أنثروبولوجيا النظام: الطابور كمرآة للمجتمع المصري انتظار العدالة أم اختبار للصبر؟

أنثروبولوجيا النظام: الطابور كمرآة للمجتمع المصري

انتظار العدالة أم اختبار للصبر؟

في المجتمعات الحديثة، يُعد الطابور تجسيدًا بسيطًا للنظام، لكنه في مصر يفضح تعقيدات أعمق: علاقتنا بالسلطة، بالكرامة، وبالآخر. مشهد الانتظار العابر يتحول إلى مرآة ثقافية واجتماعية تكشف ما هو أعمق من مجرد تأخير في الخدمة. إنها محاولة لفهم الطابور ليس كصفٍّ للأجساد، بل كأداء اجتماعي وطقس يومي يعكس تحولات مجتمع بأكمله.

في سنة 2008م، وفي باسينجستوك، إحدى مدن لندن، ذهبت إلى مكتبة عامة أنتظر استخدام أحد أجهزة الكمبيوتر. لم يكن هناك موظف ينادي، ولا زحام يختبر الأعصاب، فقط رقم حجز حصلت عليه عند ذهابي للمكتبة ووقت محدد. الأمر لا يتعلق فقط بالكتب، بل بسلوك منظم بأكمله.

حتى استخدام الكمبيوتر، لا مجال فيه للوساطة أو التعدي أو حتى «التحايل اللطيف». لا يهم من أنت، أو من أين أتيت. وهذا، في حد ذاته، شكل آخر من أشكال «الطابور» لكنه غير مرئي؛ طابور رقمي تحكمه قواعد، يرسخ احترام الذات والآخر، ويخلق بيئة يشعر فيها الفرد أن حقه محفوظ دون أن يضطر للمطالبة به أو الدفاع عنه.

وفي محطة الأتوبيس، لم يكن هناك ما يسمى بـ «التسلق على الدور»، فقد كانت لوحة المحطة مكتوبًا عليها مواعيد الأتوبيسات، ويصل فعليًّا في اللحظة المعلنة. لا أحد يزاحم، ولا أحد يهمس للسائق أو المسؤول قائلًا: «أنا مستعجل». والأغرب أنني عندما ذهبت إلى التأمين الصحي، في الحي الذي كنت أعيش فيه (تلة برايتون)، كنت قد أخذت موعدًا الساعة 2:45 ظهرًا، وكنت قد وصلت في تمام الثانية والنصف، فدخلت في الموعد المحدد دون إضاعة وقت. هذا روتين يومي منظم. الطابور هناك ليس فقط نظامًا مرئيًّا، بل منظومة قيم: احترام للآخر، للوقت، وللذات. وهذا ما يضعنا أمام سؤال أنثروبولوجي بالغ الأهمية: لماذا يصبح «الانتظار» في مجتمعات بعينها طقسًا يحفظ الكرامة، على حين يتحول في مجتمعات أخرى إلى معركة للبقاء، أو مساحة للفوضى، أو تذكيرًا صارخًا بانهيار الثقة في العدالة والمساواة؟

حين يتحول الانتظار إلى أزمة ثقة

في مصر، تعلم المواطن أن النظام لا يخدمه؛ لذا ظهرت أنماط التحايل على الطوابير: من التظاهر بالمرض، إلى التوسل، إلى استخدام المعارف، إلى الدفع تحت الطاولة. هذه الممارسات لا تعبر فقط عن فساد، بل عن غياب الثقة في المؤسسات. فعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تراه، يبحث عن أي وسيلة لتسريع نجاته الفردية. من المدرسة؛ لا يتعلم الطفل احترام الدور، بل يتعلم أن «اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه». النظام التعليمي يعجز عن إنتاج وعي مدني، ويستبدل بقيم الانتظام والانضباط ثقافةَ الخوفِ أو اللامبالاة. فيصبح التلميذ رجلًا لا يثق بالنظام، ولا يلتزم به إلا حين يُراقب.

