بواسطة بدر الدين مصطفى - كاتب مصري | سبتمبر 1, 2025 | قراءات
لا يمكن فهم الرواية النسائية السعودية من منطلق كونها ممارسة أدبية معزولة عن سياقها، بل ينبغي النظر إليها بوصفها فعلًا تاريخيًّا مشحونًا بالتحدي والمساءلة والتفاوض مع أنساق السلطة الثقافية والاجتماعية والدينية. فالكاتبة السعودية، في معظم تجلياتها السردية، لا تعيد فقط تمثيل الواقع، بل تنفذ إلى نسيجه الداخلي لتعيد صياغته من موقع المقاومة، واضعةً على طاولته أسئلة الجسد والمكان والهوية واللغة بوصفها أدوات تأويلية تقوّض البنى الراسخة وتزعزع مركزيتها.
وعليه، فإن أهمية النصوص الروائية النسائية لا تكمن في مضمونها الظاهري فحسب، بل في كونها تمارس فعلًا مزدوجًا؛ إذ تقاوم التهميش من جهة، وتنتج معرفةً بديلة حول الذات والعالم من جهة أخرى. ولم تعد هذه الكتابة استجابة عفوية لضغوط اجتماعية متأصلة أو امتدادًا لسرديات المظلومية، بل غدت فضاءً تفاوضيًّا تتقاطع فيه قضايا الجندر والسياسة والدين والطبقة والعرق، حيث يعاد تشكيل الحكاية من داخلها، ويعاد بناء الهامش لا بوصفه موضعًا للغياب، بل مصدرًا للمعنى والقوة.
سردية مضادة
من هنا تأتي أهمية الدراسات التي تتجاوز الاكتفاء برصد حضور المرأة في المدونة الأدبية؛ لتنفذ إلى تفكيك آليات التمثيل ذاتها، وتُسائل أنماط التشكل السردي والهوياتي عبر العقود. وفي هذا السياق تحديدًا، يندرج كتاب «الكاتبات السعوديات: خرائط الأدب وسياقات التحوّل الاجتماعي والسياسي» «Saudi Women Writers: Sociopolitical and Literary Landscapes»، للدكتورة بسمة آل مطلق، بوصفه محاولة نقدية ناضجة لقراءة تحولات السرد النسائي السعودي خلال أكثر من خمسة عقود، من خلال توجه نظري مركب يراعي تشابك المحلي بالعالمي، وتداخل الذاتي بالجماعي، والرمزي بالجسدي، ساعية إلى رسم خرائط معقدة لا تفصل بين الأدب والسياق، بل تراهما متداخلين في صناعة المعنى وتحدي المهيمن الثقافي.
في هذا العمل الصادر عن دار روتليدج في طبعته الأولى عام 2025م، تطرح بسمة آل مطلق دراسة نقدية تعالج التحولات السوسيولوجية والفكرية التي شهدها حضور الكاتبة السعودية في السرد الأدبي، وذلك من خلال تحليل نصوص مجموعة مختارة من الكاتبات، ابتداءً من ستينيات القرن العشرين وصولًا إلى مطلع الألفية الثالثة. يقع الكتاب ضمن إطار نقدي نسوي تقاطعي، ينهل من تنظيرات ميشيل فوكو وسوزان فريدمان وهيلين سيكسو وغيرهم، ويتوجّه إلى جمهور أكاديمي متخصص في الأدب والنقد الثقافي ودراسات الجندر في السياق العربي والخليجي.
يسعى الكتاب إلى تفكيك البنية السائدة للنص الثقافي السعودي، ويقترح أن نصوص الكاتبات لا تُقرأ فقط بوصفها تعبيرًا أدبيًّا، بل بصفتها أفعالًا سردية تقاوم وتحاور البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المهيمنة. وقد انطلقت المؤلفة من مفهوم «الذاكرة الثقافية» و«المقاومة السردية»، لتعيد الاعتبار لتاريخ أدبي نسائي ظل، من وجهة نظرها، مهمشًا أو مقصيًّا عن أرشيف الأدب الرسمي. تنطلق آل مطلق من فرضية مركزية مفادها أن الأدب النسائي السعودي، على الرغم من محدوديته من حيث التراكم الكمي، يشكل أرشيفًا موازيًا لسرديات المجتمع، ويضيء المناطق المعتمة في تمثلات المرأة والسلطة والهوية.
تمثلات السلطة في السرد النسوي
ينقسم الكتاب إلى ستة فصول، كل منها يتناول زاوية مختلفة من جوانب السرد النسوي. من أبرز هذه الفصول ذلك الذي تحلل فيه آل مطلق رواية «العباءة»، لمها الجهني، حيث تُعيد قراءة العباءة ليس فقط بوصفها زيًّا دينيًّا أو تقليديًّا، بل رمزًا سرديًّا يُراوِحُ بين الخفاء والتمكين، بين الخضوع والمقاومة. تُصوّر الرواية البطلة وهي تستخدم العباءة بوصفها غطاءً لتمرير أفعال خارج المألوف، وهو ما يجعل منها أداة مقاومة خفية، وهو ما تصفه الكاتبة بأنه «خيال نسوي كامن في أدوات القهر ذاتها». مثال آخر يظهر في تحليلها لرواية «خاتم»، لرجاء عالم، حيث تُبرز كيف أن علاقات الأبوة في الرواية تعيد إنتاج التفاوت الجندري من خلال خطاب الحب الملوث بالسلطة؛ إذ يتحول «الحب الأبوي» إلى خطاب هيمنة يُمارس من خلاله الأب سلطته الرمزية على خيارات بناته، ويتحول الصمت الأنثوي إلى وسيلة تآكل للهيمنة الرمزية.
السياق الذي يأتي فيه الكتاب سياق متحرك، حيث تشهد المملكة العربية السعودية تحولات لافتة في البنية الاجتماعية، وتعاد صياغة مفاهيم كالتمكين والانفتاح والانضباط. إلا أن آل مطلق تحذر، بذكاء، من النظر إلى هذه التحولات بوصفها قطيعة، وتقترح بدلًا من ذلك فهم الكتابة النسائية كسيرورة تراكمية لمقاومة ممتدة منذ الستينيات، وإن تفاوتت أدواتها وخطاباتها. في هذا السياق، يبدو عمل آل مطلق مكملًا، وربما متجاوزًا، لدراسات سابقة مثل كتاب صديقة عربي «المرأة والكلمات في المملكة العربية السعودية» «Women and Words in Saudi Arabia» الذي ركز على المقالة والنص القصير، في حين يركز كتاب آل مطلق على الرواية بوصفها أداة تحليل كاشفة للهويات الملتبسة والنزاعات الداخلية للمرأة الخليجية. كذلك، لا يخلو الكتاب من إشارات إلى أسماء نسوية عربية أخرى، لكنّه يظل محافظًا على خصوصية الحالة السعودية بوصفها تقاطعًا بين العائلة، والدولة، والدين.
نصوص الجسد وخرائط الهوية
ما يميز هذا العمل ليس فقط اتساع مادته أو عمق تأصيله النظري، بل قدرته على الجمع بين الصرامة الأكاديمية وروح السرد، وهو ما يجعله نصًّا يقاوم التبسيط ويمنح الكاتبات صوتًا مركبًا، غير مروّض ولا ممسوح الهامش. فمثلًا، في قراءتها لرواية «وجهة البوصلة»، لنورة الغامدي، تبرز كيف تتحول الولادة الميتة للبطلة إلى استعارة وجودية عن انعدام الأمل، والاغتراب داخل الجسد نفسه، وترى فيها «تجليًا جسديًّا للهامش الاجتماعي». هذه القراءة تعكس قناعة الكاتبة بأن الجسد في هذه النصوص لم يعد موقعًا للضعف، بل ساحة لصراع تأويلي وسياسي.
