بواسطة الشارقة الفيصل | مايو 1, 2025 | فنون
لئن بدا «مفكرة إبريل: في رحالنا تكوينات جديدة»، برنامجًا جديدًا تستحدثه مؤسسة الشارقة للفنون لأول مرة في هذا العام، فإنه من ناحية أخرى، شديد الارتباط ببينالي الشارقة 16، الذي أقيم تحت شعار «رحالنا»، وتضمن نحو 650 عملًا فنيًّا لما يقارب 200 فنان مشارك، فالبرنامج امتداد للبينالي 16، ويكمله في الوقت ذاته، إنْ على صعيد المتابعة النقدية والحوارية والتأملية للعديد من محطات البينالي في دورته الجديدة، أو على مستوى المواضيع والاهتمامات التي تنأى عن السائد والمكرس، وتذهب إلى الإشكالي وإلى روح المقاومة والتذكر ودور الفن في المجتمع، التي تتعدد في أشكال وصور شتى، من جلسات حوارية إلى فنون أدائية.
فالبرنامج، الذي شارك فيه عشرات الفنانين والفنانات والنقاد والباحثين والصحافيين، يتماهى مع الأعمال المشاركة في البينالي 16 لتسليط الضوء على الحوارات المستقلة والجماعية حول التحول الممنهج، والتغيرات المجتمعية، والتواريخ الممزقة والمستعادة، وأشكال التنظيم الجماعي، والقيادة والمعارف القديمة بحلتها الجديدة. كما يستكشف البرنامج الإنتاج الثقافي التعاوني، والإرث الصوتي، والبنى التحتية الإبداعية المعرضة للتهديد، والحدود المكانية والنفسية التي تقيد حركة الناس والأفكار، وذلك من خلال تشجيع ممارسات المنهجيات الجديدة والتجريبية، والتنظيم الذاتي، والتأمل العميق والإصغاء، فضلًا عن الاستفادة من قرب الشارقة من البحر في سبيل تعزيز الحوار حول الانتماء والتنقل وحركة الملاحة البحرية.
من الأسئلة التي طرحت، خلال انطلاق فعاليات البرنامج: كيف للفنان أن يتعامل مع مشاريع تتقاطع مع آلام الناس وصدماتهم؟ كيف يمكن للفنانين كمبدعين العمل مع هذا النوع من المشاريع التي تتعامل مع صدمات الناس، التعامل مع العنف الذي يحيط بالعديد من المواقف المختلفة، ومن ثم تحويل هذا إلى مشروع. أحد المشاركين تساءل: متى يتحول الأمر إلى «استغلال فكري لصدمات الآخرين»؟ وربما يكون دور الفنان أو المنسق الفني ليس تقديم تحليل أو حلول، بل خلق لحظات فرح صغيرة في حياة المنهكين من النضال الطويل.

طاقة مقاومة
في الفيديوهات والصور، التي عرضت خلال الفعاليات، يبدو مدهشًا الحضور اللافت لنساء كبيرات السن، وتقديمهن لسرديات تاريخية. مثل هذه الأمور، تحمل في طياتها طاقة مقاومة، رغم أنها تبدو أدوارًا تقليدية، كمقاومة مجموعة من النساء بناء مصنع في قريتهن، كان يهدد الحياة الطبيعية، ونجحن في مسعاهن. هنا تظهر جلية رغبة بعض المجتمعات في أن تُروى قصصهم بلسانهم، لا عبر آخرين. كأنما سئموا تناول حكايتهم بوجهات نظر مختلفة، وبعد أن أرهقتهم المقابلات والدراسات، يرغبون في تأسيس متحف صغير أو مساحة تعليمية خاصة بهم، تحفظ الذاكرة وتنقلها لأجيالهم، حيث يتعلم الصغار الموسيقا، لكن أيضًا يتعلمون عن الهوية، والثقافة، والجبل والنهر الذي شكّلهم.
هذا المسار يصبح تجربة تعلم، كما قال أحد المشاركين، لمعنى التحوّل، وإعادة إنتاج المعنى، وكيف يمكن أن يكون الاستماع نفسه، فعلًا إبداعيًّا.
ومما يمكن الخروج به، أن المتاحف والفضاءات الثقافية يجب أن تكون أدوات «تمكين» لا «استعمار». وأن المقاومة ليست دائمًا مواجهة مباشرة، بل قد تكون عبر الحفاظ على الثقافة اليومية. وأن الفرح جزء أساسي من النضال الطويل، وليس مجرد «ترفيه». وأن الفنانين والقيّمين ليسوا بالضرورة «نشطاء»، لكنهم يسهّلون الحوار بين الأجيال.
من أنشطة المفكرة، علم الآثار: عبء التنقيب، تحدث فيها أكرم زعتري وكلوديا مارتينيز غاراي. المعرفة النسوية منبعًا للحراك: شارك فيها: أدادول إنغوانجي أفني سيثي، وعلياء سواستيكا. جغرافيات مادية وروحانية، بمشاركة ميغان كوب ويونني سكارسي وميغان تاماتي.
أغاني الماء: كارولين كوريو وشو فانغ-زي، وأمل خلف. آراء في تاريخ: محمود خالد وياسمين الرشيدي. تفعيل مشروع المزرعة، عرض أداء، شارك فيه: باشاك غوناك وبيرك كان أوزكان وساندي شمعون وهاوبتماير ريكر. كوريغرافيات الاقتراح، حول أنشطة منشورات «ياز»، بمشاركة: دانييلا كاسترو ورأفت مجذوب وزينب أوز. ومن الأنشطة: الحياة بعد الخسارة، بمشاركة: صوفيا تنتوري وبلقيس وزينب أوز. الماء الذي طلب سمكة، وشارك فيه: مريم م. النعيمي وعباس الشجار. جسد فوكوشيما، بمشاركة: إيكو أوتاكي وعلياء سواستيكا. صوت العمالة المنزلية: العمل والوضوح والفن من أجل الحركات الاجتماعية، بمشاركة ماريغولد كويموي بالكوين وجورجينا فيلاسكو وأمل خلف. طوفان الطقوس، عرض أداء، قدمته الفلسطينية بنت مبارح.