الانتظار فعل طبقي بامتياز. هناك من يُجبر على الوقوف، وهناك من تُفتح له الأبواب. الطابور هنا يعيد إنتاج الهرمية: الفقير في الصف، والغني في الصالون. الموظف الحكومي يصرخ في المواطن البسيط، بينما يُمرَّر أصحاب النفوذ دون مساءلة. الطابور مرآة واضحة لعدالة اجتماعية مفقودة.

في القاهرة يصبح الطابور ساحة صراع: من سيقف أمام من؟ من سيتجاوز الصف؟ من «يعرف أحدًا في الداخل»؟

الانتظار في الطوابير ليس مجرد وقت ضائع، بل مشهد يومي مكثف يكشف عن أنماط عميقة في الثقافة المصرية. ففي طوابير الخبز، أو أمام مكاتب التموين، أو في المصالح الحكومية، تتجلى كل تناقضات المجتمع: (الصبر والغضب)، (النظام والتحايل)، (التساهل والانفجار). الطابور ليس فقط ترتيبًا للأجساد، بل أداء اجتماعي مكشوف يعكس موقف المصريين من السلطة، العدالة، والكرامة. كما قال جلال أمين: «لم يحدث تغير في الأشخاص، بل في الظروف التي يعيشونها». فما الذي حدث للمصريين؟ وكيف انعكس ذلك على سلوكهم في الطوابير؟

الجسد في مواجهة السلطة

الطابور ليس مجرد تنظيم عملي، بل طقس يومي يعيد تمثيل العلاقة بين المواطن والدولة. عبر الوقوف في الصف، يُجبر الجسد على الانضباط والخضوع، لكنه في اللحظة ذاتها يمارس التحدي والتمرد، إما من خلال الانسحاب، أو خرق الدور، أو اختلاق مبررات «الأولوية». في الطابور، يتجلى الموقف الفردي من القانون، واحترام الآخر، والحق في الحياة الكريمة.

من طوابير العيش في السبعينيات، إلى طوابير الصراف الآلي اليوم، تغيّرت أشكال الانتظار، لكن الألم واحد. سنوات من التضخم، انهيار الخدمات، البطالة، وتدهور التعليم، دفعت الناس إلى حافة التحمل. أصبح الانتظار نوعًا من القهر اليومي، ومجرد الوقوف في صف يُستفز فيه الغضب المكتوم، وتنهار فيه الأعصاب. المواطن لم يعد يؤمن أن الانتظار سيقوده إلى حل، بل إلى مزيد من الإذلال؛ لذلك يتحايل على الدور كنوع من ثقافة «الطريق المختصر».

هل يكره المصري النظام بطبعه؟ أم إنه تعلّم أن النظام لا يحميه، بل يعطّل مصالحه؟ لذا يلجأ كثيرون إلى الطرق المختصرة: الوساطة، الرشاوى، العلاقات الشخصية، أو مجرد الصراخ.

الطابور في المسرح السياسي: سلماوي نموذجًا

في مسرحيتيه «فوت علينا بكرة» و«اللي بعده» 1983م يقدم الكاتب محمد سلماوي نموذجًا فريدًا للكوميديا السياسية السوداء عن البيروقراطية المصرية وسلطة الطابور. مسرحيتان تضعان المجتمع تحت المجهر، وتكشفان مآسيه اليومية في مشاهد تبدو مضحكة ظاهريًّا، لكنها موجعة في جوهرها. كل مسرحية تأتي في فصل واحد، لكن الاختزال هنا ليس فقرًا دراميًّا، بل كثافة رمزية ودقة تعبيرية.

في «فوت علينا بكرة»، يتناول سلماوي مأساة المواطن المصري العادي في مواجهة آلة البيروقراطية المتكلسة. شاب يُدعى أحمد يطرق أبواب مصلحة حكومية لختم أوراق سفره، فيُواجه بجدارٍ من التعقيد الإداري والروتين العقيم. تتصاعد الكوميديا إلى حدود العبث، حين يتحول الاجتماع الإداري إلى محكمة غريبة تحاكم الشاب على رغبته في السفر، بل على حياته كلها، قبل أن ينتهي المشهد بـ«ختم الدولة» على جسده، لا على أوراقه، في صورة رمزية عن القمع الذي تمارسه الدولة على المواطن باسم القانون والنظام.

