أسئلة حول تجربتنا الأدبية وعناصر بصمة فن الكتابة

أسئلة حول تجربتنا الأدبية وعناصر بصمة فن الكتابة

حين نراجع تجربتنا الأدبية في القصة والرواية الحديثة، منذ مطلع الثمانينات الميلادية من القرن الماضي حتى الآن؛ تظهر أمامنا بعض الملحوظات النقدية وأسئلتها الفنية، حول أهم عناصر بصمة فن الكتابة الأدبية، التي يمكن الانتباه لها من واقع تجربة قراءة وكتابة طويلة، مثل: المكان واللغة والأسلوب ومشكلات التعبير والحوار والتخييل الذاتي. وهي عناصر فنية تعبر عن شخصية النص الأدبي وهويته، وتعبر عن أسلوب وشخصية الكاتب التي لا تشبه أحدًا سواه، وهذا يعني محاولة إبداع نص أدبي جديد ومختلف يتميز عن غيره، وله علاقة برؤية الكاتب الفنية الخاصة والموضوعية بشكل عام.

محاولة الاقتراب من هذه الأسئلة الأدبية الفنية والنقدية المهمة، تأتي مع تزايد الإصدارات الأدبية في السنوات الأخيرة، وارتفاع عدد الكتاب والكاتبات، خصوصًا في كتب القصة والرواية في السعودية وفي العالم العربي، في ظاهرة أدبية إيجابية مفرحة، تعبر عن ازدهار في حياتنا الأدبية، وتطرح أسئلة حول خصوصية النص أو الكتاب الأدبي الجديد، واختلافه وقيمته الجديدة التي يقدمها، وكيف يمكن له أن يكون صوتًا أدبيًّا خاصًّا، يمثل ذاته الخاصة ويقدم جديدًا مختلفًا، بغض النظر عن مستوى النص الذي قد يتطور مع التجربة، في محاولة لتلافي تكرار وتشابه النصوص والأصوات الأدبية الجديدة.

المكان

المكان في النص القصصي والروائي، أحد أهم عناصر خصوصية وبصمة النص الأدبي القصصي والروائي، حين يطبع المكان الخاص في ذاكرة القراءة، من طريق قدرات الكاتب على وصف دقيق وموجز لمكان يكاد يكون جزءًا عميقًا من موضوع النص وقيمته وذاكرته، مكان ينطلق من حكاية أصيلة، ويُعَدّ بذاته نصًّا أدبيًّا صامتًا وجميلًا، يبدأ من روح هذا المكان، من الذين مكثوا هنا ثم غادروا وتركوا أثرًا لا يمحى من حكاياتهم ومنحوه من أرواحهم، الذين مرّوا من هنا وتركوا أثرًا من خطواتهم وحكاياتهم ومواقفهم وأحداثهم ومشاعرهم العميقة؛ لتظل ذاكرة فردية وجماعية لا تمحى بسهولة.

مستوى اللغة

خصوصية التجربة الأدبية تتأكد، حين يحاول الكاتب أن يكتب بلغته الخاصة وصوته الخاص وأسلوبه الخاص، وهذا له علاقة بمدى حساسيته تجاه اللغة، كيف يمكن الكتابة بلغة واضحة وبسيطة وسلسة وممتعة دون افتعال لغة البلاغة، ودون استعارة صوت آخر ولغة أخرى، ودون تعقيد وتكلف. روايات بلغة وأسلوب مكثف ومقطر وأصيل، فيه جمال العمل الأدبي الرفيع والممتع والمشوق، وفيها رصد لليومي برؤية عفوية وبسيطة وعميقة. هذه البساطة الساحرة هي الطريق إلى عمق المشاعر، وهي محاولة المعادلة الصعبة لتصل إلى الجميع، إلى عامة القراء وليس إلى النخبة من الكتاب والكاتبات والنقاد فقط.

نطرح هذه الأسئلة بعد انتباهنا إلى حساسية اللغة، وإلى أن الإيحاء في الكتابة هو شكل من أشكال الوضوح تمامًا كما في الموسيقا؛ على عكس المباشرة وعكس مبالغات البلاغة. لقد علمتنا التجربة في القراءة والكتابة، أن قيمة أي قصة أو رواية أو قصيدة، ليس في إثارة مشاعر القارئ، ولكن في إثارة أسئلته، بلغة ثرية وبسيطة ومفكرة بلا تكلف أو استعراض. تقدم المشهد بكل أسئلته وحواراته وصمته؛ إذ لا يخبرنا النص بالحالات الحزينة أو الفرحة، لكنه يجعلنا نعيشها ونشعر بها ونفكر ونتخيل ونشارك في النص.

