: السيرورة، الذي يرى التحوّلات الاجتماعية عملية مفتوحة يمنع انغلاقها التحوّل والتبدّل. بيد أن المبدأ يوقظ سؤالًا جديدًا: هل خلّف المثقف العربي اختبارًا عمليًّا يُبنى عليه؟ تقف الإجابة قلقة ينطق بها فكر غادرته البصيرة!!!

يرفع الفكر الأيديولوجي «المهزوم» في وجه ناقده كلمتين شهيرتين: التفاؤل والأمل. التفاؤل استقالة الفكر من دوره، ينتظر من غيره تحقيق ما لم يستطع تحقيقه، فإنْ كان «تفاؤلًا تاريخيًّا»، وهو تعبير بلا معنى، سأل التاريخ أن ينوب عنه. والأمل رغبة الذين أخطؤوا الطريق بأن يرأف بهم الطريق ويلبي ما يتطلّعون إليه. هكذا يقف العجز في مكانه، يراوح ويعهد إلى كلمتين، لهما إرادة مفترضة، عليهما أن تنصاعا إلى رغبات الذين خذلتهم إرادتهم ولم يحسنوا المراجعة.

وأخيرًا: هل عملية تشكّل المثقف العربي مفتوحة الاحتمالات أم إنها انغلقت واستقرت في مكان مجهول العنوان؟ عملية تستدعي، ربما، مفهوم السيرورة المرتبط بمعطيات للحياة، إن لم تكن معتقلة.

الأميركي رسل جاكوبي صاحب كتاب: «المثقف الأخير» أصدر عام 1999م كتابه: «نهاية اليوتوبيا» السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة ـ. مرّ على وحدة الثقافة والسياسة التي وعدت ذات مرة، بتغيير العالم وتأمل، بلا كلام كثير، لا مبالاة المثقفين التي طردت تلك «الوحدة» بعيدًا. بعد استعجال زمن ثورة غاب زمنها ونسيت، وغدت وحدة الثقافة والسياسة عنوانًا للمحافظة والفكر الماضوي. عوضًا عن عرض أطروحاته يمكن الاكتفاء بالمقطع الأخير من مقدمة كتاب «نهاية اليوتوبيا»: «في فجر قرن آخر جديد كتب صاموئيل كولريدج إلى صديقه وليم وورد زورث، قبل، مئتي عام، في 1799م، يقترح عليه أن ينهض لمقاومة حال التبرم والنزعة السلبية السائدة: «أريد منك أن تكتب قصيدة من الشعر المرسل موجهة لهؤلاء الذين تخلّوا، نتيجة الإخفاق للثورة الفرنسية، عن أي أمل في مستقبل أفضل للإنسانية، وغرقوا تمامًا في أنانية أبيقورية، يخفونها تحت أقنعة العناوين الناعمة للترابط الأسري واحتقار الفلسفات المثالية والحالمة…» وأنا لم أكتب قصيدة، لكنني أميل إلى الاعتقاد في أن هذا الكتاب -بدفاعه عن النزعة المثالية والحالمة- إنما يلبّي على نحو جزئي، مطلب كولريدج.

المعنى في وجود فقير المعنى

المعنى في وجود فقير المعنى

كان يفصل بين بيْتيْنا جدار فقير الارتفاع وتينة شاحبة الأوراق ندعوها، سخريةً: التينة الحمقاء، محاكين لغة الأدباء وتلاميذهم. فإذا ملْنا إلى المعابثة قال أحدنا للآخر: أيٌّ منا يضاهي التينة حماقة؟ ونأتي بجواب بريء يمتد في كلمات متعثّرة تخدش كرامة اللغة، نحسبها بلاغةً جديرة بالتصفيق.

