فَنُّ التارِيخ عند ابن خَلدُون… هل قرأنا المقدمة أم نكتفي بقراءةٍ عَجْلَى؟
إن الغرضَ من هذا المقال هو عرضٌ مكثف لمكانة «المقدمة» لدى الغربِ وتشديدٌ على ضرورة تفحصها أكثر في البحوث الأكاديمية العربية. الألمان، مثلًا، لم يملوا، لمدّة أكثر من أربعة قرون، من دراسة الفيلسوف إيمانويل كانط وتطوير أفكاره ونقدها، فلماذا لا يعتني العربُ بالمقدّمة فلسفيًّا وتاريخيًّا وحضاريًّا وثقافيًّا ولغويًّا؟
تعدّدت الدراسات العربية التي عُنيتْ بابن خلدون، لكن لا نجدُ قراءة تَبني، مثلًا، لخلدونية مُحدثة أو تقترحُ تفكيكًا فلسفيًّا للكتاب. ومن المعروف عداء ابن خلدون للفلسفة، لكن تكمن وظيفة الباحثين الجدد في فتح مساربَ جديدة لقراءة التاريخ. فالإنسان كائنٌ تاريخيّ لا يتنصلُ من السابقين ولا يتبرأ منهم. سنقسمُ هذا المقال إلى قسمين: الأوّل متعلّق بمكانة العلّامة ابن خلدون عند روبيرت فلينت، والقسم الثاني مُتعلقٌ بفنّ التاريخ والحاجة إلى «المُقدّمة» الآن وهنا.
موقفه من الفلسفة والعقل
يقول الفيلسوف وعالم الدين الإسكتلندي، روبيرت فلينت: «إن ابن خلدون هو أول كاتب طرح التاريخ بوصفه موضوعًا خاصًّا لعلم خاص. ووفقًا لهذا الأساس، هل نعدُّه مؤسّسًا لعلْمِ التاريخ أم لا؟ قد تختلف الآراء حول هذه المسألة، ولكن أيّ قارئ نزيه لكتابه «المقدمة» لا يمكنه إنكار استحقاقه لهذا الشرف أكثر من استحقاق أي مؤلف آخر قبل فيكو».
يخصّص روبيرت فلينت جزءًا من كتابه، «تاريخ فلسفة التاريخ: الفلسفة التاريخية في فرنسا وألمانيا»، للحديث عن ابن خلدون ومقارنته بغيره. فقد وجدَ فيه النموذج المثالي للسياسيّ الماهر والكائن الفاعل في المجتمع، فضلًا عن مهارته في الإقناع والتكيف مع الظروف؛ ذلك أنّ ابن خلدون طمح إلى التميّز في السياسة والأدب، ولم يلتزم بأيّ نظام ميتافيزيقي أو تأملي في كتاباته. خصص في كتابه «المقدّمة» فصلًا كاملًا للبرهنة على عدِّ الفلسفة علمًا كاذبًا، وهي ليست خائنة لوعودها وحسب، وإنّما ضارة بطبيعة الحال؛ لأنها معادية للدين. وهو يعترف فقط بأنّ معرفة تاريخها له قيمة، وأن دراستها تعمل على شحذ الفهم المنطقيّ. وقد نبرّر هذا العِدَاء بالسياق التاريخي والفكري آنذاك. ومع ذلك، فهو لا يُخفي تَأكيدهُ ضرورةَ ترسيخها من قِبل أولئك الذين لديهم أساس جيد في تفسير القرآن والفقه الإسلامي. لطالما قدَّر ابن خلدون العلوم الإيجابية تقديرًا عاليًا، وهو الذي تقبّل تعاليم اللاهوت العقائدي بوصفه جديرًا بالثقة، وفقًا له. ويرى أيضًا الممارسة الحرّة للعقل في مجالات الدين والميتافيزيقا ضارة. ولأنه لم يتبع أيّ فلسفة، لم يحاول تفسيرها. ومن ثمّة لم يشكل نظريات تاريخية وحاول استنباطها مباشرة من الحقائق التاريخية. ومعرفته بها جعلته قادرًا على فهم موروث الشرق بعمقه واتساعه. وقد بَرَعَ ابن خلدون في تحليل الظواهر الاجتماعية وآثارها داخل المجتمع.
