فيكتور فرانكل والتداوي بالقراءة
عُرف طبيب النفس النمساوي الأشهر فيكتور فرانكل (1905-1997م) بتأسيس ما يُسمَّى باللوغو ثيرابي (أو العلاج بالمعنى)، وقُدِّر له أن يكون مؤسس المدرسة الثالثة في علم النفس المعاصر بعد سيغموند فرويد وألفريد أدلر. ذهب فرانكل إلى أن إرادة المعنى هي الإرادة الحقيقية المتجذرة في النفس الإنسانية. فالسعي وراء اللذة (وفق فرويد) أو السعي وراء المكانة والنفوذ (وفق ألفريد أدلر) لا يمكن أن يفسِّرا صورة النشاط الإنساني. في حين أن معنى الحياة لدى كل إنسان هو الذي يمكن أن يجعل من السعي الدؤوب وتحمّل المعاناة أمرًا يرفع من قيمة الحياة ويجعلها جديرة بالعيش. بل إن الإنسان الذي يضع نصب عينيه هدفًا وغاية هو القادر على تحمل غياب متعة الحياة في بعض الأحيان. وقد مرَّ فرانكل بتجربة مريرة في أثناء اعتقاله في معسكرات النازي، ولمّا خرج اكتشف أنه فقد والده ووالدته وزوجته الأولى وشقيقه.
من بين الوسائل التي أسرت انتباهي في مدرسة فرانكل اللجوء إلى القراءة بوصفها وسيلةً ناجعة من وسائل التداوي، وقد وقع اختياري على الفقرات التالية من إحدى محاضرات فرانكل حول مفهومه عن التداوي بالقراءة، وهي محاضرة عامة ألقيتْ في افتتاح معرض الكتاب في دورته الخامسة والسبعين في فيينا.
في السطور التالية مقتطفات من المحاضرة:
معجزات الكتاب
عندما نتحدَّثُ عن الكتاب بِعَدِّه وسيلة من وسائل الشفاء، ينبغي أن يُفهم كلامنا من منظور سريري طبيّ خالص. لقد احتلَّ ما يُسمَّى «التداوي بالقراءة» مكانة بارزة في علاج العُصاب على امتداد عقود طويلة من الزمان، حيث يُوصَف للمريض قراءة لون معين من الكتب، وليست بالضرورة الكتب غير القصصية، وهي طريقة علاجية تُوجَّه توجيهًا طبيًّا دقيقًا، وتستهدف حالات بعينها. ولئن كان العلاج النفسي مؤسّسًا على الشراكة المتينة بين الطبيب والمريض، فما ينبغي لنا الظن أن هذه الطريقة تستهدف إحلال الكتاب مكان الطبيب، أو إحلال القراءة مكان العلاج النفسي، فهذا تصوّر فاسد، ومع هذا فلا يمكننا أن نستهين بقدرة الكتاب البتة.
بين يَدي وفرة من التجارب الموثقة التي تظهر بوضوح أن مرضى العصاب الذين عولِجوا على أيدي أطباء مختصين على مدار سنوات طويلة دون جدوى، قد استخرجوا من بطون الكتب أساليب وتقنيات في الطب النفسي ساعدتهم على مداواة أنفسهم بأنفسهم، دون اعتماد على أحد، فاستطاعوا تطبيق ما قرؤوه على أنفسهم، وحرّروا أنفسهم من العصاب دون مساعدة خارجية.
