«السفر إلى كعكة القمر» لزياد خدَّاش تاريخ يبتلع الشاهد وصوت يتلعثم كي ينجو
تأتي رواية «السفر إلى كعكة القمر» (مرفأ للثقافة والنشر، 2025م) للكاتب الفلسطيني زياد خدَّاش مغامرةً تواصل اشتغاله على تماسّ اليومي والغرائبي: المخيم وهو يجاور الخيال، وقسوة التجربة الفلسطينية وهي تمرّ عبر خفة اللغة. من الصفحات الأولى تُطرح العودة بوصفها اختبارًا: ماذا لو صار الماضي بابًا له شروطه؟ عندها تنتقل الأسطورة من حقل المعجزة إلى حقل الإجراء: موعدٌ ضيق، هويةٌ تُرتدى، وانفعالٌ يُطلب منه الهدوء كي يكتمل العبور.
ينبع توتر الحكاية من جملة الأم التي تُغلق بها سيرة «هايل»: «إشي ما بنحكى»، التي تبدو قفلًا صغيرًا على باب الذاكرة، ترسم حدود المسموح والممنوع وتترك فراغًا مقصودًا يدفع السرد إلى الأمام. ومع انتقال البطل، وهو صحفي من عام 2024م، إلى عام 1947م، ينكشف ضعف أدوات الحاضر في زمن آخر: «تطبيق الواتس لن يكون فعالًا بالتأكيد في بيت نبالا 1947م، لسببين مقنعين: عدم وجود شبكة إنترنت، ثم عدم وجود كهرباء لشحن الموبايل». هكذا تصير العودة انتقالًا من «ذاكرة» إلى «بنية» قواعد: تعهّد مكتوب يسبق المغامرة وتوقيت صارم يقرر المصير، ومن هذا الخليط تتشكل الرواية: خيال واسع، وتفاصيل يومية تضعه على الأرض وتطالبه بالثبات.
ماضٍ يلد نفسه
يتجاوز السفر عبر الزمن سؤال «ماذا حدث؟» إلى آخر أعمق: «كيف يتكوّن الأصل داخل الحكاية؟». يسافرُ البطل بحثًا عن خيط عائلي قديم، فيجد نفسه داخل شبكة أسباب تعيد إنتاج نفسها. تبدأ المغامرة من بوابة شبه قانونية: «ورقة توقّع فيها على تعهّد» يعفي الجهة من أي مسؤولية (ص 13)، أي أنَّ القارئ يَلِجُ إلى الزمن الماضي عبر «عقد» قبل دخوله عبر الدهشة. ومنذ هذه اللحظة تتقدم الحكاية بوصفها علاقة بين رغبة وخطر، بين معرفة وخسارة محتملة.
هنا تضيء رواية خدّاش بوضوح مفهوم «التخلق الذاتي» عند هومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو فاريلا: يصف المفهوم نظامًا ينتج نفسه من داخل اشتغاله ويحافظ على حدوده عبر إعادة تنظيم عناصره. وعلى منطقٍ قريبٍ تتحرك الرواية: يتكوَّن «الأصل» العائلي داخل النص عبر فعل العودة، عبر سكوت الأم وعبر القناع الذي يتبناه الابن، وهو ما يجعل الماضي مجالًا ينتج شروطه خلال السرد نفسه. بذلك تظل «إشي ما بنحكى» حارسةً للغز، مانحةً الفراغ فاعليته ومؤخِّرةً اكتمال الحقيقة؛ ليواصل السرد صنعها.
تتأكد هذه الدينامية حين يسأل البطل عن التاريخ فيهبطُ الجواب كصفعة: «11-7-1948» (ص 68)، وهنا تتغير وظيفة العودة مِن فورها: يصير الماضي كارثة قادمة على بعد يومين. هنا تتحول المعرفة إلى عبء أخلاقي: ماذا يفعل شخص يعرف ما سيجري بعد 13 تموز؟ يعيش الراوي لحظة اختناق معرفي؛ لأن المعلومة تفقد قدرتها على التحول إلى فعل، تتشكل أمامه قسوة التاريخ، ويشعر أن دقة اليوم والتاريخ تمنحه ثقلًا إضافيًّا.
تساعد «السرديات غير الطبيعية» كما بلورها يان ألبَر على فهم هذه الآلية، وهو اتجاه يركز على طرائق السرد التي تكسر قوانين الواقع المتعارف عليها، ثم يسأل: ما الذي يكشفه هذا الكسر؟ في «السفر إلى كعكة القمر» يكشف خرق الزمن عن حقيقة أشد صلابة: التاريخ يعمل بقوى تتجاوز الفرد، والسفر عبر الزمن يضع الإنسان في قلب ماكينة الحدث، ثم يريه حدود قدرته، فيصير الخارق مرآة لقانون تاريخي صلب ويبتعد من صورة الحلم الوردي.
تزداد القسوة حين يتداخل الوقت مع العقاب، فيصف الراوي بدقة شرطًا صغيرًا يرسم حياته: «لو تأخرت دقيقتين عن الموعد ستغادر الآلة، وسأبقى هنا في زمن ليس زمني» (ص 66). هاتان الدقيقتان تصيران حد وجود، مما يصبح الخلاص قرارًا زمنيًّا لا يحتمل التراخي، بذلك تتخذ العودة هنا طابعًا حادًّا: الماضي يستقبل الداخلين وفق شروطه، ثم يبتلع من يخالف شرطًا واحدًا.
