جماليات التخُوم في روايات عواض شاهر

جماليات التخُوم في روايات عواض شاهر

إنْ كان هناك من ناظم ينظم إنتاجَ عواض شاهر السرديّ، والروائيّ منه على وجه الخصوص، فهو التخوم، وأعني به الحد الفاصل بين حيّزين؛ إذ تشكّل التخوم ثيمة رئيسة في روايات شاهر، وتمدّ العمل السرديّ بجملة من العناصر والموتيفات التي تتضافر معًا مشكلةً العالم الروائي. تستثمر روايات شاهر، بدرجات متقاربة، جمالياتِ التخوم بوصفها فضاءً للتفاوض والتردد والتحدي والأهم من ذلك كله: التغيّر.

في هذه القراءة، أعرض ثلاثة من أبرز جوانب توظيف التخُوم في روايات شاهر عمومًا. وأنا هنا أُركز على رواية «المهرّب»، آخر أعمال الروائي، ولكني أيضًا أعود وألتقط من الروايات السابقة ما أرى أنه يدعم قولي لإيصال الفكرة. وكلّ جانب من تلك الجوانب ينطوي على متقابلَيْن اثنين تعمل التخوم فيما بينهما. أول تلك الجوانب: التخُوم الجغرافية، وفيه تتقابل الصحراء والمدينة، وثانيها: التخُوم الزمنية، وفيه يتقابل الماضي (الاستذكار) والحاضر (الواقع المَعِيش)، أما ثالثها فالتخوم الفنية، وفيه يتقابل الحكي والكتابة، بوصفهما شكلين من أشكال التعبير عامةً، والتعبير الفني على وجه خاص، وناقلين للتجربة الإنسانية. وفيما يلي تفصيلها.

الصحراء/المدينة- الخلاء/العمران

أما الملمح الأول من ملامح جماليات التخوم المطروقة في سرديات شاهر فهو ما يتعلق بالفضاء الجغرافي الذي تتحرك فيه الشخصيات وتقع فيه الأحداث؛ ذلك الفضاء الذي يُملي منطقَ الرواية الداخلي ويبلور رؤيتَها للعالم. وسأنطلق في عرضي لهذا الملمح من محاولة نقضٍ لفكرة تحظى بالقبول في المدونة النقدية التي تناولت روايات شاهر. أقول: حين يقال إن رواياتِ شاهر رواياتٌ عن الصحراء بوصفها فضاء جغرافيًّا وفيزيائيًّا وفلسفيًّا، يمكننا أن نستجوب هذه الرؤية. إنها رؤية صائبة في جانب كبير منها، لكن ما ينقصها هو فحصُ الدور الذي يقوم به هذا الفضاء الصحراوي وتمحيص طبيعة استثماره من قِبل الروائي.

يجد المتأمل في روايات شاهر أن الصحراء في هذه الأعمال تؤدي وظيفة حدودية تكون فيها مختبرًا للأفكار والتصورات التي تشكّل منطق النص السردي. إنها خلفية من أمامها تتحرك الشخصيات الروائية وتقع أحداثها بحيث توفر فرصة يمكن من خلالها فهم تلك الشخصيات والأحداث. بعبارة أخرى، تبرز قيمة الصحراء في تلك الروايات من جرّاء استخدامها فضاءً متاخمًا لفضاء آخر حديث التشكل يتسم بالركاكة والارتجال، ولا يقوى على الوفاء لقاطنيه بوعوده التي يبدو أنهم هفوا إليه استجابة لها.

ذلك الفضاء ما هو إلا المدينة. ليس المدينة فحسب، وإنما أطرافها مما يلي الصحراء. وجلّ روايات شاهر، إن لم يكن كلّها فعليًّا، مكرّسة لتأمل الاحتكاك الجغرافي بين هذين الفضاءين: الصحراء والمدينة (الخلاء/ العمران)، وتحليل الأفراد والمجتمعات التي تتشكل في كل فضاء على حدة أولًا، ثم تلك الحيوات التي تتشكل في التردد ما بين الفضاءين.

