ووكر إيفانز: أنجزتُ كثيرًا من الأشياء تصيبني بالدهشة الآن، إذ تُظهرُ معرفةً كبيرة لم أكن أملكها أو أعلم بامتلاكها
ووكر إيفانز (1903- 1975م) المصوِّر الفوتوغرافي الأميركي ذائع الصيت، الذي درَّسَ التصوير في جامعة ييل Yale حتّى تقاعده قبل بضع سنوات، يتحدّث بطلاقة مع طلاب اليوم عن حياته، وفنّه، وعملية الإبداع الغامضة. (*) يقول إيفانز: أعتقد أني الوحيد من أبناء جيلي الذي نجا خارجًا من مدرسةٍ غير تجارية، فنانًا شابًّا علَّمَ نفسه بنفسه عندما كنت في عمركم. لم نكن نعمل ما يُطلب منا عمله وقتذاك، وحاربنا من أجل ذلك. بالطبع، هذا الأمر قتلَ معظم الناس. لكنه لم يقتلني لسببٍ أو لآخر. وإني أشعر بهذا منذ بدأتُ بإحراز تقدمي البطيء، وما زال أمامي الكثير مما أعمله.
* هل لكَ أن تحدّثنا عن تجربتك عندما عملتَ مع جيمس آجي (1) على كتاب «دعونا الآن نُمَجِّد الرجال المشهورين»؟
– نعم. كان هذا بالطبع أكثر الأمور التي قمتُ بها وضوحًا في ذاكرتي، وبالتحديد فيما يتعلق بآجي. لقد حزتُ صيتًا كبيرًا خادعًا لأنني كنت أعمل مع رجل رهيب، وإني أتحرَّج من مجرد الحديث عن ذلك؛ لأنّ شخصية آجي لا تتناسب وذاك التمجيد الذي مرَّ به. كان رجلًا متواضعًا جدًّا، وكذلك معارضًا شديدًا لكلّ أشكال المؤسسات، وبخاصة الأكاديميّة منها، وأن يوضع اسمه داخل دائرة كهذه – حسنًا، لم يكن يرغب في الوجود في هذا النوع من الأجواء. لكن عليَّ القول بأنه كان صديقًا عظيمًا لي قبل شروعنا في العمل معًا في الجنوب، كما كان واضحًا أنه القائد- المُحرِّك لذلك المشروع، وأعتقد أننا ما كنا لننجح من دون موهبته في كيفية التعامل مع الناس.

على أي حال، إنّ جزءًا من موهبة الفوتوغرافي ينبغي أن تبدو متجسدة بين الناس. فبإمكانكَ أن تنجزَ عملًا رائعًا إذا عرفتَ كيف تُفْهِم الناس طبيعة ما تعمله وتُشعرهم بالرضا عنه، وبإمكانك أن تنجز عملًا بائسًا إذا جعلتهم في حالة دفاع، يجدون أنفسهم فيها في البداية. عليكَ أن تخرجهم من سلوكهم الدفاعي وتجعلهم يشاركون. كان آجي جيدًا جدًّا في هذا. تحركنا معًا باتجاه بعض العائلات البعيدة جدًّا في أماكنها من بعضها، لكنها كانت عائلات من المزارعين المتطابقين في عيشهم مرحلة الكساد العظيم، في وقتٍ انغمسَ كلُّ شيء بالفقر. لم يكن لديهم بِنس واحد. كانوا في حالة بؤسٍ فظيعة، لكنهم متساوون؛ لأنَّ الجميع كان هكذا. وإني أفترض، من دون أن أقصد، أنّ ما كنتُ أعمله إنما هو تصويرٌ للفقر الإنساني. لم يكن بإمكاني غير ذلك. كنا جميعًا نعيش هذا الواقع. الجميع كان يائسًا. وإني لأجد هذا الأمر صعبًا جدًّا عند وصفه كما كان وقتذاك.
* هل استغرقتم وقتًا طويلًا لتجاوز توترهم؟
– لا، لأنّ آجي كان موهوبًا جدًّا في المسألة التي كنتُ أتحدّث عنها، وهي إشعار الناس بالاطمئنان. والحقيقة أنهم بدؤوا يحبونه وأبدوا الاهتمام به إلى حدّ الإزعاج. كما أنه بذلَ معهم الكثير من الجهد لكي يدركوا أنّ ما نقوم به ليس غزوًا لهم، أو عِبئًا عليهم بأي شكل من الأشكال. في ذلك الوقت لم نكن نعرف أنّ ما نعمله سيتحوّل إلى كتاب –كان مجرد عمل من أجل مقالة في مجلة- أخبرهم عنها وأشعرهم بأنهم مشاركون فيها. كنا ضيوفًا نسدّد مقابل الضيافة، إلى جانب تفهمهم الحقيقة، ولم يكونوا قد رأوا أيَّ مال لمدة طويلة، ومع ذلك لم تكن إشارة إلى رشوة إطلاقًا لصالح لعبة مصالح. ما دامت اللعبة، حينذاك، كانت صفرًا.
