الأحلام والأدب: العينُ المغلقة والعينُ المفتوحة قراءةٌ في مناماتِ الوهْراني
المناماتُ نص أدبي يقوم على الحُلمِ، ويُسرد بالاستعانة بآليَّات وتقنيات السَّرد. وقد صِيغَت «مناماتُ الوهْراني» بأسلوب يتجاوزُ المألوفَ في ساحةِ الكتابة الأدبيَّة، مشكِّلًا بصْمته الأسلوبية الخاصة به. وتدور دلالات منامات الوهراني في مُجملها حولَ ثنائياتِ (الحلم/ اليقظة)، (العجيب/ الواقعي)، (المركز/ الهامش)، (المقدس/ المدنس)، (الضحك/ الألم)، ومن خلال هذه الثنائيات يُمكن استجلاء أوجهٍ جديدة للمعنى في منامته.
لأبي عبدالله محمّد بن محرِز بن محمد الوهْراني ثلاثة منامات؛ أكبرها وأطولها هو «المنام الكبير»، ومنه تنطلق بقية المنامات. والحلمُ، في جوهره، حكاية سريالية يبدعها العقل اللاوعي في لحظة النوم. وبطل هذه المنامات هو الرائي نفسه: الوهْراني، ويرافقه الحافظ العليمي، بوصفه المروي له. ولأن منامه يتناول واقعه الاجتماعي فقد كثرت فيه الشخصيات، ما حدا به إلى اختيار أرض المحشر لتكون فضاءً مكانيًّا.
الحلم، في التحليل النفسي، تعبيرٌ عن رغبات لا شعوريّة، كما أن الأدب -من المنظور النفسي ذاته- ترجمةٌ لغوية للرغبات المكبوتة وللتجارب وللذاكرة، إلا أن الاستقبال للنوعين يختلف، فمتلقي الحلم (المؤوِّل) يسعى إلى الفهم، في حين أن متلقي الأدب (القارئ) يندمج ويتفاعل مع النص ويمنح النص تأويلاته الخاصة. ولأن الحلم فعل لا إرادي، لا يُحاسَب عليه، فقد اختار الوهْراني هذا القالب الفني ليبثّ من خلاله نقده اللاذع، مُتحصِّنًا وراء قناع الحُلم تهرّبًا من الرقابة والمحاسبة. لكن إذا كان الحلمُ فعلًا يغمض فيه العقل عينيهِ، فهل تكون الكتابةُ أيضًا كذلك؟
تفسير الأحلام وتأويل الأدب
تختلف الأحلام عن الرؤى استنادًا إلى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصادقة جزء من النبوة»؛ فالرؤيا تكون من الله، أما الحُلم فمن الشيطان. ويضيف عبدالغني بن إسماعيل بن عبدالغني النابلسي في كتابه «تعطير الأنام في تعبير المنام» نوعًا ثالثًا هي الرؤى التي يحدث بها المرء نفسه. وكان تفسير الأحلام علمًا ذا مكانةٍ كما ورد في مقدمته: «علم التعبير للرؤيا المنامية من العلوم رفيعة المقام، وكان الأنبياء، صلى الله عليهم وسلم، يعدونها من الوحي إليهم».
ويتناول حميد لحميداني في كتابه «القراءة وتوليد الدلالة» فصلًا عن الأحلام وطرق تأويلها، لما يمكن أن تفيد به الظاهرة الأدبية خاصةً، والظواهر الرمزية عامةً. فيلخِّص فيه جهود ابن سيرين في كتابه «تفسير الأحلام» بجمعه أنماط التعبير التي كانت معتمدةً قبله، وربطها بجميع مستويات التأويل المعتمدة في تفسير القرآن الكريم، ومنها: التفسير بالأسماء، والتفسير بالمعنى؛ أي التأويل الاستعاريّ، كأن يؤول الأترجّ بالنفاق، لمخالفةِ ظاهره لباطنه. والتفسير بالضدّ؛ كأن يفسر الموت بالحياة المديدة. والتفسير بالبنية المنتظمة التامة في الحلم، حيث اهتمّ ابن سيرين بوحدة النص الحُلمي، فإن لم يكن ملتئمًا، متماسكًا، فهو من أضغاث الأحلام. والتفسير بالقصد، أي ارتباط الحلم بنيات ومقاصد واهتمامات الحالم. والتأويل يكون اعتمادًا على القرآن الكريم، وعلى نفسية الحالم، ومشاغله، ومعارفه، حيث كان ابن سيرين يتقصّى حياة الحالم ويسأله عن كل ما يعينه على تفسير الحُلم.