هدف ابن خلدون، بحسب فلينت، هو رفع التاريخ من مرتبة الفنّ إلى العلم. وهو الذي تتبع الروابط الحياتية بين الريف والمدن بوصفهما مهدَ الحضاراتِ، مُشدّدًا على التفوّق الأخلاقي لسكان الريف على سكن المدن. فعلى الرغم من فظاظتهم الشديدة في السلوك، فإنهم الأكثر شجاعة. ويعود ذلك، إلى استقلالهم الأكبر في العمل وإعفائهم من التنظيم الخارجي للسلوك البشريّ. ويتناول بالتفصيل طبيعة الحياة الاجتماعية في الصحراء؛ إذْ تَحتاج قَبيلة الصحراء إلى أن تكون قبل كل شيء مفعمة بالحيوية والأحاسيس المجتمعية. وهذا الشعور لا يوجد بقوّة إلا بين الأشخاص الذين تربطهم علاقة دم أو ما يعادلها.
وبذلك، نستنتجُ منزلة ابن خلدون العالية عند هذا العَالِم الغربيّ. فهو ليس الوحيد الذي اهتم بمفهوم التاريخ عند هذا العلّامة. فنجدُ غيره كُثرًا؛ من أهمهم أبناء الاستشراق في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، مثل: المستشرق الفرنسيّ بارتيلمي هربيلو، وسلفستر دي ساسي. ولا حاجة هنا لجرد الذين اهتموا بابن خلدون وكتبوا حوله دراسات باللسان الإنجليزي والألماني والروسيّ والفرنسيّ والإيطالي والعربيّ.
رؤيته المُختلفة للتاريخ
إلى جانب ذلك، تكمنُ ميزة ابن خلدون في رؤيته المُختلفة للتاريخ. يقول في «المقدمة»: «واعلم أنّ فنّ التاريخ فن عزيز المذاهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذْ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمَنْ يَرُومهُ في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يُفضيان بمصاحبهما إلى الحق ويُنكبان به عن المزلّات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمدَ فيها على مجرّد النقل، ولم تحكّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمنْ فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادّة الصِّدْق».
ونفهم من هذا القول، تشديده على تتبع الأحوال الاجتماعية بوصفها مظهرًا من مظاهر الحياة، وضمانة للتطور والحركة التاريخية. وليس التاريخ عنده مجرد نقلٍ لأخبار الماضي، وإنما يحتاج إلى تحليل وتثبّت وتفحص في الوقائع العمرانية، والحوادث التاريخية التي تخلقها المجتمعات.
وهذا جعله، ينقدُ الذين جَمعُوا تواريخ الأمم والدُّول في العالم، وأضْعفُوا الروايات التاريخية والآثار الكثيرة، ولم يتحققوا وينقحوا الأخبار. ويُشيرُ ابن خلدون إلى نُدرة الذين أحاطوا بالأخبار التاريخية بتدقيق. يذكر، على سبيل المثال: محمد ابن إسحاق، والطبريّ، وابن الكلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، وسيف بن عمر الأسدي. وهم وفقًا له لم يتفحصوا الطبائع العمرانية والتراثية بدقة، إنّما اكتفوا بتقديم تواريخ عامّة المناهج والمسالك لعموم الدولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك. من ثمّة، يُشدّد على أخطاء المؤرخين الذين يُقدّمون خُرافات واهية وما ينقلونهُ عن الدول والبلدان، وعن العهود القديمة، حيث ذهب بعضهم إلى توثيق أخبار وهمية. فيقول العلّامة: إن الأخبار التي ذكروها واهية أو موضوعة ومدخولة.