ومن بين الفقرات اللافتة تحليليًّا في الكتاب ما ورد في مقدمة الفصل الثالث، حين تقول آل مطلق إن «السرد الأنثوي ليس ترفًا بل استعادة لذاكرة منسية»، وهي جملة تُلخّص المشروع كله. فالمؤلفة لا تسعى إلى تأريخ حيادي للأدب النسائي، بل إلى مقاربة نقدية ذات حس أخلاقي وفكري، تنحاز إلى الهامش دون أن تقع في خطاب الضحية، وتؤكد في الوقت ذاته على الوساطة التي تمارسها الكاتبات، ولو على مستوى التخيل.
على مستوى المقارنة، يبدو أن آل مطلق تقترب من أطروحات سوزان فريدمان في كتابها «خرائط»، لكنها تبتعد من الرؤية المركزية لغربنة النسوية كما طرحتها إيلين شووالتر في «أدب خاص بهن». وفي هذا، تميز آل مطلق نفسها عبر تبنيها لنسوية تقاطعية تقرّ بوجود أكثر من شكل للنسوية، وتُصر على فهم النسوية الخليجية ليس بوصفها تكرارًا لنسوية غربية، بل خطابًا ناشئًا من الداخل، يتفاوض مع محليته أكثر مما يصطدم بها.

ويحضر في كتاب بسمة آل مطلق خيطٌ نظري واضح يتكئ على جملة من المرجعيات الفلسفية والفكرية التي تُشكّل خلفية تأويلية تفتح النصوص الروائية النسائية السعودية على قراءات مركّبة وغير خطية. ففي مقدّمة العمل ومباحثه المختلفة، يستدعي الكتاب بشكل واضح أطروحات ميشيل فوكو، خصوصًا مفهومه حول «الذاكرة المضادة» بوصفها أداة لمقاومة الخطابات المهيمنة، حيث تقترح آل مطلق أن الرواية النسائية في السعودية تُعيد كتابة التاريخ من موقع التهميش، وتعمل على تفكيك السردية الذكورية لا عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إنتاج سرد بديل يستعيد ما أُسكت أو كُتم. وتستثمر كذلك مقولة «السلطة/المعرفة» لتُبرز كيف تموضع الكتابة النسائية ذاتها بوصفها خطابًا يزعزع المركز ويفكك العلاقة بين السلطة الثقافية والمؤسسة الأدبية.
وفي محاولتها لمد نطاق هذا الأفق، تستند آل مطلق إلى أفكار سوزان فريدمان، وبخاصة في كتابها «خرائط»؛ إذ تتبنى التصور التقاطعي للهوية، فترى في النص النسوي الخليجي ميدانًا تتقاطع فيه البنى الاجتماعية والدينية والسياسية، دون الوقوع في ثنائية الرجل/المرأة أو المحلي/الغربي. وتدلّ قراءة آل مطلق على وعي نقدي بأهمية ما تسميه فريدمان بـ«الموقعية العلائقية»، أي أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل تتشكل عبر مواضع متغيرة من القوة والهشاشة، تتبدل بحسب السياق التاريخي والثقافي. بهذا، تتحول الرواية النسائية من كونها تعبيرًا عن معاناة مفردة إلى موقع تفاوضي يعيد تشكيل العلاقة بين اللغة، والجندر، والانتماء.
ولا يقتصر حضور المرجعيات النظرية على التوجه النسوي المعاصر، بل تتسرب إلى الكتاب أيضًا إشارات دالة إلى أفكار هيلين سيكسو وكاثرين كليمان، ولا سيما في الفصل الذي تناقش فيه الكاتبة ما تسميه «النصوص الجديدة»، حيث يُفهم السرد النسائي بوصفه فعلًا تمرديًّا يسعى لتحطيم «الصخرة الإبستمولوجية» التي تقوم عليها السلطة الاجتماعية السائدة في الثقافة. وفي هذا السياق، تبدو اللغة ذاتها أداة صراع؛ إذ توظف الكاتبات تقنيات السرد الذاتي والمونولوج الداخلي واستدعاء الجسد بوصفه حقلًا دلاليًّا يعيد بناء المعنى. هكذا، يصبح الجسد في هذه النصوص ليس مجرّد موضوع للتمثيل، بل نصًّا قائمًا بذاته، يحمل توتراته ويقترح من داخله لغة جديدة تتحدى خطاب الصوت الواحد.
إن انفتاح الكاتبة على هذه المرجعيات لم يكن نوعًا من الترف النظري، بل هو ما منح قراءتها للنصوص الأدبية عمقًا ومرونة، وجعل الكتاب بمنزلة تدخل نقديّ جادّ في بنية الثقافة الخليجية، حيث تتقاطع اللغة مع السياسة، والسرد مع السلطة، والجندر مع الذاكرة.

إشكالات التنظير وتجانس الصوت النسوي
وعلى الرغم من القيمة الفكرية العالية التي يحظى بها الكتاب، فإن طموحه النظري العابر للتخصصات يُلقي عليه في مواضع عدّة عبئًا تأويليًّا قد يثقل التجربة القرائية، خصوصًا في بعض الفصول التي تنزع إلى الإغراق في المفاهيم الفلسفية دون أن تُترجم دائمًا إلى تحليل دقيق على مستوى البنية السردية للنصوص الأدبية نفسها؛ إذ نجد أن بعض المقاطع، ولا سيما عند الحديث عن فوكو أو كريستيفا، تستعرض المفهوم أكثر مما تفعّله، وتُبقيه على مستوى الإطار المرجعي الخارجي بدل أن تُنضجه داخل النسيج الدلالي للنصوص المختارة. هذا الميل إلى الانحياز للنظرية أحيانًا على حساب الأدب قد يُضعف من فاعلية النقد نفسه، لا لأنه تنظيريّ، بل لأنه يصبح منفصلًا عن اللغة التي ينتقدها.
كذلك، يُلحظ أن الكتاب على الرغم من نزعته التقاطعية الظاهرة، فإنه لا يولي اهتمامًا كافيًا للتفاوتات داخل التجربة النسائية ذاتها، كما لو أن «الكاتبة السعودية» هي كيان متجانس، دون التوقف كثيرًا عند الفوارق الطبقية والمناطقية والمذهبية التي قد تؤثر في بنية الخطاب النسائي نفسه. فالروايات القادمة من مناطق حضرية ذات اتصال مبكر بالحداثة -جدة والرياض، على سبيل المثال- لا تشبه بالضرورة سرديات الكاتبات من المناطق الريفية أو الحدودية، ومع ذلك تُقرأ جميعها داخل الكتاب بوصفها أصواتًا متقاربة ضمن المسار نفسه، وكأنها تنتمي إلى بنية سردية واحدة متجانسة في نبرتها، وهو ما قد يُغفل تعقيد الهويات النسائية داخل الجغرافيا الثقافية السعودية ذاتها.
