المحاورة البصرية… بين غلاف «اللفياثان» ولوحة «العملاق»

المحاورة البصرية… بين غلاف «اللفياثان» ولوحة «العملاق»

كتب توماس هوبز «اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة» (1651)، في باريس التي لجأ إليها في أثناء الحرب الأهلية الإنجليزية. وصدر الكتاب إثر صلح وستفاليا، الذي يُعد إعلانًا عن هزيمة الإقطاع وأفول هيمنة اللاهوت على أوربا. وعليه، برزت الحاجة إلى فلسفة سياسية مغايرة، واجتهاداتٍ تنويرية آلتْ إلى انتصار مفهوم «الدولة الأمة». ويُعَدّ «اللفياثان» من أهم المؤلفات التي تلهفتْ لتقديم إجابةٍ عقليّة تتجاوز الفوضى القروسطيّة.

اللفياثان كرمز: بين فزع الوحش وسلطة الدولة

نالت الجِلْدَة شهرةً مرموقةً، واعتبِرَت عملًا جماليًّا مستقلًّا، أسهم في إحداث انعطافٍ في الرؤية السياسية لزمنها وفق أطروحة المنظّر هورست بريديكامب المعاصرة حول جِلْدَة «اللفياثان» وطاقتها الفنية الأيقونيّة. وعلى الرغم من الشك في هوية الفنان الذي أنجز جِلْدَة الطبعة الأولى، فإنّ التقَصّي أفضَى لترجيح الفرنسي أبراهام بوسي. ولكن صُودِقَ على أن تصميم الغلاف من بنات أفكار هوبز؛ ذلك أنه ناقش أطروحته مع بوسي، فوضع هذا الأخير موهبته لتحقيق مطلب الفيلسوف.

وكثيرًا ما جرى التساؤل عن سبب تسمية الكتاب باسم تنين البحار الشرير، واستخدام كلمة تعبيرية كعنوانٍ رئيس، عوضًا عن العنوان الفرعي الدقيق كما هو معمول في المؤلفات الفكرية. ما الذي أراده هوبز من اسمٍ-عنوانٍ يُذكر ثلاث مرات فقط في المتن الفلسفي؟

وفقًا لثقافة المرحلة، يستبطن اللفياثان على الجِلْدَة صِنْوَه المتمثّل بوحش البهيموث البريّ. ومن الجليّ أن هوبز انحاز لنصرة «اللفياثان» بعد مُشَابَكَتِه برمزيّة «الدولة» من أجل مواجهة بطش البهيموث، الذي ربطه بـ«الحالة الطبيعية» والفوضى القروسطيّة. واعتقد المفكّر كارل شميت أن مساعي إنجلترا للهيمنة على طرق التجارة البحرية كانت وراء تفضيل الفيلسوف للفياثان المائي على حساب البهيموث الأرضي.

تبعًا لهوبز، تُسبِّبُ الحالة البهيموثيّة تَفَجُّرَ وحشيّةٍ يتصارع فيها الكلّ مع الكلّ، والموت العنيف هو الاحتمال المقيم دومًا لوجود الفتك الاستباقي. وللتوضيح استعار من المسرحي الروماني بلاوتوس العبارة القائلة: إن «الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان». وعليه، فإن مقترح «العقد الاجتماعي» هو الحلّ الذي يلجم الاقتتال؛ إلا أنّ الميثاق الذي يبرم بين أطرف متصارعة مهددٌ بالنقض إنْ لم تتحقّق الرهبة تجاه «الدولة» المركزيّة حامية التعاقد الاجتماعي من الفسخ.

يتألف الغلاف من قسمٍ علوي يحتلّه جذع اللفياثان بوضعيّة «المواجهة» فوق الجبال، على خلفية البحر والسماء. ويتبدّى كرجل جليل متوّج، يتشكَّل من أفراد يشخصون بأبصارهم نحوه. ويعلو على المدينة التي تحوي الكنيسة (قوة اللاهوت) والقلعة (قوة الناسوت). ويرفع بيمناه سيفًا (رمز الحرب والعدالة)، وبيسراه العصا الأسقفيّة (رمز البابا أسقف روما). وتنتهي أطراف كل من (التاج) و(السيف) و(العصا الأسقفيّة) عند العبارة التوراتيّة المُسَطَّرة أعلى الغلاف: «ليس له في الأرض نَظِيرٌ»، في تأكيد لسطوة اللفياثان المطلقة.

ويتكون القسم السفلي من لوح عمودي أيمن، يقع أسفل مقبض السيف، ولوح عمودي أيسر، يقع أسفل مقبض العصا الأسقفية. تتناظر مكونات هذين اللوحين، موجزةً أدوات السلطة الزمنية والروحية: (القلعة تناظر الكنيسة)، و(التاج يناظر قلنسوة الأسقف)، و(المدفع يناظر صاعقة الحرمان الكنسي)، و(أسلحة الحرب تناظر أسلحة المنطق الديني)، و(ساحة الوغى الدفاعية تناظر محكمة التفتيش).

