بين أزقة المشفى في الغربة… ما الذي حدث؟

بين أزقة المشفى في الغربة… ما الذي حدث؟

ما زلت لا أتذكر تفاصيل ذلك المشهد الناقص وكأن عطلًا قد حل بكاميرا المراقبة، وأخفى أهم اللقطات التي يجب أن تُعرض، حينما كنت على سرير المشفى في الغربة وحدي وفي أثناء استعدادي لمجيء الأطباء لأخذي لغرفة العمليات، سمعت صوت أب وابنه في السرير المجاور حيث لم يفصل بيننا سوى ستارة زرقاء، يبدو أنهم من المكان نفسه الذي أتيت منه (المملكة العربية السعودية) ابتسمت وشعرت بالأمان، أنا لست وحدي.. على الأقل يوجد أشخاص من وطني هم بمنزلة العائلة الآن، في الواقع تركيزي في هذه اللحظة لم يكن على وحدتي بقدر ما كان تركيزًا على المجهول وشعور خفي عنوانه: ماذا لو لم أستيقظ؟ ماذا لو كان هذا آخر مشهد في حياتي أراه؟ الاستعداد للموت في ذلك الحين لم يكلفني سوى لحظة استغفار، ودعاء صادق بأن يغفر الله لي جميع أخطائي.. كنت أظنني أحب كتابة الوصايا، ولكني لم أكتب أي وصية، فقط اكتفيت قبل يوم واحد من إجراء عمليتي بأن أبوح بما في قلبي من مشاعر للرجل الذي أحببته، كما رغبت في سماع صوته وكأني أود توديعه بطريقة غير مباشرة في حال عدم عودتي، وقد بعثت رسالة قصيرة للجندي الخفي الذي كان يقدم يد العون والمساعدة لي من دون أي مقابل سوى أنه يريد الاطمئنان عليّ والتأكد من سلامتي، والبقية لا يعلمون ما الذي سيحدث لي، قررت إخفاء الأمر عنهم وعن أهلي كذلك. نعود إلى حوارنا..

في أثناء انتظاري لمجيء الأطباء، أتوا أخيرًا وتحدث معي طبيبي محاولًا طمأنتي. أما أنا على الرغم من توتري الشديد إلا أني رغبت في المزاح معه بعبارة «أريد أن أستيقظ على كلمة الحمد لله على سلامتك وليس على سؤال من ربك؟» ولكني وجدت الوقت غير مناسب لهذا النوع من المزاح واكتفيت بتقبل الوضع وسؤاله عن نسبة المخاطر المتوقعة، وفي حين دفعهم لسريري متوجهين بي إلى غرفة العمليات أتذكر ذلك الطبيب أزرق العينين الذي عرّف بنفسه قائلًا: أنا طبيب التخدير، وقد قام بوضع سائل في وريدي بكمية غير يسيرة، ظننت أني سأشعر بالدوار أو سأدخل في نوم عميق مباشرة مثلما قالت لي الطبيبة إن مفعول التخدير يبدأ في ثانية واحدة، ولكني لم أفعل؛ لأنه كان مهدئًا يمنحني شعورًا بأني انفصلت كليًّا عن هذا العالم لكي تبدأ التهيئة للتخدير الحقيقي لاحقًا، ولهذا السبب بقيت مستيقظة في أثناء هذه اللحظات بين ممرات المستشفى ومجموعة كبيرة من الملابس الزرقاء فوق رأسي، وهنا آخر عبارة سمعتها من الدكتور الذي سيقوم بإجراء العملية لي:

«إنها ليست شوقًا واحدًا، بل أشواق»، لقد قرر المزاح أخيرًا وتلطيف الأجواء ولكن على حساب اسمي؛ لكونه اسمًا غير شائع بالنسبة إليهم، نظرت إلى معصمي متأملة الإسوارة التي تحتوي على اسمي وتاريخ ميلادي وعمري وقد تمت كتابته بشكل دقيق مع الشهور والأيام، وتساءلت بداخلي: هل هذه النهاية؟ هل هذا هو العمر الذي سيكتب على شهادة وفاتي؟ بعد ذلك لا أتذكر شيئًا…. هنا حدث العطل في كاميرا المراقبة.

استيقظت وأنا ألتقط نفسًا عميقًا وكأنني قد غفوت بشكل مفاجئ من دون أن أشعر، وكأن هذا النفس بمنزلة عودتي للحياة.. أنا الآن في المستشفى ولكني في نقطة البداية! كثير من الستائر حولي ما الذي حدث؟ هل تمّت العملية أو أنني غفوت وقت انتظارها؟ وفي أثناء تساؤلاتي لنفسي سمعت صوتًا قائلًا: الحمد لله على سلامتك، وتم نقلي مباشرة لغرفتي.

غرفتي في الدرجة الأولى كانت أكبر من الغرف المعتادة وأكثر راحة وخصوصية كما تحظى بإطلالة رائعة على المدينة، ولكن كل ذلك لا يهمني بقدر اهتمامي باستعادة عافيتي، أشعر بالعجز، لا أستطيع الوقوف أو المشي بسبب اختلال توازني، أنا الآن مجرد جسد منهك تحيط به الأجهزة والمغذيات المؤلمة التي رغبت كثيرًا في إزالتها، إلى حين مجيء صديقتي التي لم تأبه سوى لتوثيق اللحظة وتصويري وأنا في حالة هلوسة، يبدو أنها كانت تحاول أن تلتقط مني ما قد يُدينني لاحقًا في محكمتها، ولكني لم أنطق جملة سوى أني أرغب بأن يعلمني أحد كيفية الصلاة في رمضان فأنا أخشى عدم قدرتي على القيام بالصلاة وأنا في هذا العجز التام! نعم كل ما كان يشغل بالي (الصلاة وكيفية أدائها) يبدو أنني أشد إيمانًا مما أتوقع ولله الحمد، مضت الأيام في المشفى وأنا في مرحلة تعافٍ إلى أن خرجت وعدت لأرض الوطن العزيز محملة بالقصص التي لا يعلمها أحد.