يخصّص ابن خلدون فصلًا كاملًا ليضبط مدخلًا يحلّل فيه أوهام أهل التفسير يقول: «وأبعدُ من ذلك وأعرقُ في الوهم ما يتناقلهُ المفسرون في تفسير سورة الفجر في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾». فيجعلون لفظة إرمَ اسمًا لمدينة وصفَت بأنها ذاتُ عماد أي: أساطِين، وينقلونَ أنه كان لعاد بن عُوص بن إرَمَ ابنان هما: شديدٌ وشدّادٌ، ملكا من بعده، وهَلكَ شديدٌ، فخلص المُلكُ لشدّاد، ودانت له مُلوكهُم، وسَمِعَ وصف الجنّة فقال: لَأَبْنِيَّنَ مثلَها، فبنى مدينة إرمَ في صحارى عَدن في مدّة ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسع مئة سنة، وأنّها مدينة عظيمة، قُصورها من الذهب، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الشجر والأنهار المُطّردَة. ولمّا تمّ بناؤها، سارَ إليها بأهل مملكته، حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلّهم. ذكر ذلك الطبريّ، والثعالبيّ والزمخشريّ وغيرهم من المفسرين.»
وفقًا لهذا التحليل، يَنْقُلُ ابن خلدون مزاعم المُفسرين وخيالهم الخصب؛ إذْ اختلطت عليهم الأمور، فبعض يقول: إنّ إرم ذات العمادِ سيدخلها رجلٌ من بلاد المسلمين على عنقه خالٌ، وبعض آخر يقول: هي دمشق. لكن ابن خلدون يذكر بصريح العبارة أنّ هذه المدينة لم يُسمعَ لها خبرٌ في شيء من بقاع الأرض، لا أدلّة على وجودها، ولم يُنقل عن هذه المدينة خبرٌ، ولا ذكرها أحد. فالعماد هي عماد الأخبية، والخيام.
نقده للمؤرخين ولتراث الكتابة التاريخية
ولا يكتفي ابن خلدون بهذا النموذج من الخرافات، وإنّما يذكرُ أمثلة عدة من الحكايات المدخُولة للمؤرّخين، وما ينقلونه من قصص وأهازيج. مثلًا: ما ذكروه عن نكبة الرشيد للبرامكة من قصّة العبّاسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد، وما نقله ابن عبد ربّه في مفاوضة الرشيد، عمّ جدّه إسحاق بن عليّ، في شأن نكبتهم، وما ذكره في باب الشعراء في «كتاب العقد» في محاورة الأصمعي للرشيد وللفضل ابن يحيى في سَمَرهم؛ تتفهّم أنّه إنّما قَتلتهم الغيرةُ والمُنافسة في الاستبداد من الخليفة، وكذلك ما تحيّلَ به أعداؤهم من خلال ما دسوه في الشعر مضمرًا، فيذكر في ذلك بعض الأبيات الشعرية نموذجًا لذلك.
يسهبُ ابن خلدون في تعداد الحكايات وأمثالها لدى صاحب العِقد وغيره، مثل القاضي أبي بكر الباقِلانيّ شيخ النظّار من المُتـكلمين وجنوحهم الجليّ إلى الأخبار والآراء الضعيفة، و»المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة.
هكذا، ينبه ابن خلدون إلى ضرورة معرفة المغالط التي زَلّت أقدام الكثير من المؤرخين، الذين علقت أفكارهم في النقل واندرجت وحفظت حتى صارت جزءًا واهيًا من فنّ التاريخ. وهذا مُشكل حقيقي؛ إذْ يقول: «فلذا يحتاجُ صاحب هذا الفنّ إلى العلم بقواعد السياسة وطبائعِ الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنِّحَل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر».
ويعود هذا الحرص إلى جدية تعاطيه مع المادّة التاريخية وأهمية تدقيقها. وبذلك، ثمّة ترسيخ لقيمة التاريخ وصناعته. فهو عنده لا يختص بالحروب وأخبار الشعوب وأنباء الحروب وحسب، وإنّما هو تحوّل وتغيّر داخل الحياة الاجتماعية بمختلف مظاهرها وصنائعها. ومن ثمّة، يتوازى تصوّره الشاسع للتاريخ مع دراسته المتوسعة لمكوّنات الحضارة العربية، وبنيتها الاجتماعية.