استكشاف التعاون الاجتماعي والتعبير الإبداعي
من الأفكار والهواجس الفنية التي يمكن تلمسها في مفكرة إبريل المزج بين الخيال والواقع والفن العام لاستكشاف التعاون الاجتماعي والتعبير الإبداعي، خصوصًا في المساحات الحضرية.
ومبادرات فنية ومشاريع تعاونية مجتمعية تهدف إلى إعادة التفكير في قيمة المواد والعمل والتعلم. واستخدام الخيال كأداة لاستكشاف الأساطير الإقليمية والمستقبل البديل، من خلال مبادرات مثل «معهد الرفاه» و»المعماريون العرب المستقبليون»، مع الإشارة إلى قلة تمثيل الفن العربي المستقبلي في المؤسسات العالمية.
الترجمة والتعبير الفني: يبرز أحد المتحدثين أهمية الترجمة ليس فقط بين اللغات ولكن أيضًا بين أشكال التعبير الفني، بتحويل الأعمال الفنية إلى مطبوعات وإعادة تعريف هيكلة المعرفة والثقافة. تفكير محيطي ومعرفة لا مركزية: تتناول الفعالية مفهوم «المدّيات» كطريقة تفكير غير خطية وسائلة مستوحاة من إيقاع الأمواج، مقاومة للبنى المعرفية الاستعمارية.
التحولات الدستورية في اللغة والفن: الحديث ينتقل إلى كيفية بناء الأفراد «دساتير» شخصية لفهم العالم، يمكن أن تنهار فجأة. يحلل الفنانون الأنظمة القائمة، ويعيدون تشكيلها من خلال ممارساتهم الفنية. الترجمة كأداة لبناء العوالم: تُصوَّر الترجمة كأداة فنية وسياسية قوية لبناء بنى سردية جديدة، باستخدام الرقص والتجسيد كاستعارات للوصول إلى هذه الحقائق العميقة والتعبير عنها.
من أبرز الفعاليات التي تناولت مواضيع مهمة، النشر الذاتي والفن المرتبط بالمجتمع والاحتجاج. أو النشر بوصفه جزءًا من الحركات السياسية، وشارك فيها: بوميكا ساراسواتي وسيدهِيش غاوتَم وكريستي كون إي نغ. وفيها نتعرف إلى مجموعة RRD التي تتبنى مشروعًا مستقلًّا يستخدم كشك بيع الصحف في مكسيكو سيتي كنقطة توزيع ثقافي وفني. والهدف هو إعادة تفعيل المساحات العامة لنشر معلومات بديلة ومضادة للإعلام التجاري التقليدي. ويأتي اختيار الكشك كمنصة لأن غالبية الأكشاك في مكسيكو تعمل ضمن اقتصاد غير رسمي.

ومن الأنشطة التي تقوم بها المجموعة تنظيم معارض فنية وعروض موسيقية وورش طباعة وممارسات إعادة إنتاج ثقافي. ودعم فنانين من خلفيات غير أكاديمية أو غير معروفة، وتحويل الكشك لمساحة تفاعل شعبي مباشر.
في هذه الفعاليات تحدثت فنانة عن تجربتها في التوثيق البصري لقصص المهمشين وربطها بالاحتجاجات، فهذه الفنانة تسعى إلى تغيير الصور النمطية للنساء من طبقتها، خصوصًا عند تصوير الكوارث. كما أنها تربط نضال بعض الشرائح في مجتمعها بما يحدث في فلسطين؛ إذ ترى أن النضال المحلي مرتبط عضويًّا بالنضال العالمي من أجل العدالة.
ومما يمكن استخلاصه، أن هذه المشاريع تعيد تعريف دور الفنان والصحفي كمشارك فعّال في الحراك المجتمعي والسياسي. وأن النشر الذاتي والتوثيق البصري أصبحا أدوات مقاومة ضد التهميش والعنف. كما تركز هذه المشاريع على إشراك المجتمعات نفسها في ابتكار الرواية، وليس فقط تمثيلها. وعلى فهم كيفية استجابة الأفراد للمناطق الخطرة. والتركيز على الحياة بدلًا من الدمار. وتأكيد طبيعة الخسارة كتجربة إنسانية مشتركة، واستخدام الصور والذكريات كوسيلة للتعافي، والنظر إلى الأحلام كتعبير عن الخسائر الداخلية.
ومما يمكن تلمسه أيضًا في فعاليات مفكرة إبريل: التركيز على التداخل بين الخسارة الشخصية والجماعية، واستكشاف الهشاشة والضعف في التجارب البشرية، وفهم تعقيدات فقدان المجتمعات والأفراد. وتفهم مرونة الإنسان في مواجهة الصعوبات، والتأمل في كيفية التكيف مع البيئات القاسية، واكتشاف الجمال والأمل في لحظات الظلام. فهم كيفية تعامل البشر مع حالات عدم اليقين، واستكشاف الاستجابات الفردية والجماعية للأزمات.
التقاء الأنهار في سلم «مي»
من عروض الأداء اللافتة التي لاقت استحسان الحضور، عرض «التقاء الأنهار في سلم «مي» الموسيقي الصغير: وشارك فيه: تارا الدغيثر وزياري ترينيداد شيرمان وشاتوري شيميزو وأروى العبيد. ويأتي هذا العرض امتدادًا لعرض سابق لتارا الدغيثر قدمته، في بينالي الشارقة 16، وهو عبارة عن نوتة موسيقية تصويرية تقود استكشافًا صوتيًّا عبر الارتجال. ويتجذر العمل في الأساطير السومرية وتتجلى على شكل ثلاث حركات هي التدفق الصوتي، والاتحاد المقدس والأصداء الأدبية. تستوحي المقطوعة من التقاء البر بالبحر في جزيرة بوبيان في شط العرب، وتتبع حركة نهري دجلة والفرات والخليج العربي، مستخدمة الصوت مجازًا عن الوعي المشوش، حيث يتنقل العازفون بين مشاهد صوتية متغيرة، تتوج بلحظة اتحاد تعكس تاريخًا عميقًا من الترابط والانقسام في المنطقة.