ومع ذلك ففرصة التماس العلاج في الكتب تتجاوز الأعراض المَرَضية. على سبيل المثال يستطيع الكتاب أن يصنع العجائب في الشفاء من الأزمات الوجودية التي لا يُكتب فيها النجاة لأحدٍ، وفي حالات كثيرة شهدناها نحن معشر الأطباء النفسيين بأعيننا، استطاع الكتاب المناسب إنقاذ حياة عدد كبير مِمَن كانوا عازمين على الانتحار. وبالتالي، يستطيع الكتاب أن يساعد البشر على مواصلة حياتهم، وأن يساعدهم على الاستعداد للموت. ولا أقصد بكلمة (الاستعداد للموت) تلك الكتب الرائجة التي تحمل عناوين من قبيل (الموت والاحتضار، وما إلى ذلك)، والتي تقارب موضوع الموت انطلاقًا من وصفه عملية إجرائية تجري على مراحل، ويمكن التحايل عليها. وإنما أقصد النظر إلى الموت بوصفه موقفًا مصيريًّا، أعني بوصفه الضلع الثالث من أضلاع المثلث المأساوي للوجود، والمكوِّن من: الموت والألم والشعور بالذنب.
أعرف رسائل كُتبِت على فراش الموت، وأخرى هُرِّبَت من زنازين السجون، وكلها تشدِّد على أنَّ كتابًا واحدًا أو جُملة واحدة في وسعهما تغيير حياة إنسان تغييرًا كليًّا، إما بالقبول والتسليم، وإما بالرفض والتشرنق. وأود هنا الإشارة إلى إمكانية تعظيم الفائدة من الثمار العلاجية المرجوَّة من خلال اجتماع مجموعة من الأفراد لدراسة كتاب أو مناقشته مناقشةً جماعية. وتتوافر تحت يدي وثائق توضِّح حالةً شكَّلَ فيها مجموعة من سجناء السجن المركزي في ولاية فلوريدا مجموعة قراءة جماعية، وما النتائج العلاجية التي أسفرت عنها في النهاية.
واسمحوا لي أن أروي لكم الواقعة التالية. كانت مجموعة القراءة التي أدرسها مكوَّنة من تسعة سجناء، وقد داومت على لقائهم مرّتين كل أسبوع. وهنا لا يسعني إلا القول: إنَّ ما حدث كان معجزة بحق. فما حَدَثَ أنَّ مجموعة من العاجزين اليائسين عثروا هنا على معنى جديد لحياتهم. نعم.. هنا في أشدِّ سجون فلوريدا صرامة وتشدّدًا، وعلى بعد مئات الأمتار من الكرسي الكهربائي، تخيّلوا! هنا من بين كل أرجاء الأرض الدنيا يتحقّق الحُلم. وبطبيعة الحال لم تكن الكتب العلاجية التخصصية ذات نفع كبير. ثمة مواقف تمرّ بالإنسان فيقول: رُبَّ كلمةٍ خير من ألف كلمة، ولا سيما عندما نلجأ إلى كلام أديب عظيم، أو على الأقل هذا ما حدث لي شخصيًّا.
وفي مرة ثانية دعاني مدير سجن كوينتين سيئ السمعة، الواقع بالقرب من ولاية سان فرانسيسكو، لإلقاء محاضرة على السجناء، الذين كانوا مجرمين شديدي الخطورة. وبعد أن أنهيتُ المحاضرة وقف أحد المستمعين وقال: إنَّ السجناء الصادر بحقّهم حُكم الإعدام، والمحتجزين في زنزانة خاصّة، مُنعوا من المجيء والاستماع إلى المحاضرة، وناشدَني الرجل أن أخاطب (السيد ميتشيل) عبر الميكروفون؛ لأنه سيُعدم في غرفة الغاز في غضون أيام قلائل.
انعقد لساني، ومع ذلك لم أستطع ردَّ طلبه. فارتجلتُ كلمة عبر الميكروفون وقلتُ:
«صدقني يا سيد ميتشيل: إنني أتفهّم موقفكَ بوجه من الأوجه؛ لأنني سبق أن عشتُ جوار غرف الإعدام بالغاز مدة من الزمن، ومع ذلك، وأرجوك أن تصدِّق كلامي، لم أتخلَّ قط عن يقيني بأن للحياة معنى وغاية في جميع الأحوال، ومهما كانت الظروف. وعلى الإنسان أن يقرّر: إمّا أن لحياتكَ معنى وغاية، ومن ثمَّ يجب أن تصون هذا المعنى وإن كانت الحياة قصيرة، وإما ألا معنى للحياة برمتها، ومن ثمَّ لا ضير لو انتهت حياة المرء في التوّ واللحظة».