وكنا لحظنا في بداية تجربتنا مع الكتابة، اتكاء فئة من كتاب القصة والرواية على مفردات الشعر والبلاغة والاستعارة بشكل متكلف. ومشكلة هذا النوع من الكتابة أنّ شاعريته تكمن في المفردات وليس في روح العبارة، أو روح النص. وحول هذه الجزئية الفنية، تجدر الإشارة إلى بداية تجربتنا الأدبية في الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، حين شاع في تجربتنا القصصية الاستعراض اللغوي الشكلي والصوتي، بلغة عالية الصوت والنبرة والمفردة الشعرية المتكلفة.

وهنا تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه في مطلع التسعينيات الميلادية، نظمت صحيفة «الحياة» ندوة عن القصة والرواية السعودية عقدت في الرياض، على هامش معرض الرياض الدولي للكتاب، حضرها عدد كبير من الكتاب والشعراء. وقد ذكرت فيها أن تجربتنا الأدبية في القصة والرواية، دخلت في بداية الثمانينيات الميلادية في مغامرة مع اللغة، وسيطرت عليها الأحلام الزجاجية والرملية والرمزية، وكان التشكيل اللغوي المبالغ فيه قد ألقى بظلاله على الأدب العربي والمحلي بشكل عام في تلك الحقبة، قصة وقصيدة ورواية ونقد. ربما بسبب الجو الشعري العام المحيط بنا، وقراءاتنا المركزة على الشعر الحديث، حيث كان صوت الشعر العربي الحديث مرتفعًا، وكانت نبرته الخطابية عالية، وكانت العدوى الموقتة للقصة، حين اعتمدت في الغالب على الاستعراض اللغوي الشكلي والصوتي بلغة ومفردات شعرية متكلفة، تغيب معها الحكاية مثل أغلب أدب وقصص تلك الحقبة.

وربما كان هذا عربونًا مبالغًا في لغته لفكرة الحداثة الشكلية، التي كانت صاخبة وسائدة بمبالغة في تلك المرحلة الصحافية والأدبية من حياتنا. والهاجس كان هو بحث الكاتب عن لغته الخاصة أو بصمتة الخاصة، وهذه حققها بعض الكتاب في مراحل لاحقة فتحققت هوياتهم الفنية، حين تراجع الولع الفني باللغة المبالغ في زخرفتها. وبدأ التركيز على محاولة حكاية الواقع باللغة السلسة والبسيطة والممتعة، ومحاولة مقاربة واقتراح موضوعات وتفاصيل اجتماعية مهمة. وهنا ظهرت الحكاية تدريجيًّا في النص القصصي الجديد، وباللغة السلسة اقتربت أكثر من تفاصيل حياتنا اليومية، بطريقة وأسلوب أدبي حديث ومتجدد. وتحول النص إلى الوضوح والبساطة والهدوء، مع لغة موحية ترفع قيمة التعبير والفن في النص القصصي المحلي الحديث.

أصالة فن الكتابة

لهذا يأتي التأكيد دائمًا على أن الكتابة الأدبية ليست مسابقة، ولكنها محاولة أصيلة وممتعة لتطوير هذا الفن، وتطوير الوعي بجمالياته والوعي بأسئلته النقدية والفنية وأسئلة الواقع، لمحاولة الاقتراب من أسرار فن الكتابة. هذا يعني أن تروي مشاعرك ومشاهداتك ومواقفك بنفسك وبلغتك، وأن تكون هذه الكتابة، بكل بساطة هي روحك ومزاجك وتجربتك ورؤيتك وبصمتك الخاصة، وليست بصمة أحد سواك. وهذا يعني الاعتماد على الكيف والقيمة والمعنى والتجديد والاختلاف، وليس على الكم في الكتابة وطباعة الكتب. يقول المفكر والناقد شوبنهاور: «أسلوب الكاتب هو تقاطيع الذهن وملامحه والمنفذ إلى الشخصية والأكثر صدقًا ودلالة. واللغة التي يكتب بها هي بمنزلة تقاطيع الوجه من الأمة التي ينتمي إليها. أما محاكاة الكاتب لأسلوب غيره فهي أشبه بارتداء قناع ما يلبث أن يثير النفور؛ لأن القناع موات لا حياة فيه».