أحمد الكردي

كان صاحبي ينافسني في القراءة وقِصَر القامة، كرديًّا يردد بفخار قصائد أحمد شوقي «شاعر الأمراء والملوك» ويشتق كرديته المفترضة من أصل كريم ونبوغ موروث. يحتفظ بصورة شاعره الأثير في دفتر حسن التجليد، أنيق، حديث الأناقة، بحلّة متناسقة الألوان تغلق ياقتها «فراشة» أو «بابيّون»، كما يقول المتفرنسون، وقد أسند جبهته بأصابعه وغرقت عيناه في تأمل عميق.

الصاحب الكردي «أحمد»، هذا اسمه، له من العمر اثنا عشر عامًا، شاحب الوجه واضح النحول، متفوق في اللغة العربية، بارع في الرسم، يستظهر بلا خطأ، صفحات طويلة من كتاب المنفلوطي: «العبرات»، تدمع عيناه أحيانًا فيمسح الدمع ويتابع الاستظهار ويقول: الخطأ في استظهار المنفلوطي خطيئة ينتظرها حساب عسير.

كان يوم ثلاثاء، الوقت ظهيرة، يوم عطلة يمارس الصبية فيه هواياتهم بهدوء. تناهى إلى سمعي ما يشبه الاستغاثة وصوت يداخله صراخ مكتوم، تضافرا معًا ولا يعد بالمسرّة. لمحتُ نارًا في الهواء صارت سريعًا كتلة متحركة، تتقافز طليقة، تعود وتدور حول ذاتها وتكشف بعد حين عن يد مشتعلة، تظهر وتغيب كأنها وميض أو أن فيها من الوميض أبعادًا متعددة، ترافقها صرخة ملتهبة تردد بفزع: أحمد! أحمد! بنبرة تثير الروع وتقتلع الطمأنينة، تستحضر بأسى وجه التلميذ البالغ النحول.

كتلة اللهب المتطايرة، أو المتقافزة، بشكل أدق، كان اسمه أحمد، قبل أن ينتشر منه «قتار»، أي رائحة شواء، والصوت المختنق برعبه كان صوت أمه، ويوم الثلاثاء المريع أخذ ملامح مأساة، ستعيش أطيافها في الذاكرة طويلًا.

معنى الحياة وثمنها

هكذا تعرّفت مبكرّا على وجه من الموت وسُبله، بدا لغزًا وتجلّت الحياة لغزًا آخر، بل أنهما تداخلا؛ إذ في الحياة ما يفضي إلى الموت، وفي الموت ما يجلو معنى الحياة. وفي لحظة غفلة شعرت أن فيهما سخرية سوداء، فالصبي الذي أهدر حياته كان نبيهًا وحياته واعدة، وأن وعود الحياة خفيفة الوزن بخسة الثمن؛ ذلك أن الصبي الذي التهمه اللهب أشعل النار بنفسه احتجاجًا على أمر فقير، فقد منع عنه الأهل عشرين قرشًا يودّ أن يشتري بها كتاب المنفلوطي «النظرات» الذي تجمعه بكتاب العبرات قرابة وصحبة.

سألت نفسي بعد سنين، هل الحياة رخيصة الثمن، أم إن بؤس الإنسان المتعدد الوجوه لا يعقل قيمتها، كأن يطلق السارق النار على آخر سرق منه رغيفًا، أم إنها صُدَف الحياة الزاخرة بما يضحك ويبكي، فيقال مثلًا: أصابه دوارٌ فوقع على الأرض وفارق الحياة، وقصد البحر للسباحة فضربه الموج ضربة لم يستيقظ بعدها، وصفع أب ابنه صفعة أودت به، وأن آخر مات كمدًا، أو عشقًا أو اختنق بطعامه، أو مات عطشًا وصولًا إلى «مات ضحكًا»، حال الممثل الأميركي الشهير في زمنه: إيرول فلين. الذي أوغل في الشرب في ملهى ليلي، وأوغل في الضحك حتى سقط هامدًا.

