هذه المجلة: وصحافة العصر!!
ما الصحافة الناجحة؟
سؤال تجيب عنه صحافة اليوم من خلال ما تنشره على صفحاتها كجانب بارز من جوانب اهتماماتها -إن لم يكن أهمها- كما يردده تجار الصحافة من حين إلى آخر. ويروجون له في كل مناسبة يتناول الحديث عن الصحافة وماهيتها ومقومات نجاحها، وهو أن الصحافة الناجحة المقروءة تقوم على ساقين هما: الجنس والجريمة. وفي نظرهم الصحافة التي تفتقر إلى هاتين الساقين هي صحافة كسيحة ومشلولة وغير مقروءة.
والمتتبع لما تنشره أغلب الصحف العالمية، وبعض الصحف العربية، يدرك بشكل واضح مدى سيطرة هذا المفهوم على تفكير القائمين على الصحافة حيث يندر أن تخلو صحيفة من أخبار الجنس والفضائح وحوادث الاختطاف والاغتصاب والسلب والقتل وأنشطة العصابات بصورة توحي للقارئ أن هذه العصابات طرف في عملية التمويل من أجل تجسيد أهميتها وفاعلية دورها وقدرتها على التسلط والبطش بعباد الله سلبًا وتقتيلًا ورعبًا. وقد تعمق هذا المفهوم لصحافة اليوم إلى حد اعتبره بعضٌ «عرفًا» أو «تقليدًا» وظاهرة من ظواهر هذا العصر المنكود بشتى الظواهر القميئة.
الربح أولًا!
وبمرور الزمن استمرأ القوم هذه الظاهرة فتحولت إلى نوع من «الالتزام» أو «الإلزام» -إذا صح هذا التعبير- في الصحافة المعاصرة؛ فكل صحيفة يفكر أصحابها في إصدارها من أجل الربح لا يفوتهم وهم يخططون لرواجها في الأسواق أن يكون من أبرز اهتماماتها نشر فضائح الجنس والجريمة بحثًا عن الإثارة والكسب المادي. وقد تطور الأمر فأصبح للجنس وفضائحه والجريمة وبشاعاتها صحافة متخصصة يقرؤها ملايين القراء بأسعار مرتفعة. وأغلب هذه الملايين من الشبان والشابات المراهقين والمراهقات منشغلون بهذه القراءات عن الاهتمام بقضاياهم المصيرية والمعرفية ومشاكلهم الحياتية الرئيسية والتفكير في حاضرهم ومستقبلهم ومستقبل بلدانهم.
هذه ظاهرة من ظواهر نكسة الصحافة العالمية اليوم التي تركت بصماتها على فكر الإنسان وثقافته وروحه. وتأتي التيارات السياسية لتشكل ظاهرة أخرى قميئة في تاريخ الصحافة والفكر الإنساني. فقد غدت تسيطر على تفكير الإنسان وحواسه، بل أصبحت زادًا يوميًّا، وطبقًا رئيسيًّا لا يستطيع الاستغناء عنه. وأصبح نشر الأخبار والتحليلات السياسية مصحوبًا بالفضيحة والجنس أمرًا بالغ الأهمية في صحافة اليوم.
على مستوى الفكر الإنساني
هذا على مستوى الصحافة، أما على مستوى الفكر الإنساني فقد وظفته هذه التيارات لمتغيراتها التي لا تستقر على حال فشوهت معالمه وأهدرت قيمه وأشعلت روح الكراهية والبغضاء في صفوف المفكرين بأسلوب «التفرقة» حينًا على طريقة «فرق تسد» وأسلوب «التقسيم» حينًا آخر إلى فئات، فلم تعد تلتقي في حوار أو على مائدة نقاش موضوعي مع الفئة الأخرى. وأصبح الفكر الإنساني كأوراق الخريف تتقاذفه رياح السياسة حسب أهوائها. فهذا فكر «يساري» وآخر «يميني» وثالث «رجعي» إلى آخر هذه التقسيمات التي ما أنزل اللّٰه بها من سلطان.