حتى حين ينفرد السرد في بعض أجزائه بالصحراء، فإنه يتناولها من منظور أجنبي يخدم السرد ويستوفي توقعاتِه، منظور خارجي عن الصحراء، تفصل التخوم بينه وبينها، وهو منظور قادر على استيعاب هذا الفضاء الواسع استيعابًا موضوعيًّا عموده الاستغراق في التأمل، وما ينتج عن ذلك الاستغراق من تقديم متون وصفية تكاد تكون تدوينًا أنثروبولوجيًّا وُلد عن معاينة إثنوغرافية ما تنفكّ تتقصى مفردات الصحراء وتستنطق عناصرها. وشاهر، إذ يفعل ذلك، فهو قادر على استيعاب الصحراء جملة في بؤرة اهتمامه، والغوص غوصًا دقيقًا في تفاصيلها. لكن التأملات التي تسند السرد في روايات شاهر، في الحالتين، لا تنطلق من موقف جوّاني ينبع من جوف الصحراء وإنسانها ويرى العالم بعينيه، وإنما تستعين بفهم برّاني، وإن جزئيًّا؛ بسبب أن الشخصيات التي تعتنق ذلك الفهم هي شخصيات قد غادرت الصحراء بعض الوقت وقطنت في المدينة.

والرواية موضوعُ حديثنا، «المهرّب»، ليست استثناء من هذا التصور. بل يمكن القول: إنها أقرب أعماله إلى هذه الرؤية، لما اتكأت عليه من توظيف التخوم بوصفها فضاءً حدوديًّا يسمح لعابريه بالانفتاح الكامل على تجربة محفوفة بالمخاطر، غير أنها ضرورية لتحقيق الذات في مرحلتين عمريتين؛ تتسم الأولى بالحيوية والطيش والإقدام، وتتسم الثانية بالتحفظ والوهن والانسحاب.

شخصيات شاهر عالقة في المنتصف الجغرافي، لا إلى هؤلاء تنتمي ولا إلى هؤلاء. شخصيات يثقلها شعور عميق بالذنب والعجز وانعدام الحيلة، وهذه انفعالات ناجمة عن اغتراب تلك الشخصيات عن فضاء الصحراء الذي يشكل ماضيها بقدر ما يشكل رقعة جغرافية آهلة بالسكان. المدينة التي تلقفت تلك الشخصيات، وسمحت لهم بالإقامة في أطرافها، في أحياء عشوائية في الغالب، كالحة ومضجرة وباردة، أثقلت كواهلهم وفاقمت أزمتهم.

وهكذا الحال بالنسبة إلى شبّاب، فهو يسكن في حي شعبي في طرف مدينة غير مسمّاة، حيّ عشوائي العمران متلاصق البيوت ضيّق الدروب. تتسرب مياهه في الأزقة، ويخفق سكانه في حماية بعضهم بعضًا. كل هذه ملامح ضاغطة ولها أثر كبير في أن تبتعد الشخصية من ذاتها. نقرأ عن شبّاب أنه: «تعلم من العيش في العمران فعل ما يكره؛ أن ينظر إلى الشيء ليس برغبته وإنما لأن الآخرين ينظرون إليه… وأن يتحدث مع من لم يرغب في الحديث معه لأن العادة حكمت أن يتحدث مع الجميع» (١٧٠)، إلى آخر ذلك مما من شأنه أن يسلخه عن نفسه ويقصيه عن ذاته. ولذلك كانت آخر تحولاته الحياتية: «الخروج طواعية من مساكن الطوب إلى مساكن الهبوب»، كما يصف عودته الغريبة إلى جوف الصحراء.

الآن، بالنظر إلى هذا التقابل القطبي بين فضاءين شديدي الاختلاف، يمكن فهم التهريب بوصفه نشاطًا حدوديًّا، يمارس على التخوم، ويتفاوض معها بطريقته الخاصة. هذا النشاط عملية فيزيائية وذهنية أيضًا تداعب عتبة الإحساس والوعي على الدوام. في شبابه، عمل شبّاب مهربًا لما تيسر من البضائع آنذاك، وهي مهنة تعرّضه باستمرار إلى مضايقات حرس الحدود ومطارداته. وفي كل مرة يحدث فيها هذا الشيء، يكون الإفلات من المطارِدين مبتغى شبّاب، الذي يستطيع من خلال المطاردة تعريفَ ذاته، وتوكيد ذلك التعريف مرارًا وتكرارًا.