وقد يموت الإنسان مجازيًّا، قبل موته الحقيقيّ، كأن يكون شهيرًا وتغادره الشهرة قبل الأوان، أو أن يمنّي النفس بإبداع يدهش الآخرين وينتهي به الأمر إلى نتاج ماسخ يسخر منه عارفوه، أو أن يحلم بتحرير نفسه وشعبه وأمته وتصيبه رصاصة طائشة وهو يمشي في ذيل مظاهرة يقودها رعاع البشر، أو يتوق إلى عهد فيه عدل «عمر» وشجاعة «خالد» ويرمي عليه الدهر بحكّام صغار، يعتقلون العدل ويحكمون على الشجاعة بالموت شنقًا في ساحة عامة…. وقد يعتقد أن ضابطًا فاجرًا، لم يخض في حياته معركة، سيتكفّل بتحرير الأرض والسماء وما بينهما، ثم يغيّر اتجاه «مدافعه المفترضة» ويصرع الأطفال والشيوخ والأرامل، ويسطو على ما يملكون قبل أن يرمي بهم في خنادق مكشوفة.

قد تستهلك أشكال الموت المتوالدة، أحيانًا، المتخيّل الإنساني وقدراته، ويستعيد ما سمعه عن سجن قديم- جديد، يدقّ الأعناق والأعمار والرغبات، يوقظ في السجين رغبة الموت والخروج من الحياة. يتلمّس أضلاعه الكسيرة وروحه النازفة، ويطلب من السماء الرحمة والمواساة، وتقصير الليل والنهار واختزال العمر في لحظة.

في متواليات الحكايات الإنسانية ما يعرض ألوانًا من الموت متعددة البدايات مفتوحة النهايات. فقد ينفذ الإنسان إلى عالم الموت من باب الفلسفة ويتأمل معنى الفناء، أو «الوجود والعدم» بلغة الفرنسي جان بول سارتر، أو يقف أمامه متوسلًا «الدين والإيمان»؛ إذ الموت حق والنهاية مآلٌ لا هرب منه، وهو موضوع أوغل فيه «المتصوفة المسلمون»، وهناك عوالم الأدب المحتشدة بالتأويل والمقاربات الجمالية- الغنائية.

الاغتراب في الرواية

في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» يبدو النقص الإنساني مرجعًا، يستهل بفتاة فلسطينية فقدت ساقها إثر حادث مجرم، ويمر على إنسان فقد «رجولته» في معركة ميؤوس منها، وينتهي بموت «متعقل» بمنظور غسان؛ إذ المنفى، بعد فقدان الوطن، يختصر الإنسان في كيان هش، تائه الكلام والمسير؛ ذلك أن الهوية تأتي من المواطنة، والفلسطيني لا وطن له. كما لو أن الموت جزاء إنسان أخفق في الحفاظ على وطنه، وانزلقت هويته إلى أرض رخوة، يتداعى إذا وقف ويتساقط إذا سار، وما عليه إلا تثبيت قدميه فوق أرض لا ثبات فيها.

وإذا كان ارتعاش اللاجئ الفلسطيني فوق أرض تخادعه يصدر عن منفى لم يختره، فإن عَربًا غيره يرتجفون وهم في بلادهم، بعد أن احتفظوا، شكلانيًّا، بالوطن وفقدوا المواطنة وتكدّست فوق ظهورهم الواجبات الخفيفة والثقيلة، وخلت حياتهم من الحقوق. كأن على السلطة أن تحتكر وجودهم، تقسّمه وتفككه كما تشاء، ولا تلزم نفسها بتأمين ما يحفظ وجوده موّحدًا؛ ذلك أنها السلطة المستبدة ترى في الإنسان المغترب ملكية خاصة متعدد الاستعمالات بدءًا من الموظف الذي يسجل ما لا يفهمه انتهاءً بمخبرٍ يقتل إنسانًا طيبًا لا يعرف عنه شيئًا.