بل إن الحياة التي قد يبدو لنا أننا أهدرناها يمكن أن تكون مفعمة بالمعنى بالتسامي فوق ما هو أبعد من ذواتنا من خلال معرفة أنفسنا.
هل تعرفون ماذا قلتُ للسيد ميتشيل؟
كلّمتُه عن رواية «موت إيفان إيليتش» لتولستوي، وهي حكاية رجل يجد نفسه أمام الموت الوشيك، فينتبه فجأة كيف عاث في حياته فسادًا. وبفضل هذه البصيرة المباغتة يتسامى الرجل فوق ذاته إلى درجة أنه يحاول إضفاء معنى وغاية على حياته التي بدت له بلا معنى، وإن فعل ذلك بأثرٍ رجعي. كان السيد ميتشيل آخر سجين يُعدم في غرف الغاز داخل سجن سان كوينتين. ثمَّ علمت أنه قبيل إعدامه بأيام أدلى بحديث صحفي إلى صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل، وبدا من الواضح أنَّ الرجل قد اطّلع على رواية «موت إيفان إيليتش» وأحاط بها كلمة كلمة، بعد كلمتي إليه.

العالم أمام خيارين
إنَّ نهم الشباب للقراءة معلوم للجميع؛ لأن الشباب يعرف بالفطرة المصادر التي يمكن أن يستمدَّ منها القوة، وإلا كيف نفسِّر ما جرى قبل سنوات طويلة في معسكر اعتقال تريزينشتات؟ (معسكر الاعتقال النازي الذي اعتُقل فيه الدكتور فيكتور فرانكل مع أبويه، وقد تكلّم عنه بإسهاب في سيرته الذاتية «سؤال الحياة». المترجم)
في يوم جُهِّزت عربات هائلة لترحيل نحو ألف شاب إلى معسكر اعتقال (أوشفيتس)، حيث الموت، وفي فجر يوم الترحيل اكتشفنا أنَّ مكتبة المعسكر اقتُحمت في جنح الظلام، وأنّ كل واحد من الشباب المسافر إلى حتفه المحتوم، قد دسَّ في حقيبته دواوين الشعراء المفضّلين، أو بعض الكتب العلمية، وكأنها دليل السفر إلى رحلة الشاب إلى المجهول.
ثم يأتي من يقول: الخبز أولًا، ثم الأخلاق!
لسنا مخلوقات عمياء، بل رُزقنا البصيرة، وليس من الضرورة أن يكون الكتاب ذا نفع وفائدة لكل الناس.
وأخيرًا وليس آخرًا أود الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أننا صرنا متشكّكين إزاء تعميم نتائج الأبحاث العلمية. واسمحوا لي أن أقتبس كلمة لأينشتاين يقول فيها إن العَالِم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يكتب كتابة مفهومة وسطحية وإما أن يكتب كتابة عميقة، لكنها غير مفهومة. ومع ذلك فعدم فهم المكتوب قد يكون أشدَّ ضررًا على القارئ من سوء الفهم، فثمة ضروب من سوء الفهم التي لا تضرُّ أحدًا، من بينها مثلًا ما حكاه الدكتور بينجر، المسؤول عن برامج الصحة العقلية في نيويورك، عن محاضرة إذاعية ألقاها هو نفسه حول ما يُسمّى بالطب النفسي الجسماني، فوصلته رسالة في اليوم التالي من شخص يسأل من أين يمكنه الحصول على زجاجة طب نفسي جسماني.
لكني أرى أن سوء الفهم يكمن في ناحية أخرى، فالعلم الذي يُقدَّم إلى الناس في قوالب مفرِطة التبسيط والابتذال يقودهم إلى إساءة فهم أنفسهم، وإلى تشويه صورتهم عن ذاتهم، والسبب أن ذلك العلم الذي يرتدي رداء الابتذال والضحالة يُقدِّم أنصاف الحقائق، وأرباع الحقائق، وأثمان الحقائق وكأنها حقائق مكتملة واضحة.
