وزن زائد عن طاقة الحلزونة

وزن زائد عن طاقة الحلزونة

– 1 –

في المطار أقف في طابور تسجيل الحقائب -بخوف ورجاء- بينما يسألني الموظف عن كيفية دفع كُلفة الوزن الزائد. أشرح له أني طالبة وما أحمله ربما لا يساوي القيمة المادية التي يطلبها. لا مجال لمقارنة قوقعتي بقواقع العالم الأول والـ«هيكيكوموري» الناتج عن الوفرة، فلنا في الجنوب العالمي قواقع أخرى. أما حقيبتي الخلفية فاليوم أحمل فيها اللابتوب، وباقي الأيام تحمي ظهري في حروب السعي اليومية. لم أذكر له أن قوقعة شبيهة كانت درعي الواقي -في مظاهرات تجهض منذ زمن- درءًا للمسات مشينة.

– 2 –

لم أخبره بسرقة أخرى في المنفى الطوعي الجديد، ولا كيف انتزعها مني السارق وهو على دراجته النارية. ولا كيف تركني بخدوش على صدفتي، بعدما دفعني لتهجي لغة جديدة رغمًا عني، لغة ثالثة من الصراخ المستمر دون كلمات، لغة طازجة أكتشف إجادتي لها دون الحاجة لكثير من التمارين والاستذكار، عدودة خام تحيلني لترتيبي في مملكة الحيوان ودفاعاته في لحظات الخطر. من بعدها وأنا أحاول ترجمة ما أسمعه بشكل أفضل: ما الكلام وما الصراخ في الأصوات من حولي؟ ما تحاول الكائنات ترجمته من مشاعر عبر الأصوات التي تصدرها. أسترجع حديث هيثم الورداني عن الحيوانات الناطقة في لحظات الخطر والمجازات البالية التي لا يعول عليها.

– 3 –

في الطائرة تعليمات المضيف ليست بلغتي الأم:

في حالة الطوارئ يمكنك استخدام المخارج المخصصة. اترك أمتعتك بالداخل. ارتدي سترة النجاة. ضع لنفسك ماسك التنفس قبل أن تحاول مساعدة الآخرين.

أترجم لنفسي ما قاله وما لم يقله بخصوص النجاة الفردية والجماعية، وأطمئن نفسي بأن لا بأس من نزع حزام الأمان وقتها وتبديل قوقعتي اليومية بأخرى أخف وزنًا.

– 4 –

في المطارات وغيرها من الأمكنة أُصاحب مهاجرين ومُهَجَّرين يحملون صَدفاتهم لوجهات لا أعرفها. صور بعضهم تجوب الشاشات يوميًّا حاملين أمتعتهم على ظهورهم ورؤوسهم. بعضهم يشرح لنا أنواع القصف المختلفة وماهية الأحزمة النارية. دروس مجانية وبث مباشر لأسابيع وشهور وسنين آلامهم. وهنا على وهن. على شاشة هاتفي -قبل أن أضعه على وضع الطيران- أجساد تُحلّق في الهواء بعد انفجار، وصراخ من سجَّل المشهد.

تُرى كم قوقعة مُهَشمَة خلَّفت وراءها تلك الأجساد الطائرة؟ أسترجع معهم أحزانًا زائدة حملتها طوال حياتي. أرى انعكاساتها فيمَن أراهم حولي.

كم مرة يلجأ هؤلاء -كما أفعل- إلى قواقعهم؟ مَن منهم لديه رفاهية الاختيار أن يفعل ذلك ومَن سُلبت منه؟

أتذكر الحمد وتمارين الامتنان التي يعلِّمنا إياها أطباء ومتخصصو الصحة النفسية، فهنا والآن أعرف وجهتي القادمة، سأعود لمدينة أحبها، وتحمل فيها أحياء عدة اسم «Belén» (بيت لحم بالعربية)… لكنها تحيلني لمَن لا بواكي لهم.

إلى أين يذهبون؟ فداء لمَن تلك النسخ المُعدّلة من المسيح؟

– 5 –

في الحلم أعود لورشة الـ hipnosis والـ transdance… ولذكرى لحبيب مفارق، وقتما ذكرت مُيسرة الجلسة أن للجسد حكمة، علينا الإنصات إليه حينما يحادثنا. ذات يوم قال لي من أطلق سراح نفسه من قلبي: إنني «أقنفذ» حينما يتقارب جسدانا. أراني الآن وقد استترت أشواكي بينما تتحدث المُيسرة بلُغة محتل حديث لبلدي، فأسرح قليلًا في اللغة المُهيمنة على الطقس، وعلى لغتينا الأم ولغة البلد المضيف لكلينا، لكني تداركت الأمر بالتركيز على ما جئت من أجله.

– 6 –

بدأنا بتمرين التأمل على موسيقا هادئة، طلبت منا أن نغمض الأعين وأن نتخيل أننا في غابة. استرجعت وقتها أنني حلزونة حمولتي على ظهري وسط حيوانات الغابة.  ظللت على هيئي تلك في تمرين الرقص الانتقالي، وفيه ارتدينا جميعًا عصابات على الأعين بهدف تمركز كل منا حول تجربته ورحلته الداخلية.

أما الميسرة فستراقبنا وفي يدها شال كي تمنع اصطدام بعضنا ببعض في أثناء الرقص. كنت أسير بعيني المعصوبتين على أربع -مستدعية مُجددًا حمولة المُهجَّرين قسريًّا- حينما اعترض طريقي الشال. لامس وجهي لأعرف «حدودي» فأحالني للمعابر في وجوه النازحين. شعرت بالضيق والعجز والغضب وكدت أختنق وأتوقف عن المسير لكن سرعان ما تأقلمت كما تأقلم كل من حولي مع ظلمته.

صلبت عودي وبدأت أتلمس طريقي على قدميّ. أبحث عن مساحة تخصني ولا يعترضني فيها حاجز عن الرقص ومواصلة السعي. أخذت أدور حول مركزي كراقص المولوية بعدما توقف جسدي عن حركات الرقص الشرقي التي سَئِمَ جسدي تكرارها. جلست على الأرض وكأنني في حضرة ذِكر. كجلسة القُرَّاء في ترتيلهم بينما جذعي يميل للأمام والخلف، على وقع تلاوة لا يسمعها سوى جسدي. أعود للنهوض من جديد وأُدَبِّك في رقصة تجمع بين حركات مقاومي اليوم والأمس، يجمعون بين حطَّة حول أعناقهم وريشات على رؤوسهم. حينما توقفت الموسيقا كنت أخف، حلزونة احتمت لفترة بقوقعتها… ثم راحت وتركتها.

– 7 –

أستيقظ بحزن «خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر»* على وقع النداء الأخير لمضيف الطائرة:

مرحبًا بكم في مدينة الربيع الأبدي، يمكنكم الآن فتح أحزمة الأمان!

* مقتبس من عنوان رواية للكاتب المصري علاء خالد