* ما الوقت الفاصل بين العمل ونشره فعليًّا؟
– في الحقيقة، كان الوقت الفاصل وقتًا طويلًا. ما حدث أنَّ جزأين من المقالة رُفضا من المجلة التي كلّفتنا بالمهمة، عندها طالب آجي بحرية حقوق النشر. ثم قبض دفعةً صغيرة من أحد الناشرين وكتب الكتاب، لكنّ الأمر استغرق ثلاث سنوات أو أربع سنوات. أعتقد أننا كنا في عام 1936م، في حين نُشر الكتاب في عام 1941م، ولذا كانت ثمّة مدة طويلة- فالكتاب رُفض من الناشر الأول فنُقِل إلى ناشر ثانٍ. إنها قصة معقدة وليست مشوقة جدًّا، لكنها تشكِّل نموذجًا لتاريخ أي مجازفة. إذا كنتَ بصدد البدء بعمل شيء فأنتَ مقبلٌ على التعرض لعقبات تحول دون تحقيق ما تريد. إنّ أي مجازفة ما هي إلّا طريق صخرية. وهكذا هو تعليمك هنا، أيضًا.
* أنتَ وصفتَ نفسك متمردًا على المؤسسة، وتحدثتَ عن مصائب زمن الكساد العظيم، لكنَّ صورك لا تتسم بالنقد. إني أراها تنحو باتجاه التمجيد – تمجيد الواقع الواضح والبسيط.
– سعيد أنا بسؤالك هذا؛ لأنني لم أحبّ السِّمة التي اكتسبتها بلا وعي بأني فنّانٌ صاحب موقف اجتماعيّ معارض. لم آخذ على عاتقي قط تغيير العالم. ومعاصري الذين آمنوا بفكرة أنهم سيسقطون حكومة الولايات المتحدة، وخلق عالم جديد، إنما كانوا في نظري مجرد حَمقى. عرفتُ منذ ذلك الوقت أنْ لا أحد سيفعل هذا. وهذا النوع من التاريخ كرر نفسه مرارًا. فالناس أواخر الستينيات، وهذا ليس بالتاريخ البعيد، دارت في أذهانهم الأفكار نفسها، ولم يحدث خَرْقٌ أو خللٌ بسيط واحد للقوى التي أرادوا إسقاطها.
الفعل السياسي
* لكن ثمّة بعض الصور تتضمن حقًّا مضمونًا سياسيًّا، بداية من صور «هاين» (2) للأطفال المشتغلين في المعامل عند نهاية القرن، على سبيل المِثال.
– حسنًا، هاين أكثر قدرةً مني على استثمار التصوير لهذه الغاية، وثمة سبب وجيه. لقد تقصّد هاين تضمين الفعل السياسي في صوره، أو على الأقلّ لفت النظر إلى تشغيل الأطفال، بينما كان اهتمامي أن تُقرأ بعض الأمور في عملي، لكنني حقيقةً لم أتقصّد أن تكون آرائي وأعمالي ورؤيتي قيد الاستثمار بوصفها فعلًا سياسيًّا. وما دمتَ أنك سألتَ إذا ما كنتُ فنانًا يملك تفكيرًا سياسيًّا أم لا، فإن الجواب هو لا، أنا لستُ كذلك. لم يسبق لي أن مارستُ فعلًا سياسيًّا. وفي كلّ مرّة امتلكتُ رأيًا سياسيًّا جاءت الأحداث لتثبتَ أنه خطأ. على سبيل المثال، عندما سمعتُ خطاب السيد نيكسون – أنتَ تذكر خطابه الشهير الذي ألقاه وإلى جانبه كلبه الصغير، عندها كان اقتناعي هكذا: «حسنًا، هذه هي نهاية نيكسون.» وفي الصباح التالي وجدتُ البلاد تهلل له وكأنه فارس أبيض!
* في صوركَ لعمّال حوض السفن في كوبا، كان للشخصيات وجود واضح بقوة. الوجوه سوداء كما هو سواد غبار الفحم، أو أيّ شيء آخر يعملون فيه، ومع ذلك كانت صورُكَ تُظهرهم مبتهجين تقريبًا.
– حسنًا، عليك أن تتذكّر أنني لم أتعمّد ذلك. أردتُ تسجيل ما هو موجودٌ هناك، وأنتَ مُحِقّ، لم يكن لهؤلاء الناس أيّ إحساسٍ بالإشفاق على الذات ولا أيّ معنى من هذا القبيل. كانوا مجرد أُناس فرحين مثلكَ أنت. هل أنتَ فَرِح؟ ربما تمُرّ بوقتٍ أسوأ من الوقت الذي مرُّوا به.
* هل تعتقد أنكَ بالتقاط الصور للضواحي الأميركية التي تشكّلُ جزءًا عريضًا وواسعًا من حياة اليوم، بوسعكَ استخدام طريقة الفهم نفسها، من مجرد معاينة السطح الواضح للخروج بتمثيلٍ حقيقيّ لها؟
– هذا لن يُجدي. حاولتُ، «هذا مقطعٌ مهم وعظيم من أميركا»، لكنني أُصبتُ بالملل من النظر إلى الأعمال التي أُنجزت، كما أصابني الملل من أعمالي أنا أيضًا.