يقول: «اعلم أنّه لما كانت حقيقة التاريخ أنّه خبرٌ عن الاجتماع الإنسانيّ الذي هو عُمرانُ العالم، وما يعرضُ لطبيعة ذلك العمران من أحوال التوحُّش والتأنُّس والعصبيات وأصناف التغلُّباتِ للبَشر بعضهم على بعض، وما ينشأُ عن ذلك من المُلكِ والدُّول ومراتبها، وما ينتحله البشرُ بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلُوم والصنائع وسائر ما يحدثُ من ذلك العُمرانِ بطبيعته من الأحوال.»
وبهذا المعنى، يقضي النظر في التاريخ إلى أبحاث حصيفة، أفضت به إلى اتباع مسلك العمران البشريّ في كتابة التاريخ. فالمؤرخ، وفقًا له، يجب ألا يخلط الأخبار ويتجنّب الغلط والوهم، وأنْ يستجلي بدقّة الأحداث. ويقول: إن العلم الذي ينكب عليه ليس من علم الخطابة، وهو من العلوم النافعة، وعلم مستنبط يرفض التعاطي الوعظيّ مع المسائل التاريخية؛ لأنّ «معظم المؤرخين في القرون الأولى أدخلوا «يد الله» في الوقائع التاريخية كعاملٍ ومؤثرٍ مُبَاشر، والتجؤوا «إلى قدرته ومشيئته وعنايته» في تفسير التاريخ، من غير أن يبحثوا عن العلل والأسباب الطبيعية أبدًا. هذا أبو التاريخ هيرودوت يذكر أعمال الآلهة بين الوقائع التاريخية، ويشرح بتفصيل كيف أنّهم ينصرون فئة على فئة، وكيف أنهم يتخاصمون فيما بينهم أيضًا في بعض الأحوال». الأسلوب القائم على تعليل الوقائع التاريخية بمشيئة إلهية أثّر في الأقلام المسيحية التي انتشرت في القرون الوسطى. الأسلوب ذاته المستند على القوى المطلقة، نجده عند أوغسطينوس، وجوزيف ماري دومستر؛ إذْ لم ينقص هذا الأسلوب من قيمة هيرودوت، على سبيل المثال، ولا يمكنُ أن ينزع من ابن خلدون أهمية أطروحاته التاريخية؛ فقد قرظ علم الله في كتابه، ونحى في تحليله منحى عقلانيًّا، ومنطقيًّا. يتعاطى ابن خلدون مع تراث الكتابة التاريخية والتأريخ القديم كمادّة نقدية، يجب التثبتُ فيها. وهو لا يدّخر جهدًا في الإحاطة بكتب المؤرخين السابقة له، ويطّلع على كتاباتهم، ويعتني بالجوانب التي أهملوها ولم يتفطّنوا لها. كذلك، نجدهُ يطوّرها، لينتقلَ إلى العمران البشريّ. «ويعبّر الحكماء عن هذا بقولِهم: الإنسان مدنيٌّ بالطّبع، أي: لا بد لهُ من الاجتماعِ الذي هو المدينة في اصطلاحهم، وهو معنى العُمران».
إن كتاب «المُقدّمة» وأعمال ابن خلدون عمومًا، تحتاجُ إلى كوكبة من الباحثينَ الجدد الذين يعملون بمشرط الفلسفة والتفكيك؛ يكشفون مضمرات النصّ، ولا يكتفون بقراءة عجلى وبعقول مقفلة. فهذا العلّامة ابن التراث العربيّ، وابن بيئتنا المُتغيّرة والمتطوّرة لغويًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، ومن الضروريّ الانهمامُ به كجزء من هذا التراث. فإذا كان أسلافنا القدامى بهذه الجرأة والحصافة، فأين نحن من حصافتهم؟