التخييل الذاتي وشخصية الكاتب ورؤية القارئ الجديد

فنّ كتابة الذاكرة ينبثق غالبًا من خلايا حكايات نائمة، أو من تردّدات موسيقية، تتحرك فجأة في لحظة خاطفة بين النوم واليقظة؛ لحظة غائمة وممتعة، تنبع منها أماكن راسخة، ومشاهد وخيالات وأحلام وحوارات، تشبه مقاطع أفلام سريعة، أو شهبًا تلمع ثم تختفي في الأفق.

إنها حكاية طويلة، أو مادة خام تنتظر الكتابة بعفوية الفن، دون تخطيط مسبق، ودون بحثٍ صارم عن موضوع. فالتفاصيل اليومية تحمل في طياتها مشاهد مسرحية صغيرة، تكشف لنا أن تفاصيل هذا الواقع هي النصوص الأدبية التي لم نكتبها بعد. في هذه الكتابة تتجاور الذاكرة الذاتية مع ذاكرة المجتمع، والأمكنة، والأسئلة، والحكايات، وهموم الناس. ينهض فيها أحيانًا ضمير المتكلم، وأحيانًا الراوي العليم، في سرد يعتمد على التكثيف والإيجاز، حيث يكون المكان هو البطل، والكتابة مرآة لما نعايشه ونشترك فيه ونشعر به. نكتب عن الذات والناس، عن الزمان والمكان، نكتب ما نعرفه وما اختبرناه، من دون الحاجة لاختراع موضوعات كبيرة أو حكايات مثيرة. بل نكتب بثقة في التفاصيل الصغيرة، نكتب بتقنية «المعلومة المخبأة»، أي بحذف الزوائد وما يعرفه القارئ، والإبقاء فقط والإبقاء على ما نشعر أن القارئ لا يعرفه.

لهذا، أمام هذا الإصدارات الأدبية المتتالية، يبحث القارئ والناقد الجديد عن الكتابة الأصيلة والمختلفة والمتجددة التي تشبه ذاتها ولا تشبه كتابات أخرى، ويتحدث كثيرًا عن أصالة النص الأدبي وقيمته ومعناه؛ ذلك أن الكاتب الفنان، ليس مجرد كاتب لديه قدرات تعبيرية فقط، لكنه الناقد الأول لتجربته. يستطيع أن يجدد كتابته بطريقته الخاصة، كاتب صاحب مزاج فني خاص وقدرة على الملاحظة النقدية، وربطها بقراءات عن أسئلة وعناصر تطور وتقدم أنواع أدبية وفنية، مثل: النقد والمسرح وحواراته والفن التشكيلي والموسيقا والسينما وقصيدة النثر، إضافة إلى أسئلة التأمل والفلسفة. ومثل هذا الاهتمام النقدي له علاقة بهواجس وأسئلة فنية دائمة ومُلِحّة، حول الرواية العربية المعاصرة ومحاولات التطوير والتجديد.

طريق المحطة.. طريق شقراء

طريق المحطة.. طريق شقراء

تزاملت أنا وفوزان في مؤسسة للمحاسبة مدة قصيرة. لكنه عاد بعد هذه التجربة للعمل مع صالح في ورشة عمه عثمان، وأنا أكملت العمل معهم عدة أشهر. كنا قد عملنا في هذه المؤسسة للمحاسبة بعد تخرجنا من المعهد التجاري بأشهر. أتذكر أنه في نهاية دوام أحد الأيام، سألني فوزان عن مديرنا الجديد. قلت له: أشعر أنه يحترمنا. قال لي: اسمه غريب. قلت له: صحيح.. اسمه منيس. اسم غريب لكنه خفيف. وضحكنا. المدير منيس لديه مشروع مقاولات ناجح وفوزان يريد أن يقترب من نجاح منيس ويعرف طبيعة عمل المقاولات. نظر فوزان في وجهي ثم قال: ما رأيك أن نحتفل به في طريق المحطة القديمة للعشاء. قلت له: فكرة ممتازة. قررنا بسرعة الاحتفال بسعادة المدير الجديد، فأخذناه مساء يوم جمعة في رحلة لأحد البراري القريبة شمال مدينة الرياض. مكان كنا نسميه طريق المحطة. وهو عبارة عن بقايا أو آثار محطة قديمة في شارع إسفلتي قديم وسط الصحراء يقع في طريق المجمعة القصيم.