اتخذ نجيب محفوظ من الرواية مهنة وفلسفة، انتقل من رواية إلى أخرى متوسلًا أشكالًا متجددة، وقرأ العالم في أزمنته القديمة والجديدة سعى في جهده المتوالد إلى غايتين: تأمل الظلم والعدالة في تحولاتهما الاجتماعية المشدودة دائمًا إلى سلطة لا تمارس العدل إلا صدفة، والمصالحة بين الوجود الإنساني المعتم والمدينة الفاضلة. اتكأ على منظور متشائم بلغ ذروته في عمله الكبير «أولاد حارتنا»، وكاد أن يقول: إن جميع الأزمنة السلطوية متطابقة، رغم اختلاف الشعارات؛ إذ الإنسان يولد محرومًا من رغبة ما، ويموت وقد ازدادت رغباته حرمانًا.

ربما تكون روايته الصغيرة الحجم الواسعة المنظور «اللص والكلاب» مرآة للاغتراب السياسي الذي حايث كل أعماله، حيث السلطة تعاقب الإنسان وتطارده مؤكدة أن لا إنسان بلا سلطة تصوغه، ولا سلطة إلا بمُخْضَعين تتسلّط عليهم. بل إن في عنوان الرواية ما يمايز بين «الطريدة والمطارد»؛ إذ الأول لص لم يولد لصًّا، فهو محصلة شروطه الاجتماعية، وإذ الثاني كلب له طبيعة حيوانية، لا تنجو منها إلا في حالات قليلة. ومع أن سعيد مهران، اللص ظاهريًّا، حاضر في الرواية من البداية إلى النهاية، فإن حضوره من حضور الكلب الذي يطارده، إلى أن ينتهي قتيلًا في نهاية المطاردة برصاصة مخبرٍ «ضروري».

شكّلت «اللص والكلاب» مرجعًا للرواية المصرية لسنوات عديدة، فثنائية السلطة/الفرد المغترب، أخذ بها، لاحقًا، صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ومحمود الورداني وغيرهم. ورغم التحوّلات الاجتماعية- السلطوية المتعاقبة، التي منحت الإنسان المغترب ملامح متباينة، ظلت السلطة -التي تقول شيئًا وتمارس نقيضه- مادة روائية جوهرية، في مصر وسائر الوطن العربي. بهذا المعنى، يتحدد محفوظ، بهذا المعنى، ناقدًا للسلطة بامتياز، ومؤسسً لرواية الاغتراب السياسي حيث السلطة تعتبر الإنسان شيئًا وتضعه إلى جانب أشياء أخرى لا قيمة لها.

سديم قاتل

وما دُمنا نتحدث عن الاغتراب في الرواية يتوجّب علينا أن نعيّن معنى فعل: اغتراب وهو يعني: «تساقط»، يمشي من زمن إلى آخر ويسقط قبل أن يصل إلى منتهى الطريق، أو يتطلع إلى حق مشروع يقوده التعب قبل أن يلمسه.

قد يقتلع الإنسان نفسه من تربة الحياة ويشعل بنفسه النار، أو يفقد الوطن والمواطنة ويقرضه المنفى، حال أبطال كنفاني في «رجال في الشمس»، أو تطارده السلطة ويغدو لصًّا يكسر قواعد المجتمع والقائمين على شؤونه، رافضًا أن يكون شيئًا بين أشياء الوجود الصغيرة، حال شخصيات محفوظ في «مرحلته الفلسفية».

الروائية اللبنانية هدى بركات استهلت مسارها بعملين أثارا الدهشة والتساؤل: «حجر الضحك» و»أهل الهوى»، اللذين مرا على الخراب الروحي والمادي الذي لحق بالشخصية اللبنانية بعد الحرب الأهلية المدمرّة التي ضربت لبنان في الثلث الأخير من القرن الماضي. أظهرت «أهل الهوى»، وهي من عيون الرواية العربية الحديثة، أن الدمار الخارجي، الذي يصيب البناء والحجر، أقل فداحة من الدمار الأخلاقي والمعنوي.