والطريق الذي يعبره المهرّب بمنزلة حيز حدودي بين ما كان وما سيكون، بين المألوف واللامعلوم بالكليّة. إنه مكان انتقالي لا يعبره المهرب من دون كثير من المشقة والحماسة والإثارة والهيجان. ويعيش المهرب في أثناء المطاردة حالة بينية، يسودها الغموض، والهجينية، واحتمالية التخريب والتغير، في طقس عبوري استثنائي يرقى أحيانًا إلى انتشاء حسي تفرزه سلسلة المناورات المتعاقبة، مستثير لذة خاصة. هذا ما وصف به انفعال شبّاب: «وفي هذه الأثناء يعمل الجسد مثيراته في التشبث بحيويته فيحدث حينئذ رد فعل قد ينتج منه اشتهاء موجه للآلة نفسها» (٥٢). وما توفره المطاردة من مشقة طاغية، وانعدام يقين مزعج، يفضي إلى جِدّة يحققها المهرب ويخبرها مع كل مطاردة يخرج منها سالمًا. إن المهرب ليعبر، في وقت قصير ومضغوط جدًّا، من الكينونة إلى الصيرورة ثم إلى الكينونة من جديد.

وكأن الرواية بذاك تقترح أن التهريب إفراز من إفرازات المرحلة التي رافقت نشوء الدولة، عمد إلى ممارسته بعض الشباب معتمدين على ما تسنى لهم معرفته والدراية به من طرف الصحراء. وهم لا يوغلون في جيوبها الرملية التي تنذر بالتيه والضياع والموت، إلا بالقدر الذي يسمح لهم بالفرار من سيارات حرس الحدود الناهبة.

الماضي والحاضر

مثلما هناك تخوم مكانية تدور فوقها الأحداث وتتحرك فيها الشخصيات، فإن هناك تخومًا زمنية مكوّنة من قفزات انتقالية أو محطات عبور في زمن أحداث الرواية، الواقع في الآن منها والمستذكَر على السواء. ومثلما أن شخصيات روايات شاهر عالقة مكانيًّا بين فضاءين متماسّين، فهي أيضًا متجمدة في الزمن بسبب مراوحتها غير المتكافئة بين الماضي والحاضر. ومنبع شقائها أنها تسعى إلى أن تعالج أزمتها مع الحاضر بالانخراط في ارتدادات عقيمة لا تأخذها إلى مقرّ.

ولأن شخصيات روايات شاهر متجمدة في الزمن، فإنها تنشغل في الغالب عن الحاضر باستعادة الماضي، ولكنها استعادة دائمًا ما توصم بالعجز، وتخفق من دون خدمة الحاضر والإسهام الفاعل في مساعدة الشخصيات على تحقيق ذواتها وفهم هُوياتها، مضاعفة بذلك الإخفاق شعور الشخصيات الأوّليّ بالذنب والعجز وانعدام الحيلة، ذلك الشعور الذي يسرق من الشخصيات حاضرها ولا يعيد وصلها بالماضي.

إنها شخصيات تدفع ثمن خطيئة كبرى، هي إدارتها ظهرَها المتعجلة والساذجة للماضي. ثم بعد كل شيء تحاول بوساطة استرجاعات الماضي، تلك التي تصورها الرواية على هيئة نوبات حَدَثِيّة وسَرْديّة، تحاول أن تُكفِّر خطيئتها الفادحة؛ لذا فإن علاقتها بالصحراء علاقة استعادية. شبّاب ومسلط، والشخصيات في الروايات الأخرى، عالقون في المدينة لا يستطيعون منها فكاكًا إلا بقدر ما تسمح لهم الذاكرة باستعادة فائت الوقت، وحين يتناسون هذا الجانب من واقعهم ويركنون إلى سابق عهدهم بالصحراء يكونون عرضة للضياع والفقد.