أمثلة حية من المتحف
تحكي إحدى المشاركات عن صورتين تحتفظ بهما، التقطتا من مواقع يوجد فيها متحف، يقع في منطقة مضطربة، بحسب تصنيف رسمي. الصورة الأولى لرجال مسلحين بالكامل يقفون خارج المتحف في يوم عادي وهادئ. والصورة الأخرى لشرطية تأتي في استراحة عملها لتقرأ في المكتبة مع صديقة، كانت تقرأ وتناقش القصص وهي ترتدي زيها الرسمي. وبالنسبة للمشاركة فهي تعتقد أن اللحظات التي يختار فيها شخص ما التصرف خارج أدواره العملية، وبخاصة الأدوار الحافزة، تمثل لحظات «ترجمة للفعل» تتجاوز مفهوم «النشاط الحقوقي».

«التراث الخرساني» وتجارب المجتمع
مشروع «التراث الخرساني»، أحد المشاريع التي عُرِّفَ بها في البرنامج، هنا تتطرق إحدى المشاركات إلى الذهاب إلى القرى، والالتقاء بعدد من النساء وتحويل قصصهن إلى معرض، «ما كان مثيرًا للاهتمام بالنسبة لي أن إحدى قادة المحتجين في القرية ذكرت لي أنه بالنسبة لهم، من المهم أن يأتي شخص ما بعد 10 سنوات أو حتى 20 سنة من انتهاء الحركة… وعندما جئت إلى القرية، لم أجد أي دليل مادي. كل شيء محفوظ فقط في ذاكرة الأشخاص الذين عاشوا في ذلك الوقت. لم تكن هناك صور فوتوغرافية، ولا فيديوهات، حتى إننا حاولنا تتبع الصحف المحلية، لكنهم أخفوها عن الناس. أعتقد أن الناس سعداء أيضًا بمشاركة تلك القصص، حتى حفظها للأجيال القادمة، وفي الوقت نفسه، فقد منحهم ذلك شعورًا بالفرح لمشاركتهم قصصهم».
القصة هنا تتعلق بنساء يعشن في جبال روكي في الجزء الشرقي من إندونيسيا. بقين في الجبل يغزلن مدة 30 يومًا للاحتجاج على فكرة بناء مصنع طبي. جاءوا إلى الجبل وصمدوا مدة 30 يومًا. وفي النهاية، نجحوا؛ لم يُبنَ المصنع، وألغت الحكومة أيضًا تصاريح بناء المصنع هناك، وبذلك فقد تمكنوا من حماية الغابة.

جولات وجلسات نقاش
تضمنت فعاليات مفكرة إبريل جولات بقيادة مرشدين، وجلسة استماع مع سينغينغ ويلز، وورش الطباعة بتقنية الريزوغراف، وورش النشر الذاتي باستخدام تقنيات طباعة متنوعة مثل الريزوغراف، بما في ذلك ورشة بقيادة بوميكا ساراسواتي وسيدهِيش غاوتَم (مؤسسي مجلة «أول ذات بلو»)، وجلسات نقاشية مع فنانين مثل: براين مارتن، ويونني سكارسي، وميغان كوب، وعرض فِلْم «الحصان الأول» (2024م) لأوانوي سيميتش- بين. ويتعاون باشاك غوناك، بيركي كان أوزكان، وساندي شمعون، وهاوبتماير ريكر في عرض أدائي مستوحى من عملهم الصوتي التركيبي المشارك في البينالي، في حين تقدم كوليكا بوتوما عرضًا أدائيًّا بعنوان: «ماء (إعادة)»، كما تُقام سلسلة من العروض الأدائية المستندة إلى عمل «هي كورويرو بوراكاو مو تي أوانوي أو تي موتو: قصة نهر نيوزيلندي» (2011م) المشارك في بينالي الشارقة 16، وهو بيانو ضخم منحوت بالكامل من طراز ستاينواي الأحمر للفنان الماوري مايكل باركوفاي. إضافة لذلك، تعقد ورشة تقييمية للمدعوين تركّز على روح البينالي لخلق مساحة للاستدلال الجماعي، وهو ما يمنحنا الفرصة لتأمل ما نرثه، وما نحمله، وما يجب علينا إعادة تصوره من أجل حمل تكوينات جديدة من الدعم والمقاومة والاستمرارية.

تطلع فني جماعي نحو المستقبل
وعبر مشروع، ألبوم، فينيل، بمشاركة ساراثي كوروار وديباك أونيكريشنان، وآل ماكسوين، والأختين زاووسي، وناتاشا جينوالا وحسن الحجيري، عبر برمزية عن تطلّع فني جماعي نحو المستقبل، يبدأ بدعوة للفنانين والموسيقيين للمساهمة في ألبوم جماعي ذي طابع تأملي وتاريخي. ويكشف الألبوم عن تنوع فني وموسيقي وتجريب، فهو يحوي أعمالًا موسيقية من الجاز وموسيقا الإلكترونيك، تتقاطع مع التاريخ وفن الخطابة وحديث المجالس العامة. كما يستحضر مشاعر الحزن والفقد والحب، وكأن الأصوات تسير على تضاريس الجروح الجماعية. ويظهر أثر كوفيد كحاوية رمزية تضم الخسارات والتشريد، مع إيحاءات وجودية عن الحلم والضوء والكتابة. إضافة إلى ذلك، يحمل الألبوم إشارات إلى مشاريع بحثية عن الواحات، وشبكات المياه، وشح المياه، والفيضانات، والماء كعنصر وجودي متكرر.
