ما الفلسفة الإثيوبية؟ ممزقًا بين مدرستين فكريتين متنافستين يقف مستقبل البحث الفلسفي الإثيوبي على مفترق طرق
«ولدت في أرض كهنة أكسوم»(1)، أينما يعتقد أن زيرا يعقوب قد كتب في القرن السابع عشر «لكنني ابن مزارع فقير في مقاطعة أكسوم». هكذا بدأ زيرا يعقوب كتابه «حتاتا» (كلمة جعزية تعني «التحقيق») الذي يوثق فيه رحلته الروحية على خلفية جدل ديني حاد. فهو يواصل التأمل في طبيعة الرب والوجود الإنساني، وجوهر الشر وأسس الأخلاق. ينسب كتاب حتاتا الثاني إلى ويلداهيوت، وهو يرتكز إلى قضايا العدالة والحقيقة الأخلاقية. يقع هذان النصان القصيران في مركز الفلسفة الإثيوبية. لقد أثارا جدلًا حادًّا لأجيال بسبب أصالتهما وما لقيمتهما الفلسفية من أثر بالغ في وجود الفلسفة الإثيوبية، بل كيف ينبغي أن تكون.
الفلسفة الإثيوبية بين معسكرين
يوجد معسكران تقريبًا في الفلسفة الإثيوبية اليوم. تبدأ المقاربة العالمية للفلسفة الإثيوبية بالسرد التاريخي للفلسفة على أنها عملية فكرية راقية تعمل على مأسسة التقدم الاجتماعي والتنوير الفردي. ترى هذه المقاربة الفلسفة على أنها حوار واحد مستمر، يتعلم فيه كل فيلسوف من الآخر من أجل استنتاج أفكار جديدة.
تأسست المقاربة العالمية على المسار التراكمي والخطي الذي يرى الفلسفة تبدأ في زمن فلاسفة ما قبل سقراط، التي تطورت من خلال أفكار سقراط وأفلاطون وأرسطو وبقية الفلاسفة القدماء صعودًا إلى العصور الوسطى، وأخيرًا إلى العصر الحديث الذي دشنه رينيه ديكارت، هذا العصر الذي تهيمن عليه الفلسفة القارية الفرنسية والألمانية.
إن التقاليد الفلسفية الأخرى، مثل مسارات الفلسفة الهندية، وفلسفة الأزتك، والفلسفة اليابانية والصينية إلى آخره، تندرج وفقًا للعالمية تحت عنوان: «الفلسفة المقارنة». تستمد الفلسفات غير الغربية قيمتها مما يمكن أن نطلق عليه منظور بين ثقافي.
اهتمت كل الفلسفات بالحقائق العالمية؛ إذ يمكن وضع جميع الفلاسفة في حوار حول ذلك المبحث العالمي عن الشروط التي تجعل وجودنا ممكنًا وسبب عيشنا على هذا النحو الذي نعيشه. في العموم، لا يكترث الموضع العالمي بمؤهلات التقاليد الفلسفية الأخرى: فليست الفلسفة الهندية أو الصينية أو فلسفة الأزتك هي الموضوع هنا، إنما الفلسفة نفسها.
سندعو المعسكر الآخر بالمعسكر الأفريقاني. بالنسبة للمسار الأفريقاني، ممارس الفلسفة الإثيوبية، فإن تاريخ الفلسفة هو عملية إقصاء متعمد، تعتمد أساسًا على تدمير المعرفة، أي عملية التدمير المنظم لنظام الآخر المعرفي. دمرت المعرفة في إفريقيا بواسطة المستعمرين تحت مسمى نشر قيم التنوير والحداثة. ومن ثم ترى المقاربة الأفريقانية نفسها منقذة لإفريقيا والتاريخ الإثيوبي على وجه الخصوص.