يَعمِد شاهر إلى تصوير هذه الأزمة من خلال تشويش الفضاءين الزمنيين اللذين تتردد بينهما الشخصيات، وهذا التشويش أوضح ما يكون في رواية «المُهرِّب». فشبّاب الثمانينيّ الذي قضى خمس عشرة سنة من شبابه مهربًا نشطًا، نعلم من الرواية أنه نشأ بدويًّا، لكن الرواية لا تسمح لنا تقريبًا بمعرفة أدنى شيء عن نشأته منذ ولادته إلى امتهانه التهريب. كما أن الملحوظات التي أثثت الرواية عن البدو والبداوة لم تفسح المجال لرؤية شبّاب الصبيّ.

وبذلك لا نستطيع تقييم ممارسته هذا النشاط التخريبي أو فهم دوافعه. بل يمكن القول: إن شبّابًا لم يكن بدويًّا تقليديًّا أو صرفًا، وهذا الجانب من شخصيته يلقي بظلاله على فهمنا لقراره الذي اتخذه قبيل نهاية الرواية بالعودة إلى الصحراء، أو التوغل فيها كما عبّر الراوي، كما يشرعن سؤالَ جدوى العودة إلى الصحراء والنكوص إلى ماض غير واضح الملامح.

لا عجب إذن أن يجد شبّاب صعوبة في تذكر الماضي المشوّش. والذاكرة الوحيدة التي يقدر على أن يستعيدها بوضوح، هي حادثة السطو التي تعرض لها ذات ليلة حين كان مهربًا، ذاكرة ساطية ومُلِحّة لم تفلح خمسون عامًا في محوها من شريط ذكرياته. انتقصت تلك الحادثة من كرامته وانتهكت كبرياءه. وهو يتمنى، من شدة استحواذها على ذهنه، أن لو يستطيع التخلص منها. ولا عجب أن تكشف الرواية عن أن شبّابًا خرج في الحقيقة من ماضيه بلا بطولات.

حتى حين أخذ العنز من الصحراء إلى الخيمة، بحجة انقاذها من سباع الليل وضواريه، كان ابنه راكان، سديد الرأي، يرى في الفعل سرقة مشينة. كما أن الرجل فوق هذا لا يملك شيئًا، وكل ما استخدمه وانتفع به من سيارة وبهائم وأثاث وعتاد، إنما هو ملك ابنه راكان. وقد يفسَّر إصراره على التوغل في الصحراء حدّ الاختفاء على أنه إعلان عجز عن التعامل مع الماضي بكل إخفاقاته وخيباته ومآسيه.

أخيرًا في هذا الملمح: لأن الفضاء الزمني في الرواية عند شاهر مشيّد عبر التردد بين زمنين متنافرين، نجد دائمًا شائبًا وشابًّا، وكل منهما يمثل جيلًا مختلفًا. جيل الشائب أخفقَ في الاندماج مع الزمن الحاضر والجغرافيا الجديدة التي يجد نفسه فيها، بينما جيل الشابّ، منبتّ في حاجة ماسة إلى جسر زمني وجغرافي، يرده إلى أصله ويساعده على تشكيل تصوراته عن نفسه.

الحكاية والكتابة

ثالث ملامح جماليات التخوم في روايات شاهر يرتبط بالعلاقة بين الحكاية والكتابة. معلوم أن الحكي يسيطر على عالم شاهر الروائي، فهذا النشاط البشري مخزن سرده ومولّد طاقته الإبداعية، ويندر ألّا ترتكز له روايةٌ على الحكي بصفته موضوعًا وتقنية في الوقت نفسه. ففي رواية «طيور الغسق»، التي صدرت قبل «المهرب»، يزاوج شاهر بين متنين متساويين في الأهمية، لكنهما مختلفين في الدور: وقائعُ عاشها كبار السن ويسترجعونها في استراحتهم من زمنهم الغابر، أو حكايات الشيّاب كما جاء في الرواية وحكايات الشاب الثلاثيني «منسي»، التي يواظب على قصّها على أقرانه. وبينما يستند الشيّاب إلى وقائع كانت قد حدثت لهم فعليًّا، يَعمِد منسي إلى انتحال الحكايات ونسبتها إلى نفسه بعد تحريفه لمخطوطة وضع يده عليها، وأتقن استخدامها من جديد.