المشروع يُقدم كعمل حيّ فني وتفاعلي، غرضه ليس فقط الأداء بل إشراك الجمهور في نتيجته النهائية. والمشروع يستدعي رؤى فنية عن التاريخ، والتكنولوجيا، والمستقبل بعد كوفيد. والألبوم كأرشيف فني ووجداني يمزج بين الحداد والحب والفقد والشفاء، متصلًا بالأرض والجسد. والمشروع يُرى كعلاج جماعي للحزن الجماعي الذي سببه الوباء والحروب والتشريد.
في ختام هذه الفقرة، أنصت الحضور إلى نص بعنوان «الحرب»، جاء فيه: الحرب تحدث ليلًا. تدخل الحرب إلى المشهد عبر راديو موضوع على عتبة منزل شبه مأهول، كأنه يفتح قناة إلى الجريمة والفرح معًا. صندوق خشبي بني اللون موضوع على الأرض، في منتصفه أزرار ذهبية ناعمة، تنبعث منه أصوات. هذه إذاعة السماء. يقول. ثم يأتي صوت الوزير: «بلدي في حالة حرب»، يقول. يزأر. البيتزا، والحرب، والسباقات، وكل شيء يتوقف. الأنوار، الموسيقا، الضحك… كل هذا تحول لذاكرة موروثة. أنا لم أمت، بل لم أُخلق بعد، لكن القصة استقرت في رأسي. ذاكرة صادقة. تقنية. بالأبيض والأسود…».
بواسطة الشارقة الفيصل | مارس 1, 2025 | فنون
يقترح بينالي الشارقة 16، الذي انطلق في السادس من فبراير الماضي تحت شعار «رحالنا»، معالجات جديدة وفريدة لعدد من المواضيع والأفكار المتنوعة، فيها ما يكاد يطويه النسيان من السرديات والأساطير وطقوس الموت، وفيها الإشكالي وما يتعلق بالجندر وبتأثير الكولونيالية والمدن الساحلية، أما موضوع النسيج فيكاد يكون أحد الثيمات الأساسية في البينالي كأداة سردية تمد ممارسيها بالإلهام.
خمس قيّمات صُغن أفكارهن، كل على حدة، بمساعدة فنانين حولوا هذه الأفكار إلى واقع، يشحذ مزيد من الأسئلة حول الفن وضرورته، في لحظة شديدة التعقيد وفي كنف عالم مضطرب. القيّمات الخمس هن: علياء سواستيكا، وأمل خلف، وميغان تاماتي كيونيل، وناتاشا جينوالا، وزينب أوز. عرض البينالي أعمال أكثر 190 فنانًا، من بينها 200 تكليف جديد مخصص للعرض في مواقع مختلفة على امتداد إمارة الشارقة.
في «رِحالنا» نعاين الوطن، ونقرأ التاريخ، ونشهد على اندثار حرفة ونهوض أخرى، ونتلمس جرحا ونشعر بحرارة استوائية، ونتجاسر بالمقاومة. في «رحالنا» نتحسس مكتبة من الوثائق المعدلة، ونقترب من البدايات ومن القطيعة ومن التغيير والأغاني. عبّر شعار البينالي عن نوع من الأخوة والتواشج الاجتماعي، وعن أشعة صباح بلا خوف.
يركز بينالي الشارقة 16، من خلال عنوانه «رحالنا»، على استكشاف قائمة متنامية حول ما نحمله في رحلاتنا الحياتية، وكيف ننقل هذه الأحمال إلى العالم من حولنا. يوجد سعي يعمقه شعار «رحالنا» إلى محاولة فهم هشاشتنا في المساحات التي ليست لنا أو لا ننتمي إليها، مع الحفاظ على قدرتنا على التفاعل مع هذه الأماكن من خلال الثقافات التي نحملها معنا. وتأتي هذه الثيمة أيضًا كجسرٍ يربطُ بين أزمنةٍ متعددةٍ، حاملًا معهُ قصصًا متناقلةً عبر الأجيال وأساليب متنوعة من الإرث الثقافي، مما يطرح التساؤلات التالية: ما الذي نحمله عندما يحين وقت السفر، الهروب، أو الانتقال؟ ما المسارات التي نخوضها عندما ننتقل بين الأراضي وعبر الزمن؟ ماذا نحمل عندما نبقى؟ وماذا نحمل عندما ننجو؟
وعليه، يقترح عنوان «رِحالنا» أن يكون البينالي وسيلة جماعية لاستكشاف الطرق والمسارات، وطريقة لفهم المعاني والتعمق في النظر –إلى الماضي، إلى الداخل، وعبر الزمن والمكان– بدلًا من الانسحاب أو الابتعاد في مواجهة موجات الفناء والطغيان. تعكس المشاريع التقييمية لبينالي الشارقة 16 مفهوم حمل التغيير، وما يقدّمه من إمكانات تكنولوجية، اجتماعية، روحية أو طقسية. وكما يقدم المرشدون أو الداعمون المجتمعيون الإرشاد والدعم للآخرين في لحظات التحول، فإن المشاريع تشكّل بشكل جماعي فضاءً رحبًا للتجارب والتعاون، حيث تكتب قصصًا مختلفة، ونفهم الإخفاقات واللحظات المظلمة، ونفسح مجالًا أمام إظهار اللطف والتعبير عن الغضب.
تسلط القيّمة علياء سواستيكا الضوء على التفاعلات الناشئة بين القوة والشعر والسياسة والدور المركزي والسياسي للمعرفة النسوية، أما القيّمة أمل خلف فتقترح أن تكون المرويات والأغاني والعرافة بمنزلة طقوس للتعلم الجماعي والمقاومة في أوقات الأزمات السياسية والبيئية. وتجمع القيّمة ميغان تاماتي كيونيل بين مشاريع شعرية وفق مفهومين متداخلين، الأول متعلق بالأرض وأفكار عدم الثبات أو المتغير والمستقبل الافتراضي، والثاني مرتبط بالتبادل، فيما تركز القيّمة ناتاشا جينوالا على المواقع الساحلية في المحيط الهندي وآبار المياه في الشارقة بوصفها مخازن تبوح بذاكرة الأجداد والمكان والصوت، في حين تسلط القيّمة زينب أوز عدسة التاريخ على الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية التي نعيش ونشارك فيها.

