الريح كانت تهزني طوال الليل روث ستون: الفجيعة والمعاناة وقصائد الحب لرجل ميت
ولدت الشاعرة الأميركية المعاصرة روث ستون في رونوك بولاية فرجينيا عام 1915م، ودرست في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين. عاشت معظم حياتها في مزرعة ريفية في فيرمونت، ولم تحظَ بتقدير واسع إلا في وقت متأخر نسبيًّا مع صدور مجموعتها «كلمات عادية» (Ordinary Words) عام 1999م. فاز هذا الكتاب بجائزة حلقة نقاد الكتاب الوطنية، وتلته مجموعات أخرى حائزة على جوائز، منها «في المجرة المجاورة» (In the Next Galaxy) عام 2002م، الفائز بجائزة الكتاب الوطنية؛ و(في الظلام) (In the Dark) عام 2004م؛ و(ما يؤول إليه الحب: قصائد جديدة ومختارة) (What Love Comes To) عام 2008م، الذي كان ضمن قائمة الترشيحات لجائزة بوليتزر.
شاعرة الفجيعة والكلمات الاستثنائية
بعدما نشرت روث ستون كتابها الشعري الأول بعنوان (في زمن قزحي) (In an Iridescent Time) عام 1959م بمدة وجيزة، فُجعت بانتحار زوجها الشاعر والكاتب الواعد والتر ستون، تاركًا إياها أرملة مع ثلاثة أطفال صغار. أثّرت صدمة انتحار زوجها فيها طيلة حياتها، وطبعت شعرها بالحزن والفقد. تُعرف قصائد ستون الغنائية المكثفة بدقتها، وغرابتها، كما يتميز شعرها بسجله «التراجيدي-الكوميدي» الفريد، واستكشافه العميق للحزن والفقر إلى جانب الحياة المنزلية والدهشة الميتافيزيقية، في آنٍ واحد، وبأسلوب محادثة خادع. وغالبًا ما تأتي قصائدها كـ«قصائد حب، جميعها مكتوبة لرجل ميت»، حيث تتواصل مع ذكراه، وغيابه، والعواقب الروحية العالقة للخسارة. وقد شكّل ذلك كله توترًا مستمرًّا ومبطنًا في عملها.
كتبت ستون قصائدها -غالبًا- من منظور امرأة مسنة فقيرة؛ أم عزباء تكافح من أجل البقاء.
تحوّل قصائدُها التفاصيلَ المتواضعة والعادية للحياة المنزلية والريفية في فيرمونت (الطبخ، التنظيف، الخياطة، المنزل القديم المتهالك) إلى أدوات أو رموز لكل من النقد الاجتماعي والنظرة الميتافيزيقية. ويظهر في شعرها صوتها الأنثوي القوي، الذي يتجاوز العقبات، ويستكشف الحدود غير الواضحة والتعقيدات في علاقة الأم ببناتها.
يوصف شعرها بأنه بسيط وبارع، ومؤثر، وعميق، وجريء يتجاوز أحيانًا الخطوط الحمراء. وقد مكّنها ذلك من تناول المشكلات الاجتماعية المزمنة: (وضع المرأة، الفقر، الشيخوخة، الفناء)، دون تكلّف أو مبالغة عاطفية، وغالبًا ما تكون ساخرة.
وقد عُرفت بتواضعها وتفانيها في الشعر. يتجلى ذلك في خطاب قبولها لجائزة الكتاب الوطنية: «كنتُ أكتبُ الشعرَ –أو أيًّا يكن ذلك الشيء– منذ السادسة من عمري، ولم أكن قادرةً على التوقف، لم أستطع التوقف قط. لا أدري لِمَ فعلتُ ذلك… لقد كان الأمرُ أشبهَ بجدولِ ماءٍ ينسابُ إلى جواري؛ تمضي حياتي في مسارها، تزوجتُ وأنجبتُ أطفالًا ثلاثة وقمتُ بكل ما يفرضه الواجب، وطوال ذلك الوقت كان هذا الجدول يتدفق. لم أكن أعرف حقًّا ما الذي يقوله؛ كان يهمس لي فحسب، فأُدوّنه؛ لذا لا يمكنني حتى أن أدّعي لنفسي فضلًا كبيرًا في ذلك».
