كيف أصبحت حياتنا مرئية بسبب عالم المراقبة الخفي؟
هل تعلم أن كل حركة تقوم بها تقريبًا، من مجرد الضغط على زر إعجاب، على منصات التواصل الاجتماعي، إلى مرورك تحت كاميرا مراقبة، تُسَجَّل وتُحلَّل وتُخزَّن في قواعد بيانات ضخمة؛ لاستخدامها تحت الطلب؟ لم يعد الأمر خيالًا علميًّا، بل جزءًا من حياتنا اليومية؛ إذ أصبح الأفراد تحت المجهر أو «شاشات الرصد» بتعبير أورويل في رواية «1984م».
نحو عالم بلا خصوصية
في كتابه «المراقبة: مقدمة قصيرة جدًّا»، يكشف ديفيد ليون عن تطور سمات عالم المراقبة الخفي الذي يحيط بنا تكنولوجيًّا وثقافيًّا، وكيف أصبحت حياتنا اليومية مرئية من جهات غير مرئية. يبدأ الكاتب برسم صورة واضحة لكيفية جمع وتحليل سجل رقمي دقيق من خلال التقنيات المتقدمة، ثم يتعمق في تحليل العواقب الاجتماعية والأخلاقية لهذه المراقبة المكثفة، متسائلًا عمن يجمع هذه البيانات المتدفقة بحرية، ولماذا، وعن الآثار المترتبة على خصوصيتنا، واستقلاليتنا، حتى على ديمقراطياتنا. إنه دعوة مُلِحّة للتفكير في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع، وفي كيفية حماية أنفسنا من هذا التتبع المستمر، والعمل على بناء مستقبل رقمي أكثر أمانًا وخصوصية.
يعد ديفيد ليون أحد أبرز الخبراء العالميين في مجال دراسات المراقبة، وهو عالم اجتماع، ويشغل منصب المدير السابق لمركز دراسات المراقبة في جامعة كوينز، وقد ترك بصمة بارزة في فهمنا المعاصر للمراقبة وتأثيرها في المجتمعات عبر أبحاثه الموسعة وكتاباته الرائدة، مثل: «ثقافة المراقبة» و»المراقبة بعد سنودن». وأسهم على نحو خاص في تطوير منهجيات بحثية جديدة لدراسة هذه الظاهرة في العصر الرقمي، فحلَّلَ كميات هائلة من البيانات؛ لتكشف عن الأنماط المخفية في سلوك المراقبة.

ديفيد ليون
إسهاماته جعلت منه شخصية مؤثرة في الحوار العالمي حول قضايا المراقبة والخصوصية، وحصل على تقدير واسع بانتخابه عضوًا في الجمعية الملكية الكندية. كما يمثل كتابه الأخير -هذا الذي نُشر في يوليو 2024م- إضافة قيمة أخرى إلى حقل دراسات المراقبة. يجمع الكاتب خبراته الواسعة في هذا المجال ليقدم لنا تحليلًا شاملًا ورصينًا، بأسلوب سلس ومباشر، ومدعم بأمثلة واقعية لتوضيح المفاهيم المعقدة، مع ما يتماشى مع أهداف سلسلة «مقدمات قصيرة جدًّا» التي تصدرها مطبعة جامعة أُكسفورد، وهو ما يجعله في متناول الباحثين والمهتمين على حد سواء. ومن أبرز ما يميز الكتاب قدرته على ربط الحقائق العلمية بالتحليلات النقدية، وبالحماس المفعم في تشجيع القارئ على طرح الأسئلة الفلسفية والمشاركة في السجال المستمر حول مستقبلنا.
ويعالج الكتاب ظاهرة المراقبة من خلال ثلاث إشكاليات رئيسة: المراقبة بوصفها ممارسة متناقضة، وعدالة البيانات، والتفيئة الاجتماعية. فرغم وعودها بازدهار البشرية، تثير المراقبة جملة من التساؤلات الراهنة؛ فبينما يمكننا فهم العالم بشكل أفضل عبر تحليل بياناتنا، يجب أن نتوخى الحذر من سوء استخدام هذه البيانات بطرق غير عادلة أو مناسبة أو مؤكدة. قد تؤدي ممارسات المراقبة هاته إلى تصنيف الأفراد على نحو خاطئ، وفرزهم اجتماعيًّا، مثل التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدخل، وهو ما يهدد خصوصيتهم، ويعزز التفاوت الاجتماعي. تحمي عدالة البيانات من تهميش فئات معينة بناءً على معلومات مراقبتنا، وبالتالي، تتعزز أهمية الشفافية ونشر الوعي الرقمي.