وأخيرًا، وعلى الرغم من اتساع المادة المدروسة، فإنه تغيب بعض الأسماء النسائية التي أثّرت في تشكيل خطاب مغاير في الشعر والمقالة والمسرح، كما لو أن الرواية وحدها تملك امتياز التعبير عن «المقاومة». هذا الحصر -المعلن أو الضمني- في شكل روائي معين، وإن كان مبررًا من الناحية المنهجية، قد يجعل المشروع أقل شمولًا من ادعائه التأويلي الأول، ويعيد إنتاج شكل من «النسوية الأدبية الرسمية» التي لا تعترف إلا بما يُنشر داخل حدود الجنس الأدبي المكرّس.
مع ذلك، فإن هذه الملحوظات لا تُقلّل من القيمة الفكرية للكتاب، بل تؤكد الحاجة إلى التوسّع في هذا النوع من القراءات، وإلى تكرار المحاولة من زوايا أخرى، قد تُكمل ما بدأته بسمة آل مطلق في هذا العمل الطموح.
بواسطة بدر الدين مصطفى - كاتب مصري | يناير 1, 2025 | عمارة
في العقود القليلة الماضية، نجح التوجه المكاني في العلوم الاجتماعية في إضافة المزيد من الدقة للدراسات المتعلقة بالحياة اليومية في المجتمعات المسلمة. وقد انتقد الباحثون الذين قادوا هذا التوجه الجديد، المقاربات السابقة التي تأسست على توجه مسبق يصور الرجال على أنهم يسيطرون على الفضاء العام، والنساء على أنهن مقيدات داخل الفضاء الخاص؛ بسبب التقاليد الدينية والنظام الاجتماعي الذكوري. ويعد كتاب «العمرانية الإسلامية الجديدة: هندسة الفضاءات العامة والخاصة في جدة، المملكة العربية السعودية» لستيفان مانيفال، والصادر عن دار نشر جامعة كوليدج لندن، عام 2020م، مساهمة لافتة في هذا السياق، فهو يجادل ضد الفرضية الغربية النمطية القائلة: إن الفصل بين الجنسين في المجتمعات المسلمة ينتج عنه فصل واضح بين الفضاءات العامة والخاصة، ويسعى لإثبات أن مفاهيم الخصوصية المختلفة في السياقات الثقافية المتنوعة تؤدي إلى نوع من التشابك داخل الفضاءات العامة والخاصة، حيث يؤدي الفضاء الخاص دورًا كبيرًا في تشكيل الفضاءات العامة النشطة.
الفضاءات الاجتماعية والتنوع السكاني
يقع الكتاب في ستة فصول. يستعرض الفصل الأول كيف ساهمت جدة، بوصفها محطة رئيسة للحجاج المسلمين المتجهين إلى مكة المكرمة، في تطوير النسيج العمراني لمدينة جدة في القرنين التاسع عشر والعشرين. في حين يأخذ الفصل الثاني القارئ في جولة بصرية في المدينة القديمة يستعين فيها الكاتب بالعديد من الصور الفوتوغرافية التي تبرز طبيعة النسيج المديني لجدة في تلك الحقبة وكيف جاءت التصاميم الخارجية والداخلية معبرة عن طبيعة الحياة آنذاك.
يصف مانيفال في هذا الفصل التضاريس المادية والهندسة المعمارية السكنية للمدينة القديمة، وكذلك الفضاءات الاجتماعية والتنوع السكاني الذي شكل هذه الفضاءات. وعبر فحص الهندسة المعمارية للمنازل السكنية والشوارع والأسواق والطبقات الاجتماعية والإثنيات المختلفة التي سكنت هذه الأماكن، يجادل مانيفال بأن الهندسة المعمارية في جدة في النصف الأول من القرن العشرين لم تضع حدودًا فاصلة بين الفضاءات العامة الخارجية والداخلية الخاصة. على سبيل المثال، في المساكن التقليدية ذات الطابقين، كان الرجال يزاولون الأعمال التجارية في الطابق الأرضي أو يخصصونه لإقامة الحجاج، وكان الطابق العلوي مخصصًا للأنشطة العائلية. كانت النساء داخل العائلة أو مع الجيران يتواصلن، مشكلات جمهورًا نشطًا من خلال تنظيم التجمعات الاجتماعية للاحتفال بالمناسبات، ومناقشة شؤون العائلات، وغير ذلك من الأحداث الاجتماعية. وبالمثل، في موسم الحج، بينما كان العديد من الرجال يعملون في مكة تجارًا ومرشدين للحجاج، كانت النساء يستخدمن الفضاءات العامة بحرية ونشاط، وهو ما يكشف أن الفصل بين الجنسين لم ينتج عنه فصل دائم ومميز بين فضاءات الرجال والنساء.
يوضح الفصل الثالث التغييرات الجذرية في البيئة العمرانية لجدة التي أتاحتها الثروة الناتجة من اكتشاف النفط. فخلال حقبة ما قبل النفط، كانت الهندسة المعمارية السكنية تفي بوظائف مختلفة مثل استقبال الضيوف، وتوفير الإقامة للحجاج، وتنظيم الأنشطة الاجتماعية. ومع ذلك، عملت المواد البنائية الجديدة والابتكارات في تقنيات البناء خلال عصر النفط إلى تغييرات مادية داخل الفضاءات العامة والخاصة، ما أفضى إلى التمايز والاستقطاب المكاني. وقد روجت الهندسة المعمارية السكنية الجديدة التي ازدهرت خلال هذه الحقبة لمفهوم جديد للخصوصية، حيث أصبح المنزل «مكانًا مخصصًا للأسرة بشكل أكبر، وحميمًا، ونسائيًّا»، وتبع ذلك نقل الأنشطة التجارية والتعليمية والترفيهية إلى أماكن خارجية. يعالج هذا الفصل أيضًا تأثير التقنية الحديثة، مثل أنظمة التكييف واستخدام السيارات، في تحويل طبيعة الفضاءات العامة والخاصة في المدينة؛ إذ لم تؤدِّ هذه التغييرات إلى تغيير الهندسة المعمارية للمدينة فقط، بل أيضًا إلى تغيير أنماط التفاعل الاجتماعي. فمع زيادة الاعتماد على السيارات، وتوسيع الطرق السريعة، تقلصت التفاعلات البشرية في الفضاءات العامة، وهو ما أضاف بُعدًا جديدًا للخصوصية في المدينة.
خطاب عمراني جديد
في الثمانينيات، بدأ العديد من المخططين الحضريين المحليين، والأكاديميين، والمهندسين المعماريين في انتقاد الاتجاهات العمرانية التي سادت إبان الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين لتجاهلها المبادئ التقليدية للحياة الاجتماعية في الأحياء، وكذلك مفهوم الخصوصية في الإسلام. وفي أثناء استعراض مانيفال للعديد من أعمال المهندسين المعماريين ومخططي المدن المنتمين لهذه الحقبة، يلحظ تشكل خطاب عمراني جديد في جدة أطلق عليه «العمرانية الإسلامية الجديدة». وفي الفصل الرابع، يجادل بأن ظهور هذا الخطاب يجب أن يفهم ضمن سياق الخطاب الأوسع لإحياء السلفية الذي ظهر في الثمانينيات والتسعينيات، المعروف باسم الصحوة الإسلامية.