حميد لحميداني
ومن جهة علم النفس، فقد اعتنى فرويد بالأحلام لعلاقتها بالكبت. ففي كتابه «تفسير الأحلام» ركز على اللاوعي، موضِّحًا أن الحُلم حيلةٌ نفسية ترمي إلى إشباع رغبات ودوافع النفس المكبوتة في اللاوعي، ويقوم عمل المحلل النفسي على الحفر في هذه الأحلام وفكِّ رموزها. واستخرج من الأدب أفكارًا، واستخلص عُقدًا نفسية، كالنرجسية المستنتجة من أسطورة نرسيس، وعقدة أوديب المستوحاة من أسطورة الملك أوديب، التي وجدها أيضًا في تحليله لكثير من الأعمال الأدبية.
أما كارل يونغ، فيرى أن الأحلام تنبثق من اللاوعي الذي ينقسم إلى: اللاوعي الفردي، وهو سجل التاريخ الشخصي للفرد، واللاوعي الجمعي: وهو سجل التاريخ الإنساني. وفي كتابه «الإنسان ورموزه» يوضح يونغ أن الأفكار التي تهبط في اللاوعي تنمو وتزهر؛ لتخرج مرة أخرى كما لم يعرفها الوعي من قبل. ويركز يونغ على البعد الأسطوري والنماذج البدائية التي يمتلئ بها اللاوعي الجمعي الذي تنشأ عنه الحياة الواعية واللاواعية للفرد؛ وهو ما يجعل الإنسان امتدادًا لخبرات تاريخية كبرى في الزمان.
أما ألفريد أدلر، ففي كتابه «معنى الحياة»، يعارض فرويد في فصلِه بين الوعي واللاوعي، وكأن حياة اليقظةِ مفصولةٌ عن حياةِ الأحلام، ويرى أن الوعي واللاوعي وحدة لا تتجزأ، وحياتنا في الحلم كحياتنا في اليقظة جزءٌ من كل لا أكثر ولا أقل، وغرض الأحلام عنده تمهيد الطريق للفرد نحو غايته في النماء والسعي التي يحددها بنزوعه إلى «التفوُّق»؛ ففي الحلم يُدرب جانبًا ما من نفسه ليقترب من تحقيق «التفوُّق».

كارل يونغ
ثم يأتي جاك لاكان ليأخذ تفسير الأحلام إلى منحًى لغوي، فيُرادف بين اللغة واللاوعي، ويرى أن الإنسان يسكن في اللغة التي بدورها تُمثِّل اللاوعي وتكشفه وتستنطِقه من خلال الإنسان، فلا يكون تفسير أي شيء أو أي رمزٍ خارجًا عن حدود اللغة. ويطرحُ سانتز في «معجم تفسير الأحلام» مجموعة من الآليات التي تستخدم في تأويل الأحلام، وقد لخَّصها لحميداني في كتابه، ومنها: التأصيل النفسي، اعتمادًا على حياة ونفسية ومزاج الحالم، وعن طريق تداعي الأفكار، والتلاعب بالألفاظ والأصوات، والتأصيل الرمزي، والتفسير بالضِّد، والمشابهة والتعيين.