أما في «اللي بعده»، فيرسم سلماوي لوحة سريالية لطابور انتظار بلا بداية أو نهاية، يشبه ما نراه يوميًّا في المؤسسات الحكومية. هنا، يتحول الطابور إلى كناية عن حياة المصريين بأكملها: انتظار عبثي، وانصياع أعمى، وتكرار دائم لدوائر القهر. يدخل «الدكتور» ويقنع المنتظرين بتنظيم أنفسهم، ثم يحتال ليحصل على الدور الأول، ليُستبدل به لاحقًا آخر يكرر الخداع ذاته. الكرسي الذي يجلس عليه القائد الجديد يُقدَّم له دائمًا طوعًا، دون طلب، في إشارة إلى ميكانيزمات الطاعة الجماعية والانقياد وراء شعارات براقة فارغة. النص يفضح انتهازية المثقف، واستغلاله لوعيه ولجهل البسطاء؛ كي يصعد على أكتافهم ويحقق مصالحه، لقاء شعارات زائفة.

كلتا المسرحيتين تُجسد كيف تتحول السلطة البيروقراطية والطاعة المجتمعية العمياء إلى أدوات قهر للفرد. وتؤكدان أن الكوميديا الحقيقية ليست فقط للضحك، بل للكشف عن اختلالات النظام، ودعوة العقل للتأمل، والضمير للاستفاقة.

ما تناوله محمد سلماوي في مسرحيته الثانية، لا يبدو بعيدًا من واقعنا الحالي، بل يكاد يكون صورة ناطقة لما نراه يوميًّا في حياتنا. فمشهد الطابور الذي يقف فيه الجميع دون أن يعلموا متى أو لماذا، أو إن كانوا سيصلون أصلًا، يشبه تمامًا ما نراه اليوم في طوابير تقديم كراسات الشروط الخاصة بالشقق أو الإسكان. الفساد لا يكمن فقط في تأخير الخدمة أو التلاعب في الأدوار، بل يمتد ليشمل آلية التنظيم الزائفة، التي تمنح بعض المتحذلقين الفرصة لتصدّر المشهد، واستغلال الناس بشعارات براقة.

لتحليل الطابور كأداء اجتماعي وثقافي، يمكن الاستناد إلى مجموعة من الأطر النظرية التي تعمق الفهم وتربطه بالبُنى الأوسع للسلطة والثقافة. ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب» (1975م)، يوضح كيف تحولت السلطة من القهر الجسدي المباشر إلى سلطة انضباطية دقيقة تُمارس عبر آليات التنظيم الزمني والرقابة الذاتية. الطابور في هذا السياق يمثل نموذجًا مصغرًا لهذه السلطة، حيث يُدرَّب الجسد على الطاعة والانضباط ضمن فضاء بيروقراطي.

بيير بورديو في كتابه «التمييز» (1979م)، يحلّل كيف تُعاد إنتاج الفوارق الطبقية من خلال السلوكيات اليومية والتفضيلات الثقافية. يمكن إسقاط تحليله على الطابور كموقع لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، حيث تُمارَس الهيمنة الناعمة من خلال «رأس المال الرمزي» و«الهيبتوس» الطبقي. يونس أمين في مقالاته حول الطابور في المجتمعات العربية، يربط بين الممارسة اليومية للطوابير وبين رمزية الخضوع والانضباط في الثقافة السياسية العربية، حيث يصبح الطابور رمزًا حيًّا للعنف الرمزي والتراتبية الاجتماعية التي ترسّخها البيروقراطية. جلال أمين في «ماذا حدث للمصريين؟» (1998م)، يتتبع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طالت المجتمع المصري، والتي أسهمت في تآكل القيم الجمعية مثل النظام والانضباط، لصالح الفردانية والتحايل، وهو ما يتجلى بوضوح في سلوك المصريين في الطوابير. انتظار الدور في الطابور ليس فقط عملية تنظيمية، بل ممارسة زمنية تعيد تشكيل علاقة المواطن بالسلطة والدولة من خلال مفهوم «الزمن السياسي».