ويقدم الفصل التمهيدي، «العيش مع المراقبة»، لمحة عامة عن المفاهيم الرئيسة للمراقبة، ويسائل تطور سماتها على المستويين الكمي والكيفي. لقد اختلقت لنفسها مكانًا ثابتًا في نسيج حياتنا المعاصرة، حيث تنتج تطبيقات التواصل الاجتماعي كميات هائلة من البيانات الشخصية. ففي كل دقيقة حسب تقرير موقع «البيانات لا تنام» لعام 2022م، يعرض مستخدمو إنستغرام 66,000 صورة، ويحمّل المستخدمون 500 ساعة من مقاطع فيديو يوتيوب، ويشارك مستخدمو واتساب 41,666,667 رسالة، وينشر مستخدمو فيسبوك 1.7 مليون قطعة من المحتوى، ويرسل مستخدمو سناب شات 2.43 مليون لقطة، ويقضي 104,600 ساعة في اجتماعات زووم، ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي الشائعة في الصين.
حياة مرئية: مراقبون غير مرئيين
تُسَجَّلُ كلُّ هذه البيانات بدقة ويُحتفَظُ بها كمادَّة خامّ لجهات أخرى. ومن المؤكد أن هذه البيانات الخام ستتضاعف لأن حدود المراقبة لا تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي. يدق هذا الجانب المظلم من الزيادات ناقوس الخطر، محذرًا من ممارسات المراقبة. وكما هو الحال مع جميع عمليات الرصد التقليدية، يجب موازنة الفوائد البشرية الحقيقية بعناية مقابل المساوئ المحتملة؛ ذلك أن المجتمعات الضعيفة من الناحية التكنولوجية قد لا تستفيد بشكل عادل، أو قد تُستنزَف ميزانياتها، أو تُستغَلّ؛ لذلك يدعو الكاتب إلى ضرورة وضع ضوابط أخلاقية وقانونية لممارسات المراقبة، وعَدّ بياناتنا ملكية خاصة، ينبغي وضع ضوابط لطرق الاستفادة منها، وتأويلها.
ويستكشف الكاتب، في الفصل الثاني، «حياة مرئية: مراقبون غير مرئيين»، كيف أصبحت حياة الناس مرئية أمام عيون غير مرئية. وهو ما يبث الشعور بعدم الارتياح؛ إذ كيف يمكن لشخص ما لا أعرفه أن يضطلع بتفاصيلي الدقيقة، التي قد أجهلها أحيانًا؟ هل من المقبول أن يُتَتَبَّعَ كل تحركاتنا وأنشطتنا؟ قد يتفق القارئ مع كون المراقبة مرتبطة بالطرق التي يُنَظَّم بها المجتمع ذاته لأمننا وسلامتنا، وكيفية تشكيل فرصنا وخياراتنا اليومية وتوجيهها، لكن عدم إدراكنا وإشراكنا يقلقنا.
يقدم الكاتب مفهومًا للمراقبة ينبع من دراسة مفاهيمها السابقة، ويستكشف ممارسات المراقبة وأشكالها المختلفة، وآثارها في العصر الحالي، والسعي إلى الكشف عما هو غير مرئي. وبينما تركز التعريفات التقليدية على المراقبة اللصيقة بالمشتبه بهم أو المجرمين، يوسع الفصل نطاقه ليشمل أي محاولة لجمع المعلومات الشخصية والأنماط لجعل الناس وأنشطتهم «مرئيين»، وذلك بهدف التأثير، أو الإدارة، أو الحماية، أو السيطرة. ويضم هذا التعريف التجارب الإيجابية والسلبية على حد سواء، بدءًا من الرغبة في الحصول على الاعتراف الاجتماعي إلى المخاوف بشأن التطفل على الخصوصية.