استقرت في فيرمونت، لكنها تنقلت لسنوات عدة بين الجامعات في وظائف تدريسية قصيرة الأمد، وتوفيت في ريبتون، فيرمونت عام 2011م.
وقد ترجمتُ من قصائدها أربع عشرة قصيدة معظمها من ديوانها (طبوغرافيا Topography)، وبعضها منشور في كتاب (A Book of Women Poets From Antiquity to Now) لمؤلفيه أليكي ووليس بارنستون، أستاذ الأدب المقارن بجامعة انديانا بأميركا وكان أحد اساتذتي في مرحلة الدكتوراة، وكان عضوا في لجنة مناقشة رسالتي للدكتوراة، وهو الذي لفت نظري إلى هذه الشاعرة واقترح عليّ ترجمة بعض قصائدها.

حلم الضوء في الظل
الآن، وقد تزوجت،
أقضي ساعاتي مفكرة في زوجي.
أدور بنفسي في حمايته،
أراقب نومه حالِمًا كيف يدافع عن شكله الهامد؟
وفي الليل وأنا متكئة على مرفقي
متظاهرة أنني مجرد صديقة عاشقة.
ولكوني أول من يستيقظ
أنحدر، غالبًا قبل أن أكتسي،
إلى الدور الأول المعتم
حيث الكراسي تمسك بالليلة الماضية.
والكل يقول: انتبه!
الضوء-باردًا- يسحر ببراءة.
انتبه! الكأس مملوءة بالضوء،
وفي جسدي تشع الشمس.
وتتلاشى عندما يثنى الظل.
حلّ العقدة
لقد أرعبتني. لقد رُميتُ بنار دون محاكمة.
مذنبةً بحكم غيابي. كان واضحًا أن المقتول قد مات.
كان كلانا فقط، لكن لم يأت أحد كي يقودني بعيدًا
مئة عين نظرت وشاهدتني في النار.
قالوا: لقد أحببناه، ثم نسوا.
بعد عدة سنين عرفتُ الذي كان قد مات.
همست:
أيها القاتل: لقد خدعتني.
التفاح الأخضر
في آب حملنا الفراش ذا الشعر الحصاني
إلى الشرفة الخلفية
ثم نمنا مع أطفالنا في صف واحد
الريح جاءت من أعلى الجبل إلى البستان
تُخبرني بشيء،
قائلة لي شيئًا عاجلًا؛
كنت سعيدة.
التفاح الأخضر تساقط على السطح المنحدر ثم انحدر بخشخشة إلى أسفل.
الريح كانت تهزني طوال الليل؛
مثل تعريفٍ للحب،
قائلة: هذه هي اللحظة،
هنا، الآن.
التحرر
ندرك -نحن السيدات- أن الواقواق لا يبني وكرًا؛
أن تجعل الورد يطفو على البحيرة وتخفي الساق،
ذاك كما يُراد أن نكون. يعوّضنا الله.
في بيت الحضانة الواحدة قد تَصفع وتُقبِّل
كأنها بين راهبات مقهقهات.
المهمة المنشودة:
صوني الرجل أثناء الشباب، ثم تحسري
وسط صفصافه وجداوله. أيتها اللبؤة الحلوة،
الساحر قال في أحلامك القبيحة:
لا أسف بدون دماء.
عظام مَنْ تشهد على هذا؟
نحن نتألم، نحن ننمو سمانًا، نحن نضطهد.
تغيُّر أشكالنا الصارخ يُضلل براءتنا.
صباح بعد صباح
تنسل العنكبوت بنسيجها عبر شفاهنا
خلف واجهة المبنى
مكثت أمي في غرفتها الصغيرة
والباب شبه موصد.
وقد شاهدنا التلفاز في غرفة الجلوس،
أنا ووالتر؛
آمنين،
ذراعانا في احتكاك خفيف.
لم نستطع أن نتذكر
أن أبي قد مات.
الأم تستلقي بهدوء
محدقة في صمت بلا لغة،
لا تَلامس.
فراغ اللاشيء
الذي كان موجودًا هناك طوال الوقت
خلف واجهة المنزل.
على الأريكة وظهرانا باتجاه بابها،
اتكأنا معًا،
نتحدث عن الأطفال؛
عن أصدقائنا، والعرض الفني آخر الليل.
شعرنا بطريقنا بين الكلمات
كأننا على عارضة فولاذية؛
الهيكل كان بألوان مختلفة، حقيقية،
الأشياء متناثرة حولنا
تُشكّل الهواء.