* ولكن هل وجدتَ أفكارًا جيدة عند تصويرك لأميركا الضواحي؟
– كان «الخِرّيج» (3) فِلمًا سينمائيًّا هِجائيًّا وصادقًا تمامًا، ونافذًا تمامًا، لكنه ليس صورًا ثابتة. وثمّة تراكم كبير في الكتابة نحى منحاه، تمثَّلَ في روايات سينكلير لويس (4). فشخصياته، مثل «بابيت»، صورٌ قاسية للحياة الأميركية في طبقتها الوسطى. غير أني لا أستطيع تخيُّل نفسي أقوم بتصوير مجموعة من الناس يجلسون متحلِّقين في نادٍ ريفي، أو أيّ اسم يُدعى. فأنا لم أجدهم قط مادةً هجائيّة بما يكفي.
* البعض قال: إنكَ عرفتَ عن أميركا في الثلاثينيات أكثر من أيّ رجل آخر؛ كيف كان هذا، أَفهمتَ أميركا؟
– حسنًا، نعم، لكني فهمتها على نحوٍ غريزي، بالفطرة. هذا السؤال وسِواه من الأسئلة تخطر لي الآن من دون إجابات وهي صعبة التفسير. أعرف الكثير الكثير من الأشياء، باستطاعتي الآن عبر استعادة الأحداث وتأملها – تلقائيًّا وبلا وعي، وهذا ينسجم مع نظريتي الخاصة: أنّ جميع الفنانين الجيدين، تقريبًا، قد عملوا ونجحوا مستعينين بقوى يملكونها لكنهم لا يدركونها. إنهم ناقلو حساسيات لا يدركون أنها فيهم، ناقلو قوى موجودة في الهواء لحظة إنجازهم أعمالَهم. لقد أنجزتُ كثيرًا من الأشياء تصيبني بالدهشة الآن، إذ تُظهرُ معرفةً كبيرة لم أكن أملكها أو أعلم بامتلاكها. بإمكاني اليوم أن أتعلّمَ شيئًا ما من خلال صوري.
* هل كان صعبًا العثور على أميركا في ذلك الوقت بعد عملك في شركة أندوفر؟
– هذا سؤالٌ عريض ودقيق، كما هو أمرٌ لا أعرف عنه الكثير، لكنني أمعنتُ التفكير فيه. نعم، إني نتاج مؤسسة راسخة مثل أندوفر، على سبيل المثال، غير أني لطالما كنتُ ضد المؤسسات، حتّى في ذلك الوقت. لم أرد الإقرار بأني أعمل داخل مؤسسة تقليدية، واعتدتُ التحايلَ متظاهرًا بعكس الحقيقة، أو بأني لستُ مثقفًا، وأن ذلك إنما كان بفعل نشاط شبابيّ. كان ذلك تفكيرًا خادعًا، غير أني استعدتُ توازني الآن. أن تتمتع بالامتياز، إذا ابتغيتَ أن تكون مستقيمًا تمامًا في تحليلك، لوضع لا أخلاقيّ وغير عادل، لكن في حالة حصولك عليه وليس لك خيار فيه فلسوف تستثمره بالتأكيد. أنتَ تتمتع بالامتياز لكونك تدرس في جامعة ييل، لكنك تعرف بأنك مطالَبٌ بإعادة منح ما استُثمِر فيك.
في الحقيقة، عددٌ قليل من أبناء جيلي كان ضد المؤسسات، أو من الثوريين، أو فنانين. ثمّة تغيير كبير حدث الآن، أحد أكثر الثورات المذهلة في التفكير وطريقة العيش غير مسبوقة. ولهذا سبب واحد؛ إذ أصبح للشباب مكان يتوجهون إليه إذا أرادوا الهرب بعيدًا من أماكنهم الأولى. لم نملك مكانًا نذهب إليه. الحزب الشيوعي خذلنا بسلطات ستالين المطلقة ومحاكمات موسكو. لم يوفِّر لنا العالم بأسره مجالًا للنجاة من شرط حياتنا وظروفها ومن ماضينا والسلطة الحاكمة. لم نستطع الخروج من هذا كلّه. غير أنكَ لو تمعنتَ في ظاهرة مثل وودستوك Woodstock (5)، ستتبيّن عندها أنّ ثمّة حشودًا كبيرة من الناس يقبعون في قاربٍ واحد معًا، وأنهم يعتني بعضهم ببعض. نحن لم نملك قوة الاتحاد معًا. لم تكن أيّ وحدة تجمعنا.