يتعمق الكتاب في الجذور التاريخية للمراقبة، ويتتبع تطورها من الأشكال المبكرة للمراقبة والتسجيل إلى الأنظمة المتطورة اليوم، ويركز كثيرًا على أمثلة مستقاة من أميركا وأوربا خاصةً؛ لذلك قد يكون من المفيد اعتماد منظور عالمي أكثر شمولًا بالنظر إلى ممارسات المراقبة الفريدة والتحديات التي تواجهها دول الجنوب، وبخاصةٍ أن هذه الدول إما ضعيفة تكنولوجيًّا، أو لا تستطيع أن تستثمر في هاته التكنولوجيات الحديثة. بل يمكن أحيانًا استخدام هذه المراقبة لاستهداف هذه المجتمعات المهمشة أو المجتمعات التي هي في حالة حرب مع القوى التكنولوجية، وتعزيز التحيزات الممنهجة. كما أن وقوع هذه التكنولوجيا في أيدي الجماعات المتطرفة أو المبتزين يفاقم المخاطر.
ويسلط الكتاب الضوء أيضًا على دور التكنولوجيا، من الأدوات البسيطة مثل الكاميرات والميكروفونات إلى الخوارزميات المعقدة والذكاء الاصطناعي، في تشكيل مشهد المراقبة. ولخصوصية سلسلة النشر لمثل هذه الكتب، لم يتعمق الكاتب في تفاصيل هاته التكنولوجيات، إلا أنه يقدم خلاصات لكثير من إنتاجاته الفكرية السابقة. وعلى الرغم من أن المراقبة أصبحت أكثر خفاءً بسبب الأنظمة الغامضة تقنيًّا التي تعمل بوساطتها، فإن الناس أصبحوا مرئيين بوتيرة متزايدة في العالم الحديث. وهو ما يفرض دراسة الآثار الأخلاقية والاجتماعية للمراقبة، ورسم الحدود بين فوائد المراقبة، مثل تحسين السلامة العامة والكفاءة، ومخاطرها المحتملة على خصوصية الأفراد وحريتهم وسلامتهم. ويشدد الكاتب على أهمية المشاركة في النقاش العام و»الحوكمة»؛ لضمان استخدام جيد للمراقبة. وختامًا، يجادل الكاتب بأن المراقبة ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه وتتطلب دراسة متأنية، وفهمًا دقيقًا لمختلف أشكالها وسياقاتها، فضلًا عن دراسة نقدية لفوائدها وعيوبها المحتملة. والكاتب بذلك يقدم طيف أنظمة المراقبة التي قد تخدم بشكل مباشر قضية الشر والعنف أو قد تضر بكرامة الناس، وحريتهم، وراحة بالهم، وأمنهم.
علاقة المراقبة بالسلطة والهامش
ينظر الفصل الثالث -تقنيات المراقبة في السياق- في أهمية المراقبة في العالم الحديث والعصر الرقمي اليوم، وعلاقتها المعقدة بالتكنولوجيا. ويستهل حججه بدراسة طبيعة المراقبة الشائعة، مستشهدًا بالهاتف بوصفه رمزًا عالميًّا للاتصال والمراقبة، وبغض النظر عما يوفره من إغراءات، فهو يمثل أداة قوية لجمع البيانات وتتبع الأفراد. ويتناول هذا الفصل تاريخ تطور تقنيات المراقبة، وأساليبها من وجهات نظر مختلفة، غير أنها تتجاوز كونها مجرد تقنية، لارتباطها بشكل وثيق بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالتكنولوجيات الجديدة لا تنشأ في فراغ، بل هي نتاج أنظمة القوى السائدة. وتتحدد العلاقة الازدواجية بين التكنولوجيا والمجتمع في أنه بينما نناقش تشكيل التكنولوجيا لأنماط مجتمعاتنا، فإن هذه التكنولوجيات الجديدة هي أيضًا نتاج ترتيبات اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة. إن تجميعات المراقبة المعقدة، التي تجمع بين التقنيات المختلفة ومصادر البيانات المتنوعة، تشكل تهديدًا متزايدًا على الخصوصية وتضعنا بين حدود جمع البيانات وإعادة تفريعها في المجتمعات ذاتها؛ لتشكيل الهويات الفردية والعلاقات الاجتماعية.