يعالج الفصلان الخامس والسادس تأثير خطاب العمرانية الإسلامية الجديدة في الممارسات اليومية والثقافة المادية في جدة على مدار العقود القليلة الماضية. ففي الوقت الذي ركزت الهندسة المعمارية السكنية التي تطورت منذ الثمانينيات بشكل متزايد على حماية الخصوصية كوسيلة لدعم أسلوب حياة يتماشى مع القيم الدينية، قوبل هذا الاتجاه بالترحيب أيضًا من جانب الأشخاص الذين لا يتبعون النمط الديني المحافظ الذي يروج له المصلحون السلفيون، حيث تؤكد الفكرةُ الجديدة للخصوصية أيضًا أهميةَ الحريةِ الفردية، وتَحُدّ من التدخلات الخارجية في المساحات الشخصية. وقد أدى هذا المفهوم الجديد للخصوصية أيضًا إلى ازدهار التجمعات الثقافية الخاصة التي تستضيف فعاليات قد لا يسمح بها في الفضاءات العامة.
استخدم مانيفال مجموعة متنوعة من المصادر الأرشيفية وطرق العمل الميداني؛ لإعادة بناء التاريخ الاجتماعي لمدينة جدة في القرنين العشرين وأوائل الحادي والعشرين، مستكشفًا التفاعل بين «الهندسة المعمارية والتجمعات البشرية والممارسات الاجتماعية والخطاب» في تشكيل الفضاءات العامة والخاصة في المدينة. ومن الناحية النظرية، استلهم مانيفال من التدخلات الحديثة في الدراسات المكانية التي قدمها علماء مثل مارتينا لو ودورين ماسي اللتين تشددان على التشكيل الخطابي للفضاءات الاجتماعية. وقد ساعد هذا النهج مانيفال في مساءلة الفكرة الثابتة للفضاءات العامة الذكورية والخاصة الأنثوية، وتوجيهها نحو الطبيعة العلائقية لتشكيل هذه الفضاءات ضمن سياق ثقافي معين.
ومع ذلك، وبينما يناقش مانيفال في كتابه الاستجابة لخطاب العمرانية الإسلامية الجديدة، لم يُولِ كثيرًا من الاهتمام لتجربة المهاجرين من الطبقة الوسطى من جنوب وجنوب شرق آسيا الذين يشكلون جزءًا مهمًّا من سكان جدة. كان بإمكان مانيفال، وهو ما كان سيثري بحثه بشكل كبير، استكشاف المفاهيم المتصورة للخصوصية والفضاء العام لدى هؤلاء المهاجرين، وكيفية تفاوضهم بشأن هذه المفاهيم داخل تجمعات جدة المعمارية المتغيرة.

تحليل نظري ودراسة ميدانية
يبدو جليًّا أن مانيفال قد استفاد في مناقشة أطروحته من مناهج متعددة في دراسة هذا الموضوع؛ إذ اعتمد على الجمع بين التحليل النظري والدراسة الميدانية، ليقدم رؤية تفاعلية تعكس الطبيعة المتحولة للمدينة. وإضافة إلى ذلك عمل مانيفال على تطوير بعض الرؤى التي قدمها دولوز ودراسات هيك دليتز في علم الاجتماع المعماري، ليطرح بعض المفاهيم الجديدة حول كيفية تشكل الفضاءات الاجتماعية في ظل تأثير التقاليد الثقافية والمادية المتغيرة.
ومن الجوانب التي تستحق التأمل في دراسة مانيفال هو التحدي المنهجي في جمع البيانات وتحليلها في مدينة مثل جدة، فقد تعترض الباحث صعوبات تتعلق بالوصول إلى المصادر المحلية أو إتمام الدراسات الميدانية في بيئة تمتلك خصوصية ثقافية وتقاليد شبه محافظة. هذا التحدي يظهر بشكل خاص عند تناول قضايا حساسة مثل الفصل بين الجنسين، والخصوصية، والفضاءات العامة. ومع ذلك، تمكّن مانيفال من التغلب على هذه العقبات عبر الاستفادة من مجموعة متنوعة من المصادر الأرشيفية، وهو ما أثرى دراسته وزاد من مصداقيتها.
وعند مقارنة عمل مانيفال بما تناوله باحثون آخرون، مثل جون إسبرن في كتابه «المدينة العربية: من التقليد إلى التحديث»، نلحظ أن كتاب مانيفال يتفرد بتركيزه على مدينة «جدة» كحالة دراسية، ويتناول إسبرن المدن العربية عامةً، مع اهتمامه بتأثير التحولات السياسية والاجتماعية في العمارة. يفتح مانيفال بابًا جديدًا لفهم التحولات في الفضاءات الحضرية من خلال التركيز على البعد الثقافي والديني، وهو ما يغفله إسبرن في تحليلاته ذات الطابع الأكثر عمومية.
إن جدة، بكونها مدينة تتقاطع فيها الثقافات وتتعدد فيها الهويات، تقدم نموذجًا جيدًا لدراسة التفاعل بين التراث والحداثة. وقد امتاز تحليل مانيفال في كتابه بقدرته على كسر القوالب الجامدة التي طالما سيطرت على الدراسات المتعلقة بالمدن الإسلامية. وحاول من خلال كتابه الكشف عن تجليات الهوية الثقافية من خلال العمارة، فحلل بشكل منهجي دقيق كيف يعبر التصميم المعماري عن الهوية الثقافية والدينية للأفراد والمجتمعات وكيف يتفاعل مع العولمة والتحولات الحديثة. ومن خلال دمج هذه المفاهيم الفلسفية، يقدم الكتاب فهمًا تحليليًّا ثاقبًا للطرق التي تؤثر بها العمارة على تجربة الأفراد والمجتمعات، وهو ما يجعله مصدرًا مهمًّا للبحث في مجال العمارة الإسلامية.
بواسطة بدر الدين مصطفى - كاتب مصري | يوليو 1, 2023 | مقالات
المتأمل في تاريخ الفكر العربي الحديث، منذ محاولاته الأولى في القرن التاسع عشر حتى وقتنا الراهن، سيجد أن سؤال الهوية بالتباساته وتعالقاته كافة هو السؤال المركزي الرئيس الذي انطلقت منه الأطروحات كافة (فهمًا، وقراءةً، وتحليلًا، ونقدًا) للأنا في علاقتها بالآخر. وقد استندت تلك الأطروحات، في معظمها، إلى مواقف أيديولوجية مسبقة تحدد طريقة هذه العلاقة وترسم معالمها. ولهذا ظلت أسيرة ما تستند إليه، ولم تتجاوز ذلك إلى رؤية أكثر شمولية تسعى لفهم الأنا بثوابتها، وعلى امتدادها التاريخي، ومن خلال القوانين الناظمة لها، وتسعى أيضًا لفهم الآخر وتأطيره وفقًا لتجاربه وتمثلاته الثقافية.
من هنا تأتي أهمية الكتاب الذي نشره مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية والمعنون بـ«أمة على رسلها: تأملات في بلاد العرب» 2023م لسمو الأميرة مها بنت محمد الفيصل والذي يقع في 250 صفحة من القطع المتوسط. الكتاب يتكون من اثنتي عشرة ورقة كُتبت في مدد زمنية مختلفة، الناظم بينها هو تأمل مفهوم الحضارة كما يعرف الآن، وتاريخ العرب الحضاري وموقعه بين الأمم. يدخل الكتاب في مساءلة نقدية لافتة مع بعض المفاهيم التي تبدو مستقرة ومتداولة بشكل واسع مثل الحضارة والثقافة والمرجعية والقيم، ليفكك بداهتها ويعيد قراءتها وفق المتغيرات الثقافية العالمية ومنظومة قيمها العابرة للحدود. كما يشتبك مع بعض التصورات الفكرية محاولًا تأطيرها ووضعها في سياقها المعرفي المناسب، دون تهويل أو تهوين.
