كما لو أنَّ أحدًا لم يمْلك يومًا شيئًا

كما لو أنَّ أحدًا لم يمْلك يومًا شيئًا

تحتفل بلدان أوربية عدة بمرور 120 عامًا على مولد الكاتب البلغاري المولد إلياس كانيتي (1905 – 1994م)، وهي المناسبة التي تصادف أيضًا مرور 31 عامًا على رحيل الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عن مجمل أعماله عام 1981م. نستعيد اليوم أحد أبرز كتب كانيتي في كتابة الشذرات والأفكار، التي أصدر منها أكثر من عمل، ألا وهو كتابه المهم «القلب السري للساعة» الصادر عام 1987م.

يضم الكتاب اليوميات والتأملات التي كتبها كانيتي في المدة من عام 1973م حتى 1985م، وكعادة صاحب «نار الله» و«الحشد والسلطة»، فإنه لا يتبع هنا بنية سردية تقليدية، بل يجمع أفكاره وخواطره وتأملاته الفكرية حول موضوعات: الوجود والموت، الزمن واللغة، السلطة والكتابة، جنبًا إلى جنب شطحاته الخاصة عن العزلة والآخرين، وآرائه في العديد من فلاسفة وكتّاب عصره.

على حافة اللغة والموت

ربما علينا الإشارة أولًا إلى صعوبة تصنيف إلياس كانيتي في خانة نقدية أو حتى أسلوبية مريحة، فلا هو روائي، بالمعنى المعروف؛ إذ لم يكتب سوى رواية وحيدة هي «نار الله»، التي صدرت عام 1935م، ولا هو كاتب قصص أو نوفيلا، ولا هو فيلسوف نستطيع أن نضعه وسط فلاسفة آخرين. حتى كتابه «الحشد والسلطة» الصادر عام 1960م، لم يؤهِّله لأن يكون منافسًا لفالتر بنيامين أو حنّه آرنت. ظلّت كتابة كانيتي تراوح بين الشذرات واليوميات والتأملات غير المكتملة أو المبتورة، وغالبًا ما تبقى بين برزخي الشعر والنثر، لكن صفة التفكير المجرد كانت طاغية على أسلوب كانيتي حتى مماته، وربما هذا ما جعله يبرع في هذا النوع المتشظي من الكتابة.

واحدة من أبرز الثيمات التي تعبر الكتاب وتشكل خيطًا رابطًا له هي علاقة إلياس كانيتي المعقدة مع الموت. يقول: «من يعرف الموت جيدًا لا يمكنه أن يستسلم له بسهولة». كانت هذه الفكرة المحورية قد ظهرت في مؤلفه الأهم «الحشد والسلطة»، لكنها هنا تأخذ بُعدًا شخصيًّا، أكثر هشاشة وأكثر غنائية؛ لتصبح الكتابة نفسها محاولة لمقاومة الموت، لإبقائه خارج اللغة، أو بالأحرى خارج المعنى. في أحد المقاطع يكتب: «الإنسان الذي فتح نفسه مبكرًا لتجربة الموت، لا يمكنه أن ينفصل عنها مجددًا؛ إنها جُرح يتحول إلى رئة يتنفس منها».

لذلك لا يُقرأ الكتاب كعمل من أعمال الفلسفة أو المذكرات الشخصية، بل تتحول نصوصه وفقراته إلى ما يشبه المختبر الحي للتفكير المفتوح. كتاب يُجري فيه كانيتي تجاربه الذهنية على الأفكار والعبارات، مستخدمًا أشكالًا من الملحوظات اللاذعة والتأملات العبثية والمفارقات الساخرة، كما يظهر جانبًا من شخصيته المتمردة على كل قولبة فكرية، ورفضه للنظم المؤسساتية والتصنيفات الأكاديمية.