نسمع في العادة أن الناس يضجّون بالشكوى من نزوع العلماء إلى الإسراف في الرطانة المتخصصة، مع أن العكس هو الصحيح، فليست المشكلة إغراق العلماء في التخصص، بل في أنّ المتخصصين يعمدون إلى التعميم والتبسيط على نحو مسرف. ولا يخفي علينا جميعًا جهابذة التبسيط المُخِلِّ، أولئك الذين يمتهنون قيمة كل شيء ومحتواه، هذا ناهيك عن «أساطين التعميم» كما أحب أن أطلق عليهم، وهم من ينزعون إلى تعميم كل مسألة وموضوع، وإلا كيف لأعمالهم أن تصل إلى قائمة «الأكثر مبيعًا»، لو لم ينشروا كتبًا ذات محتوى تعميميّ مبتذل؟
ولما كانت الحال كذلك، لا يعود القارئ يرى نفسه إنسانًا تحت تأثير الرأي العام، الذي يُولَد من رحم عناوين الكتب الأكثر مبيعًا، بل يرى نفسه -وأنا أقتبس هنا عنوانيْن من عناوين الكتب الأكثر مبيعًا- «قرد عارٍ»، أو مجرد آلة صمّاء، مُنبتّة الصلة عن الحرية الإنسانية والكرامة. أضف إلى ذلك النزعة العدمية السائدة في عالم اليوم. ولئن كانت العدمية في الماضي تلوك كلمة «الحياة هي عدم ولا شيء سوى العدم»، فإن عدمية اليوم تتمحور حول مبدأ «الإنسان ليس إلا»، وأقصد الترويج لفكرة أنَّ «الإنسان ليس إلا كذا»، فتزعم أن الإنسان ليس إلا مُحصلة علاقات الإنتاج، وليس إلا ثمرة روابط الدم والبيئة المحيطة، وليس إلا نتاج ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وغير ذلك من الترّهات التي لا يعلمها إلا إبليس. في الأحوال كلها يُصوَّر الإنسان في صورة الضحية، أعني ضحية ظروفه وأحواله، بينما هو في الحقيقة صانع ظروفه وأحواله، بل منوط به أن يعيد تشكيلها إذا لزم الأمر.
وأخصُّ بالذكر هنا كتب تبسيط علم النفس المبتذلة التي تقدم إلى القارئ العصابي الأعذار الفارغة والحجج الواهنة على طبق من فضّة، فتُنحي باللوم على المجتمع والظروف، وتعفي الفرد من المسؤولية عن شيء، فلا يعود الإنسان مسؤولًا عن حياته، ولا تعود هناك حرية إرادة. ولنتأمّل معًا الحكمة البليغة التي خرجت من فم مريضة بالفصام حين سألتُها ذات مرة حول مدى شعورها بحرية الإرادة واتخاذ القرار في حياتها، فأجابت: «أتعرف يا حضرة الطبيب: أكون حرَّة الإرادة متى أردتُ، وأكون مسلوبة الإرادة متى رفضتُ، الأمر بيدي».
العدمية المعاصرة
أما إذا انتقلنا إلى العُقد النفسية فأذكر أن مريضًا بعث إليَّ ذات يوم برسالة تقول: «لقد عشتُ طفولة مُعذبّة، ونشأتُ في كنف عائلة مُفكَّكة، وذقتُ الأمرّين في حياتي، ومع ذلك لا أريد أن أسقط من ذاكرتي التجارب المفجعة التي رأيتها، فأنا مقتنع بأنني أدين لها بفضل كبير فيما حققته من إنجازات. أما فيما يخص العقد النفسية، فأقول: إنه ربما تكون عقدة حياتي الوحيدة هي أني مسكون بأهوالٍ نفسية، لكني لم أعد أعانيها».