* هل تعتقد أنّ هذا التغيُّر الذي أصاب ظروف العيش قد ترك نتائج متسارعة على التصوير الفوتوغرافي الجيد؟
– هذا سؤال معقد. لدي نظرية تقول بأنَّ الاهتمام الواسع بالتصوير غير التجاري، الذي يمكن أن يؤخذ على محمل الجد الآن، يعود إلى الترابط بين مجموع ما تختزنه ذاكرتك ونزوعك المِثالي نحو الصدق. وأنك افترضتَ أنّ التصوير أداة ووسيط فنيّ أكثر تمثيلًا للصدق من الكلمات، والتخطيطات، والرسوم. إني أُومِن بأنها مسؤولية حال الاهتمام الهائل بالتصوير التجاري، مع عدم وثوقي بأنك محق في اعتقادك أن التصوير وسيط صادق، أو أنه يتيح إمكانيات للتعبير الصادق.
مصور الصدق غير العادي
* يبدو لي أنكَ رائدٌ مبكِّر لهذه الحركة التي تصفها. إنّ أحد أسباب تميّزك أنكَ كنتَ دائمًا مصوِّر الصدق غير العادي والبساطة – إنّ ما كنتَ تبحث عنه في أميركا إنما هو شيءٌ طبيعيّ، وسهل، وحقيقي.
– عليكَ أن تتذكّر أنّ هذا ليس سوى ظاهرة غير واعية، وأنها تشكّلُ لي حادثًا مدهشًا في تاريخ الفن، وتاريخ التحليل النفسي، والتاريخ الأميركي الذي كنتُ أشتغل عليه، بلا وعي مسبق، والذي برز على السطح، بعد ذلك، لدى جيلكم. أنتَ أشرتَ إلى البساطة. عندما بدأت في التصوير، كانت صوري مسطحة جدًّا لدرجة عدم عدّها فنًّا، وعدم عدّ نفسي فنانًا. لم يُلتفَت إليَّ على الإطلاق. الذين نظروا إلى صوري ظنّوا أنها مجرد لقطات لباحة منزل خلفية. من جهتي، عرفتُ العكس وواصلتُ بعِناد. أعتقد أني عرفتُ ما أفعل، لكني لم أعرف أني أستقدمُ تلك الميزات التي تتحدّث عنها وأقوم بتفعيلها. أنتَ تتحدّث عن الصدق. أنا لم أعرف أني كنتُ صادقًا، كنتُ أعملُ بعفوية. ما حدث هو أنّ طريقة التفكير في الجامعة كانت تعتمد الانعكاس والتحليل، لكنّها طريقة استثنائية. فما يُطلق عليه رجل الشارع، إذا كان له وجود فعلًا، ليس انعكاسيًّا أو تحليليًّا.
* في أثناء التقاطك الصور، ثمّة نوعٌ من التغيير يحدث. ثمّة ما هو مختلف بين صوركَ وأصولها، ويتضح هذا إذا ذهبتَ إلى ذاك المكان ونظرتَ إليه بالعين المجردة، وإني كنتُ أتساءل: لا بد أنكَ عكستَ ذلك، بمجرد التقاطك كلَّ تلك الصور: أيّ تأثير تلقاه ذهنكَ عندما اتخذتَ القرار الواعي وضغطتَ على الزر.
– هذا ما حدث لي حقًّا. أعتقد أنها حالة مذهلة، لكنها غير قابلة للتفسير أيضًا. وإني أجازف إنْ كنتُ أستطيع القيام بذلك باستهانة، للادّعاء بأني فنّان، في حين دوافع الفنّانين مسألة عظيمة الغموض. مَن يعرف لماذا تُلهمنا فقرة كتبها تولستوي وتبقى خالدة. إنها قطعة أدبية وفنٌّ راقٍ، في حين كتابة محرِّر النيويورك تايمز لن تحظى بذلك، ولا يمكن أن تكون. ومع ذلك فإنّ كتابة الاثنتين صاغتهما اللغة.

* هل تعتقد باحتمال أن تكذب الكاميرا؟
– بالتأكيد. إنها غالبًا ما تكذب.
* أليس ثمة ضير أن تكذب الكاميرا؟
– لا، ليس حسنًا أن يكذب أيّ شيء أو أيّ أحد. لكن الأمر خارج السيطرة. إني أشعر بأنّ الصدق موجودٌ في الناس، هنا وهناك، وعلى نحوٍ نِسبيّ.
* ما أود أن أسأله، إذا التقطتَ صورة جميلة لحاوية قمامة، فهل الصورة تكذب؟
– كتب أحدهم مقالة أسماها «لا وجود لشيء كالجَمال» وإنه لأمرٌ يستحق التفكير فيه. بإمكان القمامة والمهملات، في أوضاع معينة، بالنسبة لي على الأقلّ، أن تكون جميلة، والسبب هو أنكَ تراها هكذا. بعض الناس لديهم القدرة على رؤية ذلك، رؤيتها والإحساس بها. إني أميل إلى فتنة الشيء وجاذبيته، إلى قوة المرئيّ، إلى الجمالي في المادة المنبوذة أو المهملة.