ينقسم «القلب السرِّي للساعة» إلى طبقات من التأملات، يمكن تقسيمها إلى مجموعات متقاطعة تتناول محاور أساسية عدة من بينها اللغة والهوية والزمن والموت والعزلة، وأخيرًا الكتابة كقوة مقاومة. فيما يتعلق باللغة، يبدو كانيتي مأخوذًا بعجائبيتها وحيويتها، لكنه لا يُخفي اشمئزازه من استهلاكها التجاري والسياسي. يقول: «ليست التناقضات هي ما يرعب، بل ضعفها التدريجي». ويعلن في موضع آخر: «لا يمكنني تحمّل الكُتّاب الذين يربطون كل شيء بكل شيء»، في إشارة إلى رفضه لكل أنساق التفسير الشامل التي تُفرغ اللغة من طاقتها التفجيرية.

نلحظ كذلك ميل كانيتي إلى عزل الكلمات، تأملها كما لو كانت أحجارًا كريمة في مختبر لغوي خاص. يقول: «كثيرًا ما أفكر في الكلمات التي أحملها داخلي؛ تظهر أمامي من لغات مختلفة، ولا أرغب سوى في التفكير في واحدة منها طويلًا». من خلال هذا التركيز على الكلمة المفردة، يُلمّح كانيتي إلى أن كل لغة تحمل ذاتًا ميتافيزيقية، وأن حماية اللغة شكل من أشكال حماية الوجود ذاته.

في محور الذاكرة والهوية، يعود كانيتي إلى مراحل طفولته وشبابه، لكنه لا يبحث عن الاسترجاع العاطفي، بل عن البصمة اللغوية والثقافية التي شكّلت وعيه، يتذكر مثلًا كيف أثّرت فيه الكلمات الأولى بالإسبانية والبلغارية والألمانية. ويقول: إن تعلّمه اللغة الألمانية خلال الحرب جعله يشعر بالرعب منها في البداية، قبل أن يتقنها كـ«شكل من أشكال النجاة»، وفي لحظة بوح مؤثرة يكتب: «أصبحت اللغة الألمانية بالنسبة لي لغة السلام، برغم كونها أيضًا لغة السباب، لكنها كانت لُغة بلد لم يكن في حالة حرب بعد».

العزلة، والزمن، واللغة كمقاومة

الزمن في «القلب السرِّي للساعة» غير واضح. ثمة يوميات غير مؤرّخة، وأخرى مؤرّخة بشكل فضفاض، بذكر العام فقط، لننتقل من فقرة إلى أخرى، ومن موضوع إلى آخر، في رواح مستمر من التوترات بين الماضي والمستقبل، الكتابة والمحو، الحياة والخراب: «كل يوم أصبحُ قطرة واحدة فقط، لا شيء يتراكم بعد الآن، والسنة تشبه كأسًا نصف ممتلئ». وفي فقرة أخرى من تأمّلاته حول الزمن يقول: «منذ أن صرنا نعرف السنوات بالملايين، انتهى الزمن». تحيلنا هذه الملاحظة إلى أن إدراك كانيتي الفلسفي للتاريخ ينبني على قلق وجودي عميق، وهو ما تأكد في كتابه «الحشد والسلطة» عام 1960م، الذي خلص فيه إلى أن التاريخ لا يملك خلاصًا، بل هو مادة تُختبر عبر الألم والعزلة، وتفاهة الإنجاز البشري أمام سطوة الموت.

تتخذ العزلة في «القلب السرِّي للساعة» طابعًا وجوديًّا وفنيًّا في آنٍ، فكانيتي لا يشجب العزلة، بل يطالب بها كشرط للتفكير الحر: «من يحتاج إلى هوائه الخاص ليفكّر، سيكتسبه عبر وسيلة مرعبة: العزلة. ولكن هذه العزلة لا تُطرح كأنانية، بل كأداة لتركيز الرؤية، لذا نجده يكتب لاحقًا: «من كان لديه أكثر من الكلمات، لا يمكنه إلا أن يكون وحيدًا».

أما الكتابة، فهي الوسيلة الوحيدة للبقاء في وجه العالم والموت؛ لذا نجدها عند كانيتي تأخذ شكل المقاومة الفردية، لكنها ليست معزولة عن التاريخ أو الأخلاق، يقول: «ينبغي أن تحتوي كل صفحة من حياتك على شيء لم يسمعه أحد من قبل»، وكأنه يحمّل الكاتب مسؤولية أخلاقية مزدوجة: الابتكار والتوثيق، ويعلن بوضوح: «لا أريد إثبات أي شيء، لكنني أُومِنُ بشدة، وأرغب أن أنقل هذا الإيمان إلى الجميع».