إذا كان اللاوعي منبعًا لأحلام الإنسان ومحركًا خفيًّا لسلوكه؛ فالأدب يحكي عن هذا الإنسان، وعليه يمكن للناقد الأدبي أن يفتح بدمجه بين آليات تفسير الأحلام وآليات علم النفس باب تأويلاتٍ جديدة على الأدب؛ لأن الأدب مقطوعةٌ من حلم يمرُّ طيفها على الأديب فيفرشها -في لحظةِ وعيٍ- على الورق.
منامة الوهراني: فضح الفساد بلسان الحلم وسخرية اليقظة
منامات الوهْراني هي جوابٌ مطوّلٌ ساخر لرسالة (الحافظ العُليمي) الذي عاتبَ فيها الوهْرانيَّ بشدة؛ لأنه خاطبهُ في رسالةٍ قبل سنوات دون ألقاب. تعجب الوهرانيُّ من ذلك الحقد الذي لم تُزله مشقات الحياة وكثرة مشاغلها. ثم غلبَه النوم وهو يفكر فيما حدث «فرأى فيما يرى النائم» أن القيامة قامت، واجتمع في أرض المحشر بالحافظ وبكبار العلماء والفقهاء والشعراء والملوك والأمراء والخلفاء والوزراء وغيرهم من أصحاب المذاهب والتيارات في عصره. وأقام الوهراني محاورات فاضحة بينهم في أرض المحشر، يكشفُ فيها بأسلوب فاضحٍ عن تلاعبهم وفسادهم، ويطرح من خلالها القضايا الاجتماعية والسياسية والأدبية آنذاك.
إن شخصيات النص تخالف بوضوحٍ غاية وجودها فيه. فالطبيب بجهله يقضي على حياة الناس، بدلًا من الحفاظ عليها، والقاضي يتعصّب ويميل لأهل الشر، بدلًا من الميل للخير وأهله، والسياسي منصرف نحو اللهو والملذات متجنبًا واجباته، وغاية الفقيهِ محصورة في سمت أهل العلم، وغاية الأديب تنميق اللفظ وتجاهل المعنى، والفلاسفة مشغولون بما لا ينفعهم في الدين والدنيا، فما يمثّلونه مجتمعينَ في عالم المنامة الخيالي إلى افتقارهم لـ(حسِّ المسؤولية)، وهو ما يعني سباتهم الذي أيقظه الوهراني بلسعات من السخرية والنقد.

جاك لاكان
ووسط صراعٍ بين (المركز/ الهامش) وجد الوهْراني أن أدبه لن يكون ذا قيمةٍ في المناخ الأدبي المركزي في عصره، فتوجَّه نحو الهامش وقضاياه حيث يجد متنفسًا لإنسانه المخذول بين أولئك الذين لا ينصرهم أحد في صراع (المركز/ الهامش)، مخالفًا بذلك بنية السرد السائدة ومضامينها، باعتماده: اللغة المحكية البسيطة والمفردات غير اللائقة، والتصاوير والتشبيهات الناضحة من الحياةِ اليومية، مبتعدًا من تكلُّف أساليب البديع والسجع، كما في المقامات والرسائل الشائعة في زمنه، ومستعينًا بالعجائبيّة لشكلنةِ دوافعه الإصلاحية في (حلم).
وتتنوع الأحداث في المنامة وتترابط وتجعل من الحكي داخل الحكي عاملًا مغذّيًا للنصّ وفضائه، وينبني السردُ باستهلال يمهّد للمنامة ويصف لحظة اللهفة لاستلام الرسالة، ثم تكدّره وانزعاجه من تمسّك (العليمي) بالألقاب وتغاضيه عما حملته الرسالة من مشاعر. ويبدأ الصراع حين يجد (الوهراني) نفسه و(العليمي) في يوم القيامة، ويواجهان (خازن النار)، ثم يستمر السرد مع ظهور الشخصيات وتتوالد الأحداث من تلاقيها وحواراتها، فتقترب المنامة من المسرحية لاعتمادها على الحوار وبروز الصراع القائم بين المتناقضات. ويتوتر السرد في مشاهد متفرعة من (الضمأ) بحثًا عن شفيع لورود الحوض إلى أن يعود السرد إلى توازنه مع ظهور الرسول، صلى الله عليه وسلم؛ لتكون وضعية النهاية هي الاستيقاظ من المنام.