انخرطت في البحث عن فلسفة في الماضي يمكنها أن تكون ركيزة للفخر الثقافي والاعتراف. يرى الأفريقانيون في المقام الأول، تحديهم للموقع الثقافي والمعرفي المتفوق الذي احتله الغرب، تصديًا لتأثير المركزية الأوربية. وبكلمات بيكيل جوتيما، المطلوب هو «الفهم المحكم للفلسفة الذي يعترف بوجود الفلسفة في العديد من الثقافات».
يتهم معسكر العالمية المعسكر الأفريقاني بطمس التمايز بين دراسة الثقافة ودراسة الفلسفة، وذلك عن طريق محاولتهم اختزال الفلسفة إلى فلسفة إثنية (وهي مجموعة المعتقدات الخاصة بثقافة معينة، وعادة ما تكون معتقدات السكان الأصليين، التي تعد تعبيرًا عن المعتقدات المجمعة لجميع أفراد مجتمع معين ويمكن تطبيقها على اللحظة الراهنة دون أي تغيير). ردًّا على ذلك، يرى الأفريقانيون أن العالميين يعبدون البنية الميتافيزيقية المركزية الأوربية، ولذلك يغفلون عما تعنيه ممارسة الفلسفة، بالأخص من وجهات النظر الإفريقية والإثيوبية ومتعددة الثقافات.
إذًا، السؤال الأساسي هو: هل ينبغي ممارسة الفلسفة الإثيوبية من المنظور العالمي -بذلك تصير الفلسفة الإثيوبية جزءًا من السعي العالمي للحكمة- أو من المنظور الأفريقاني الذي يرى الفلسفة الإثيوبية وسيلة لإعادة التأكيد الثقافي؟
إثيوبي ضد الفلسفة الإثيوبية
وصلت في عام 2022م إلى جامعة أكسفورد لمناقشة وجود الفلسفة الإثيوبية بحد ذاتها: هل هنالك من شيء يمكننا أن ندعوه «الفلسفة الإثيوبية»؟ كان المؤتمر جزءًا من الاهتمام المتجدد بالفلسفية الإثيوبية الحافز على الاهتمام المتنامي بنصوص الحتاتا. لقد كنت ذات مرة من الفلاسفة الأفريقانيين الذين يؤمنون أن حتاتا زيرا يعقوب وويلدا هيوات تقوم مقام المؤسس لفلسفة السكان الأصليين الإثيوبيين. لكن، بعد أن صادفت أعمال المؤرخ الفرنسي آنايس فيون والسياسي الإثيوبي دانيال كيبرت، تركت ذلك الموقع.
فكلما اطلعت أكثر على نصوص الحتاتا، زاد إيماني بأن تلك النصوص ابتليت بتساؤلات حول تأليفها وأن هذه المناقشة عن قيمتها الفلسفية مدفوعة أيديولوجيًّا، وليست بمناقشات حقيقية عن قيمة الحكمة الفلسفية. ولست أعتقد بأنها يمكنها أن تعمل كأساس لفلسفة السكان الأصليين الإثيوبيين.

ميساي كيبيدي
يستميت المدافعون عن الحتاتا لإظهار وجود شكل من أشكال الفلسفة الديكارتية عن الذاتية في الأرض الإفريقية. فهم يؤمنون بأن العثور على إفريقي يرى العالم وفقًا للصيغة المعزولة للذات التي أصبحت مؤثرة بواسطة مبدأ ديكارت «أنا أفكر، إذًا أنا موجود»، يرقى لإثبات وجود فلسفة للسكان الأصليين في إفريقيا، لكن ذلك جهد عقيم. إن الهدف الرئيسي من الحتاتا هو تحقيق التجديد الديني من خلال إصلاح الممارسات الدينية الموجودة، وهو أمر لا علاقة له برحلة اكتشاف الذات الجريئة التي قام بها رجل فرنسي من القرن السابع عشر كان يجلس بجوار مدفأته.