متماسكة ككأس الجعة،
سكاكين المائدة؛
ذراعانا ممسكة ببعضها؛
تمسكان معًا بالذي قلناه…
بالذي قلناه… بالذي قلناه.
خمسة عشر
اليوم، تهرب بعيدًا غضبان مجروحًا
ليس بعيدًا، لقد جلست تحت شجيرة في الحقل،
أدكن قليلًا من العشب الذي يلتف حولك.
شعرك الطويل، معطفك الفروي القديم
يظللان كؤوس الزهر الرقيقة
في الصيف الماضي، جذور الورد ورؤوسه
جفت تلك الورود أنفسها إلى أشكال غير مثمرة،
قائلة لا شيء إلا أن الذي كان مزدحمًا في الهواء قد ذهب.

زهرات الأستر البرية
أنا هنا
كي أُبجّل زهرات الأستر الزرقاء
على ضفاف النهر،
لا لكي أحمل اللقاح في ساقي
أو أفرك الأجنحة المتبخترة
بــامتصاص غبيٍّ؟
بل كي أُحسّ بعينيّ
فقداني وفقدانك،
ليس على العَفَن الفُطْري المسحوق
المنتشر من ورقة إلى أخرى،
لكن في الغياب المجيد للأسى
كي نرى ما لم يكن مُقدرًا له أن يُرَى،
تلك العناقيد، ذلك التجمّع،
تلك التعدّدية التي لا تنفي نفسها.
لديَّ ثلاث بنات
لديَّ ثلاث بنات
مثل شجر الخوخ الأخضر.
جلسن طوال اليوم
يرضعن أصابع إبهامهن.
والعطف أكثر
بكين طوال اليوم،
لماذا لا يتحول شعْر أمنا إلى رماديّ؟
لدى ثلاث بنات
كالكرز الأحمر.
جلسن قرب النافذة
يُسعدن الأولاد.
ولم يستطعن الانتظار
كي تكبر أمّهن
لماذا لا يتحول شعر أمنا البني إلى جليد؟
لدى ثلاث بنات
في شجر التفاح
يُغنين أماه، أرسلي والدنا
مع ثلاثة عاشقين صغار،
يأخذونهن بعيدًا عني.
لدى ثلاث بنات
كشجر الخوخ الأخضر،
يجلسن طوال اليوم
ويتنهدن طوال اليوم
ويرضعن إبهامهن؛
يُغنّين: أماه، ألن تقومي بواجباتك في خدمتنا؟
ويا أبتاه،
ألن تدعنا نتزوج ؟
ويُغنّين:
انثر جليدًا على شعر ماما.
ويا إلهي: أعطنا حصتنا.
تغيير
أودُّ أن أكتب هذه السطور إليك
لأن عينيك خضراوان
بين الكلمات ذهول
لا أستطيع أن أستمرّ،
حاجزٌ، قد يكون مقدسًا، مقدسًا عتيقًا
ثبته الرجال بأحذية مطاطية،
بقوائم خشبيه مدفونة في الطريق.
لكن عندما أنظر إليك مرة أخرى،
عيناك رماديتان،
وقد قمتَ بتشقير لون شعرك،
وكسرتَ قلبك،
لكن شعرك البني يبدو في الجذور.
أعتقد أني سأتسلق مرتَفَعًا
وأجلس برهة
وأستمع إلى الشحرور في المطر.
الحب لا يتوقف؛
اسمع: إنها حماقة وحكمة؛
تعالَ وشارك.
الشفاء
في الليلة الماضية، كان الأطفال هنا.
قبل أن يغادروا، ذهبت إلى السرير.
عندما استيقظت هذا الصباح،
كان المنزل مُشرقًا؛
كل مصباح أضاء شمسه الخاصة.
لم يحترق مصباح واحد
بل أرسلت طاقتها الكهربائية
تضرب الغبار بابتهاج المندفع الـمُشتعل.
وفي المطبخ
بقايا الوجبات المجيدة
والأطعمة القليلة
تنشر لون الطماطم، وقشور البصل؛
ذلك التحرر الشهي
لأجساد دافئة.
كل طاقاتهم تتناثر حولي
عندما ذهبت بقميص نومي الباهت
من مصباح إلى مصباح
ساحبة الأسلاك
ومفكِّرةً
كم كان نومًا لذيذًا:
بل لم أعد مريضة على الإطلاق.