الوهراني: الحالم والكاتب
إن غرابةَ تطرُّق الوهراني، يوم الحساب، لرؤية نقدية أدبية حول الشكل والمضمون في حوارٍ بينه وبين (أبي الحسين أحمد بن منير) تشير بوضوح إلى تضخُّم الكاتب فيه على حساب الحالم؛ إذ تتأرجح المنامة بين ثنائيات: (الحلم/اليقظة) و(العجيب/الواقعي)، وفي هذا السياق ينشأ حوار بينه وبين أبي الحسين أحمد بن منير، يثير في القارئ الدهشة من استحضار قضايا أدبية في مقام أخروي. يقول ابن منير في معرض نقده:

ألفريد أدلر
«فقال: هذه ورقة المؤيد بن العميد (…) وقال: هذه رقعة رجل دهان عارف بجل الأصباغ وإنزال الذهب، لكنه جاهل بصناعة الكتابة ظاهر التكلف فيها؛ يريد أن يتمم نقص الصناعة ويستر عوارها بالألوان المشرقة والأوراق المصبغة والتذهيب».
ويؤيد رأيه (طلائع بن رزيك)، وهو شخصية وصمها الوهراني بسخف العقل والسُّكر، إلا أنها على الرغم من ذلك تتفوق على (العليمي) ببصرها الأدبي الناقد.
تسربُل المدنَّس بمظاهر المقدَّس
يتجلّى المسكوت عنه عبر ثنائية (المقدس/المدنس) من خلال الزمان والمكان والشخصيات؛ إذ يمثل يوم القيامة (الزمان) وتمثل أرضُ المحشرِ (المكان)، بهدفِ تعرية الواقع المدنّس وإظهار فساد الأخلاق عبر استرجاع أعمال الشخصيات في الدنيا بمختلف طبقاتهم ومكاناتهم. ولا شيء أقدسُ من الدين ومن كرامة الإنسان. ويورد النصُّ انتهاكات المدنسِ للمقدس منها، في مواضع عدة، انتهاكُ الطفولة واستغلال الأطفال في حوارٍ حول (المعن بن حسن)، وانتهاك إنسانية الإنسان وسلبه كرامته كما في الحوار بين (عبدالواحد بن بدر) و(الخادم/ الوهراني)، وهو المدان في هذا الموقف؛ فلم تسلم حتى نفسه من نقده. ويعرض لقضية التديُّن الشكلي، الذي يعد في حدِّ ذاته انتهاكًا للدين، في حوارٍ بين (مالك خازن النار) و(الخادم/ الوهراني) و(العليمي)، ثم عن طريق الحوار مع الشخصيات الدينية الأخرى يكشف تسربُل المدنَّس بمظاهر المقدَّس. وهكذا، يستيقظ (الوهراني) من منامته بعد أن أفرغ فيها رغبته في الانتقام الرمزي من (العليمي) ومن سواه ممن تناولهم في الحلم. وقد حقّق نوعًا من التفوّق؛ إذ أثار الخوف من قلمه في مجتمعه، مثلما كان هجاء الشعراء يُرعب القبائل. لقد اتخذ من السُّخريةِ اللاذعة -التي لا تخلو من الفكاهةِ – مقوِّمًا أخلاقيًّا يحقق التطهير، من خلال الضحك، فالضحكُ -حسب إيغلتون- يعمل مصحِّحًا اجتماعيًّا يكبح الانحراف، ويُليّن السلوك القاسي، ويُنتج المرونة النفسية التي تحتاجها المجتمعات. «فالعالم ليسَ نكتة»، ولو لم يكن الواقع الذي صوّره مؤلمًا، بالنسبة له، لما سلط عليه الضوء بلغةٍ صادمة ليست كلغة الأحلام.