يُسجّل كانيتي في «القلب السرِّي للساعة» عددًا من الإشارات النقدية إلى كتّاب وفلاسفة، منهم ياكوب بوركهارت، الذي يدين له «بروح الرفض التاريخي للأنظمة الفكرية»، وكارل كراوس الذي يرى فيه «أحد صناع اللغة الكبار في التاريخ الأدبي الألماني»، وروبرت فالزر، الذي يعدّه «التجسيد الحي للنقيض من نفسه». يقول: «هو كل ما لم أستطع أن أكونه: عاجز.. بريء وصادق بطريقة ساحرة وغبية». كذلك يلمّح كانيتي إلى علاقته المعقدة مع سيغموند فرويد بقوله: «يدفعني أحدهم لتوجيه الضربة القاضية إلى فرويد، هل يمكنني فعل ذلك، إن كنت أنا نفسي سأكون هذه الضربة»؟

بعض الشذرات تبدو ذات طبيعة غنائية مريرة، تحمل طيف الشعر المقبض أكثر مما تحمل طابع التأمل المجرد. من ذلك قوله: «جميع الذين أحببتهم قد تعفّنوا، وكذلك الذين كرهتهم». أو تأمله الذي يصفه بأنه أهم ما كتب: «كل ما لم تره وتعرف عنه، يبقيك على قيد الحياة».

يشكل كتاب «القلب السرِّي للساعة» في جوهره قلب كانيتي نفسه، بكل تقلّباته وحدّته وانكساراته، كتاب يليق أن يُقرأ ببطء، كحوار داخلي مع النفس؛ لذلك لا يمكن اختصاره أو تلخيصه، لأنه لا يريد أن يُرضي أحدًا. بالضبط مثل كاتبه الذي يقول: «لا تُفسّر شيئًا، لا تشرح شيئًا. امنح أولئك الذين يريدون أن يُعذبوا عقولهم شيئًا يستحق العذاب».

تزامنًا مع الاحتفالات الأوربية هذا العام بمرور 120 عامًا على مولد إلياس كانيتي، وأيضًا 31 عامًا على رحيله، نقدم مختارات مترجمة من الهولندية، من «القلب السرِّي للساعة»، علَّ فيها بعض «ما يستحق العذاب»، على حد تعبير كاتبها:

شذرات ضد الفناء

* * *

على حافة الهاوية، كان يتشبَّث بأقلام الرّصاص. يحاول التّحدث عن المستقبل، يشعر بالتّلعثم ويصمت. شاهد كيف كان أبطاله المؤثّرين مختبئين في صباه. أدرك تأثير كلماته، فأصابه الخرس.

* * *

يسألني لماذا يجب أن يتحدّث بغضب؟ أوّد أن أجيبه بدافع الرضا عن النفس. لكنّي لا أستطيع أن أطلعه على رأيي. أكره الآراء التي تسحق فقط ولا تغيّر شيئًا. صار كلّ حيوان ينظر إليه يلعق لسانه. نزع أرجل العناكب وألقى بها بلا حول ولا قوة في شِباكها. ليس مسموحًا له منح الناس ما قد نسوه. مسموح له فقط منحهم ما يتذكّرون.

* * *

قبَّل آخر فكرة وأفلتت منه. المديح لا يرضيه، لكنه يستمع إليه بعناية. دخل إليّ، لم أره مرَّة أخرى. كان يلهث من أجل الهواء. لن يغادر بعد الآن أبدًا. لو كان قد حرّر نفسه لكنت فكّرت فيه. أقصر فأقصر، حتى لم يفهم نفسه.

* * *

ظنّ نفسه حكيمًا؛ لأنّه يفكّر بشكل مغاير تمامًا في اليوم التالي. ولكي يصبح أكثر كبرياء، سمح لنفسه بأن تُهان مرارًا وتكرارًا. امتنانه يدير رؤوس الناس، يجعلهم يفغرون أفواههم.