تعاملت «حجر الضحك» مع إنسان ماسخ الوجود أقرب إلى الطين والدنس، لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى، ولا يهجس بالاعتداء على أحد، ويُمَنِّي النفسَ ألّا يعتدي عليه أحد. بيد أن الحرب الأهلية التي تدفن البشر وتستولدهم، خلقت شكلًا هجينًا من البشر، لا هو بالأنثى التي تغمر الحياة بحنانها، ولا هو بالذكر «المنتمي إلى عالم الرجولة»، إنما هو ركام مفتت المبنى، يسير متوحشًا إلى ما افتقده في حياته، أكان سلوكًا متوازنًا أو إدراكًا يميز بين اليد والسكين والعين والمخرز.

جاءت الحرب بسديم قاتل، يستعيض عن السويّ بالخَرِب، وعن الأليف والمألوف الشائه والمعوّق، وعن المسالم بمخلوق طويل الأنياب والأظافر، فلكل سفيه سائق حسن الملبس وسيارة وثيرة اختلسها من غيره، وبيت فاره المنظر اغتصبه. نقرأ في الرواية: كان اللافت للنظر في ليل هذه الشوارع هو كثرة الكلاب… لا بد أن كلاب «الأسواق» صارت ذئابًا… لكأن بشر الحرب المتوحشة تكالبوا واستذأبوا واكتفوا بألقاب عالية زائفة، وغادروا فضاء البشر.

يصبح البشر في أزمنة السديم أشياءَ ويقدّسون أشياءَ أقل قيمةً، يُجَمِّلُون القبيحَ، ويُعَيِّنُون ذواتهم المتآكلة «سادة على المجتمع». تتراءى الرواية في هذه الحدود ذاكرةً وشكلًا كتابيًّا تحفظُ صور البشر المتوالدين في مجتمعٍ ملتبس الهوية وتضيف إلى أشكال روائية سابقة أشكالًا تتخلّق تصبح واضحةً في المستقبل الغائم والواضح معًا.

وفي النهاية يتبقى سؤالان: هل كان ذلك الكردي البسيط الفقير يستحقُّ الموت الظالم الذي وقع عليه؟ وثانيهما هل الشر جزء من الإنسان أم آيةُ من آيات الواقع الذي يعيش فيه؟

على هامش «رجال وفئران» لجون شتاينبك… عوالم المفارقات المؤسية

على هامش «رجال وفئران» لجون شتاينبك… عوالم المفارقات المؤسية

كان من حسن حظي، والحظ قرين المصادفة، أن حظيت، في المرحلتين الابتدائية والثانوية، بمعلمين تميّزوا بالمسؤولية واتساع المعرفة. كانت المرحلتان تنفتحان على زمن آتٍ وخيار منتظر وخيالات ملونة. توسدت اللغة العربية، في زمن غير هذا في المرحلة الأولى، مكانًا مريحًا؛ إذ اللغة مقدسة تحكم العقل وتعبّر عن البصيرة، ويستدعي الاحتفاء بها «عيون الأدب»، بلغة المربي الأنيس، الذي كان يعطف «العبرات» على المنفلوطي و»النبيّ» على جبران خليل جبران، ويتأنّى ويشحن ذهنه قبل الوصول إلى «أيام» طه حسين. كان يعطف ما يشاء على ما يشاء ويعد التلاميذ النابهين بمستقبل مريح حسن الهندام.

في المرحلة الثانوية قَلَبَ الزمان لنا «ظهر المِجَنّ»، التوصيف الذي لازم المربي الأنيس، نَأَتْ «عيون الأدب»، وأخذت لغة أجنبية، إنجليزية كانت أو فرنسية، مكان اللغة العربية وجاءت بأسماء وعناوين لا عهد لنا بها، غريبة الرنين وتأتي بمتخيل جديد، حال روبرت لويس ستيفنسون و«جزيرة الكنز»، وهيرمن ميلفل و«موبي ديك»، وشارلوت برونتي و«جين إير»، أو غراهام غرين و«رجلنا في هافانا»….