يدفعنا هذا النقاش إلى التركيز على علاقة المراقبة بالسلطة والهامش؛ فبينما قد تمكن هذه التكنولوجيات الأصوات المهمشة، ومقاومة السلطة المركزية، فإنه غالبًا ما يعزز المركز سلطويته عبر التحكم في الآلات والتلاعب بالخوارزميات. ومن أبرز الأمثلة على سوء استخدام تجميعات المراقبة، سعي الشركات متعددة الجنسيات لتحقيق أرباح طائلة عبر استغلال البيانات الشخصية، وهو ما يثير تساؤلات حول الأخلاقيات والخصوصية والاستقلالية، ولا سيما بسبب تسييل البيانات الشخصية وتسليعها مع إمكانية التلاعب بالسلوك والتأثير في الرأي العام. وتكمن المخاوف في المجال السياسي في السلطوية، حيث يمكن للحكومات استخدام هذه التقنيات لمراقبة المواطنين والتحكم فيهم، وقمع المعارضة، وتبرير السياسات القمعية، كما يعزز ذلك من مركزية السلطة وضعف الحريات الديمقراطية. وتحثنا هاته الشواغل على ضرورة التفكير النقدي واليقظة في مواجهة المراقبة المتزايدة.
ويتعمق الفصل الموسوم بـ»المراقبة القائمة على البيانات: تحديات جديدة» في الآثار السلبية للمراقبة القائمة على البيانات، حيث يشرح كيف يسهم جمع البيانات الضخمة وتحليلها بواسطة الخوارزميات في تآكل حدود الخصوصية وتوسيع رقعة المراقبة الحكومية والشركات. ويستعرض هذا الفصل المنصات التي تعتمد على جمع كميات هائلة من البيانات من مصادر متنوعة، والتي تتولد بشكل أساسي من تفاعلات الأفراد اليومية مع البيئات الرقمية. تُجمَعُ هذه البيانات عن عمدٍ لتحليلها بوساطة خوارزميات أُعِدَّتْ للأغراض المختلفة التي تضعها شركات المنصات في الحُسبان، وينتج عنه انتشار رأسمالية المراقبة، التي قد تتعارض مع اللوائح القانونية المفروضة قانونًا على الممارسات التجارية. ويسائل الدور الحاسم الذي تلعبه الخوارزميات في تشكيل نتائج الأنظمة القائمة على البيانات، ويحذر الكاتب من أخطار التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها، وتدهور الحريات المدنية، في مجالات مثل: الشرطة التنبؤية، والبيانات البيومترية، والأمن القومي، والمساعدات الإنسانية.
ويشرح الفصل الخامس مدى تكامل المراقبة في نسيج حياتنا اليومية لدرجة أنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من واقعنا المعاصر. وتتباين ردود أفعال الأفراد إزاء الشفافية المتزايدة في حياتهم اليومية، فبينما يقبل بعض هذا الواقع الجديد، يُعرِب آخرون عن قلقهم إزاء فقدان الخصوصية. وقد أسهمت التكنولوجيا في تعزيز هذه الشفافية، وهو ما أدى إلى تداخل حواف السياقات والأدوار الاجتماعية، وإقبال الأفراد على إدارة صورتهم الذاتية بشكل إستراتيجي عبر الإنترنت لخلق علاقات اجتماعية افتراضية.
لا تقتصر المراقبة على تشكيل قيمنا وسلوكياتنا فحسب، بل تتشكل قيمنا وسلوكياتنا لتتوافق مع ثقافة المراقبة المتنامية؛ لذا يتطلب التعايش مع هذا الواقع الجديد والمعقد الانخراط الفاعل والوعي بآليات عمل هذه الثقافة، التي تسهم وسائل الإعلام والثقافة الشعبية في تشكيلها على نحو كبير، وفي تعزيز الروايات حولها. يتناول الفصل بدقة مفاهيم أساسية مثل: الفحص والمطاردة الإلكترونية، واليقظة الأمنية، ويستكشف «مفارقة الخصوصية» التي تدفع الأفراد إلى مشاركة معلوماتهم الشخصية على الرغم من قلقهم بشأن الخصوصية. ورغم أهمية هذا التحليل، فإنه من الضروري تسليط الضوء على جوانب أخرى، مثل: تأثير المراقبة المتحيز في الفئات المهمشة، كالأقليات العرقية والفقراء والمعارضين السياسيين، ومناقشة دور التعاون الدولي والحوكمة الرشيدة المشتركة -انظر «سباق عسكرة الذكاء الاصطناعي: الحوكمة الرشيدة المشتركة في عصر الذكاء الاصطناعي» لـ»دونيس غارسيا»- في مواجهة تحديات المراقبة المتزايدة، واستشراف التطورات المستقبلية في تكنولوجيا المراقبة، وتقييم آثارها المحتملة في المجتمع، مع التركيز على التكنولوجيات الناشئة مثل: الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتعلم العميق.

