الـمُجالِد

الـمُجالِد

(روما – 169 ق.م)

أنا الضحية..

أنا الـمنذور للموت قبل غروب شـمس اليوم.. أنا الضحية فلا ترمقني بتحفُّز لا معنى له. ارفق بضحيَّتك، ملِّس عليها إعزازًا لأصلها النبيل، اسقِها شربة ماءٍ بارد يرطِّب الحلْق، ثـم اسحبها برفق كي لا تؤذيـها الـمِخنَقة، وقدِّمها قربانًا لـموتٍ تتحاشاه، فأنت الأقوى والأجدر بالحياة.

منذ يومين، تحيط بنا الأحجار الباردة، الرطبة، التي تشرَّبت رائحة الجوع والأمعاء الخاوية، والتي تتردَّدُ في أعماقها أصداء الزئير وصياح الحراس الرومان، فنظلُّ يقظين لا نقوى على النوم. ومنذ يومين وأنا أضبطك ترمقني، وحدك دونًا عن سائر الأسود التي تتكدَّس في القفص الواطئ، نافذ الرائحة. ترمقني وحدي، غير عابئ بباقي الأسرى الـمُقيَّدين، بصمتِ قاتلٍ يستجمع تركيزه فيما يتأمل فريسته. ننشغل لبرهة بـمتابعة أسير آخر يُـحَلُّ وثاقه، وأسد يُسحَب من داخل محبسه؛ لكي يُدفع بـهما إلى ساحة النزال والصيد، فتصطاد الأسودُ الجائعةُ البشرَ في أغلب الأحوال، ثـم تعود لأقفاصها شبعى يقطُر الدم الساخن من أشداقها، فتتشمَّم الأسود الحبيسة الجائعة الدماء الطازجة، وتلعق الفكوك والأنياب شبقًا للصيد، فلا أجدكَ تلعق مثلهم، ولكنك تعود لكي تتفرَّس في وجهي أنا، وكأنك تبحث بين قسماتي عن شيء يجزم بأنني فريستك، وتظل ترنو لـهذا الشيء بصبر الـمُتآمرين.

يدلف الحراس الرومان من جديد، يحملون حِرابًا مصقولة لـم تأكلها الحرب، وشعلات ذات ألسنة مُتراقصة، تضيء القبو المظلم بضياء قرمزي خافق يثير التوتر. يـهبط الصمت من سـماء القبو الواطئة، وتسود العالمَ رائحةُ الجوع والروث. يتحلَّق الحراس أمام فتحة قفص الوحوش، يرفعون الشعلات لأعلى، يُصوِّبون الحراب في اتجاه نقطة ما خلف فتحة القفص الـموصدة بباب مُنزلـج. يجذب أحدهم الباب لأعلى، ويقبض على أطراف السلاسل الحديدية الـمُقيَّدة في فواصل الباب الصدئة، يتخيَّر من بينها واحدةً تنتهي عند حلقة تُصفِّد قدمَ وحش من الوحوش، يسحب السلسلة لكي يتأكد من إمساكه بالقدم الـمطلوبة، يزمـجر الوحش زمـجرةً لـم تطرق آذاني من قبل، زمـجرة أسدٍ ظل صامتًا طوال يوميْن ثقيلَيْن، يُراقب فريسته.. يتأكد الحراس، فتهبط الأذرع بشعلات اللهب لتُحاذي الـمناكب، في نذير شديد لأي وحشٍ يتجرأ على الإخلال بالنظام. يجذب الحارسُ الأسد، فيزمجر زمجرة خافتة لا أفهم معناها؛ أهو اضطرابٌ بسبب النيران والحِراب الـمُسلَّطة نحوه، أم إنه ترقُّب للصيد؟! يلتفِت نحوي، يرمقني للمرة الأخيرة قبل النزال، فأوقن بأنه الترقُّب لصيدٍ يسُدُّ جوعه الناهش، وأوقن أيضًا بأنني مَن جاء عليه الدور حتى يُحَلَّ وثاقه.. أنا الضحية.

الـموت يتربَّص، الخطر يشحذ أسنانه، في كل ركنٍ سيوفٌ تُسَنّ، سياطٌ تُعَدّ، مقارع حديدية يُبعَث من باطنها لهب أحـمر منعًا لـهياج وحشٍ أو هروب مُـجالِد، أو ادعاء أحدهم الـموت قبل لقاء مصيره الـمحتوم. لا موت يُدَّعى اليوم، الـموت هو الحقيقة الوحيدة الـمقبولة هنا..