* أيعود السبب في أنّ تلك المواد تشكّلُ تحدّيًا لك؟
– لا، هكذا أنا. يكمن السبب في جزء منه في المعاكسة والانحراف. لقد استمددتُ الكثير من زخمي المبكِّر من احتقاري للأفكار المقبولة عن الجمال، وهذا جيد جزئيًّا، وأصيلٌ جزئيًّا أيضًا، كما أنه هَدّامٌ جزئيًّا. لم أكن شابًّا لطيفًا جدًّا. كنتُ أمزّقُ كلَّ شيء بمقدوري الحصول عليه. إني أرى هذا عند استعادتي له وتأمله. كان هذا داخلي، مثلما هي أشياء معينة تستدعي الفضول والتساؤل لديك، عندما يمضي الوقت وتبلغ سنِّي، لكنكَ لن تصل القعر أبدًا.
* لنعُد إلى الفرق بين التصوير غير التجاري والتصوير الصحافي، فأنا لا أجدُ أيّ فرق إذا ما عُلِّقَت صورةٌ صادقة في صالة عرض، أو طُبعت على صفحة في مجلة.
– وكذلك أنا. الحقيقة أنني أستريب في حالة تعليق صورة في صالة عرض. ودائمًا ما أقوم بقصّ صور لافتة من الصحافة اليومية والاحتفاظ بها.

* هل حاولتَ تجربة الفِلم الملوَّن، وهل تعتقد أنه أقلّ صدقًا في صوره مقارنةً بالأسود والأبيض؟
– لا، لقد قمتُ بتجربته. إني الآن في مرحلة العمل بالتصوير الملوَّن، وإني مهتمّ بذلك. لكني لا أعتقد بأنّ الأبواب قد شُرِّعَت لِما هو زائف من خلال الألوان، أو أنها أعظم مما هي عليه، وذلك من خلال تداول مطبوعات الأسود والأبيض. فأنتَ تستطيع أن تُشوِّه وتُحرِّف بالألوان أيضًا. ولقد صادفَ أن كنتُ رجلًا رماديًّا؛ أنا لستُ رجلًا أسود وأبيض. أعتقد أن الرمادي أكثر حقيقية. إنّ نثر إي. إم. فوستر(6) رماديّ، وإنه رائع ومدهش.
* يبدو أنّ معظم الذين ينفّذون أعمالهم بالألوان ينحون باتجاه ما هو دراماتيكي، مثل إرنست هاس (7).
– إني أتفهم ذلك كلّه، لكنني الآن أعمل على كاميرا SX-70 الصغيرة من أجل المتعة، وأصبحتُ مهتمًّا بها جدًّا. أشعرُ وأنا أستخدمها بانسجام كبير. قبل سنة من الآن كان يمكن لي القول بأنّ الصور الملونة مبتذلة، وينبغي عدم تجربتها تحت أيّ ظرف من الظروف. وإنها لمفارقة حقًّا؛ إذ تلازمني الآن، والحقيقة أنني أنوي اعتمادها الجدي.
* في استهلال الحديث قلتَ: إنكَ تأخرتَ في بداياتك، وإنكَ شعرتَ بأنّ عملك المهني لا يزال على طريق طويل. ماذا تفعل الآن؟
– أخبرتكَ. إني مفتونٌ بهذه الآلة الصغيرة التي ظننتها في البداية مجرد لُعبة.
* وماذا تحاول عمله باستخدامك لها؟
– توسيع رؤيتي وترك المجال لفتح طُرُقٍ فنيّة جديدة لم أجرّبها سابقًا. هذا أحد الأشياء المميزة الخاصة بها، التي اكتشفتها على غير توقع. إنّ المصوِّر صاحب التجربة يملك الآن إضافةً جديدة بكل معنى الكلمة تتيحها هذه الكاميرا. فأنتَ تصوّر أشياء لم تكن تفكّر بتصويرها من قبل. حتى إنني لا أعرف لماذا، لكني وجدت نفسي أتجدد عند استخدامها.
خطوة لا أخلاقية
* ماذا ترى في التأكيدات الحديثة على التكنولوجيا؟
– حسنًا، أنا لم أفكّر كثيرًا في هذه المسألة، لكنني مرتبكٌ جدًّا حيال تلك الكاميرا الجديدة. أخذتها معي إلى إنجلترا الصيف الماضي، وقال صديقٌ لي وهو ناقدٌ فنيّ: «هذه حالة كَمال، فالعمل الشاق بسبب التقنيات الصعبة إنما هو جزءٌ ضروريّ من أجل إنجاز أعمالٍ فنيّة، ولذلك فإنّ استخدام هذه الكاميرا خطوة لا أخلاقيّة» صحيح؛ بواسطة هذه الكاميرا فإنّ عملك يُنْجَز كاملًا بمجرد ضغطك الزر. غير أنكَ ينبغي أن تفكّر بما يتخلل ذلك. عليكَ أن تحوزَ خبرةً طويلة وتدريبًا ومبادئ، مع أني أريد الآن أن أضع هذه الكاميرا بين يدي شمبانزي وطفل ورؤية ماذا سيحدث. حسنًا، ليس ما يتعلق بالشمبانزي – لقد جُرِّب هذا من قبلُ. لكني أريد تجريب الكاميرا مع الأطفال وماذا سيفعلون بها. إنها المرّة الأولى، كما أعتقد، التي تضع فيها آلةً بين يدي فنّان وتدعه يتكل تمامًا على رؤيته، وذوقه، وعقله.