وأتذكر أني كنت أحيانًا أذهب لهذا المكان الصافي وحيدًا. انطلقنا جميعًا في سيارة زميلنا سعد، كنّا أربعة موظفين قدماء ومديرنا الجديد خامسنا، كان نجم الرحلة زميلنا عمران وفوق رؤوسنا قمر مضيء. فرشنا سجادة كبيرة على الأرض الحمراء الممطورة وبدأنا في إعداد الشاي والقهوة والعشاء. وكان المدير الجديد يتوسط المجلس وهو يحس بالرضا والفخر ويتأملنا بابتسامة مدير ونحن نتحرك حوله مثل أولاده. كان يشعر أن العلاقة بيننا رسمية وخجولة في المؤسسة ولهذا بدأ يرمي بعض النكات القديمة التي كنّا نضحك عليها بمجاملة واضحة جدًّا أشعرتني أن هذه الرحلة تشبه تمثيلية ضعيفة الإخراج. وضعت أمامه إبريق الشاي الحار وصحن الفطائر فقال لي بابتسامته القصيرة والغريبة التي يتقن إيقافها بسرعة: اجلس لو سمحت، اعتذرت له بأدب لأني مشغول بمساعدة الزملاء في إعداد القهوة وعشاء الرحلة. لكنه أصر وهو يضحك فجلست.

وضع جواله على الأرض وقال لي: أريد أن أكسر هذه الحواجز الرسمية الوهمية بيننا. سألته: كيف. قال: عن طريق لعبة صغيرة مسلية وممتعة.

قلت: تفضل. قال بعد تردد وكان يبتسم تلك الابتسامات القصيرة والمتقطعة والغريبة: اشتمني لو سمحت.  أخبرته: أنا لا أعرف الشتيمة. ثم إنك مديرنا ولا يجوز أن نشتمك.

قال وهو يضحك هذه المرة: تفضل لو سمحت اشتمني. لا تتردد. قلت له بعد تردد وأنا أضحك أيضًا: ما فيه داعي يا متخلف. قال بسرعة مع ابتسامة قطعها بسرعة: هذه ليست شتيمة. وأكمل: أريد شتيمة على مستوى. قلت له: أعفني من هذا لو سمحت. ثم ناديت على فوزان ربما أتخلص من هذا الإحراج مع شخص بدأت أشك في تصرفاته. لكن فوزان رد وهو يضحك أيضًا: لحظة. وصلت لكم بالقهوة. قال لي المدير وهو يواصل ضحكته: اشتمني يا أخي.

قلت له بضيق: خلاص يا……

وهنا تغير وجه سعادة المدير فجأة من اللون الحنطي إلى الوردي ثم إلى الأحمر الغامق ثم إلى الأسود، ثم رأيت جسده يضمحل تدريجيًّا، بدأ يفقد وزنه النحيف أصلًا. ثم وفي لمح البصر تحول سعادته إلى أرنب أبيض يشبه كلبًا صغيرًا وناعمًا، ترك مكانه بهدوء ومشى نحوي على أربع وارتمى في حضني، ومن هول الصدمة دخلت في حال من الارتباك والرعب والهذيان. أحضر فوزان القهوة ووضعها على الأرض، وزادت حالتي سوءًا حين رأيت فوزان يبتسم لمكان المدير وكأنه موجود كما أنه لم يلحظ هذا الكائن الحيواني الصغير الذي في حضني، ارتعب قلبي وأحسست بالبرد ثم تصبب جسدي عرقًا غزيرًا وشعرت أن ما يجري أمامي الآن له علاقة بعلامات الآخرة فقفزت من مكاني ورميت هذه الكائن الحيواني على الأرض فهرب يركض في البراري، وأنا أفقت من تخيلاتي. كانت لحظات أشبه بحكايات هلوسة. كنا نضحك في الرحلة دون سبب؛ حتى إن سعادة المدير شعر بحالنا الغريب وبدأ احترامه لنا يقل تدريجيًّا حتى حان موعد انتهاء الرحلة، فاعتذر له بعض الزملاء دون فائدة.

بعد أشهر من هذه الحادثة أرسلتنا المؤسسة في عمل خارج الرياض. كان فوزان هو المساعد للمحاسب السوداني القديم في المؤسسة، هذا المحاسب اسمه الطيب، ومعه سيارة المؤسسة من نوع كورولا سماوية اللون، سافرنا معه صباح يوم خميس ممطر ضمن لجنة هو رئيسها إلى مدينة شقراء شمال الرياض لعمل جرد لكامل ممتلكات وارث صاحب شركة زراعية توفي قريبًا.