ومثل العديد من الكتب التي خصصت موضوعاتها لدراسة الهوية الحضارية العربية بأبعادها المختلفة (اللغوية والقيمية والسيكولوجية)، يركز «أمة على رسلها» على قضايا أو ظواهر جزئية بدت مستشرية في واقع عربي متأزم يفتقد تحديد اتجاه بوصلته، ليخرج منها بقضايا أعم تمس الذهنية العربية نفسها وتصوراتها عن نفسها، ومع ذلك يتميز الكتاب بخلوه من الادعاءات الأيديولوجية أو الفرضيات غير المختبرة، إضافة إلى ما يحمله من محاولات تأصيلية لا تقف عند حدود الوصف والتحليل بل تتجاوزها إلى إعادة صياغة المفاهيم وتصحيح التصورات، وربط ذلك كله بالسياقات العربية الحضارية.
ارتباك المرجعيات
ماذا حملته لنا الحضارة والثقافة اللامادية؟ وما تداعيات تبني مقولاتها وتصوراتها على البنى المجتمعية التقليدية والفطرية مثل الأسرة والنسب والقبلية الرشيدة؟ على الرغم من أن الكتاب لا يطرح السؤال بهذا الشكل المباشر، فإنه السؤال المركزي الذي تنطلق منه المؤلفة في تحليلاتها المختلفة. لقد تحولت المؤسسات الكبرى السياسية والتعليمية إلى تبنـِّي منظور السردية المادية اللادينية، بل أُنشئت بفضله أنساق مجتمعية مبتكرة، ومنها خرج تصور جديد لطبيعة الأسرة، وصياغة مختلفة للعلاقات بداخلها، ناهيك عن الميوعة في تحديد الجنس البشري ذاته ليخرج تمامًا عن ثنائية الذكر والأنثى. ومن الآثار المباشرة لسيادة هذه التصورات، الإضرار الكبير بفكرة «المرجعية» ذاتها! فالانتقاص الكبير من قدر الأب، وما حدث من تحول في المكانة المقدسة للأم، في مخيلة وواقع المجتمعات العربية، قد أصابا رمزية كل من الأب والأم في مقتل. وقد انعكس ذلك سلبًا بشكل مباشر على مفهوم الأسرة والقبيلة.
تمضي المؤلفة بعد ذلك في تحليل مفهوم القبيلة وفك التباساته الدارجة، فالقبيلة لا يقابلها التمدن لأن القبيلة شكل من أشكال التجمع البشري وهي أقرب إلى مفهوم الأسرة. والقبلية ليست نمطًا بدائيًّا، مُؤسَّسًا على قاعدة من العلاقات الاجتماعية الجامدة، بل منظومة من العلاقات الإنسانية والبيئية والسلطوية غاية في التعقيد. كما تعمل ضمن نسيج من العلاقات التي تتصف بالتراتبية، حيث لا يمكن تصور أي نظام إلا وفيه تراتبية، لكن الدور التنظيمي للتراتبية هنا ليس قائمًا على ضرورة الفصل الصارم فيما بين الرتب.
صناعة الفرد السيكولوجي
يطغى المنظور السياسي على الحياة الحديثة؛ لذلك أصبحت الفردية فردية سياسية مصطنعة نمطية، وليست فردية طبيعية ثرية وحقيقية. وهذا يفسر لنا التضخم الكبير في فكرة «الحرية الفردية» داخل المجتمعات التي تتبنى الأيديولوجيا الليبرالية، والتركيز على فكرة «الحقوق»؛ أي حق الفرد، وليس «واجباته». ثم تجـاوزت الفردية ذلك لتصبح منهجيـة تفكير من أعظم آفـاتهـا التغـافل الكـامل عن الكل الجـامع، والتركيز على العنـاصر المتجزئـة المنفصلة. تناقش المؤلفة في هذه المقالة نشأة مفهوم الفردية في الحضارة الغربية مع إبستمولوجيا أوكام ونصله الشهير، ومذهب الاسمية الذي ألغى وجود الحقائق الكلية الجامعة إلا كأسماء وتصورات عقلية لا أكثر، وزعم أن الوجود الحقيقي يكمن في الأفراد فقط؛ أي أن الحقيقة لا توجد في ذلك الكل أو الجوهر الجامع، ولكنها مجرد حقائق منفصلة متفردة. وبذلك وضع إبستمولوجيا منغلقة، لا تقول: إن الجزء يمكنه أن يدلل على الكل، ما يخلق في النفس صفة التأمل والتدبر، ولكن الجزء في ذاته هو الكل، ما يخلق في النفس صفة التمركز حول الذات واعتلال العاطفة والشعور بالتوحد والاغتراب إزاء الكون.
يقول جيل دولوز: »إن المجتمع بصيغته المعاصرة ينتج الفصامات بالقدر نفسه الذي ينتج به المنتجات الاستهلاكية كافة»، هذه الفصامات، والأمراض النفسية عامة، قد جعلت إمكانية التحكم في الجانب السيكولوجي عند الإنسان يسيرة إلى حد كبير. وفي ظل غياب كامل للحقائق العلوية الثابتة للدين التي تنبني عليها فكرة الصواب والخطأ، وفكرة الحدود والمقدس، لا يجد الإنسان إلا ذاته كي يتكئ عليها، وهذا يفتح أمامه إمكانية تحقيق كل التجاوزات، وفي نهاية المطاف، ليس له إلا العلاج السيكولوجي؛ كي يداوي به العواقب المؤلمة لهذه التجاوزات.
اللغة مسكن الوجود
يصور نيتشه اللغة شبحًا جبارًا تمتد يداه نحو البشر لسحبهم إلى أماكن لا يريدون الذهاب إليها! وذلك لأن اللغة أمست منفصلة عن واقع البشر مستغرقة في حيز بعيد لا تعبر عن همومهم. «فما عاد من الممكن التعرف إلى الإنسان في اللغة… لأن اللغة ما عادت تتوافق مع همومه الحقيقية، ولكن مع خواء تلك الكلمات والمفاهيم المستبدة». من هنا تفرق المؤلفة بين الكلمة الحية والميتة، فكل كلمة لها عمق وتوسع. الكلمة الحية لها جذور، كما وصفها القرآن الكريم: «كشجرة طيبة»، أما الكلمات البلاستيكية المصنعة والمسطحة، فلها امتداد أفقي الإيحاءات فقط. إن حياة الكلمة تكمن في المعنى، وخارج حدود ذلك المعنى، تموت.