* ربما هذه إحدى أسوأ الأشياء في كاميرا SX-70 – أنها خالية من أيّ صعوبات تقنية. فبإمكان أيّ شخص أن يلتقط بها الصور.

– هذا ليس الشيء الأسوأ. فأمر كهذا يصحّ على أيّ شيء، بصرف النظر إنْ كان ثمّة حاجة للتقنيات أم لا. فعلى سبيل المثال، جميعنا تعلّمنا الكتابة، وأيّ شخص بإمكانه أن يجلس وأن يكتب شيئًا ما. غير أنه ليس كلّ شخص قادر على الجلوس وكتابة ما له قيمة.
* يبدو أنّ كثيرًا من الصور الحديثة تركّز اهتمامها على ما يظهر في الصورة بلا شعورٍ عاطفي حيالها. ألفرد ستيغلتز(8) قال: إنّ أكثر ما يهمه إنما هو قوة المشاعر التي يستمدها من المادة نفسها.
– أعتقد أنه كان، في رأيه هذا، منساقًا إلى حد كبير نحو التنظير عن المسائل الفنية. فكلما أكثرَ من التفكير في ذلك، قَللَ من كونه فنّانًا. عندما بدأ يعتقد أنه كان يقوم بتصوير الله، لم يكن يصوّر شيئًا. لكنه أنجزَ بضعة أعمالٍ رائعة، نحو سنة 1906م في شوارع باريس. لقد قبضَ على حقيقة تلك الشوارع حقًّا. كان أستاذًا في التكنيك، وكذلك تلك الأعمال التي تركزت على الزراعة والحبوب. غير أنّ صور الغيوم ليست شيئًا في نظري، لا شيء على الإطلاق، في حين يعدّها هو أعظم إنجازاته.
* ماذا تقول لطلّابكَ؟
– قبل كلّ شيء أقول لهم بأنّ الفن لا يخضع للتعليم، لكن (التعليم) عامل حافز، ويمكن اجتياز بضعة عوائق من خلال مدرّس نبيه، كما يمكن خلق جوّ يؤدي إلى فعلٍ فنيّ. غير أنّ الفن نفسه سِرٌّ ويصعب الوصول إليه. فأنتَ لا تستطيع وضع الموهبة داخل أيّ شخص. إني أعتمد على الجاذبية، على قوة المرئيّ، على جمالية المادة المنبوذة والمهملة. أعتقد أنه عليك أن تقول هذا مباشرةً، وبعدها تحاول عمل شيء آخر. ولهذا الغرض وُجِدَت الجامعة، لتكون مكانًا للمحاكاة وتبادل الأفكار، وفرصة لمنح الناس امتياز البدء بنهل مِقدار ما من غِنى الحياة الموجود داخل كل إنسان، التي ينبغي عدم الحجر عليها.
المصدر
http://www.americansuburbx.com/2011/10/interview-walker-evans…
(*) نُشر أصل الحوار في
Yale Ahumni Magazine, February,1974
هوامش:
(1) James Agee (1909-1955): روائي، وصحافي، وشاعر، وكاتب للنصوص السينمائية، وأحد أكثر النقّاد السينمائيين تأثيرًا في الولايات المتحدة في الأربعينيات من القرن الماضي. للسينما كتب: «الملكة الإفريقية» 1951م، و«ليل الصيّاد» 1955م. ومن رواياته: «موت في العائلة» 1957م، نال عليها جائزة بوليتزر، و«مراقبة الصباح» 1951م.
(2) Lewis Hine (1874- 1940م): عالم اجتماع ومصوّر أميركي. استخدم الكاميرا كأداة في مجال البحث الاجتماعي. كان لمجموعة صوره لأوضاع الأطفال في المصانع والمزارع تأثيرها الفعّال في تغيير قوانين عمل الأطفال في الولايات المتحدة.
(3) The Graduate: فِلم سينمائي أميركي أُنتج عام 1967م، أخرجه مايك نيكولس، وكتب نصّه كلٌّ من بك هنري، وكالدر ويلنغهام، واستُقي من رواية تشارلز ويبي بالعنوان نفسه.
(4) Sinclair Lewis (1885- 1951م): روائي، وقاصّ، وكاتب مسرح أميركي. نال جائزة نوبل عام 1930م. من رواياته: «لا يمكن حدوث هذا هنا» 1935م، و«شارع رئيسي» 1920م.
(5) Woodstock Music & Art Festival: مهرجان موسيقيّ موسمي بدأ عام 1969م في الولايات المتحدة، يجتذب ما يقارب أربعمئة ألف من الجماهير التي تكتظ ببهجة هائلة حيث يُقام عادة في الخلاء، ويستمر أيامًا.
(6) E.M.Forster: (1879- 1970م): روائي، وقاصّ، وكاتب مقالات إنجليزي ليبرالي. من رواياته: «ممر إلى الهند» 1924م، و«نهاية هوارد» 1910م، و«غرفة مع منظر» 1908م، و«الرحلة الأطول» 1907م.