شهود على الظلم
يقدم بينالي الشارقة فنانيه بوصفهم شهودًا على الظلم والتدهور البيئي. فنانون يتناولون المشاريع الكولونيالية التي ارتبطت بحياتهم، ويعيدون تشكيل هذه الروابط عبر أنظمة المعرفة الأصلية ومفهوم التعايش الجمعي. فمن التجارب النووية التي أجرتها بريطانيا في أستراليا وتداعياتها على البيئة (يونني سكارسي)، واضطرابات إمدادات المياه في ليبيا نتيجة أنشطة الاستخراج والاستيطان القسري إبان الاستعمار الإيطالي (أديليتا حسني باي)، مرورًا باستكشاف تأثيرات الحرب والصناعات الاستخراجية على النسيجين البيئي والاجتماعي في جنوب العراق (علياء فريد)، وتخيل مستقبل خال من استغلال المعادن (لوانا فيترا)، إلى استحضار تجربة المطبخ المجتمعي التقليدية، التي تتمحور حول تقديم الطعام للجميع في خضم أزمة الجوع العالمية وانعدام الأمن الغذائي (ريشام سيد)، واستلهام مرثيات الأمهات وهن ينعين غاباتهن وارتباطهن بالأجداد (سيبتينا ليان).
وفي «غابة» يستحضر الفنان سانغدون كيم، مخيلة شعبية خصبة وتاريخية تتناقض بشكل صارخ مع الرأسمالية العنيفة والقومية المنسية، التي غالبًا ما تميز مرحلة ما بعد الاستعمار في كوريا الجنوبية. في هذا العمل، تكتسب الزهور الملونة التي إما انقرضت، أو تواجه الانقراض، قوة أسطورية، ويتخيلها الفنان في حُلّة جديدة على شكل أرواح عنيدة. وتبرز لوحات الفنانة كاسي نامودا ذاكرة الأسلاف، ومشهدية الحياة الساحلية، والإدارة الأمومية للأرض والموارد، مسلطة الضوء على السرديات والأساطير التاريخية ذات الطابع البرتغالي – الإفريقي، ومتوغلة في تفاصيل الحياة اليومية وحكايات المدن الساحلية القديمة. ويتناول محمود خالد في «بركة وجهات النظر» الطرق التي تتشكل بها الهوية عبر الهياكل المجتمعية، والعلاقة المتبادلة بين الرغبة والحميمية داخل هذه الهياكل ومؤسساتها. ويتلاعب عمل «المستقبل مستمر» لسوباش تيب لمبو، بفكرة الزمن، بوصفه كينونة ليست جامدة، بل قابلة للتشكيل أو النسج، ومن خلال الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، يستكشف العمل كيفية حمل المعرفة والتاريخ إمكانية نسجهما في تعبيرات واسعة من التمثل والخيال.
وتتجلى اللوحة الطويلة «أنت تسأل، ونحن نجيب» للفنانة سارة أبي عبدالله، في شكل استكشاف غامر للقدر والحنين والأمل وتناقضات الوجود، كما تسرد طقوسًا وبقايا من الحياة اليومية. وبدوره يستكشف هاشل اللمكي، في «ماعت» العلاقة بين الإنسان وبيئته. وتوثق أعمال محمد كيليطو العلاقة بين المناظر الطبيعية وسكانها، وتتعقب عمليات التهديد والخراب، والصمود الممتد على أزمنة وأجيال متعاقبة.

أشكال وتعبيرات متنوعة
في بينالي 16 حضرت السرديات المعرفية والميثولوجية والسياسية، عبر أشكال وتعبيرات متنوعة، فقدمت الفنانة هيلاني قازان «ليلة صافية»، الذي تستعرض فيه رحلة بحث شعرية لتسليط الضوء على التاريخ المعقد للعنف الاستعماري، الذي أحاط بحياة المغنية السورية أسمهان وموتها المأساوي. في هذا العمل تصحب الفنانة خلال الرحلة بصوتها وهي تدندن بإحدى أغنيات أسمهان الرائجة، وبدا الصوت يحمل في طياته أطوارًا من العذابات والإخفاقات والنجاحات الناقصة التي طبعت حياة المغنية والأميرة الراحلة. في حين قدمت فاي هيفيشيلد تمثيلات بصرية لفلسفة بلاكفوت المنبثقة من الأرض واللغة والجسد. وقدم برنامج «وومن فيستو»، هيكلًا مبطنًا يشبه المأوى أنتجته نساء من جميع أنحاء العالم، يوفر مساحة عابرة للحدود لنساء من خلفيات متنوعة، وذلك لمشاركتهن قصصهن وتبادل المعرفة وبناء | منصات للتضامن.
في بينالي الشارقة يستكشف الفنانون خطابات ساحلية، ويسلطون الضوء على هموم بيئية مشتركة، مع تأملات حول الجندرية، والبنى الاقتصادية، والتركيبات الثقافية، وأنظمة المعرفة المحلية، وتكشف الأغاني والموسيقا، التي تحضر بقوة في غالبية الأعمال، عن الأساطير المرتبطة بالمرأة والبحر ومواضيع أخرى.