ثقافة حية وأخرى ميتة
إن كلًّا من «الثقافة» وابنتها المزعومة «الحضارة» لا يمكن لهما أن يمثلا غاية أو قيمة في ذاتهما. بل وجودهما إشارة إلى شيء أبعد منهما يُخدم من قِبَلهما؛ إما دين سماوي أو أيديولوجيا بشرية. والمتدبر لفعل الثقافة الحديثة يجد وكأنها تكتسب حيويتها من كل ما هو مضاد للثقافة التقليدية وصادم لها، كما يظهر في كثير من النتاج الإبداعي الحديث. فهي تُعرَّف سلبًا، بالنظر إلى الثقافة الحقيقية التقليدية، أي بكل ما يهدم تلك الثقافة التقليدية ويخالفها. لكن، أين الحضارة؟
ما من شك في أن أهم شيء لأي ثقافة ذات بال، هو تعريف تلك الثقافة للإنسان. لهذا تحاول المؤلفة تأكيد أنه في ظل غياب المرجعيات، وبعد أن أصبح الإنسان مرجعًا لذاته، اختُزل معنى أن تكون إنسانًا. ترتبط الحضارة بشكل وثيق بالتمدن. أما «الثقافة» فهي مرتبطة بشكل أكبر بالمجتمعات البدائية قليلة التمدن. لكن في الواقع إن سلمنا بهذا الوصف سيخرج علينا فهم «للثقافة» مغاير تمامًا لتلك الفكرة التي تتحدث عن صفات بدائية بسيطة، متأثرًا بالمدرسة الألمانية. فالثقافة، في هذا الفهم، مجموعة من القيم العليا وهي تمثل درجة أعلى من التمدن. ثم تشرع المؤلفة في رصد تاريخ هذين المفهومين، أي «الثقافة» و«الحضارة» والدواعي المجتمعية والمسوغات التاريخية الخاصة بالمجتمعات العربية التي تطلبت إيجاد مثل هذا التصنيف، والأهم، محددات هذا الفهم بالنظر إلى التجربة التاريخية والفكرية الخاصة لأمة العرب. مؤكدة أن مصطلح «الحضارة» فكرة حديثة، عـاجزة عن احتواء التجربـة البشريـة المتنوعـة.
قلق الثقافة
في أي تناول جاد للغرب الأوربي لا بد من النظر بتعمق إلى دور الكنيسة. فقد ربطت المسيحية وعي قبائل الجرمان بالشرق بشكل قدري، حتى أمسى مفهوم الوجهة لديهم Orientationهو صنو مفهوم الشرق. فهي كلمة مشتقة من كلمة Orient التي تعني المشرق، فأمسى يقال لمن أضاع وجهته فارتبك : Dis-oriented هذا الدور الذي تقف عنده المؤلفة تفصيلًا، أدى لخلق حالة من الارتباك والقلق الوجداني لدى الغرب؛ بسبب ارتباطه بالشرق وتأثير الدين والكنيسة في تكوينه، وكذلك تبعيته للحضارتين اليونانية والرومانية القديمة.
أنسنة أم فصام؟
كان كثير من مفكري عصر الأنسنة يعملون ضمن ثنائية تتنازعهم، أي واقع الإيمان بالمسيحية في حياتهم اليومية، وفي الوقت نفسه استلهام النموذج الوثني الكلاسيكي كمرجع يحتذى به. فهذه النصوص القديمة إما أن تقرأ بشكل تاريخي ولغوي كنماذج أدبية لأمة وثنية غابرة، تساعدهم في فهم الأناجيل، أو على أنها تمثل نصوصًا حية تحمل معاني وقيمًا تصلح في تشكيل الأنموذج الحياتي الأسمى للقارئ المعاصر. وهذا ما تسميه المؤلفة «الفصام التأويلي» أي ذلك المزيج من التعالي الثقافي الوثني، والحماسة الدينية المتوثبة للانتقام، وما نتج من ذلك جرّاء تبني حكام أوربا هذا المنظور، إلا أن المدهش أننا أمسينا نحن أشد المدافعين عن هذا الطرح، فإن جاز في الحالة الأوربية، فما المنفعة المرجوة بالنسبة لنا؟
الأميرة المخطوفة
حينما نحاول فهم ظاهرة الحضارة الغربية المادية الحديثة، غالبًا، لا نبحث في حقيقة جذورها الفكرية ومكوناتها العرقية. الافتتان بها جائز، كما هي الحال في العديد من التيارات الفكرية التي تقع أسيرة الفكر الغربي، لكن المهم، وهو ما تركز عليه المؤلفة، ألا يكون لدينا، نحن العرب، منطق ومنطلق حضاري موازٍ ومختلف، وذلك على الرغم من التجاور الجغرافي والتداخل الحضاري والتقاطع الفكري. وعلى الرغم من أن التماهي مع أطروحات «تأليه الإنسان» وفكرة «الفردوس الدنيوي» أتت متأخرة إلى العالم العربي، وتبناها كثير من النخب الفكرية، فإن المشكلة حدثت عندما غاب التمييز بين واقع الانهزام السياسي الساحق أمام تلك القوى، وحقيقة وجود مرجعية فكرية أصيلة متينة، ذات بناء أخلاقي روحي مقنع.
العرب ورثة اليونان وترجمان الحضارات
يزعم كثير من مفكري الغرب أن العالم العربي لم يكن سوى ناقل للحضارة الإغريقية، وهذا تقرير مجحف؛ لا يقبل به أحد اليوم. بل إن بلاد العرب كانت قبل دخول الإسلام تمثل حواضن للفكر الإغريقي، وبعد الإسلام قدمت الحضارة العربية قراءة منتقاة وعظيمة لإرث الإغريق أعادت إحياءه وصححت عليه، بعد طول سباته. لم تهتم الحضارة العربية الإسلامية بأساطير الإغريق أو المسرح ولا بإرث الديانات، بل انصب اهتمامها على الفلسفة والفكر بشكل كبير، ومثلت بذلك يقظة فكرية مكنتها من الأخذ والإضافة من هذا الإرث العظيم وإليه.
لماذا ومتى حذفت العربية؟
على الرغم من أن النقاشات حول توصيف حضارتنا بالإسلامية والعربية لم يتوقف حتى الآن، فإن المؤلفة لا تتعرض إليها بشكل مباشر، بل تركز على مسألة أخرى تتمثل في أنه لا توجد حضارة أمست تسمى بدين في يومنا هذا إلا «الحضارة الإسلامية»، وهي لا ترى في التمسك به عيبًا بأي حال من الأحوال، بل هو شرف لأي فرد يندرج ضمن هذا التعريف، ولا ننسى أن الإسلام خرج من جزيرة العرب؛ فالشرف الأكبر في ذلك للعرب، كما أنه لا عز للعرب من دون الإسلام. لكن، إذا نحن سلمنا بمنطق ادعاء مفهوم «الحضارة» وسلمنا بمحددات هذا الوصف وأهمية هذا المفهوم، الذي بفضله وعلى أساسه تصنّف الأمم والدول، فلا بد لنا، من طرح السؤال: لماذا؟ بل، متى حُذف وصف «العربية» من مصطلح «الحضارة العربية الإسلامية»؟
أخيرًا، إذا كان ثمة خطاب ممتد منذ بداية الألفية الثالثة يدعو إلى تجاوز مسألة الهوية وتعويضها بالإنسانوية، التي هي عبارة عن «هويات هجينة»، أو إذا شئنا استخدام لغة إدوارد سعيد «هجنة الهويات»، فإن كتاب «أمة على رسلها» يقف في الجهة المضادة من هذا الخطاب ويفتح النقاش من جديد، بلغة هادئة وبسيطة، حول هذا المفهوم بتحدياته الراهنة وأبعاده المختلفة.
بواسطة بدر الدين مصطفى - كاتب مصري | مايو 1, 2023 | عمارة
لم يكن المعماري الإسباني الشهير أنطونيو غاودي، أحد الأضلاع الرئيسة للعمارة الحداثية، امتدادًا لمدرسة معمارية معينة، بل شكل في ذاته مدرسة مستقلة فريدة، ونقطة تحول فارقة في عالم التصميم المعماري. استطاع غاودي أن يتجاوز التقاليد المعمارية السائدة ويخلق مزجًا مميزًا بين الطابع الروحاني للعمارة وتعاليم الحداثة التي بلغت أوجها، وقتما كان غاودي يمد العالم بتصاميمه الهندسية، التي ما زالت حتى الآن تشكل المعالم البارزة لبرشلونة.