(7) Ernst Hass: (1921- 1986م): مصوّر صحافي نمساوي المولد، رائد في التصوير الملوَّن. خلال أربعين عامًا من اشتغاله بالتصوير عملَ على التجسير بين التصوير الصحافي واستخدام التصوير كوسيط وأداة للتعبير والإبداع.
(8) Alfred Stieglitz (1864- 1946م): مصوّر أميركي عمل على جعل التصوير مقبولًا لدى الناس يوصفه فنًّا في ذاته.
ولِمَ لا يكون شَرَكًا ليصطادَ إجابةً واحدةً، فقط واحدة، تسعفني (أنا الخط الخيطي في حالاتي شبه الهَبائيّة) في تبرير حضوري الشَّبَحي هذا وسط الخواء إلّا من ظلّي الواهن؟ غير أنَّ ظِلّي لا يراه غيري. ظِلّي في داخلي، وداخلي يكاد يكون موجودًا ـ إذ أكادُ أنا أن أكون! حضوري فَحْميٌّ سرعان ما سوف يتطاير غبارُ رماده إنْ هَبّ نسيمٌ نسيناه، فثمة حياة أولى كانت، أو ثالثة لا أعرف متى ستكون! لماذا أنا أصلًا، ولماذا باتَ قَحْطُ العالم فضاءً مصمتًا تُركتُ فيه ألوكُ سؤالي كأنما هو قَدَري المرسوم، ومصيري المحتوم؟ ألا ترون هذا الـ«جياكوميتي» كيف يجعلُ من عينيَّ، في تخطيطاته بالأسود والأبيض ولوحاته الملونة، تجويفين مليئين ببياضٍ قد يكون أبديًّا (ألأنه أزليٌّ أيضًا؟) لا يمتلئان سوى باللون الذي ينبغي عليَّ أنا أن أجعله فيهما؟ أن أدلقه داخلهما؟ لكنني لا أستطيع الحَراك من مكاني، حتّى وإنْ كنتُ أمشي أو ألتفتُ صوبكم! لا أستطيع في كل حالاتي: إنْ كنتُ خطًّا، أو خيطًا، أو برونزًا بسُمْك الحبل، أو رجلًا جالسًا يحدّق في عدسةٍ خفيّة، أو وجهًا خُططَ بأصابع هذا الجياكوميتي العصبيّة المتوترة! كيف لي أن أجيب عن سؤالي إذا ما بقيتُ واقفًا في قحطٍ أصمّ، وأبكم، انتُزِعَت منه السماءُ، فلا شمس ولا هواء، لا ليل ولا قمر؟ أو منتصبًا كالمسلّة في خواءٍ لا يحملُ في خوائه سوى خوائي إلّا من سؤالي الأرفع مني والأنحل من شبك العنكبوت؟
* * *






توفيت في المكسيك في 2 إبريل 2012م، عن 96 عامًا، النَّحَّاتة وفنانة الليثوغراف إليزابيث كاتليت، التي اعتُبِرَت واحدةً من أكثر الفنانين الأفرو – أميركيين أهميةً في القرن العشرين (تحولَت منحوتاتُها لتصبحَ رموزًا لحركة الحقوق المدنيَّة)، رغم أنها أمضت معظم حياتها في المكسيك. عَكَسَ مزجُها المهيب لكُلٍّ من الفن والوعي الاجتماعي تأثيرَ الرسّام الألماني ماكس بخمان، والمكسيكي دييغو ريفيرا، وفناني منتصف القرن العشرين أمثالهما، ممن جعلوا من الفن وسيلةً لنقد البنى السلطوية.
«أردتُ أن أُظهِر مختلف أوجه تاريخ النساء السود وقوتهن»، أدْلَت كاتليت بهذا لصحيفة ذا سان بيترسبرغ تايمز في 1992م، شارحةً: «النساء العاملات، والنساء الريفيات، ونساء المدن، والنساء العظيمات في تاريخ الولايات المتحدة» بُني عمل كاتليت المبكِّر على تشكيل الوجه، وهو ما أفسحَ المجال للتكعيبيّة كلّما تحركَت باتجاه المنحوتات شبه التجريديّة، وهو المآل الذي باتت تفضّله بعد دراسة الشكل عندما كانت طالبة قيد التخرج أواخر الثلاثينيات. ظَلَّ تاريخا الجنوب الأميركي والإفريقي الأميركي ماثلين وبارزين في منحوتاتها. وتُظهر منحوتة «الوحدة السوداء» العائدة لسنة 1968م قبضةً من خشب الماهغوني المصقول اللامع في جانبٍ منها (الأمام)، وقِناعين إفريقيين يشبهان الوجه في الجانب الآخر (الخلف). وكذلك منحوتة «إجلالًا لأخواتي الصغيرات السوداوات» في السنة نفسها، المشغولة من خشب الأرْز الأحمر، تمثّلُ امرأةً برأسٍ مرفوع وقبضة مشهرة على نحوٍ تجريديّ. ثم تحوّلَ هذان الشكلان البسيطان «لا ليكونا رمزين فقط لحركةٍ ما، إنما هما رسالة خَطّية بتوقيعها تشهد على أنّ رأسها وقلبها كانا قد تجذرا عميقًا في النضال»، بحسب ما كتبت لاينل جورج عام 1999م في جريدة التايمز.