والحقيقة أن الترويج لمبدأ أن «الإنسان لا شيء سوى كذا»، أو ما يسمَّى بالنزعة الاختزالية ليس إلا وجهًا من وجهي عُملة العدمية المعاصرة، أما وجهها الثاني فهي شيوع النزعة الكلبية الشكوكية، حيث صار من المألوف في عالم اليوم الاستهزاء بالقيم المثالية، والحطّ من قيمة الإنسان، وتشويه مكانته التي أرادها الله. صحيح أنّ الأدب ليس منوطًا بتجميل الحقائق أو التهوين من مرارة الواقع، ولكن ربما يكون خليقًا بالأدب أن يسلِّط الضوء على ما يمكن العثور عليه فيما وراء الواقع، وعلى إمكانية تغيير ذلك الواقع وإعادة تشكيله.
أتقول: إن العالَم في ورطة يا دكتور فرانكل؟ إلى مَن إذًا توجِّه خطابك؟
أقول: إن أحوال العالم ليست على ما يُرام. ومع ذلك جدير بالمستمعين أن يفهموا أني لا أرضى الوقوف مكتوف اليدين، ومسلوب الإرادة أمام هذه الأوضاع، انطلاقًا من موقعي كطبيب نفسي.
ليس عالَمنا مثاليَّا البتة، لكنه مع ذلك قابل للشفاء، والأدب الذي يستخفِّ بقيمة التداوي بالقراءة، ويُسَفّه المشاركة في الحرب ضـد مرض عصرنا الراهن وهو العَدَمية، إنما هو عَرَض من أعراض العصاب الجمعي، وليس شفاءً، والكاتب العاجز عن تحصين القارئ ضـد اليأس وانقطاع الأمل، عليه على الأقل أن يكفَّ عن نقل عدوى اليأس وطاقته السلبية إلى نفوس الآخرين. والسمة المميّزة للعصاب الجمعي اليوم هو الشعور باللامعنى، الذي ضرب أركان العالم، وكما قلتُ ذات مرة لم يعد البشر أسرى الجوع الجنسي كما كانوا على عهد سيغموند فرويد، بل صاروا مُحبطين وجوديًّا، وأمست نفوسهم طافحة بالخواء، وهم اليوم يعانون «شعور النقص» بدرجة أقل مما كانوا عليه في عصر ألفريد أدلر، وتفاقم شعورهم بلا جدوى الحياة، جنبًا إلى جنب مع الشعور بالخواء الداخلي العميق والفراغ الوجودي كما سلفت غير ذات مرة، وهي ظاهرة أصبحت تُطلُّ برأسها في الشرق، ودول العالم الثالث.
وهذا ما أثبته طبيب الأعصاب التشيكي البروفيسور فيميتال، حيث لفت الأنظار في سلسلة مهمّة من الأوراق العلمية إلى حقيقة أنَّ المرض المتفشي اليوم، أي العَدَمية والشعور بلا جدوى الحياة، وخصوصًا وسط جيل الشباب، قد أزال الحدود بين نظامَي العالم الرأسمالي والاشتراكي. ولو أنَّ مستمعًا سألني: كيف أعلِّلُ أسباب نشأة الشعور باللامعنى؟ فلا يسعني إلا القول: إنَّ البشر -على خلاف الحيوانات- لا يمتلكون غرائز توجِّههم إلى ما ينبغي عليهم فعله، كما أنهم يفتقرون إلى تقاليد وقواعد ترشدهم إلى ما ينبغي لهم فعله، كما أنَّ أكثر الناس لا يعلمون ما يودون فعله حقًّا.
فإنسان اليوم إما أن يُقبل على تقليد ما يفعله الآخرون تقليدًا أعمى، وإما أن ينصاع إلى طلباتهم؛ في الحالة الأولى نحن أمام لون من «الامتثال لرغبات الآخر»، وفي الحالة الثانية نحن أمام حالة من «الخضوع لهيمنة الآخر». والحالة الأولى منتشرة في بلاد الغرب، والثانية منتشرة في بلدان الشرق، وإن كان لكل قاعدة استثناء.