الرواية الناجية

أستاذ اللغة الإنجليزية في مطلع المرحلة الثانوية كان فلسطينيًّا طويل القامة رمادي الشعر، «حيفاويًّا قُح» كما كان يقول، يمر على عناوين روايات كثيرة ويتوقف أمام: «رجال وفئران» وكاتبها الأميركي جون شتاينبك ويقول: هذه روايتي المفضلة وشتاينبك روائي عادل يقف مع المضطهدين وينصر المستضعفين. كان ذلك في نهاية خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يفقد صاحب رواية «عناقيد الغضب» ولده في حرب فيتنام ويغيّر تصوراته عن العالم…

كان المعلم الفلسطيني يرفع رواية: «رجال وفئران» ويقول: تبيّن هذه الرواية أن الجسد الهائل بلا عقل لا يفضي إلى خير وأن العقل الرشيد بلا قوة يورّث الحزن والأسى. ويكمل: يمكنكم أن تطبّقوا هذه القاعدة على عالمنا وأن تخرجوا بخلاصة نافعة: كيف نستعيد حقوقنا المنهوبة وننتصر على الذي انتصر علينا، ومتى نجمع بين القوة والعقل معًا؟

بعد الثناء على الرواية ومؤلفها والحكمة الثاوية بين سطورها، اجتهد التلاميذ في الحصول عليها مترجمة إلى العربية، ترجمة لم ينظر إليها الأستاذ الفلسطيني بعين الرضا، وطلب من تلاميذه أن يقارنوا، إذا استطاعوا، بين الترجمة والأصل الذي لم يكن متوافرًا إلا بمشقة تجاوزها بعضٌ، وكنت منهم؛ إذ أسعفني الحظ في العثور على نسخة من الطبعة الأولى، ما زلت أحتفظ بها إلى اليوم. كانت من الكتب القليلة التي حملتها من دمشق إلى عمّان، تغالب السنين بغلاف خارجي، يثير الفضول والتأمل، حمل صورة شخصين؛ أحدهما تائه الملامح، والثاني قطّب حاجبيه وينظر إلى الفضاء بشجن، تتساقط عليهما أوراق صفراء متكسّرة، أو هكذا بدت لي، ولا تزال في مخيلتي كما بدت، بعد أن تهرّأ الغلاف إثر إصابة الكتاب بشظية قذيفة من تلك التي كان يتقاذفها أهل دمشق في عام 2011م وما تلاه.

أنظرُ الآن إلى الصفحة ما بعد الأولى من «الرواية الناجية» وأقرأ اسم دار النشر: «أرى اسم المؤلف وعنوان الرواية: «John Steinbeck: of mice and men» يليهما، بعد فراغ، رسم شبه دائري انغلق على برج كتب فوقه: Tower books، يتبعه:the world publishing company- Cleveland and new York.. قد تبدو السطور الأخيرة، باللغة الإنجليزية نافلة أو ماسخة، بيد أن حنينًا لا يزال يشدّني إلى كتاب اشتريته، بعد عناء مستذكرًا نقودًا مكثت محفوظة مدة قبل أن «يُضحّى بها» في سبيل كتاب غريب العنوان طبع في آذار عام 1947م، وتعود حقوق طبعه إلى عام 1937م، كما جاء في الصفحة التي أعقبت اسم المؤلف وعنوان الرواية. يتكشّف الحنين المشار إليه في الصفحة الأولى، التي كُتب في أعلى زاويتها اليمنى، وبقلم رصاص: F.D, 1958. يشير الحرفان إلى اسم القارئ والعائلة، اللذيْن عبّرا، في ذاك الزمان عن أوهام شاب، لم يبلغ العشرين، حلم بمكتبة كبيرة، باللغة الإنجليزية تحديدًا، عززه طموح ناعم الملمس، تائه الملامح ظنّ في لحظة ما، أن الكتب الغريبة الأغلفة تُفضي إلى الجنّة، قبل أن يدرك أن حيرة الأرواح تستعصي على الشفاء.