النور ساطع يؤلـم حدقتيَّ الذابلتيْن. أهرب منه إلى الرمال الداكنة، الـمُشرَّبة بدماء مُراقة تجلَّطت بين ذرَّاتـها. رمال الـمقابر لا تجد دماءً تفضح سرَّها، أما هذه الرمال فكاشفة، فاضحة. أعتاد الضياء بعد قليل، فألقي نظرة أخيرة على العالم الـمجنون؛ المسرح الشاسع كبحر، تتوسَّطه حلبة الرمال الداكنة، وتـموج فوق مدرجاته آلافٌ مؤلَّفة من البشر الصائحين، الـمُترقِّبين، كأن روما جُمِعت عن بكرة أبيها اليوم حتى تشهد فنائي، رايات ترفرف ونيران يتصاعد دخانـها؛ كي يُلهب الـمشهد، عرايا مقيَّدون في أعمدة، ينتظرهم الفناء، أكابر روما في مقصورة رخامية مُرتفعة، يتخذون أزياء الآلـهة وسُـموتـهم، فـيُقرِّرون الـمصاير، نساءٌ في مُدرَّج خفيض يكشفنَ صدورهن تحيَّةً للـمُجالِد.. ماذا تنتظرين مني يا سيدة؟ أتكون لي حاجة في نـهديكِ اليوم! لا أتصورهـما إلا كقطعتَي لحمٍ على وشك البتر ضربًا بالسيوف، سَحقًا بالـمقامع الثقيلة، لَسْعًا بالسياط.. يا لهُ من مصير! ليت الـموت أدركني أثناء الـمعركة. يا لها من نـهاية مؤجَّلة، طلَبًا للأسوأ.

يُدفع بي لمنتصف الحلبة الرملية، أُزوَّد برُمـحٍ مصقول، لو أوتيتُ مِثلَه أثناء الـمعركة ما كنت أُسِرت. تأكلني نظرات الوحش الـمُقيَّد على مبعدة مني، وصيحات الـمُتجمهرين من ورائه تدفعه ليُمزقني إربًا. أرى النهاية ترتسم في انعكاسة الضوء في حدقتيْه، وفي لِبدته التي أخذت تنتفش.. أقرر الـمقاومة، أو التظاهر بـها. سأقاومك أيها الوحش الجائع إكرامًا لـما تكبَّده العالم حتى يجيء بي لهذه النقطة؛ إكرامًا لزوجتي التي ودَّعتني مُقاتِلًا، لا أسيرًا، إكرامًا لعائلتي، لعشيرتي التي لا تتذكر من موتاها سوى الرجال.. إكرامًا لرجولتي، ولجسارتك أنت كذلك، فلا يليقُ بك أن تأكل لحمًا باردًا ماسخًا لـم تنبض بين طياته نخوة الرجال، لـم تَطْهُه حرارة التمسك بالحياة. أباعِدُ بين رجليّ، أميلُ بجِذعي إلى الأمام، أضم أصابع يُـمناي مُستمسِكًا بالرمح الروماني الـمصقول، بينما أرفع يُسراي خاوية، إلا من عزيـمة الـمُقاتلين، أرمق عينَي الأسد، فيما الحراس يحلُّون وثاقه ويخلُّون بيني وبينه..

يتعالى الصياح، يبلغ الحماس ذروته، تُزكِم الأنوفَ رائحةُ الـموت، فتنتشي لشذاها الأنفس. الوحش يخطو نحوي ببطء، غير مُصدِّق بعد، غير متأكد مـما أنتوي أو أستطيع، فيما أنا مزروع في موضعي كما شجرةٍ توشك أن تُقتلَع، الوحش يخطو أسرع، والـهتاف يرتفع، فيدفعُه، ثم تخفت الأصوات حتى تتلاشى في صمت مُنذر، تَحِلُّ بدلًا منها نبضات قلبٍ متسارعة، كخطواته. ينزُّ العرقُ من جبهتي، يُعميني، هذه اللحظة لا تحتمل العرَق، لا تحتمل العمى، أريد أن أضرِب ضربةً واحدة قبل الفناء، أن تسيل دماءٌ أخرى مع دمائي، لا يـموت محارب دون إراقة دماء قاتِله، طعنة واحدة، طعنة تدَّعي الـمقاومة، تحفظ الشرف..

ليت الـموت أدركني أثناء الـمعركة..

يا لها من نـهاية مؤجَّلة.. يا لهُ من مصير!

* * *

لثلاث ليالٍ متتاليات لم أقوَ على فتح عينيَّ. كانت الأصوات تتناهى لأذني كمحض أوهام، كل شيء في خفة هواء، أما الحواسُّ فثقيلةٌ كالجلاميد.. وحين اشتدَّ جوعي رفَعتُ جفنيَّ بمشَقَّة بالغة، كأنني أُقيمها من الموت، فوجدتُني أنظر عبر حائلٍ ضبابي، وأسمع زئيرًا كأنما ينبع من جوفي أنا! وهالَني أني حين دققتُ النظر وجدتُني أُحدِّق من خلف قضبان، من داخل قفص واطئ حافل بالأسود، وأرمق رجُلًا مُقيَّد اليدين مربوط القدمين كسائر الرجال، غير أنني لا أحفل بشخص سواه، ولا أفهم سببًا لتجاذب نظراتنا وسط هذا الظلام الدامس، والأحجار الباردة التي تشرَّبت رائحة الجوع.