وكعادتها في الأشكال المطبوعة لأعمالها؛ رَسَمَت كاتليت مجموعة موضوعات ذات علاقة بالرجال الأفرو–أميركيين؛ عُمَّال مصانع، ورجال من الطبقة الوسطى بسترات ورابطات عُنق، وعلى نحوٍ بارز رَسَمَت أيضًا أشخاصًا مثقفين مثل مارتن لوثر كينغ. بعد انتقالها للمكسيك في الأربعينيات لدراسة فن السيراميك، أبْقَت على التزامها بقضايا الأفرو-أميركيين، لكنها أخذَت في الحسبان كذلك نضالات العُمّال المكسيكيين. ولقد أشارت إلى هذا بـالتوصيف التالي: «شَعباي الاثنان»، وأحيانًا أقدَمَت على دمج ملامحهما الجسديّة في أعمالها.
ولدت إليزابيث كاتليت في 15 إبريل 1915م في واشنطن العاصمة، حفيدة لعبيدٍ محررين. أبوها بروفيسور في الرياضيات توفي قبل ولادتها، وأُمها عملت مسؤولة ضبط الحضور والغياب في إحدى المدارس. نالت شهادة البكالوريوس في الفن من جامعة هوارد، المعهد التعليمي التاريخي للسود، منتصف الثلاثينيات، بعد أن طُرِدَت من معهد كارنيغي التكنولوجي بسببٍ أنها «مُلوَّنة»! انضمت إلى «إدارة النهوض بالعمل»، البرنامج الذي عمل على توظيف عدد كبير من الفنانين الجائعين إبان حقبة الكساد، وجرى تعريفها بريفييرا وزميله المكسيكي فنَّان الجداريات ميغيل كوفارّوبياس، حيث كان لفكرهما السياسي تأثيره في أعمالها المستقبليّة. عملت كاتليت في تدريس الفن في «نورث كارولاينا هاي سكول» لمدة من الوقت، لكنها أُحْبِطَت بسبب عدم المساواة في الرواتب بين الأساتذة السود والبيض. ثم انتقلت إلى ما يُعرف الآن بجامعة أيوا، لتنال منها درجة الدكتوراه في الفن عام 1940م. وكان من بين هيئة التدريس المشرف عليها الفنّان غرانت وود، المشهور بلوحته المُسمَّاة «القوط الأميركيون»، التي رسمها في عام 1930م، وفيها رجلٌ وامرأة ريفيان متزمتان من أيوا (هنالك أكثر من تأويل في تأمل هذه اللوحة التي باتت أيقونة عن الجنوب الأميركي)، ولقد شَجَّعها على أن تحتذي به وتعمل ما عمله هو؛ وذلك بأن تستعين بثقافتها ومجتمعها كموضوعات لفنها.
«لم أكن محاطة في أي وقت بأناسٍ بيض طوال حياتي، سوى الذين أتعارك معهم» قالت كاتليت فيما بعد، واصفةً دعم وود لها غير المتوقَّع. أما موضوع تخرجها، فكان منحوتتها «أُمّ زنجيّة وطفل»، وفازت بالجائزة الأولى في معرض كولومبيا 1940م، ومعرض شيكاغو للفنانين الأفرو – أميركيين. حين عُيِّنَت أستاذة كرسي لقسم الفنون الجميلة في جامعة ديلارد في نيو أورليانز عام 1940م، لم يكن مسموحًا للأفرو-أميركيين بدخول موقف السيارات المحيط بمتحف نيو أورليانز، فما كان من كاتليت إلّا أن تحتال على هذا الحظر بجعل طلابها يستقلون الحافلة حتى باب المتحف. وفي عام 1941م، انخرطت كاتليت في أنشطة المركز الفني لمجموعة الجانب الجنوبي في شيكاغو، وكان نقطة جذب للفنانين الأفرو – أميركيين التقدميين. وهناك التقت الفنان تشارلز وايت، وانتقلت معه إلى نيويورك بعد زواجهما. ثم ما لبثت أن انضمت إلى هيئة التدريس في كلية جورج واشنطن كارفر، وهي بمنزلة مركز تعليمي في هارلم يُدار من أشخاصٍ تقدميين وراديكاليين. وهناك، بحسب ما كتبت هيرزوغ عنها في سيرتها: «تجذرت قناعتها بأنّ على فنها أن يتجه مباشرةً للجماهير العريضة من العُمّال».
«لطالما أردتُ أن يكون فني في خدمة الناس السود، أن يكون انعكاسًا لنا، أن ينتمي لنا، أن يمثّلنا، أن يجعلنا نعي إمكاناتنا وجهودنا. إنَّ تَعَلُّم كيف نفعل هذا كلّه وتمريره للآخرين إنما هو أحد أهدافي».