ثنائية المأساة والمفارقة

سردت رواية شتاينبك حكاية رجلين ألجأهما الشعور بالوحدة إلى صداقة لا سبيل إلى انفكاكها إلا بالموت. صحبة تمتدّ في وجودهما امتداد المعصم والساعد؛ لا تقبل البتر ولا تحتمل الإضافة. أشبه بالعين والبصر، فإن أصاب العين قذى سقط البصر في بداية الطريق. والصحبة الغريبة قوامها مفارقة ساخرة، باكية، فغياب التكافؤ يشد «الكبير» إلى الصغير بوثاق من مسد. الأول منهما (ليني) هائل الحجم ضعيف الحكمة، يخطئ في الحركة والسلوك عاجزًا عن التعبير عن مقاصده، يعتمد على آخر (جورج) قليل القامة، تقريبًا متوازن الحركة والفعل والسلوك، يسدّد خطواته ويصوّب أفعاله، فكأن في الأول عاهة تساوي حجمه وخللًا من ضخامته، يقف عثرة في وجه صاحبه الذي يسيّره ويؤمّن له سير حياته.

تأخذ العلاقة بين الطرفين شكل تبعية مطلقة، يعملان في المزارع ويضمن قليل القامة الحصول على العمل، في حين يكون على الهائل الجثة تعطيله؛ ذلك أن حجمه الهائل يُنفِّر الآخرين منه ويسببّ العطالة والهرب. إنه خلْق أقرب إلى المصيبة «والكارثة». ولهذا يكون على العاقل النحيل أن يضمن سبل العيش وأن يردع حماقة صاحبه، التي تجلب دائمًا «الأذى» وغضب الآخرين.

يتكفّل العاقل بتصويب وحصار أفعال صاحبه الأحمق، والتعايش مع عبث الأقدار الذي وضع في طريقه ما يعطلّها، وأملى عليه أن يلهث ليحاصر حماقات إنسان مأفون، لا سبيل إلى إصلاحه أو تعليمه تمييز الخطأ من الصواب.

في موضوع الرواية ما يستدعي ثنائية: المأساة والمفارقة أو: المفارقة المؤسية؛ إذ سعيُ العاقل إلى الخير يجلب له المشقّة، وإذ عشوائية الجسم الهائل الأطراف تصيّر السخرية بلاءً متوالد الحركة، بقدر ما أن حِرْص العاقل على حماية حياة الأحمق يجبره، في النهاية، على إطلاق الرصاص عليه، كي لا يُنكّل به زوج امرأة «مغناج»، حاول «ليني» تمسيد شعرها «وانزلقت» يده إلى عنقها وغادرت الحياة. ذلك أن أصابع الأحمق تكسر ضلوع من تداعبه في لحظات «اللهو المستحيل». أدمن الأحمق على «مداعبة فئران» مازجًا، دون أن يدري بين المداعبة والقتل، أكان المداعبُ فأرًا أو أرنبًا أو امرأة رَخْصَة الجسد جميلة المحيا. فالمدعو «ليني» حباه الله جثة واسعة الامتداد تصيّر اللمس الهيّن مدخلًا إلى الهمود ومفارقة الحياة.

سؤلان يسكنهما عبث الوجود: ما الذي حكم على إنسان بريء بحمل جثة قاتلة؟ ولماذا وضعت الصدف الظالمة في طريق إنسان طيّب مخلوقًا معتوهًا؟ صدف صيّرت الأول قاتلًا والآخر قتيلًا، وهما إنسانان لم يطلبا من الحياة كثيرًا، عملا وانتقلا من مكان إلى آخر حالميْن بمبلغ قليل من المال يسمح لهما بشراء فدانيْن من أرض بخسة الثمن تقيهما شر الحاجة إلى الآخرين وتربية «أرانب» بدلًا من «صيد الفئران»!