هنالك مشكلات على المستوى النصي أيضًا، مثل التشابهات اللافتة للنظر بين أسلوب زيرا يعقوب وويلدا هيوات وذلك المتعلق بالمؤلف الأصلي، الذي هو أحد المبشرين الكاثوليكيين في القرن التاسع عشر، يدعى جوستو دي أربينو. إن زيرا يعقوب، على سبيل المثال، يصف زوجته بالطريقة نفسها التي يصف بها دي أربينو خادمته: فالاسم المسيحي لكلتيهما هو ڤيركه؛ إن مفهومهما عن العمل والطريقة التي وصفا بها رحلتهما من أكسوم إلى جوندر متماثلة على نحو يثير الشك. لكن الأكثر إدانة هو أن مناصري الحتاتا المتحمسين هم من الأفريقانيين، المدفوعين بالقومية لا محاولة إلى دراسة القيمة الفلسفية من تعاليم تلك النصوص.
لذلك وجدت نفسي في أكسفورد في موقع استثنائي: إثيوبي يقف ضد فكرة الفلسفة الإثيوبية في حد ذاتها التي تعتمد على نصوص الحتاتا فقط. لقد كنت مدافعًا عن التقليد الفلسفي الغربي مما وضعني في جدال مع مناصري الوحدة الإفريقية والتحرر من الاستعمار الذين يحاولون الدفاع سياسيًّا -ليس فلسفيًّا ولا تاريخيًّا- عن الحتاتا. بالنسبة لي، لا تكمن القيمة الفعلية للفلسفة في خلق ماض خرافي ابتدع من أجل استخدامه ضد التقليد الفلسفي الغربي فقط.
جعلني الجدال مع المدافعين عن القيمة الفلسفية للحتاتا ألحظ أنه حتى إذا لم تستطع الحتاتا من أن تكون الأساس لفلسفة السكان الأصليين الإثيوبيين، فلا تزال الفلسفة الإثيوبية تحتل اليوم مكانة فريدة في سياق التطور الأوسع للثقافة الفلسفية على الأراضي الإفريقية. حتى تستطيع الفلسفة الإثيوبية فهم الأفق والمأزق الذي يُعَدّ جزءًا من موقعها الفريد، لن تستطيع التقدم في تطوير ممارسة فلسفية قائمة على أسس اجتماعية.
نحو فلسفة إثيوبية غير متأثرة بالأيديولوجيا الحكومية
إذًا، ما موقع إثيوبيا الفريد؟ فكما كتب المؤرخ تشالي تيبيبو: «إن إثيوبيا هي نظام سياسي عتيق تاريخيًّا، إنها واحدة من الأماكن القليلة جدًّا التي تمكنت من الحفاظ على سلسلة غير منقطعة من الحضارة التاريخية الخالية من «الفساد» الأجنبي». بما أنها بلد لم تستعمر قط، فهي تحتفي بتاريخ من الاستقلالية يمتد إلى عصور سحيقة. (المرة الوحيدة التي اقتربت فيها من أن تصبح مستعمرة كانت في أثناء احتلال خمس السنوات من جانب قوات موسوليني في ثلاثينيات القرن العشرين).
إن إثيوبيا هي أمة لديها مصادر الحكمة الشفاهية والمكتوبة، التي يمكنها أن تعمل على إثراء التأمل الفلسفي. وهي دولة لا يمكن لتاريخها أن يندرج ببساطة في نموذج الدولة الأوربية، بما أن مسارها تطور من خلال تشابك معقد ومذهل بين المسيحية والإسلام واليهودية، والتقاليد العربية والغربية. كل ذلك يعني أن هنالك حاجة إلى تطوير أسس لتحليل فلسفي لا يقتصر على التحرر من الاستعمار فقط.