* * *

هو لا يريد اختراع حياة عريضة؛ لذلك يكتب حياته الخاصة. يقول الشيء نفسه مرة بعد أخرى، بالطريقة ذاتها أيام شبابه. محاط بالمزيد من الشخصيات الحمقى، وكلّها نُسخ من نفسه. وارد أنّه كان أكثر وعيًا بالتاريخ من المؤرخين. كان التاريخ يأسه، وبقي كذلك.

* * *

نسي المديح ولم يعد يريد أن يعيش. ضبط نفسه يفكّر أكثر فأكثر في أن لا خلاص للبشرية. هل هذه محاولة للتهرب من المسؤولية؟ يسيطر عليه الشعور أحيانًا بأن لا شيء قد فات أوانه بعد؛ لذلك لم يكن ليتخلَّى بعد عن الإيمان بالحياة الأبدية!

* * *

يتحدّى صداقتي، عبثًا: لم أعد آخذ كراهيته على محمل الجَدّ. هل تريد أن تضربه في قلبه؟ في أيّها بالضبط؟ كل إهانة كامنة بداخله. لكنه لا يعرف أين. يغوص في الماضي، كأن تغييره غير ممكن. غربال وعيه الذاتي.

* * *

هو أكبر سنًّا مِنْ أن يحب نفسه. يرى بعيدًا من نفسه. وأبعد يرى كل شيء. يتصوَّر أنه يكتب الحقيقة طالما لا يربط الجمل واحدة بأخرى. علاقته خاصة مع الموتى الذين لم يفقدوا الأمل بعد. يسمح لهم بالقدوم -في السرِّ- ويطعمهم.

* * *

جزءٌ منه عتيقٌ وآخر لم يولد بعد. كل ما لم يره ويعرف أنه موجود يُبقيه على قيد الحياة. كان يتحدّث باستمرار عن الحب لكنه لا يدع أحدًا يقترب منه. صديقه الذي يريد كل شيء مكتملًا ولذلك يتشبث بالموت. غرق الجديد داخله كما لو كان مستنقعًا. عقله.. كبركة من الطين.

* * *

لقد دُفع إلى النور. هل هو سعيد؟ منح نفسه بقشيشًا، من يده اليمنى إلى اليسرى. بدأ العمل على رسائل الوداع. كما عوّد نفسه قبل سنوات.

* * *

الجوائز تخجله. ضربته الأوسمة في قلبه. يحتاج إلى المزيد من المدائح ليتغلّب على هذا الخجل. يبحث عن عبارات لم يمضغها أحدٌ بعد. التمسك بالحياة هكذا، هل هو البخل؟ عندما تكون هذه هي حياة الآخرين، فهل هذا هو البخل حقًّا؟ إنه يبحث عن اعتراضات على القناعة الأساسية لوجوده. هل هي، على وجه التحديد، أسوأ ما في العبودية؟ هل سيكون من الأسهل أن نَعُدَّ الحياة كلَّها هبة قابلة للرَّد، بحيث لا يكون شيءٌ مِلْكًا لأحد، كما لو أنَّ أحدًا لم يمْلك يومًا شيئًا؟

* * *

لو لم يسقط ميّتًا في ذلك الوقت- هل كان إيمانك هذا سيكون مختلفًا؟ وثابتًا كما هو الآن؟ على ماذا يعتمد ما يؤمن به الإنسان، يقين راسخ هكذا، بحيث يُعدي الآخرين به؟ هل يمكن للمرء أن يعيش بإيمان غير ملوَّث؟ يقول لنفسه حقائق لا تُصبح حقائق إلَّا حين يكتبها. يردّدها لنفسه في واحد من الدفاتر التي لا حصر لها والتي ستحترق. حقائق يعرفها وعلى الرغم من ذلك يهدأ روعه حين يكتبها، كما لو كان الفعل ذاته لا يزال يمتلك الأمل القديم الضائع منذ أزمان بعيدة. كفَّن الأمل في الهواء. علَّقه على ساعة الرب الكبيرة العتيقة، أم إن الساعات الكبيرة والأحدث أفضل؟ معرفته التي تئنّ!