أثبتت التجارب الإحصائية أنَّ الشعور بلا معنى الحياة ينتشر بين الشباب انتشارًا واسعًا، واستطاع المهندس المرموق هابينجر أن يحدِّد، استنادًا إلى عينة إحصائية أجريت على خمس مئة شاب من مدينة فيينا، أنَّ نسبة الذين يشعرون بلا جدوى الحياة وانعدام معناها قد ارتفع من ثلاثين بالمئة إلى ثمانين بالمئة في غضون السنوات الأخيرة المنصرمة. أما في الولايات المتحدة فقد استطاع زملائي الأطباء في (جامعة الولايات المتحدة الدولية) إثبات أنَّ تفشّي ظواهر العدوانية والجريمة وإدمان المخدرات والانتحار في العالم يُمكن أن تُعزى بالدرجة الأولى إلى سبب واحد، وهو شعور البشر بلا معنى الحياة، وعبيثة الوجود.

حرب على ثلاث جبهات
كانت حوادث المرور هي سبب الوفاة الرئيس بين الطلاب الأميركيين، ثم جاءت حالات الانتحار في المرتبة الثانية، وتضاعفت محاولات الانتحار إلى خمسة عشر ضعفًا مقارنةً بالسنوات السابقة، بينما لم تؤخذ في الحسبان عدد حالات الشروع في الانتحار غير المُبلَّغ عنها رسميًّا، وحمدًا لله على ذلك.
ومن هنا أقول: يجب علينا نحن الأطباء أن نضع نصب أعيننا الوقاية، وليس العلاج وحده. وفيما يتّصل بالوقاية من الانتحار فأرى أنّ الدعاية والترويج لها ليست نافعة على طول الخط. وحسبي أن أخبركم في هذا الصدد بأن معدلات الانتحار أو محاولات الإقدام على الانتحار انخفضت فجأة في مدينة «ديترويت» الأميركية، لتعاود الارتفاع مجددًا بعد ستة أسابيع، وسبب انخفاض نسب الانتحار أن الصحف أعلنت في تلك الأثناء إضرابًا شاملًا واحتجابًا عن الصدور، فلم يقرأ الناس شيئًا عن الانتحار، وهو ما أدَّى إلى انخفاض نسبة الانتحار.
ليس كل ما يُعرف يُقال. والدليل على ذلك أنني إذا قِستُ ضغط الدم لمريض ووجدت الضغط 160 مثلًا، ثم أخبرت المريض بالحقيقة، فلن يثبت ضغط الدم عند 160، بل سيرتفع في التوّ واللحظة إلى 180، بسبب خوف المريض من الإصابة بالسكتة الدماغية. أما إذا أخبرتُ المريض نفسه، ردًّا عن سؤاله المشوب بالقلق، أن ضغط دمّه طبيعي ولا خوف عليه من شيء، فسيثلج كلامي صدرَه، وينخفض ضغط الدم تلقائيًّا إلى 140.
لنعد الآن إلى شعور الإنسان باللامعنى، ونطرح السؤال الآتي: كيف يمكننا أن نوظِّف «التداوي بالقراءة» للتصدِّي للعُصاب الجمعي المنتشر اليوم؟
في هذا الصدد أنبّه إلى أننا سنحارب على ثلاث جبهات، أقصد أننا سنتصدَّى لثلاثة جوانب لذلك المرض الذي يطبع عصرنا، والجوانب الثلاثة هي: عصاب عطلة نهاية الأسبوع، وأزمة التقاعد، وعصاب البطالة.