أنطونيو غاودي
في المذكرات التي تركها فنان السوريالية الأشهر سلفادور دالي، أحد المعاصرين لغاودي وأحد المنتمين لبلدته، نقرأ: «ما أحبه في غاودي هو حيويته. إن ذهنه في أطراف أصابعه ولسانه، إنه قوة هائجة. تكشف تصميماته المعمارية التي تبلغ أوجها في «ساغرادا فاميليا»، «العائلة المقدسة»، عن حساسية هائلة من يد تمتلك أحاسيس دبقة… لقد ألف غاودي باليتة متعددة الألوان لتتواصل مع المقياس البوليفوني. كل شيء في عمله، الضوء، والسكون، فضلًا عن الصمت، ينقلنا إلى مكان آخر». يلمس دالي، في نصه هذا، أحد أبرز المعالم الخاصة بأسلوب غاودي المعماري؛ ذلك المزج الفريد الذي أقامه بين تعاليم الحداثة والطابع الروحاني المقدس.
غير أن هذا الاحتفاء بغاودي، الذي نجده في مواضع عدة من مذكرات دالي، يجعلنا نتساءل عن ملامح السوريالية في تصاميمه المعمارية! في الواقع إذا اعتمدنا تعريف السوريالية بأنها «وضع العناصر المألوفة في نظام أو سياق غير مألوف»، لكان غاودي بالتأكيد أحد روادها. وعلى الرغم من أنه مارس عمله، قبل تدشين السوريالية كحركة بسنوات عدة، فإنه يبدو منتميًا لها بأثر رجعي! فأكثر ما يثير الدهشة في أعمال غاودي ليس فقط «طابعها المفارق» الذي يشعر الرائي كأنه في إحدى قصص الخيال العلمي، وليس فقط تطبيقه لمبدأ «انسياب» و«سيولة» المواد الصلبة، وإنما لتعمده وضع «العناصر المألوفة في مواقع غير مألوفة وبطريقة غير متوقعة!».
أهم إنجازاته
أنطونيو غاودي أحد أشهر المهندسين المعماريين الإسبان. وُلِدَ في مدينة رويس في منطقة كتالونيا عام 1852م وتوفي في برشلونة عام 1926م. تعكس أعماله أسلوبًا معماريًّا مميزًا وفريدًا من نوعه. وقد تركزت معظم أعماله في برشلونة، وكان من أهم إنجازاته فيها كنيسة «ساغرادا فاميليا». يظهر في معظم أعمال غاودي الشغف الكبير تجاه ربط العمارة بالطبيعة والمقدس. يدمج في تصميمه مجموعة من الحِرَف التي كان يتقنها، مثل: الخزف، والسيراميك، والزجاج الملون، وصهر الحديد والنجارة. وقد قدم غاودي تقنيات جديدة في معالجة المواد مثل بعض أنوع الفسيفساء المكونة من بقايا القطع الخزفية.
بعد سنوات عدة، وتحت تأثير العمارة القوطية الجديدة، أصبح غاودي جزءًا من الحركة الكتالونية الحداثية، تلك التي بلغت ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد جاء أول مشروعاته متمثلًا في تصميم أعمدة إنارة للرويال بلازا في برشلونة، أكشاك جرائد Girossi لم تكتمل، وبناء الجمعية التعاونية لعمال ماتارو. وفي عام 1883م تولى غاودي مسؤولية مشروع لبناء كاتدرائية في برشلونة عُرِفت باسم كاتدرائية «العائلة المقدسة». وقد غَيَّرَ غاودي التصميمَ الأوليَّ كليًّا وأشبعه بأسلوبه الخاص المتميز. ومنذ عام 1915م حتى وفاته كرس نفسه كليًّا لهذا المشروع.
كان معرض برشلونة العالمي المقام في عام 1888م، واحدًا من الأحداث الكبرى في تلك الحقبة في برشلونة، وقد مثّل نقطة تحول رئيسة في تاريخ الحركة الحداثية. حيث عرض أبرز المهندسين المعماريين أفضل أعمالهم، بما في ذلك غاودي، الذي عرض المبنى الذي صممه لشركة النقل عبر المحيط الأطلسي. في عام 1891م، سافر إلى مالقة وطنجة لفحص موقع مشروع، كان قد طلبه منه الماركيز الثاني لكومياس لصالح البعثات الكاثوليكية. وعلى الرغم من أن المشروع لم يُنَفَّذْ، فإن الأبراج التي صممها غاودي للبعثات خدمته كنموذج لأبراج كنيسة «ساغرادا فاميليا» في برشلونة.
كان للأسبوع المأساوي عام 1909م تأثير عميق في شخصية غاودي؛ إذ لازم غاودي منزله في «غويل بارك» في هذه المدة المضطربة. وقد تسبب جو العداء للدين والهجمات على الكنائس والأديرة في قلق غاودي على سلامة «ساغرادا فاميليا»، لكنّ المبنى نجا من التضرر. وفي عام 1910م أقيم معرض في القصر الكبير في باريس خاص بعمله، وذلك في أثناء الصالون السنوي لجمعية الفنون الجميلة في فرنسا. وقد شارك غاودي، بناءً على دعوة من كونت غويل، وعرض سلسلة من الصور والخطط والنماذج الجصية المصغرة للعديد من أعماله. وعلى الرغم من أن مشاركته جاءت متأخرة، فإنه حصل على تعليقات جيدة من الصحافة الفرنسية.
على المستوى الشخصي، تَعرّض غاودي في عقد العشرينيات لأوضاع بالغة الصعوبة، منها: وفاة ابنة أخته، ووقوع أزمة اقتصادية حادة أوقفت العمل على كنيسة «ساغرادا فاميليا» عام 1915م، ووفاة صديقه جوزيبي توراس أسقف «فيك»، واضطراب العمل في «كولونيا غويل» عام 1917م، ووفاة صديقته وراعية أعماله إيزابيل غويل عام 1918م. ولربما كانت هذه المآسي سببًا في تكريس نفسه كليًّا لبناء كنيسة «ساغرادا فاميليا» منذ عام 1915م؛ إذ وجد في عمله ملاذًا للنسيان. وقد اعترف غاودي لمعاونيه قائلًا: «لقد مات أصدقائي الأعزاء؛ ليس لديّ عائلة أو زبائن، لا ثروة ولا أي شيء. الآن أستطيع أن أكرس نفسي تمامًا للكنيسة». كرس غاودي السنوات الأخيرة من حياته بالكامل لـ«كاتدرائية الفقراء»، كما كانت تُعرف، والتي تلقى المعونات من أجل الاستمرار بها. وفضلًا عن تفانيه في هذا الأمر، فقد شارك في عدد قليل من الأنشطة الأخرى، معظمها كان مرتبطًا بإيمانه الكاثوليكي.