إصرار
هل يُعقل انتهاء الأمر بهذه السرعة؟
لماذا؟ قبل يوم أو يومين فقط
تركتني أفوز بالشطرنج
بينما كنت تتحسس ثوبي
حول ركبتي.
تلك الغرفة التي ذهبنا إليها
تبعد ستين ميلًا-
هل انتهت رحلات الحافلات تلك؟
الصفصاف الذي يمر بنا،
والمتدلّي كبهائم صبورة
تحت شعرها الأصفر
في حقول الشتاء؛
عابرة جداول الجليد-
هل كانت للمرة الأخيرة؟
وأنا أذهب لمقابلتك
كنت أشعر بالـمُحنِّط واقفًا هناك
في الشارع العادي القذر
في تلك المدينة الشعبية القذرة
التي تتفتح كوردة من ورق،
في الباليه، في معرض الفنون،
في تلك الحجيرات الداكنة، نحتسي شراب الجعة.
ذات ليلة، متكئةً على مدخل صخري،
انتظرت الرجل الخطأ،
وعندما جاء لاحظت لون جلده الأزرق الميت
تحت أنوار اللوحات الدعائية
ورائحة النفايات خلف القطار الأرضي تتدفق
أجلس ساعات عند النافذة
أُعِدُّ رسالة، أنت قادم نحوي،
نحن متوازيان كراقصين في الذاكرة،
أشعر بمعطفك، أشم ملابسك،
وتبغك،
توشك أن تلمسني.

تضاريس
هل أجرؤ أن أفكر أني وحدي
أكون لمجموع الكلي لكل يد ليليةٍ
تبحث وتطرق وتطرق
عن كَوْنٍ من الأوردة، والعَرَق
والغبار في الشراشف مع الأنوف التي تعترض الطريق؟
نعم، أذكر الدوران والاحتضان،
الجغرافية الثقيلة،
لكن يا كولومبوس:
مرة أخرى، ارسمني كخريطة.
الغرفة
في الشقة المجاورة شخص
يمشي ببطء عائدًا إلى غرفة تجاور غرفتي.
أنا في هذا الجانب جالسة.
غير مريح أن تحاول أن تكون هادئًا.
لأسابيع وأنا هنا أغدو وأروح أبدل أثوابي،
وأنا أفكر: هل أثوابي جريئة جدًّا؟
وصوت الماء يجري
يملأ الحوض في الغرفة الأخرى
مُحدِثًا استمرارية صاخبة،
كأن أشخاصًا كثرًا قد يكونون هنا،
يحيطون بأذرعهم حولي،
ينقلونني إلى الصالة،
يداعبوني بطرف رقيقة.
أشعة الشمس تدخل الغرفة قرب السقف
وظلال أشجار تدع الضوءَ
يسقط منحدرًا مائلًا
كي يغمر أرض الغرفة.
وأنا أفكر
هل هكذا ستكون الحياة؟
وأنا أستمع
بأذني لاصقة بالجدار.
ملحق
ما زلت أتحسر على آخر مكان أقمنا فيه.
السرير كان -حقيقة- صغيرًا لكلينا.
في ذلك النُّزل المنزلي الصغير
الجدران محشوة بأدراج ملفات
أدراج لبيض الطير ملفوفة بالقطن.
صاحبة النزل وصفتها،
كأرملة عالم بالطيور،
كان في الواقع موظف بريد.
كانت تملك إرثه.
صاحبته في عطلاته
تجمع البيض. نعم،
كان يرسلها إلى أعلى الشجرة
وعندما تترنح كان يصرخ،
«ضعيه في فمك، ضعيه في فمك»
كانت حالة بغيضة، كما تقول،
مغلقة الدرج بركبتها
البيض شاحب أزرق، ذو نمش
أرجواني، رمادي، أبيض
في أثناء صعودنا الدرج العلوي
نحو فراش لا يسع اثنين،
كان صدى صوتها يجلجل في قاع الدَّرَج،
شيء ما حول الغلّاية الكهربائية
عند رجل سريرنا،
بيض، بيض، بيض، بأشكال شاحبة غامضة في رأسي.
مئات من البيض الذابل اللامفقوس.
أفكر فيها عندما أفكر فيك.