إلى جانب الحاجة إلى تطوير مفهوم فلسفي إثيوبي يستطيع إدراك مثل ذلك التعقيد، هنالك أيضًا حاجة لتطوير فلسفة إثيوبية غير متأثرة بالأيديولوجيا الحكومية. فمنذ أدخلت الفلسفة الأكاديمية الحديثة في خمسينيات القرن الماضي، قد كان عليها التعامل مع الضغط السياسي؛ إذ فُرض في أثناء الحكم الإمبراطوري الذي استمر حتى 1974م، التحديث هدفًا للممارسة الفلسفية.

كلود سومنر
بعد الإطاحة بهيلا سيلاسي في انقلاب عسكري، بدأت حقبة حكومة الدِّرج(2)، واكتسب تلقين التعاليم الأساسية للماركسية اللينينية زخمًا كبيرًا؛ وهو ما أدى إلى تراجع الفلسفات البعيدة من مسار الحزب. بعد سقوط إرث حكومة الدرج في عام 1991م وحلول الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، ظلت الفلسفة في المقام الأول أداة أيديولوجية، إلا أن الهدف حينها كان اتخاذ الهوية الإثنية كأساس تنظيمي للفيدرالية الإثيوبية. سعت الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية إلى تقليص التخصصات الأكاديمية، بما فيها الفلسفة، إلى أدوات مجردة لإدراك الحافزات الثورية والتنمية الديمقراطية. وفي ظل هذه الخلفية تعرفت بنفسي إلى عالم الفلسفة.
عندما انضممت إلى قسم الفلسفة في جامعة أديس أبابا في عام 2005م كطالب جامعي، أصبحت منغمسًا في البيئة الفكرية التي كانت غارقة في تأثير الفلسفة القارية بينما تحاول في الوقت ذاته الخروج من عباءة المعرفة الغربية من خلال استحداثها لتبادل بين ثقافي يستند إلى دراسة المنظورات الفلسفية الإثيوبية والإفريقية والشرقية. كما وجدت أيضًا تأثيرًا مستمرًّا لنموذجين من التفلسف يقودهما كلود سومنر وميساي كيبيدي.
الحاجة إلى فلسفة تحليلية
كان كيبيدي الرئيس السابق لقسم الفلسفة، حاول في أثناء مدة حكم الدرج توجيه القسم ناحية الماركسية اللينينية. بعد صعود الجبهة الثورية إلى الحكم، فصل من العمل هو وأساتذة جامعيون آخرون؛ بسبب آرائه السياسية. حدد كيبيدي في أعماله- «البقاء والتحديث» )1999م) و«التطرف والتشرذم في إثيوبيا»- التناقضات في إثيوبيا الحديثة والطرائق التي يمكن من خلالها تحقيق مفاهيم بديلة للتحديث المجتمعي. إن رؤيته للحتاتا رؤية إرشادية: لقد اعتقد أن النصوص من تأليف الإثيوبيين، لكن زيرا يعقوب نفسه لم يكن فيلسوفًا حقيقيًّا، بل كان هدف زيرا يعقوب هو توفير أساس للوحدة الوطنية من خلال نقد تعاليم الكنيسة.
في ذلك الوقت، كان سومنر فيلسوفًا كنديًّا عاش في إثيوبيا لعقود، وكان يعتقد أن الفلسفة الإثيوبية تعبر عن نفسها من خلال ثلاث طرائق. الأولى هي المصادر المكتوبة للفلسفة الإثيوبية المتمثلة في الحتاتا. الثانية هي دراسة الحكمة الفلسفية الأجنبية التي أدخلت على نحو إبداعي في التربة الإثيوبية، وهو ما تتبعه سومنر بنفسه في مجلداته لدراسة الفلسفة الإثيوبية (1974-1978م). والثالثة هي المصادر الشفاهية للفلسفة الإثيوبية، المكتشفة من جانب سومنر في كتابه «أدب الحكمة: الأمثال، جمع وتحليل» (1995م).