في الطريق قال فوزان للطيب أنت مديرنا في العمل وإذن أنت كفيلنا. قال له المحاسب وهو يضحك: اتركنا من السياسة يا فوزان. الكفيل هو الله… وصلنا بعد ساعة ونصف. وبعد استراحة شاي في مكتب الشركة انطلقوا أولًا في زيارة للمزرعة بعد العصر لإحصاء كامل محتوياتها من السيارات والحيوانات والأجهزة، ثم بعد المغرب توجهوا للمكتب وبدؤوا في تدقيق الحسابات والدفاتر، وقد لحظ رئيس اللجنة أن عدد الجمال الموجودة عند رجل الأعمال -رحمه الله- كما هو مسجل في الدفاتر خمسون جملًا. لكن الموجود فعليًّا في حظيرة المزرعة ليس سوى تسعة وأربعين جملًا.

سألوا مدير العهدة وهو المهندس سالم والمقيم في شقة بعمارة لرجل الأعمال تقع بجانب الإدارة. أخبرهم أنه لا علم لديه عن جمل مفقود. واقترح عليهم سؤال الراعي.

طلبوا الأخ السوداني الراعي علي جعفر فحضر أمام اللجنة مذهولًا. علي جعفر يسكن في غرفة مؤثثة داخل المزرعة لمتابعة رعي الجمال في البراري يوميًّا ويعمل معه اثنان من الرعاة الصغار. قال علي جعفر: ألف رحمه وسلام على روح عمنا عبدالكريم. قال رئيس اللجنة: آمين. ثم أخبره أنهم وجدوا في السجلات خمسين جملًا مُسجَّلًا وفِي الحظيرة لا يوجد سوى تسعة وأربعين جملًا فقط. وأكمل الرئيس علي: إذن يوجد جمل واحد مفقود. هل تعرف شيئًا عن هذا الموضوع يا علي جعفر.

قال علي جعفر: نعم أخبرت المهندس القديم سعيدًا الشهر الماضي عن نفوق جمل ونحن في البر، وكان في الواقع مريضًا. قال المدير: تقصد المهندس السابق.

قال علي: نعم هو بذاته. سأل مدير اللجنة المهندس الجديد سالمًا عن الأمر.

رد سالم: ربما المدير السابق سعيد نسي تسجيل هذه المعلومة في السجلات.

قال الرئيس لعلي: نريد أن نرى الجمل النافق لتصويره. هل هو في مكان قريب من هنا. قال علي: المكان بعيد وربما الذئاب أكلت الجمل. التفت مدير اللجنة إلى المهندس سالم وسأله وهو يبتسم: هل الذئاب تأكل الجيفة. قال المهندس سالم: نحتاج إلى سؤال شيخ أو طبيب في هذا الموضوع. تدخل الراعي علي وقال بحماس: الموضوع لا يحتاج إلى شيخ يا طيب. قال المدير: هل تعرف الإجابة.

قال علي: نعم. الذئاب الجائعة تأكل الجيفة. كما أعلم. وأكمل: والله أعلم.

قال المدير: إذا كانت الذئاب تترك أثرًا في المكان فنحن نحتاج إلى تصوير المكان.

قال علي: الذئاب لا تترك أثرًا يا حضرة المدير. قال المدير: عليك بإحضار الذئب يا جعفر. قال علي جعفر بخوف: كيف أحضر الذئب. ثم تغيرت ملامح وجه علي جعفر.

تغير لونه من الأسمر إلى الأسود وصارت عيناه حمراوين. بعدها أصيب بهبوط حاد ربما وسقط بينهم مثل جمل كئيب. في هذه اللحظة قال حارس الذي كان صامتًا طوال هذا التحقيق: إن هذا التحقيق الطيب كان عن جمل نافق والآن سنفتح تحقيقًا جديدًا عن بني آدم نافق. وبكى. وهنا أقفل المحاسب المحضر وهرب من المكان وتبعه فوزان مهرولًا وهو يضحك كعادته. بعد أن ألقى نظرة على جعفر وهو مستلقٍ وينظر له بعيون حمراء مخيفة. وأنا ركضت خلفهم مستمتعًا بما يشبه مسرحية طبيعية. وفي طريق العودة إلى الرياض كنا نستمع إلى أغنية بيع الجمل يا علي لسميرة توفيق. كنا في حالة ذهول وفي حالة نعاس. وقبل أن نصل الرياض انتعش فوزان بعد أن نام ساعة في المقعد الخلفي للسيارة. أخبرنا بفرح أن والده اشترى له سيارة جديدة وأنه يريد مني أن أصحبه في السفر للكويت من أجل زيارة خالته.

فصل من رواية جديدة /الرياض 2022م.