المواطنة الرقمية والتفكير النقدي
يشدد الفصل السادس على ضرورة التشكيك النقدي في أنظمة المراقبة، ولا سيما تلك التي تستهدف تحديد هويات أفراد أو مجموعات معينة للتدخل في حياتهم. ورغم فوائد المراقبة المحتملة في بعض السياقات، فإن الطرق التي تستخدمها السلطات والمؤسسات -التي حذرت منها الباحثة شوشانا زوكرمان في كتابها «عصر رأسمالية المراقبة: النضال من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة»- تثير تساؤلات جدية حول آثارها في الخصوصية والمساواة. ويسبر هذا الفصل أغوار مختلف الجوانب الأخلاقية (انتهاك الخصوصية، وإدامة التمييز والتحيز)، والسياسية (تهديد القيم الديمقراطية، وتعزيز السيطرة الاستبدادية والمسرح الأمني)، والعملية (جودة البيانات ودقتها، فضلًا عن الثغرات والمخاطر الأمنية المحتملة) للمراقبة التي تستدعي المعالجة عبر سن قوانين متطورة؛ لذلك يدعو الفصل إلى ضرورة وضع لوائح تنظيمية صارمة، وتعزيز الشفافية والمساءلة في استخدام أنظمة المراقبة. يجب أن يتمثل الهدف في تحقيق التوازن بين الاستفادة من فوائد التقنيات القائمة على البيانات، والحد من مخاطرها، بما يتماشى مع القيم الأخلاقية والمبادئ الديمقراطية.
ويختتم ليون كتابه بعرض العلاقة المعقدة بين الأفراد والمراقبة في العصر الرقمي، واقتراح سبل مواجهتها من خلال إستراتيجيات فردية وجماعية. ويقرّ بالارتياب الذي يساور الأفراد، مشيرًا إلى انعدام الشفافية حول عمل الخوارزميات والبروتوكولات التنظيمية، وهو أمر يعكس الأمية الرقمية لدى معظم الأفراد مقارنةً بالشركات والحكومات والخبراء. وعلى الرغم من التقدم المحرز في التشريعات المتعلقة بالحد من المراقبة غير الضرورية وغير الملائمة والمفرطة وغير القانونية في أواخر القرن العشرين؛ فإن التطور المتسارع للتكنولوجيا وتنوع أساليب المراقبة، وتزايد التهديدات المختلفة، مثل انتهاكات البيانات، والحرب السيبرانية الخفية، يجعل من الصعب مواكبة هذا التطور قانونيًّا.
ويركز الكاتب على أهمية المقاومة الفردية والجماعية، مع تقديم مجموعة من الإستراتيجيات العملية التي يمكن للأفراد اتخاذها لحماية خصوصيتهم، مثل استخدام أدوات التشفير وتعديل إعدادات الخصوصية في الأجهزة والتطبيقات. كما يؤكد على الدور الحاسم للحكومات والمجتمع المدني وصانعي السياسات في وضع سياسات فعالة لحماية الخصوصية وتنفيذها. ويختتم الفصل بدعوة إلى تعزيز الوعي الرقمي -الذي صار لزامًا أن نوجهه نحو الوعي بالذكاء الاصطناعي- والمشاركة المدنية والمواطنة الرقمية والتفكير النقدي. ويؤكد أن مستقبل المراقبة يعتمد بشكل كبير على قدرة الأفراد والمجتمعات على التعاون الاستباقي من أجل بناء مستقبل رقمي أكثر عدلًا وإنصافًا.
في نهاية المطاف، إن المراقبة بسماتها الحالية ليست مؤامرة فضائية، بل هي نتاج لثقافة وآليات تمتد عبر التاريخ ولما يشهده العالم الرقمي من تحول مستمر. إنها الطريقة التي يعمل بها عالم اليوم المعتمد على التكنولوجيا الرقمية. قد تعزز محاكمتنا للمراقبة مسلماتنا -عبر ثنائية الخير والشر- لكنها في المقابل تعوق فهمنا لواقعنا المعيش ولمستقبلنا المحتمل. عبر الوعي بحقوقنا والمشاركة الفعالة في الحوار العام ودعم السياسات والأخلاقيات التي تحمي الخصوصية؛ يمكننا أن نشكل هذا المستقبل، وأن نختار العالم الذي نريد أن نعيش فيه؛ عالمًا رقميًّا يحترم خصوصيتنا وكرامتنا الإنسانية.