إن الفلسفة الإثيوبية وفقًا له تحتل موقعًا فريدًا في الفلسفة الإفريقية بما أنها مكونة من التقليدين الشفاهي والكتابي. (يفترض ذلك على نحو مثير للشك أن الحكمة الفلسفية يمكنها أن تنتقل من جيل إلى آخر بصيغة أقوال وأفعال). لم يكن سومنر ضمن المعسكر الأفريقاني، فهو لم يرد أن يعرف ضمن خطاب نسبي يغفل عن الترابطات الموجودة بين المفاهيم المختلفة للحقيقة، وكان يعتقد تمام الاعتقاد بفوائد التفحص العابر للثقافات لنصوص الحتاتا، وكذلك عند الفلاسفة الكنسيين الغربيين أمثال ديكارت وكانط.
بعد تولي الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية السلطة في 1991م، أغلقت قسم الفلسفة لأنه لا يساهم في التنمية. أعيد افتتاحه في عام 2002م، بعدما سعى أعضاء هيئة التدريس إلى إيضاح أن الفلسفة مفيدة فعليًّا في تحليل المشكلات المجتمعية، وذلك من خلال وضعهم مقررًا دراسيًّا شديد التأثر بالفلسفة القارية لكن يحمل في الوقت ذاته تعارضًا إبداعيًّا بين المقاربتين العالمية والأفريقانية. لعل أبرز فلاسفة العالمية في ذلك الوقت كان الفيلسوف الراحل أندرياس إيشيتي، وهو مفكر شعبي مؤثر جدًّا درس في جامعة ييل، وانخرط في التجربة الفيدرالية التي قام بها الإثيوبيون (لاحقًا، شغل منصب رئيس جامعة أديس أبابا).
كان الفيلسوف العالمي الآخر هو دجناتشو أصيفا، الذي درس في جامعة بوسطن، واعتقد أن أفكار مارتن هايدغر وجان بول سارتر يمكن استخدامها لتطوير تحليل معاصر للمشكلات الإثيوبية. أكد أصيفا أيضًا قيمةَ الفلسفةِ في المجال العام واستخدام التخصصات الفلسفية لتحليل المعضلات الموجودة؛ إلا أن المسار الفلسفي الوحيد الذي لم يحظ بأي اهتمام هو التقليد التحليلي. ففي أمة إنتاج المعرفة فيها متأثر على نحو بالغ بالماركسية وحاجتها إلى تدخلات فعلية في العلاقات الإنسانية الموجودة، لم يكن هنالك ثمة معنى من الاهتمام بتطوير الفلسفة التحليلية. وهكذا، يمكن تفسير نقص الاهتمام بالفلسفة التحليلية أيضًا من خلال حقيقة أن أعلام الفلاسفة الإثيوبيين سواء كانوا عالميين أو أفريقانيين قد تعلموا في الجامعات الغربية وتأثروا بالغ الأثر بالفلسفة القارية.

نزع المشاعر القومية عن الحتاتا
في نهاية المطاف، احتلت الحتاتا -سواء كتبت في الحقيقة من قبل زيرا يعقوب وويلدا هيوات أم لا- مكانة حاسمة في محاولة فهم طبيعة الفلسفة الإثيوبية عند كل من العالميين والأفريقانيين. يرى العالميون الفلسفة على أنها تأمل في الوضع الإنساني، بالتالي إذا كان هنالك حكمة في الحتاتا، فينبغي نزع المشاعر القومية عنها. يقدر الأفريقانيون الدور الذي أسهمت به الحتاتا في عملية التحرر من الاستعمار وتحديها للامتياز المعرفي الغربي.
في هذه المناقشة، أُومِنُ أنّ نصوص الحتاتا توفر مساحة للتأمل في الطرق التي يمكن من خلالها ممارسة الفلسفة الإثيوبية، حتى لو لم تصبح أساسًا لتلك الفلسفة. إلا أنه لا يزال هنالك حاجة لتأكيد أن يحظى التحليل الفلسفي للمعضلات المعاصرة بالاهتمام، وألا ترتكز فكرة الفلسفة الإثيوبية برمتها على فكرة نصوص ربما قد تكون أو لا تكون كتبت بوساطة الإثيوبيين.