وفي اللوح العمودي الأوسط ستارةٌ كُتِب عليها العنوان واسم المؤلف. ويعتقد هورست بريديكامب أنّ الستارة تلمّح إلى الحجاب الذي يُسدَل على «تابوت العهد» الذي يحتوي على «الوصايا العشر» وفق الرواية الدينيّة. وعليه، يستعير هوبز قدسيّة العهد مع الربّ ووصاياه، لتنسحب على «العقد الاجتماعي»؛ بيد أنّه عهدٌ دنيوي يُعقد بين البشر وغايته تصنيع الدولة وشرائعها.

هوبز وغويا في مواجهة الحداثة

مما لا شكّ فيه، أنّ رؤية اسم «اللفياثان» بالتوازي مع طلعَتِه المُسْتَجِدّة، وقد تغيّر من حيوان شنيع إلى أُنسي مهيب أحدثَتْ مؤثرًا انفعاليًّا لدى متلقي المرحلة، وهو أمرٌ يدلّ على وعي هوبز بفاعليّة الفنّ، وبالمتعة المتأتية من تمثيل «السامي» المرهوب الجانب، وأثر ذلك في تحويل الانطباعات المكرّسة، وحثّ المتلقي على استكشاف أيقونة «اللفياثان» الجديدة (الدولة). تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هوبز يفارق الموقف الديكارتي، بل يبدو أنّه تَوخّى توجيه رسالة له من خلال توظيفه للفنّ في مؤلفه الفلسفيّ.

نستذكر معًا أنّ ديكارت فرّق بين المعرفة العقليّة القائمة على أسس رياضيّة، وبين المعرفة الحسيّة المتعلّقة بالعلوم التجريبيّة والإنسانيات، ورأى أن هذه الأخيرة تلقي على كاهل الذهن أثقالًا ضحلة القيمة من الناحية اليقينيّة. في حين أنّ هوبز يناقضه عبر التشديد على أهميّة الفنّ، ذهنيًّا وانفعاليًّا، في توصيل القول الفلسفي.

وفي هذا الصدد، يَرتَئي هورست بريدكامب أن هوبز لم يعتمد على اللغة المفاهيمية (كلام- فعل) فقط لإيصال فلسفته، بل كذلك على البلاغة البصريّة (صورة- فعل) التي لا بد من أخذ سَطْوَتها الأيقونيّة على المتلقي بالحسبان. بالتوافق مع نظرية بريدكامب، يمكن القول: إن الصورة الفنية قادرة على إحداث التحوّل في الخطاب الملقّن لجيل بكامله. على هذا النهج، ساهم الغلاف في القضاء على الأفكار القروسطيّة، بيد أنّه كأيّ فعل تاريخي حمل تناقضاته الجدليّة. ويمكن عدّ «الدولة الهوبزيّة» أول أزمة من أزمات الحداثة وفق لوحة «العملاق» (1812م) للفنان الإسباني فرانسيسكو دي غويا.

رسم غويا لوحة «العملاق» (1812م) وقد اشتدَّت الهَواجس بوجدانه السياسي. لُقِّب بالمُتَفَرنِس بسبب ميوله الدستورية، وإيمانه بحقوق الإنسان المعلنة في الثورة الفرنسية. بيد أن القلق كان ينتابه على مصير السيادة الوطنية الإسبانية، ومآل المثل الأخلاقية المستنيرة بعد غزو القوات الفرنسية لبلده.

يشير السياق التاريخي الذي عاشه غويا إلى مفصليّة المدة الواقعة بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في أوربا؛ بسبب تفاقم صراع التيارات المحافظة والليبراليّة، وازدحام الردهات المعرفية بموسوعيين حَدتهم ثقة مطلقة بالعقل؛ فضلًا عن استقرار التفكير العلمي الحديث، والاقتصاد السياسي، وعقلنة الدولة القومية.

بالمقابل، رغمًا عن العقل المنتصر، ظهرتْ بوادر شك في الأخلاق الحداثية المُتَزَمِّتة في أعمال إبداعية تنبهت للحالة الوجدانية للكائن البشري، وما مازجها من توجس من استغلال العقل لا عقلانيًّا، وتسويغ الحرب. فإذا كانت «الحالة الطبيعية» بالنسبة لهوبز تتمثل بالحرب والعنف غير المنضبط، فقد أصبحت الحرب ممارسةً مؤسساتية للدولة القومية الحديثة في نزعتها التوسعية. ولهذا الحيز في تاريخ الفن، تنتمي جماليات غويا المغايرة، ومثالها لوحة «العملاق».

فقد برهن الفنان الإسباني على امتلاك أسلوب خاص حينما أشاح الطرف عن «العقل المحض» وطهرانيّة «الكلاسيكية الجديدة»، وانكفأ على ذاتيته الحداثية، وراح يعبّر عن مشاعره أمام نوائب الحرب النابوليونية، فصوّر الكيفية التي تتجلى فيها القسوة ومسالك الهمجية، كما لو أن شيطان الفن الكاشف زاده تحديًا ومجازفةً بالمبادئ الفنية المكرّسة، إلى الحد الذي جعله رسامًا سابقًا لعصره، وأفضل من عكس التوتر بين القومية والتنوير، وبين خيبة الأمل من سيرورة التاريخ.