* * *

شدّ نفسه خيطًا وغزلها قفصًا. تذكّره الزيارات بنفسه. لا يسير إلّا تحت جسور بناها بنفسه، ويطارده الخوف في كلّ الأمكنة الأخرى. أشار الرجل الذي سأله عن الطريق إلى أربعة اتّجاهات مختلفة. يقرأ فقط من أجل المظاهر، لكن ما يكتبه حقيقي.

* * *

مات لأجل وصية ماله الأخيرة. مَجَّد الحرب وبلغ من العمر مئة. هو الآن كل ما كان يمقته. لا ينقصه سوى أن يطلب الموت. يشعر كأنه مكوّن من عشرة أسرى ورجل واحد حرّ، هو المتحكّم فيهم.

* * *

يودّ أن يكون صامتًا لكن قادرًا على الإنصات، يصبح أبكمَ دون أن يموت. في الحياة الجديدة التي بدأت في الخامسة والسبعين من عمره، نسي موت أبيه. لم يعد يستطيع نطق كلمة «إنساني»، إلى الدرجة التي بدأ معها كلّ شيء. يتملّكه أحيانًا شعور بأنّ الرب منحه عينين صناعيَّتين. لم يعد يريد الأفكار التي تعضّ. يريد أفكارًا تُريح النفس.

* * *

منذ أن نسي كلّ شيء، صار يعرف الكثير. وقد كتب نفسه إلى أشلاء. يعمل، خائفًا من يديه. وما إنْ تهرب منه الجُمَلُ، حتى يتنفّس بعمق. طوال عام كامل لم يستخدم أي صفة. فخره وإنجازه دائمًا ما يشرد خلف الفكرة التالية. هل يريد أن يحلم بها؟ ينفصلُ عن كل العظماء ليتحكّم بغطرسة في مصاير الضعفاء. يجمع تفاصيل الذُّبُول.

* * *

كي لا ينسى أَلَمَهم.. كان يعضّ نفسه. يقول للطفل: «ينام المرء لكنّه لا يستيقظ مرّة أخرى». يقول الطفل مبتهجًا: «أنا أستيقظ دائمًا». يريد أن يجد كلمات لا ينساها الإنسان. كلمات لا بدَّ أنَّ مَنْ يمْلكها يومئ بشيء منها إلى الموت. أقصر فأقصر، حتى يبقى مقطعٌ واحد، به يقال كلّ شيء. لكن الكتاب الحقيقي -الذي يَعُدُّه دينًا على نفسه- سيكون أطول من «الإخوة كرامازوف».

* * *

دائمًا ما يقول أكثر ممّا يريد. كيف ينبغي له أن يفعل ذلك؟ هل يختصر نفسه أم الجُمَل؟

* * *

كبر في السِّنِّ ولا يزال يريد العثور على أناس يحترمهم على عجل، أناس لم يعودوا يريدون تغيير شيء فيه. هل هذا يعني أنّ كلّ مَنْ كان يعرفهم أصبحوا وحوشًا داخله؟ كم يودّ سؤال أولئك الذين هاجموه للتوِّ لهذا الغرض بالذات! كثيرون هم الذين يعرفهم أكثر من نفسه ومع ذلك يعود دائمًا إلى نفسه، تلك التي يريد أن يعرفها. لا يقول «لا» إلّا لتمرين نفسه على قولها. يستطيع أيضًا قول: «بشر»، ومع ذلك لا ينصرف إلَّا ممتلئًا بالاشمئزاز أو الضَّجر. أمَّا سماعها.. فلا يستطيع.

* * *

في وقت متأخّر جدًّا اخترقت جذوري السماوية المبكرة رأسُ كلبٍ -على وشك اليأس- سألني عن سيِّده. هل أقول له الحقيقة؟ لقد زحف بعيدًا إلى الإله. هذا هو أكثر ما يخشاه. لم يعد يُمسِكُ بالرَّهْبَة.. هي التي رفعتْ قبضتَه.