كبديل من ذلك، بناءً على فهم المفكر البنيني الراديكالي باولين هونتندجي للفلسفة على أنها حقل من النزاعات والعمليات النشطة البناءة، ينبغي علينا رؤية الفلسفة الإثيوبية كحقل لا يزال في طور الظهور عبر الحوار بين التأويل، وبين الثقافي، والنظرية النقدية، ونزعات السكان الأصليين. على الرغم من عراقة إثيوبيا، إلا أن فلسفتها قد بدأت للتو.
كذلك بذل مفكرون أمثال كيبيدي ومايميري ميناسيماي محاولات لوضع أسس من أجل تطوير نظرية نقدية اجتماعية إثيوبية، حاولت تجاوز الانقسام العالمي/ الأفريقاني. فبتخليه عن التزامه الماركسي السابق، قدم كيبيدي مقاربة جديدة تطبق التخصصات الفلسفية على تحليل قضايا مثل التحديث، السياسات الإثنية، التعليم والتنمية. أما ميناسيماي، فقد حاول التوضيح، في اشتباكه المبدع مع التاريخ الإثيوبي، عن الحاجة إلى نظرية سياسية إثيوبية لتوطين أفكار القيم العالمية عن الديمقراطية.
كفرد كان دائم الانشغال بالفلسفة القارية، فقد كنت أكثر انشغالًا بفلسفة فريدريك نيتشه، وهايدغر، ويورجن هابرماس، من الفلسفات المكتملة من الماضي -مثل فلسفة زيرا يعقوب- التي يمكن تطبيقها الآن كحلٍّ لكل مشكلاتنا المعاصرة. لطالما نظرت إلى فكرة الفلسفة الإفريقية وممارسة الفلسفة الإفريقية من المنظور الأفريقاني بعين الشك؛ إذ رأيتها مهووسة بالخطاب على المستوى الفوقي الذي يكتفي بمجرد الانخراط في نقد العلوم الكولونيالية.
كما يوضح الفيلسوف الكونغولي «في وي موديمبي»، تنتهي المقاربة الأفريقانية إلى كونها خطابًا مركزيًّا أوربيًّا مناهض للمركزية الأوربية: إنها منهمكة جدًّا في أن تكون مناهضة للمركزية الأوربية، وهي للمفارقة، تظل مركزية أوربية؛ فهي تنتج تناقضات بدلًا من إنتاج أعمال فلسفية تواجه معضلاتنا الوجودية. لكن كان عليّ أن أدرك وجود مشكلات في المعسكر العالمي أيضًا.
فهم لا يولون اهتمامًا كافيًا للتجربة المعيشية والنضال التحرري الذي يتشاركه الإثيوبيون مع رفاقهم الأفارقة. وبما أنه يهدف إلى المشاركة في إحساس عالمي بالذاتية غير مؤسس على وعي تاريخي سليم، فإنه يفقدنا إدراك خصوصيتنا الإفريقية المتميزة والأفق المشترك الذي يتكشف فيه مصيرنا المشترك.

التمييز بين الفلسفة والأنثروبولوجيا
من السمات المهمة أن العديد من النقاشات والمناظرات عن الفلسفة الإثيوبية أدارها أنثربولوجيون. سأتناول هذا التطور بجانب من الحذر. هنالك مخاطرة، بسبب طبيعة الأنثروبولوجيا، من ترقية كل نظرة للعالم ونظام اعتقاد إلى مرتبة «الفلسفة»: إذ يمكننا أن نغفل عما يجعل بعض أشكال البحث فلسفية على نحو فريد. إن هدف الأنثروبولوجيا هو فهم وجهات النظر المختلفة كما تعمل في حد ذاتها من دون الأخذ في الحسبان بحقيقتها أو عواقبها.