من هيبة اللفياثان إلى رعب العملاق

يميز المتلقي في اللوحة منظرًا مشحونًا بالغروب. وعلى غرار غلاف «اللفياثان» يمكن تفريق قسمين في اللوحة. في القسم العلوي، ينتصبُ من خلف الجبال عملاقٌ أشعَث الشعر، غير مُشَذّب اللحية، يوحي بأنه همجي خارج عن الإطار الاجتماعي. ويُرى من الخلف وهو يرفع ذراعه اليسرى بقبضةٍ مُهدِّدة وجهوزيّة قتالية.

وفي القسم السفلي، تُشاهَد قوافل الأنامِ والدوابّ المُرتَعِبة، وهي تَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواء. ومن اليسر التخمين بأنّ هذا الرعب مرتبط بالعملاق الذي يرمز للحرب، ويتبدّى مغمض العينين للدلالة على أنّه أعمى البصر والقلب. وتتوضح أبعاده المفرطة فوق الغيوم، وهو يستدير معطيًا ظهره للحُشُود داخل اللوحة وللمتلقي خارج اللوحة. مخالفًا بذلك اللفياثان الهوبزي الناظر إلى المتلقي بوضعيّة «المواجهة»، أسوة بشخوص الفن المصري القديم والأيقونات التي تطالب المشاهد بالاحترام والتبجيل. ومن الجلي أنّ أَنْفَار لوحة «العملاق» متباعدون عن هذا الأخير، على العكس من كَوْكَبة الأفراد التي تكوّن اللفياثان.

وعلى النقيض من الإحساس بالأمان والاستقرار في الغلاف، فإن التوتر والهَرج والمَرج يَعُمّ اللوحة، باستثناء حمار أبيض قابع بلا حراك، وكأنه «حمار بوريدان». ومن المعروف، عاش اللاهوتي جان بوريدان في القرن الرابع عشر، وكان مدافعًا عن «الإرادة الحرة» وإمكانيّة وزن كل شيء بالعقل؛ على أنّ منتقديه نقضوا فرضيته، بمثال حمار عَطِشٍ جائع، غير قادر على التفضيل بين خيارين متساويين في القيمة: كومة من القش ودلو من الماء وُضِعا أمامه على المسافة نفسها. هكذا، يتبدّى حمار اللوحة حائرًا بائرًا، بلا قدرة على اتخاذ قرار بالجهة التي يجب أن يوليها أمام استواء الخيارات، وبالتالي فهو هَالِك لا مَحَالَة.

ونقل غويا إلى لوحته رؤيته لمفهوم «السامي»، رافضًا أن يولد الرهبة، كما هي الحال في جِلْدَة «اللفياثان»، وأراد للوحته أن تبعث على الانقباض والرهاب. ولم يَسْعَ إلى فهم معنى الفعل المصوّر، بل إلى الكيفية التي يتبدّى فيها. مؤكدًا بذلك انعدامَ القدرةِ على تفسير الحدث؛ لأن «السامي» لديه يتوافق مع رهافة الحدس بعالم تحكمه قوى عمياء مهولة.

استنادًا لما سبق، لا تقتصر لوحة «العملاق» على أن تكون مَحْض نقد لنابليون وعدوانه، بل تحاور أيضًا غلاف «اللفياثان» ومآل طاغية الحداثة الهوبزي. وعليه فإن اللوحة تمثل الحالة الطباقيّة لغلاف «اللفياثان»، فالدولة الحديثة المحمولة على جناح الثورة الفرنسية وشعاراتها الفاضلة، لم تَكتفِ بما تلاها من عهد إرهاب المقصلة، بل انداحت دوائرها السلطوية إلى الحروب التوسيعية، حتى قبل أن يعلن نابليون نفسه إمبراطورًا، بحجة حمله «رسالة عقلية» لشعوب الأرض.

والذاكرة العربية تحتفظ بمنشوراته التي وزعت في مصر (1798م)، وفيها يلعب المماليك، وكل مناهض لحملته، دور البهيموث القروسطي اللاعقلاني، مقابل «العقل الرؤيوي الكاشف» أمير الجيوش الفرنساوية. بمعنى أن الدولة الهوبزية، المتحررة من العصور الوسطى، آلت جدليًّا في سياقات حداثية متعيَّنة إلى الأنظمة الشمولية، والاستعمارية، التي لا تتوانى عن تبني مِثال نابليون عن الإشهار: «كل قرية تقاوم العسكر الفرنساوي تحرق بالنار». هكذا ليس من الصعب العثور على جوهر الصورة اللفياثانيّة في الأنظمة الشمولية ومشتقاتها في أربع رِيَاح الأرض.