يترافق المتنان، الحكائي والكتابي، إلى أن تنتهي الرواية بمشهد عن الكتابة: تحوم فيه ذبابة فوق شاشة الحاسوب مبطئة من رتم الكتابة، ولكن مشيرة إلى ختم العالم الروائي الذي يحتمي فيه كلّ من الجيلين بالماضي في تناسٍ مفضوح للحاضر.

أما في «نار المرخ»، الرواية التي تسبق مباشرة رواية «المهرب»، فيؤسس شاهر مجازًا فعّالًا لكتابة الذات. يشرع رعد، الشاب المكي الذي يعلم مؤخرًا بانتسابه إلى مكان ما وعشيرة ما، على عكس باقي المجتمع الذي يعيش فيه. يشرع في تسجيل الحكايات التي يتلوها عليه البدوي الحكّاء «غربيّ» في شريط مسجّل، ثم يفرّغها إلى جهازه المحمول، من أجل تدوينها في كتاب مطبوع، بعد أن يقوم بما أسماه رعد: عملية «توطين الحكايات» وهي جزء مما يصفه بأنه «شعائر العودة إلى الديرة».

على امتداد الرواية يجيء تدوين الحكايات بمنزلة عملية مستمرة للبحث عن الذات وتشييد للهوية المنسيّة. وهو بحث يتكئ على حكايات لم تكتمل بعد، ويعتري وسيلتها ما يعتريها من عيوب؛ إذ دائمًا ما تعترض الحكاية لحظات من تشويش الشريط والمسجل. كما أن العملية نفسها لا تخلو من تدخّل رعد الكاتب، بل من تدخّل غربي نفسه أحيانًا؛ إذ يلقى الشاب في جراب أشرطته السمعية أشرطة لا يتذكر أنه سجلها لغربيّ، ويكتشف أن الأخير خاتله وخدعه بدسّ تلك الأشرطة وما تحويه من حكايات. إضافة إلى ذلك لا يلتزم رعد في عملية التدوين والكتابة بأمانة النقل، بل إن كتابته تمسّ جوهر الحكي أحيانًا، ولا تتورع عن التغيير والتبديل متى اقتضى الأمر.

وفي رواية «المُهرِّب»، يروي شبّابُ حكايات من ماضيه في التهريب، وأخرى متعلقة بالصحراء وناموسها وأعرافها. لا تحضر الكتابة كما تحضر في الروايتين السابقتين، إلا أن تجاور شكلين من أشكال البحث والنقل المعرفي لا يزال موجودا، فبينما شبّاب يحكي ماضيه على صديقه مسلط، لا يكتب راكان، الابن، شيئًا، غير أنه يستعير أسئلة شبّاب ويبدأ رحلة بحث يتقصى فيها أجزاء من تاريخ الأب بحثًا عن صورة كاملة، أو مقنعة على الأقل، عن تاريخ أبيه الطويل على وجه العموم، وسيرته في التهريب على وجه الخصوص.

ومهما جدّ في طلبه، يظل أبوه الرجل الغامض الملغز الكتوم الصلف، الذي لا يتحدث عن ماضيه أبدًا أمام عائلته وأقاربه وذويه، والذي لا توجد عن ماضيه في التهريب ومهارته سوى آثار شحيحة لا تشبع فضول الابن.

الصمت كطرف ثالث

تجدر الإشارة هنا إلى، كم هي إشكالية تلك العلاقة بين بطل الرواية ووصيفه، شبّاب ومسلط على التوالي. فمسلط يبدأ الرواية شريكًا لشبّاب في تذكر الماضي واستعادة الذكريات. يلتقي الاثنان في الخيمة ويتشاركان الطعام والشراب والقهوة والشاي، فيكوّن لقاؤُهما الدوري في الخيمة الخطَّ السردي الأبرز في الرواية. يتشارك الرجلان الحكايات أيضًا، على الرغم من أن دور مسلط يقتصر في الغالب على الإنصات.

يمتطي شبّاب صهوة الحكاية ويسافر في الحكي كيفما شاء وحيثما شاء، ويبدو أن شاهرًا يطوّع هذه النزعة إلى الحكي لدى شبّاب في كتابة ما يريد أن يكتبه، مستخدمًا جملة من اللوحات الوصفية أو الحكائية التي تتخللها لحظاتُ صمتٍ متوترة ومقلقة، يسميها شاهر «فسحات من الصمت» (٢٧). هذه الفسحات يقطعها الاثنان أحدهما أو كلاهما كيفما اتفق، تحضيرًا للوحة أخرى أو حكاية أخرى.