لكن الفلاسفة، كما أرى، ينبغي عليهم الاهتمام بأشياء مثل الحقيقة والاتساق. (يذكرنا هذا التعارض بالجدال بين هابرماس ودريدا عن طبيعة الفلسفة والنص، حيث جادل دريدا بأن الأعمال الأدبية تُعَدّ أيضًا مواد للتأمل الفلسفي، وعقب هابرماس بأن وجهة النظر هذه قد تشكل تخليًا عن القوة العقلانية للعقل). مع ذلك، فإن مثل ذلك الشكل من العالمية هو بالضبط ما يعرفه الأفريقانيون من التفكير المركزي الأوربي، ولذلك من الضروري تطوير مفهوم للفلسفة الإثيوبية يدرك النزعة الأفريقانية وكذلك الاحساس بالعالمية.
إذا كان على الفلسفة الإثيوبية أن تحرز أي تقدم عليها المشاركة في مناقشة الفلسفة الإفريقية إلى جانب السعي العالمي من أجل المعرفة. فلا يمكن تحقيق ذلك التقدم من خلال دراسة الماضي فقط أو، على الجانب الآخر، تجاهل التاريخ والقيم الإنسانية باسم العالمية. لا يقتصر الأمر على نصوص الحتاتا فقط وإنما أيضًا تحليل القضايا المعاصرة التي يجب استيعابها ضمن دراسة الفلسفة الإثيوبية. في الوقت ذاته، لا ينبغي على الفلاسفة الإثيوبيين طمس التمييز بين الفلسفة والأنثروبولوجيا تحت اسم الانخراط في ممارسة فلسفية ذات خلفية اجتماعية.
ختامًا، فإن التحقيق في المكانة الفريدة للفلسفة الإثيوبية يخبرنا أن الفلسفة هي تخصص يمكن ممارسته في آفاق تاريخية ومساحات جغرافية مختلفة، بينما تحتفظ في الوقت ذاته بقدرتها على إنارة الوضع الإنساني العالمي. ومهما كانت الطريقة التي ينظر بها إلى الفلسفة، فلا ينبغي النظر إلى الفلسفة على أنها أداة مقاومة بسيطة لا تمنحنا القدرة على التفكير في أسئلة أوسع، حول طبيعة الواقع والمعرفة والحقيقة والقيم الإنسانية.
إن معضلة الفلسفة الإثيوبية التي لا تزال تناضل من أجلها هي أنها تُمارَس في ظل جدال مسيس مولع بعرض الدلالات العرقية والكولونيالية الموجودة في التقليد الفلسفي أكثر من إعداد المسرح لتنمية ثقافة نقدية قادرة على إدراك مآزقنا.
إذ يجب على أي تصور عن الفلسفة الإثيوبية لديه القوة للتحدث عن المشكلات المعاصرة أن يؤسس على الاعتراف بأن هنالك انخراطًا بين التقاليد الفلسفية المختلفة، وأن الطرائق المختلفة لممارسة الفلسفة تتخذ شكلها الحالي من خلال عملية التحول.
المصدر: https://aeon.co/essays/should-ethiopian-philosophy-be-universalist-or-africanist
(1) تقع مدينة أكسوم في شمال إثيوبيا في إقليم تيغراي وقد كانت عاصمة مملكة أكسوم، أي الحبشة، التي تأسست في القرن الأول الميلادي، وانتهت في القرن العاشر الميلادي. استخدموا الكتابة العربية الجنوبية، ثم انتقلوا منها إلى الكتابة الجعزية. تدينوا بالمسيحية، وكان يلقب ملكهم بالنجاشي.
(2) دَرْج تعني «اللجنة» باللغة الأمهرية. وحكومة الدَّرْج (Derg) هي اختصار لعبارة «اللجنة العسكرية المؤقتة للإدارة العامة»، وكانت مجموعة عسكرية حاكمة في إثيوبيا تولّت السلطة بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي في عام 1974م.