مشروع «النسيج»، الذي بدا أساسيًّا في البينالي، جاء ضمن مسارات جماعية عديدة تسهم في خلق منهج جديد للحوار والتعاون والإنتاج المشترك، تتبع تاريخ الحياكة والنسيج في شرق إندونسيا. وبدا جليًّا الأعمال المستمدة من النسيج والحياكة، مذكرة، بصورة واعية أو مضمرة، بالنساجة الأسطورة بينلوبي، في انتظارها الطويل لعودة عوليس. النسيج، حرفة نسوية بامتياز، تغذي الحكي وتعبأ الليالي الطويلة بالحكايات والأسرار الغريبة. ومن الأعمال التي احتفت بالنسيج، «من هنا إلى هناك» العمل الذي يمثل ذروة تعاون الفنانة الماليزية ييم ين سوم، مع النساجات خلال إقامتها في ما نغاراي الإندونيسية، فمن خلال استخدام الإبرة والخيط كأداة سردية تستمد الفنانة الإلهام من الأكوان القماشية التي تحيكها النساجات، ويستدعي كل رمز أو نمط مشاهد طبيعية من الحياة اليومية. تقدم الفنانة العمل كموقع تفاعلي، فتدعو الزوار إلى إضافة تطريزاتهم الخاصة؛ أملًا في إمكانية تحقيق وحدة جماعية، من خلال إعادة التواصل الواعي مع الطبيعة.

حدود الجسد الحالم
في عمل بعنوان: «حدود الجسد الحالم» تستكشف الفنانة تارا الدغيثر ذكرياتها الموروثة من أمها عن الرقص والأغاني والأساطير في جنوب العراق، ويأتي العمل تتويجًا لبحثها في تواريخ ممارسة الرقص والموسيقا حول نهر شط العرب. يتضمن العمل زيًّا وموسيقا تصويرية، بحيث تشكل موسيقاها العمود الفقري للعرض الأدائي.
عبّر العرض عن لغة جسد جريئة في غموضها وانثناءاتها، لغة قابلة للتأويل وإعادة التأويل، خصوصًا مع النص الشعري، الطافح بدلالة التحدي الأنثوي، الذي يخلق إرباكًا لدى الملتقي؛ بسبب شجاعته وذهابه بعيدًا إلى الأقاصي، في تمثل المرأة لنفسها ولهويتها ولنوعها. عرض أدائي غني بالحركة والإشارات، وجاء الزي الذي ترتديه الفنانة معبرًا، كاشفًا عن كثير من إمكانات النص، في الوقت الذي يلقي غلالة من الغموض، على هواجس المرأة في هذا العالم.

خرائط ثقافية بصرية
في تقديمها للنسخة السادسة عشرة من البينالي، تقول رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون حور القاسمي: إن «رِحالنا» يعيد بناء النموذج التقييمي لبينالي الشارقة ويوسع من آفاقه الإبداعية، مستندًا إلى تفكيك مركزية المعرفة والفكر. وفي هذه النسخة، يتكاتف فريق تقييم خماسي ليبدع صيغًا مبتكرة للتعاون والتشاركية، مقدمًا منصة «متعددة الأصوات والتأويلات»، تفتح آفاقًا جديدة لرسم خرائط ثقافية بصرية وفكرية تعبّر بعمق عن عالمنا المعاصر.
شهد بينالي الشارقة في دوراته السابقة ممارسات تقييمية جماعية، إلا أنَّ هذه النسخة ابتعدت من عروض المجموعات المجزَّأة التي يقتصر ترابطها على البُعد المكاني أو التأملي، أو تلك التي يُسنَد فيها لكل قيّم الإشراف على مسار منفصل. بدلًا من ذلك، ينطوي «رِحالنا»، بحسب القاسمي، على ما يتجاوز الأنماط الخطية التقليدية في إنشاء المعرض الفني، إلى تأكيد الأصوات والفضاءات والموارد والجهود في عملية تفاعلية متسقة ومثمرة، مستديمة وبناءة.
يمتدّ هذا النهج متعدّد الأصوات واللامركزي ليشمل الأعمال الفنية وأساليب عرضها، والمشاركين، سواءٌ الفنانون أو الممارسون والناشطون، وصولًا إلى تجمعات فنية ومبادرات تحريرية وأرشيفات، ومشاريع صوتية وموسيقية، ومساهمات تزيد من أواصر علاقة الفنانين بشبكاتٍ اجتماعية أوسع، بما يجعل من التنوع سمة المعرض، والسبيل إلى تأسيس فضاء تعايش إبداعي بين مشاريع مكتملة وأخرى متداولة، رفقة تلك التي تتطور وتتنامى طيلة مدة البينالي. هذه الديناميكية تتعزز أكثر برمجة موازية ومتضافرة، قوامها الإقامات الفنية، والورش الميدانية، والعروض الأدائية، والتجارب الصوتية، إلى جانب منشورات متخصصة، ولقاء مارس السنوي، ومفكرة إبريل، وكل ما له أن يوسّع من نهج البينالي التجريبي.
حور القاسمي تؤكد إيمانها بأنَّ الفنانين ومساهماتهم في البينالي، ستؤسس لمعبر استثنائي إلى تجارب فارقة وشخصية فريدة، تُحدث هزة في الأنماط التقليدية والتصنيفات التوافقية.

حراس هذه الأرض
«غنينا وابتهجنا، ورفعنا أبصارنا نحو السماء المتلألئة بألف نجمة، ووقفنا معًا، مهما اشتدت المحن، سنبقى حراسًا لهذه الأرض، فهي عظامنا، وماؤها دمنا…» هكذا انساب صوت ماما ديتي شي بالكلمات، كما لو كانت جزءًا من أنفاسها، نقية وواضحة كنبض الحياة. ماما ديتي شي، إحدى القائدات البارزات في مجتمع السكان الأصليين ببلدة كابان في مقاطعة نوسا تنجارا الشرقية بإندونيسيا، التي جسّدت معنى الصلابة والشجاعة حين وقفت بثبات ضد شركة كانت تعتزم افتتاح منجم للرخام يهدد غابتهم المقدسة، الشريان الذي يغذي حياتهم ومصدر رزقهم. ولمدة شهر كامل، اعتصموا ونسجوا بصمتٍ أعلى قمة جبل صخري، حتى انتصروا، ولم يُبن المنجم قط.