عالم شتاينبك

كان معلم اللغة الإنجليزية يقول لنا: عالم شتاينبك رحيب واسع الأرجاء، لا مكان فيه للضيق والجدران المقفلة. آية ذلك عناوين رواياته المتعددة، التي تحيل ظاهريًّا على البساطة والبراءة. فأول رواية قرأتها له كان عنوانها «خميس عذب» صدرت عن دار العلم للملايين في بيروت، ربما، سردت أحوال صِبْيَة جمعوا بين المكر واللعب وارتياد أمكنة مفتوحة. تلتها رواية «المُهر الأحمر»، حيث المكان لحيوان أليف «يمرض ويتوالد ويموت»، كأنه مرآة لبني الإنسان أعقبتها رواية «اللؤلؤة»، الصغيرة الحجم، التي أفصحت عن أشواق الإنسان وعذاباته؛ إذ «حجم اللؤلؤة المشتهاة» يمنع بيعَها، فيضحي بها صاحبها وتعود إلى أغوار البحر.

تحضر الطبيعة، البعيدة عن دنس الإنسان، في عناوين شتاينبك جميعًا: «مراعي السماء» حيث السماء وفضاء لا متناهٍ ترتع فيه مخلوقات واسعة التنوع، و«الوادي الطويل»، والوديان لا تقربها الأرواح البليدة إلا نادرًا، و«شرقي عدن» إذ «عدن» مجاز لأرواح غاضبة تبتغي السعادة وتسقط في العذاب، و«أفول القمر» حيث الحرب وشقاء الأرواح المتحاربة؛ كانت الحرب العالمية الثانية هناك. ثم «نحو إله مجهول» وذلك البحث الطويل في مسارب الحياة لا يهب معنى واضحًا… و«السيارة الشاردة» لا تتقدم إلا لترجع وراء، ولا تريح من التعب. إلا وأتت بتعب أشد.

ربما كان حديث معلمنا عن «عالم شتاينبك الفسيح الأرجاء» صحيحًا، وإن كان بحاجة إلى تعديل وتحوير؛ إذ في كل عالم جملة من العوالم، وفي الفسيح زاوية مظلمة لا ترى، وفي الأرجاء الواسعة يسير إنسان كثير الأسئلة منطفئ العينين.

ما زلت أرجع إلى رواية «رجال وفئران» بين حين وآخر، سائلًا عن معنى «الفئران والرجال»، وهل كل رجل جدير بصفته، وهل الفأر وجود أم مجاز، ولماذا يشعر الإنسان الواسع الحكمة، أحيانًا، أنه يعيش في عالم ضيق نتن الرائحة، كأنه جحرٌ «للفئران»؟

تقوم جمالية «رجال وفئران» في حكايتها وفي الأسئلة الكثيرة التي توصي بها وتبقى، في الحالين، نصًّا أدبيًّا بديعًا لا يُستنفد، جمع بين سخرية سوداء وحكمة متقنعة، وحوار ساخر قوامه العبث يردد فيه أحمق أسئلة عاقل بلا إضافة، وقراءة: الطبيعة بلغة مشبعة بالدفء والحنان، تُؤنْسِن الأشجار والمياه والدروب، وتبعث على فرح غامض.

إن قارئ روايات شتاينبك يزامل شخصيات لا تُنسى؛ تتضمن صائدَ «لآلئ» فقيرًا يتطلع إلى تعليم ابنه ويفقد الهدف، وصبيًّا يبكي «مُهرًا يحتضر» ومخلوقًا جاءت به الصدف قليل الحكمة كثير الحماقة وأسئلة متداخلة تلاحق «إلهًا» يتكشّف قليلًا ويعود محتجبًا كما كان. ومخلوقات مرهقة شقية ملفعة بالغبار تبحث عن الخبز والماء في رواية مديدة الصفحات تدعى: «عناقيد الغضب»، نقلت إلى السينما ولعب فيها دور البطولة ممثل طويل القامة أخضر العينين يدعى: هنري فوندا. إذا كان في رواية «مغامرات روبنسون كروزو» مغامر مفرد يكتسح المكان، فإن في «رجال وفئران» عوالم من الصمت والضجيج والأشجار والأقدار. أثنت الرواية الأولى على المفرد الباحث عن الربح، وسردت الثانية سديم الوجود ووجوه العوالم المتعددة.