تكتمل حركة النصِّ عندما ينزلق من القرية إلى المخيم، وهذا الأخير يتحول من نتيجة تاريخية إلى بنية عيش تعيد تشكيل الإنسان. هنا يتعلم البطل أن النجاة في هذا العالم تقاس بقدرة الجسد على الاحتمال وبقدرة الاسم على الاستمرار، فيفهم القارئ أن النكبة في الرواية فعل مستمر في صيغ مختلفة: في انكسار الخصوصية، في تآكل الأمان، وفي إعادة تعريف الحياة بوصفها سلسلة حلول مؤقتة. عندها يلد الماضي نفسه؛ لأنه يصنع الحاضر مرة بعد مرة.
قناع هايل
تقدم الرواية حكاية هوية تتحرك عبر الأداء، وهو ما يُلحَظُ لدى الراوي الذي يتعلم العيش داخله عبر قناع، وذلك بتبنِّيه اسم هايل مع إضافة سمة حاسمة إليه: التلعثم. تُظهر الجملة المتلعثمة مثالًا واضحًا: «ااااااه يممم يممممكن ببعبعررررررفه» (ص 58). هنا يتحوَّل التلعثم إلى إستراتيجيَّة عبورٍ اجتماعي، يمنح صاحبه مظهرًا آمنًا، يخفِّف من حدَّة الأسئلة ويقلِّل من احتمال الاشتباه. بذلك تتأسَّس علاقة الراوي بالقرية على هذا الصوت المصنوع.
تمنحنا دراماتورجيا الحياة اليومية عند إرفنغ غوفمان مدخلًا مناسبًا لهذا المستوى؛ إذ يرى أن الناس يديرون انطباعات الآخرين عنهم عبر واجهات وأدوار. وفق هذا المنطق تتصرف الشخصيات في الرواية: القرية تقرأ الإشارات، وتستنتج من طريقة الكلام ومشهد الجسد ما تريد تصديقه. كما أنَّ البطل يراقبُ نفسه بعين ممثل ويضبط حركاته وتفاعلاته بما يضمن بقاء القناع فعالًا. يظهر هذا مبكِّرًا عندما يخبر الخياط أن الأمر يتعلق بدور مسرحي (ص 19)، ومنذ هذا التفصيل يعترف النص بأنَّ التمثيل جزءٌ من شروط الرحلة.
يتوسع الأداء في الرواية إلى ما يتجاوز الصوت، ويدخل «المستند» بوصفه أداة داخل المشهد. عندما يواجه البطل السلطة يقدم تعريفًا حديثًا: «أنا صحفي في جريدة الأيام… انظر وجهي وختم الجريدة» (ص 66). يتجاور الخوف والورقة، تتجاور لحظة مطاردة مع لحظة ختم، وتؤكد الرواية أن الإثبات في العالم الاجتماعي يحتاج وثائق، حتى لو جاءت الوثائق من زمن آخر؛ لذلك نجدُ تحوُّل «الحقيقي» إلى صراع بين ورقة وعين، بين ختم وشبهة.
ثمَّة تقنية قريبة تظهر من هذا التداخل في مشهد الهاتف، ولكن عندما يطلب أحدهم من هايل: «أبرز العفريت الذي معك وأسْمِع العتلة موسيقا» (ص 49) يتغير معنى التقنية، ويتحول الهاتف إلى مادة عرض وفضول. هذه المفارقة يستثمرها النص ليصنع ابتسامة، ثم يترك خلفها سؤالًا أوسع عن علاقة الجماعة بالمجهول. يرسم الأسلوب هنا لحظة تعارف بين زمنين، كاشفًا أن الغرابة تسكن الأدوات بقدر ما تسكن الأحداث.
في النهاية تذهب الرواية إلى إعادة توزيع سلطة السرد، وذلك عند ظهور صوتٍ جماعي يفسر أقوال هايل بوصفها هلوسة: «استنتجنا أنها من هلوساته وانفلاتات عقله التي كانت تأتيه فجأة فتختلط عليه الأمور، فيقول ما لا يفهم وما لا يصدق» (ص 90). يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأنَّه يجعل الحقيقة موضوع تفاوض اجتماعي. يكتبُ الفرد حكايته، ثم تعيد الجماعة كتابتها بلغة «العقل» كما تفهمه، فتملك حق الإغلاق ويشعر القارئ أن الذاكرة العامة قادرة على ابتلاع الشاهد حتى وهي تستند إلى صوته.
ما يبقى بعد انطفاء الجهاز
تمنح «السفر إلى كعكة القمر» القارئَ حكايةً مشوقةً قبل أن تقوده إلى منطقة أعمق: الماضي يتشكل عبر السرد، والهوية عبر الأداء، والعيش عبر بروتوكولات دقيقة. تتقدم الرواية بوصفها اختبارًا لمعنى العودة، فتضع الذاكرة تحت الضغط، والمعرفة أمام حدودها، والفرد أمام تاريخ يشتغل بقوة تتجاوز رغبة فرد واحد.
تتركنا الخاتمة أمام أثر اسم هايل بوصفه علامة مفتوحة: حقيقة عاشها الراوي، أو قصة أعادت الجماعة صياغتها لتستقر. يحتفظ الاسم بطاقته الإزعاجية؛ لأنه يطرح سؤال حق التفسير، ويختبر قدرة الفرد على الدخول إلى الماضي مع بقاء خطر التحول إلى مادة ضمنه حاضرًا. عند هذه النقطة تكتسب «كعكة القمر» معناها الأبعد: وعد يلمع من بعيد ويقود الحكاية إلى أقصى توترها، ثم يترك في الفم مذاقًا حادًّا من الزمن والنجاة.