وتغدو الرواية، في ثلثها الأول على وجه الخصوص، عبارة عن استئنافات متكررة تنقذ الجلسة في الخيمة، والحكاية، والرواية من الصمت الرائن الذي لا يفضي إلى مخرج من دون تدخّل. وذاك صمتٌ ثقيل ومحرج، يقول عنه الراوي إنه من شدة حضوره: «وكأنه طرف ثالث في الجلسة، لا أحد يسمع ما يقول لشدة خجله لكنه يأخذ حصته من الوقت ومشاركة المكان» (٢٧-٢٨). ويصفه في موطن آخر بأنه: «مراقب خبير في التنصّت والتواري عن النظر» (٢٩). ثم نقرأ في موضع تالٍ: «مرت لحظات ملساء دون كلام أو حركة… على منوال الحبسة الشعورية التي تعقب مباشرة انفجارًا مباغتًا» (٣٠)، وتبرد حواف ذلك الصمت إلى أن يصبح «صمتًا خفيفًا يوشك أن يختفي» (٣٥). لكنه لا يختفي ما دام الرجلان يلتقيان.

سرعان ما يتشعب طريق الرجلين، وتتكشف مقاصد كل منهما، فيصعب التوفيق بينهما. لا يجد شبّاب في مسلط كفؤًا لفهم حكاياته واستيعاب رؤاه الحياتية، ومسلط مراوغ غير مأمون الجانب ولا يؤتمن على سرّ، يتخيل أن شبّابًا مسكون بالجانّ أو الشيطان، ولا يعطيه من التقدير ما يستحق، ويشي به. وحين يختلفان حول العنز التي شاركتهما الخيمة زمنًا، يكون ذلك الخلاف فراقَ بينهما، وكان نتيجته أنْ يعتزل شبّاب ويوغل بقطيع بماشيته الصغير في الصحراء أبعد من الخيمة التي انتهى تاريخها عند هذا الحد، قبل أن يختفي بطريقته الخاصة.

يجيء على لسان غربيّ في رواية «نار المرخ» قوله: إن «توديع العالم عملٌ فردي»، وفي رواية «المهرب» يُمسرح الكاتب عملية توديع شبّاب العالم، وتنتهي الرواية بمشهد المنقبين الذي أخذوا يبحثون في الصحراء عمّن جاء إليها بحثًا عن ماضٍ مُنْزَوٍ في تلافيف الذاكرة، وعن حبّ عتيق مندرس، وقبل ذلك كله، بحثًا عن نفسه.

أخيرًا، إن الكتابة عند عواض شاهر وَقُودُها التأملُ المتملّي الذي لا يفتأ يستنهض طاقة النص السردية لتظلّ متقدة، ويحفز في الوقت ذاته رؤيته الفكرية على التبلور. وهي شكل من أشكال إنشاء الذات وإعادة إنشائها، ولذلك فهي عملية مستمرة لا تنقطع. تستمد مادتها من حياة آفلة ولكنها لا تدّعي الالتزام بتأريخ تلك الحياة، وإنما تتورط بتدخلها في مسارات الحكايات المتعددة إشباعًا لرغبة الذات الكاتبة في صنع مجدها الآنيّ وعيشه. إنها تتدخل في مواطن النسيان وإخفاقات الذاكرة والغياب وترمّم صورةً تسعى إلى تحقيق الذات، وإن لم تبلغْه.

وليس أفضل لتناول هذه المشاغل السردية من استخدام جماليات التخوم، التي تتجاور فيها الفضاءات المكانية والزمنية كما تتجاور الكتابة فيها مع الحكي. بل إن الاستعارات التي عادة ما يؤسسها الروائي، سواء في مطالع العمل أم في ثناياه، إنما هي استعارات للحكاية وللكتابة. ينبني عليها معمار النص ويُشيد بفضل دعائمها عالمه الروائي. وسنجد أن الراوي، والروائي كذلك، يجيدان السرد في كل عمل روائي بقدر إجادتهما القبض على تلك الاستعارات والالتزام بها.