تقول القيّمة علياء سواستيكا: إن هذا اللقاء كان إحدى اللحظات المضيئة في رحلتها البحثية المتصلة بـ«بينالي الشارقة 16: رِحالنا». تحوّل المعرض، في رأيها، إلى فضاء ممتد لاكتشاف قصص ملهمة عن المقاومة، وتجسيد العمل التقييمي كحالة من الرعاية الجماعية. لقد مثَّل هذا العمل منعطفًا جديدًا أتاح الفرصة لإحياء أصوات غُيّبت طويلًا، واستعادة روابط وقيم مع الأجداد، تُجسدها الألحان والأهازيج، والرقصات والحكايات، والحياكة التي تروي تاريخهم بصمت بليغ. كانت الرحلة تنقلنا من قمم الجبال إلى أعماق البحار، حتى التقينا مجتمعات متنوعة، واستمعنا إلى قصصهم، واحتفينا بروح التكاتف التي جمعت أرواح الأسلاف.
منذ اللحظة الأولى، انطلقت من بينالي الشارقة بوصفه منصةً تستنهض روح التعاون والحوار بين ممارسات متعددة الأبعاد، تتجاوز الحدود المحلية، وتعبر الجغرافيا، وتتخطى الأجيال، وتتفاعل مع قضايا النوع الاجتماعي، ممتدة إلى آفاق أبعد. خلال العقد الأخير، أصبح الفن المعاصر فضاءً نابضًا بأشكال بصرية وروح جماعية، معبرًا عن شبكات مترابطة من الفنانين والممارسين الثقافيين في الجنوب العالمي، مستلهمًا إرثًا طويلًا للفن بوصفه ممارسة تؤسس للمقاومة والتضامن. لكن يبقى السؤال: كيف يمكن للفن أن يستمر في طرح إمكانيات جديدة، تحيي هذه المقاومة وهذا التضامن، وتُعيد تشكيلهما بأشكال مبتكرة، في عالم مُثقل بقيود النظام النيوليبرالي؟
في خضمّ التفكير في هذا السؤال، قامت علياء سواستيكا، بالتعاون مع الفنان براتشايا فينثونغ، بصياغة مصطلح «روزس رتراتا» على غرار حجر رشيد الذي كشف أسرار الأدب والحضارة المصرية القديمة. يُمثل «روزس رتراتا» نموذجًا مبتكرًا للترجمة، يتيح لنا الغوص في أعماق المعرفة الأمومية المتجسدة. يكتسب مفهوم «روزس رتراتا»، ومعه فكرة المعرفة كعملية جماعية، بُعدًا استثنائيًّا عند مقاربته من خلال مشروع مثل «وومن فيستو». «هذا التجمع الفني النسائي، الذي يضمُّ فنانات من جنوب شرق آسيا، أسس فضاءً نابضًا بالتفاعل والتبادل الثقافي عبر سلسلة من الرحلات والورش التي جمعت بينهن وبين المجتمعات المحلية في تايلاند. وقد أصبحت أرشيفاتهم حجر الزاوية في تجربتي لاستكشاف أساليب مبتكرة تُعيد صياغة مفهوم اللقاء، وتزرع بذور التلاقي الحميم والعمل التعاوني بين الأفراد.
ولعلّ الفعاليات الفنية البارزة، مثل البينالي، تلهم الفنانين لتطوير مشاريع تتفاعل بعمق مع التاريخ المحلي والسياقات الاجتماعية والسياسية للمنطقة. هذا الارتباط بالمكان يحفز الفنانين على استنباط رؤى جديدة من خلال البحث الميداني، مما يعزز ارتباطهم بالتطورات الجارية في إمارة الشارقة أو دولة الإمارات العربية المتحدة».
أما القيّمة أمل خلف فترى أن المد والجزر في الخليج العربي، الذي يتصل بالمحيط الهندي عبر ساحل إمارة الشارقة، يتجسد كحلقة تربط أجسادنا بأجساد مائية أخرى. «وبدورها، تربطنا هذه المياه بعوالم وحيوات تعيش تحت وطأة أزمات مستمرة، وخسارات متراكمة، وانهيارات بيئية متجذرة في قرون من الأنظمة الاستعمارية والعسكرية المستنزفة. ومع تداعي الزمن، تصبح أجسادنا نقطة التقاء، مستودعًا للذكاء الجمعي والحزن المشترك. وعند هذا التلاقي بين اليابسة والماء، لطالما حملت النساء عبء الرعاية، حيث كنّ يعتنين بالحزن ويرافقن الآخرين في مسارات التغير. إن طقوس الشفاء والحماية، والعرافة، وممارسات الحداد تشبه عمل القابلة التي تسهّل ميلاد حياة جديدة، وتيسّر الانتقال من حياة إلى أخرى، وتحمل عبء الرعاية المجتمعية. هذه الطقوس متجذرة في الجسد، ومُسجلَّة في ذاكرته، فتعمل على شفاء الإحساس بالخسارة الذي يمتد إلى ما يتجاوز حدود الذاكرة الحية».
وفي رأي أمل خلف يستمد عنوانُ «الودع» المقدم في البينالي، اسمَه من تلك الممارسة المحلية للعرافة التي تجمع بين سرد الحكايات، واستشعار الحواس، والتعلم الجماعي، والعمل المشترك. وفي زمن يشهد تصاعد العنف السياسي والانهيار البيئي، تمثل هذه الطقوس المتوارثة والمجسدة في الأجساد والذاكرة أدوات قوية لاستعادة أشكال المعرفة الأصيلة والإرث الثقافي للهويات المهمشة التي تواجه خطر المحو. إن قراءة الفأل هو شكل من أشكال الملاحة، أشبه بأرخبيل مترابط أو كوكبة تحالفات تُنسج عبر مقاومة جماعية للسرديات الطاغية عن التهميش والخسارة. «الودع» يُطرَح كمنهجيةٍ للبحث عن الاتجاهات، والإصغاء العميق، والحداد، والتذكر، وإعادة التعلم، والتنظيم الجماعي. كانت قصة «القارية والقرّاية» بمنزلة دعوة ملهمة للفنانين، والتجمعات الفنية، ومنظمي الحركات الاجتماعية، والباحثين، لخلق مساحات للشهادة وإحداث التغيير من خلال أعمالهم.