وهاتان الظاهرتان تسيطران اليوم بصورة واضحة على أغلب الوسائل الإعلامية والفكرية كالإذاعة والتليفزيون والمسرح والكتاب والصحافة. ومن آثارها انحدار المستوى الثقافي والفكري للكتاب وانجراف عدد كبير من الكتاب الباحثين عن الشهرة والمال بأيسر السبل وأقلها جهدًا؛ تجاوبًا مع شباك تذاكر السينما والمسرح ومكتبات الأرصفة وأصوات الباعة المتجولين. كما تراجعت بعض المجلات الثقافية الرصينة وتوقف البعض الآخر لانصراف قارئ المتعة عن قراءتها وندرة القارئ الباحث عن المعرفة.
وحجة صحافة اليوم وهي تركب هذا الحصان الجموح هي أن القارئ المعاصر المحكوم بالقلق والضياع مخلوق ملول غير قادر على التركيز الجيد والقراءة المتأنية العميقة كما أن وقته يزدحم بعشرات المشاكل الخاصة والعامة التي لا تساعده على تحصيل المعرفة الجيدة.
وترى أن العصر عصر مادة وليس عصر ثقافة وفكر، عصر يفكر بمنطق قواعد الربح والخسارة. وهو بهذا المنطق يبحث لاهثًا عن الربح الكثير بالجهد القليل أو باللاجهد أحيانًا. والربح عنده إما أن يكون زيادةً كبيرةً في الدخل أو إشباعًا لمتعةٍ. وبهذا المنطق استطاع السوق أن يلوي عنق الفكر الإنساني ووسائله الإعلامية ويخضعها لسلطته.
ومن خلال هذا المنظور أصبح صدور مجلة ثقافية ملتزمة بالفكر الإنساني الجيد مغامرة محفوفة بالخسارة، كما أن أي مشروع ثقافي يهدف إلى تقديم خدمات ثقافية ترتفع بمستوى تفكير الإنسان وتطلعاته هو مشروع مصحوب بالفشل المسبق.
استثناء مشرق
في هذا الجو المشحون يأتي صدور هذه المجلة وجهًا عربيًّا مشرقًا دائم الصحو كسماء بلاده؛ وجه واضح القسمات رحب الفكر كصحرائه، يسعى لخدمة الثقافة العربية الإسلامية والفكر الإنساني متجاوزًا كل التقسيمات الجغرافية، خاليًا من أمراض صحافة اليوم، في عينيه الصدق والصفاء والوضوح.
مجلة منطلقاتها البحث عن الحقيقة المجردة بلا إثارة أو افتعال، وبأسلوب واقعي بلا انفعال أو تشنج، وبروح علمية لا تهويل فيها ولا تجريح. مجلة تحترم الطرح الموضوعي والعلمي احترامها للعقل البشري الذي كرَّمَته الأديان السماوية.
مجلة عربية الملامح والسمات، واضحة الأفكار والمبادئ، تلتزم بقيم الخير والمحبة التي يدعو إليها ديننا الحنيف بتعاليمه السمحة وقواعده الإنسانية العادلة؛ مجلة بيئتها الأرض العربية والإسلامية على امتداد مساحتها وتعدد مواطنها، وما على هذه الأرض من مدنية وبقايا حضارة باهرة، وما تحتضنه من تراث إنساني رائع.
مجلة تحافظ على تراث الأجيال المنصرمة، عن طريق دراسته وتقديمه للجيل الحاضر والأجيال القادمة في صورة مشرقة، وتحتفى بالثقافة المعاصرة الأصيلة من أجل إيجاد جسور من العلاقات القوية والصلات المتينة التي تحرص على ربط تراث الماضي بثقافة الحاضر؛ لصناعة فكر المستقبل بحُلّة تحترم القيم النبيلة، والأفكار البناءة، وتسعى إلى عقل القارئ ووجدانه.
هذه سبيلنا، ونستمد التوفيق من الله.