روحانية غاودي
في مقالته عن أصل العمل الفني أشار الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر إلى العلاقة التي تجمع العمارة بالمقدس. يقول هايدغر: «إن المبنى لا يصوّر شيئًا، وإنما ينتصب هناك في وسط الوادي المُتشقّق الصخور. وهو ينطوي في داخله على صورة أو شخص المقدس، وهو في هذا يجعله يظهر بوضوح في الفناء المقدّس من خلال الرواق المفتوح». ويعني ذلك أن المبنى المعماري تتكشف فيه حقيقة العالم المقدس عبر الوسيط المادي الذي فيه وعليه. وهكذا تكشف الأعمال المعمارية العظيمة، وفقًا لهايدغر، عن شكل ما من أشكال الإيمان والعقيدة الإنسانية، كما تتجلّى في رؤية شعب ما، أي رؤية الإنسان للمقدس أو رؤية العالم المقدس كما يتجلّى للإنسان. وهذا هو سرّ الإحساس بالرهبة الذي يلازمنا عند مشاهدة وتأمّل دور العبادة، حيث يتكشف لنا فيها أسلوب من أساليب حدوث حقيقة العالم القدسي، ومن دون هذا المعنى الذي به يجسد الصرح المعماري عالمًا يخلقه الفنان، لن يكون هذا الصرح سوى كومة من الحجارة، أو مخلّفات أثرية لعصر من العصور. والخلاصة لدى لهايدغر أن يكون هناك معمار، يعنى أن ثمة إرساءً لعالم ما يتشكل من خلاله. إذا طبقنا هذا المعنى على عالم غاودي المعماري، فماذا يجسد لنا هذا العالم؟ تستلزم الإجابة عن هذا السؤال، التوقف بالتحليل عند بعض من أهم أعماله.
كنيسة ساغرادا فاميليا
هذه القطعة الفنية لغاودي هي مزيج من ثلاثة أنماط معمارية: القوطية الإسبانية المتأخرة، والباروك، والآرت نوفو (الفن الجديد). بدأ البناء في عام 1882م، بعد أن استغرق غاودي عشر سنوات في مرحلة إعداد المشروع، ثم عمل عليه حتى وفاته التي حالت دون إكماله. لكن الحكومة الإسبانية أكملت العمل في المشروع وفق المخطط الذي وضعه غاودي وقد حددت عام 2026م تاريخًا لافتتاحها في الذكرى المئوية لوفاة غاودي.
التصميم الخاص بكنيسة «ساغرادا فاميليا» يجعلها الكنيسة الأولى في العالم من حيث جدارة التصميم وجدته. كل جزء داخل البناء يقص حكاية كنائسية تاريخية عبقرية، حيث تفصح النقوش عن دلالات عميقة مرتبطة بحياة المسيح. جاء المسقط الأفقي للكنيسة فريدًا من نوعه، متسمًا بنوع من التعقيد، حيث الممرات المزدوجة، والبوابات والواجهات والمداخل المتعددة التي تجسد صورًا إعجازية مختلفة. أما الواجهات، فثمة ثلاث من أعظم الواجهات العالمية؛ واجهة المهد، وهي تتجه إلى الشرق في شموخ كبير، وتأتي بعدها واجهة الآلام، وهي تتجه إلى الغرب، ثم أعظم الواجهات وأكبرها جهة الجنوب؛ بوابة المجد.
عند واجهة المهد سنلحظ المسيح في بداية ظهوره؛ مراحله الأولى وكيفية خروجه إلى العالم. أما واجهة الآلام فهي تعبر عن الهزيمة والشخصيات المعذبة، والأيقونات الخاصة بتعذيب المسيح. تجتاح الأبراج كافة هذه الواجهات بنوع من الجلال والعظمة التي تمنح النقوش والرسومات تعبيرات جليلة مقدسة. أما الواجهة الثالثة؛ واجهة المجد، فهي الأعظم والأكثر تركيبًا؛ لأنها تعبر عن طرق الصعود إلى الله، والأشكال المختلفة للحياة الأخرى، من نعيم وجحيم.

كازا ميلا
من أشهر أعمال غاودي التي تجسد أسلوبه المعماري الخاص. في عام 1969م حصل بيت ميلا على اعتراف رسمي من الحكومة، بمعاملته كأثر فني ومعلم تاريخي مع ضرورة المحافظة عليه. وفي عام 1980م تعرض المنزل لشيء من التدمير، ومن ثم أعادت الحكومة ترميمه من أجل المحافظة على شكله وألوانه الأصلية.
صُمِّمَ المنزل على شكل قوسين يتحدان من الأطراف، ليكونا عبارة عن مبنى واحد على شكل دائري مجوف من الوسط، وهو ما يميزه من بقية تصميمات المباني الأخرى الموجودة في أوائل القرن العشرين. وقد ساعد هذا التصميم على دخول ضوء الشمس لجميع الغرف. هذا إلى جانب أن الواجهة المعمارية للمنزل مصنوعة من الزجاج، وقد أدى ذلك إلى أن ينال تصميم المبنى انتقادات لاذعة من كل مهندسي البناء آنذاك، لدرجة دفعت بعضًا منهم إلى تقديم احتجاج للحكومة؛ بسبب بنائه بهذه الطريقة المختلفة.
يعد هذا المنزل أول منزل بُنِيَ في إسبانيا، يمتلك مرآبًا للسيارات تحت الأرض. كما يتميز المنزل بوجود أعمدة حديدية مميزة تتخذ شكلًا مقوسًا، استخدمها غاودي في تشكيل شرفاته المموجة، ولم يَبْنِهِ بأسلوب الحوائط الحاملة، الذي كان منتشرًا آنذاك.
كازا باتلو
يظهر الخيال الخصب لأنطوني غاودي بقوة في أحد أعظم تصاميمه المعمارية الفنية، التي تشبه قصيدة الشعر في هذا المبنى المعروف ببيت باتلو. هذه التوليفة الفريدة من أشكال الحيوانات، والانحناءات الراقصة، والأشكال المستوحاة من الهيكل العظمي للإنسان، إضافة إلى الأسلوب المتفرد في استخدام الألوان اللامعة من الخزف والزجاج. وقد اشتمل هذا الطراز على العناصر التي أسست ما يعرف باسم الأرت نوفو، وهي المدرسة التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر في أوربا، وركزت على استلهام الأشكال المتعرجة من النباتات والطبيعة داخل الأعمال الفنية. لقد استكشف غاودي في هذا المشروع حبه للأشكال المتدفقة والألوان، ليجسد عن طريقه نوعًا من التناقض الحاد وسط الأشكال الصارمة التي تحيط بها.
تكشف الواجهة الأمامية للمبنى عن تصميم لافت وألوان خاطفة للأنفاس، يعملان معًا على تنشيط الخيال واستحضاره لقصص ألف ليلة وليلة والأحلام الطفولية الخيالية. توجد القطعة النحتية الكبرى للبناء في الواجهة، التي تشكل حدود الشرفات والإطار الذي يحدد المدخل والذي يشبه عظمة الترقوة، التي تحافظ على لغة «الجسم» داخل التصميم. وكلما صعد الرائي بنظره لأعلى المبنى، يستقبله هذا التكوين المختلف والمهيمن للسقف الذي يشبه جلد الزواحف.
كان غاودي ظاهرة فنية مذهلة في عالم التصميم المعماري. وما زالت أبنيته، التي غدت من المعالم البارزة لمدينة برشلونة، شاهدة على عبقريته. وما زال كل من يراها يشعر بأنه في عالم خيالي منفصل عن المقاييس الواقعية التي يعرفها، وعن الأطر الأسلوبية السائدة في عالم التصميم المعماري. وقد استطاع غاودي بعبقريته تلك أن يختطّ لنفسه أسلوبًا ما زال يشكل حتى وقتنا الراهن مدرسة في ذاتها؛ مدرسة ترفع شعار الوحدة بين العمارة والطبيعة والمقدس.