التحدث مع الموتى
«التحدث مع الموتى» معرض يتناول الظروف المعقدة لمفهوم الدَّين الذي يجمع بين طبيعته الاستعمارية الرأسمالية، وما يحمله من تناقضات تجمع بين الإيجاب والسلب. يتجلى الدَّين كعلاقة اجتماعية وبنية للتواصل بين المضطهدين، وفي الوقت ذاته يمكن أن يُنظر إليه كدَيْنِ غير قابل لسداد مستحق لكنه ليس بالمتناول. علاوة على ذلك، يرتبط الدَّين بدرجة من الالتزام والإرث النضالي، كدَين معنوي نحمله تجاه من سبقونا في النضال وأولئك الذين يواصلون الكفاح في يومنا هذا.
يجمع معرض «التحدث مع الموتى» بين فنانين يعملون عبر تقاليد وأشكال فنية متنوعة؛ إذ يستعرض العلاقة الجدلية مع الدَّين بوصفه حالة متجذرة في السياقات التاريخية العالمية للنضال ضد السيطرة الاستعمارية.. من أروقة السجون إلى مكبات الخردة والحيوات المتوارية تحت سطح الأرض، ما هو مصير الجماليات التي تتشكل وسط ظروف الهشاشة والحرمان؟ وما معنى الدَّين كشرط ملزم؟ كيف يبدو عندما يُورث، أو عندما يُرفض.
في إطار استحضار الذكرى الأسطورية للأجداد، ينسج الفنانون شبكات متشابكة من القربى والتحالف. تتداخل الأنسجة العائلية مع تضامنات متغيرة، حيث تتقاطع الوصاية الأمومية، والمعتقدات الروحانية، مع أسلاف يتخطون حدود البعد البشري. تتكرر الدعوة لأن تكون حاضرًا بكليتك، مستجيبًا لحواسك، أثناء تنقلك بين طبقات زمنية متداخلة، حيث يصبح الانغماس في التجربة شرطًا لاستيعاب أبعادها العميقة.
عبر استكشاف كيمياء المادة ونقل المعارف من خلال التعليم التعاوني وألعاب التفاعل، تُعيد بعض الأعمال إحياء تاريخ السود، وأصول الشتات الإفريقي، وتراث سكان الكاريبي الأصليين في مجابهة تيارات الخيال الإمبريالي، وأعباء النظام الرأسمالي، والعنف العنصري.
وتتأمل أعمال أخرى التاريخ المتشابك للمحيطات وما تحمله من إرث عريق يتقاطع مع الانقسامات الجيوسياسية الراهنة. وتتحول السواحل، في بعض الأعمال، إلى فضاء لرواية القصص البصرية ومنبع للانتماء المائي. وتسرد أعمال أخرى تفاصيل انتقال الثقافة، وتوزيع العمل، والتعبير الإبداعي للسكان الأصليين، وعلاقات الأرض المناهضة للاستعمار، وممارسات البحث عن القوت، وتراث الريف، ويوتوبيات الصحراء. وتتحدى بعض الأعمال أنماط الحكم السائدة، وتستمد إلهامها من ذكاء الجماعات، لتقدم نهجًا تحرريًّا وتجديديًّا.

أكوان المعتقدات والأساطير
يكشف الفنانون الذين ينتمون إلى بلدان وخلفيات ثقافية متنوعة، روايات خفية حول التدخلات العسكرية، والاقتصادات المستترة للحروب، وبقايا الحداثة الاستعمارية الصناعية، وأفعال الاستيلاء والاستعادة الجماعية التي توحد المجتمعات. وتُجسّد البدايات والنهايات في مسارات الحياة عبر الطقوس والأساطير، واحتفالات المرور، والتحديات المرتبطة بقطاع الرعاية الصحية، إلى جانب البروتوكولات الجماعية للصلاة، وتقديم القرابين، وأغاني الرثاء. يغوص الفنانون في مسارات تشكيل الحياة، وأكوان المعتقدات والأساطير، وهم يستمعون إلى نداء الموت بوصفه جزءًا لا يتجزأ من هذه الرحلة. يتحول الجسد إلى نقطة التقاء للطاقة حيث تتداخل أدوار المرأة كحارسة، ووسيطة، ووكيلة للرغبة، وساعية للعدالة.
من النبض إلى التضاريس المادية، تتجلَّى النسخة السادسة عشرة من بينالي الشارقة كآلة نابضة تطلق أوتارًا من الذكريات الحميمة. في أزمنة الفناء، حيث تتقاطع الحروب المستمرة مع النزوح، وتفرض التقنية البيروقراطية حياة مغتربة، تصبح هذه النسخة مستودع لسؤال جوهري: ما معنى أن تكون حزمة «رِحالنا» حاملًا للمقترحات، والأفعال، والدروس المرتبطة بالبقاء والتحولات والازدهار؟
تضم قائمة الفنانين المشاركين فنانات مخضرمات ينحدرنَ من مجتمعات أصلية، وتحمل ممارساتهن المعرفة والحكمة والسرديات الثقافية، معبرةً عن رؤى وجودية مستوحاة من خارج الأطر الفنية الغربية. تتنقل الأعمال الفنية الأخرى عبر الانقطاعات التاريخية لتكشف عن القصص الغائبة عن الأرشيف حول العبودية والسُّخرة، وتتناول التهجير والصدمات، في حين يظهر المحيط في هذه الأعمال موقعًا مُهمًّا للهجرة والشتات. وتعبّر أعمال فنية أخرى عن التضامن بين الثقافات، وترسم التحالفات وفعاليات الاحتجاج فيما بينها، متضمنة شخصيات طليعية ورائدة في تطور الفن الحديث، ولا سيما فنانين أبدعوا أعمالًا في ظل العنف الاستعماري، أو أعمالًا مرتبطة بالأرض والهوية والحياة اليومية.