في عطلة نهاية الأسبوع، وعندما يتوقّف صخب أسبوع العمل الشاق وضجيجه، يطلُّ الشعور باللامعنى برأسه إطلالةً واضحة، ويسفر عن نوع مميَّز من الاكتئاب يُسمّى (عصاب يوم الأحد)، ويبدو أنَّ هذا النوع آخذ في الارتفاع. فبحسب استطلاع رأي أجري في مدينة ألنسباخ الألمانية، تبيَّن أن عدد الأفراد الذين يشعرون بالضجر من عطلة نهاية الأسبوع في سنة 1952م قد بلغ 26%، وارتفعت هذه النسبة اليوم لتصل إلى 37%.
وينطبق القول بالمثل على أزمة التقاعد، وما يصاحبها من تدهورٍ نفسي وجسماني قوي يطرأ على الأفراد الذين لا يجدون معنى للحياة إلا في العمل وحده، لذا هم عُرضَة للانهيار بعد التحرّر من أعباء العمل والتخلّص من إصر الالتزامات المهنية، فيجدون أنفسهم وجهًا لوجه أمام بحر الفراغ العميق داخل أنفسهم. ومع ذلك فثمة فرصة للتحكم في التدهور النفسي والجسماني عند التقدِّم في السن إذا استطعنا إبقاء الجسد والعقل في حالة سليمة، وهنا لا ينهض الكتاب بدور علاجي وحسب، بل بدور وقائي بالدرجة الأولى.
الحق أقول: إنني لم يسبق أن رأيت عددًا كبيرًا من الكتب المكدّسة فوق مكتب أي إنسان مثلما رأيتُ فوق مكتب الدكتور بيرتسيه، المدير السابق لمصحّة «شتاينهوف» للأمراض النفسية، الذي وافته المنيّة وقد ناهز الحادية والتسعين من عمره، ولم يزل في حالة روحية وبدنية مفعمة بالنشاط والحيوية.
فإذا جئنا إلى الضلع الثالث، وهو عصاب البطالة. وقد شرحتُ تفاصيل ذلك العصاب في بحث نشرته على صفحات مجلة «Sozialärztlichen Rundschau» (النشرة الإخبارية الاجتماعية) سنة 1933م، استنادًا إلى ملحوظات رصدتُها من واقع مشاركتي في حملة «دعم الشباب المحتاج»، التي أطلقها مكتب العمل النمساوي وقتذاك.
في ضوء تلك التجربة تبيَّن أنّ حاجة الشباب لم تكن مادية وحسب، بل روحية بالدرجة الأولى. رأى الشباب أنَّ حياة بلا عمل هي حياة بلا معنى، حيث شعروا بأنّهم عالة على المجتمع، ولا خير فيهم، انطلاقًا من مبدأ أن الإنسان لا يحيا «بإعانات صندوق البطالة» وحدها. على خلاف ثلاثينيات القرن العشرين يمكن إرجاع الأزمة الاقتصادية اليوم إلى نضوب مصادر الطاقة، حيث صُدِم البشر إذ علموا أن موارد الطاقة مُعرّضة للنضوب الوشيك. وآمل ألا يظنّني المستمع أهذي لو جرؤتُ على الادعاء بأنَّ أزمة موارد الطاقة وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي المواكبة تمثّل فرصة سانحة لدعم إرادتنا المحبطة، وحثّها على الإيمان بوجود المعنى والغاية. حيث ستسنح أمامنا فرصة أن نتدبَّر أنفسنا من كثب. ففي عصر الوفرة يملك السواد الأعظم من البشر ما يعيشون منه، وإن كان يعوزهم ما يعيشون لأجله.
ولعل هذه اللحظة تكون لحظة مفصلية لتغيير المنظور، وللتحوّل من التركيز على وسائل الحياة إلى التركيز على هدف الحياة ومعناها. ولئن كانت موارد الطاقة تنضب، فإن المعنى لا ينضب. والحقيقة أنني لا أرى وسيلة تستطيع حَفْز الإنسان للبحث عن المعنى بقدر ما يستطيع الكتاب. ولا أدلَّ على إدراك الناس لأهمية الكتاب لإبقائهم على قيد الحياة في أوقات الكساد الاقتصادي، على الأقل على الصعيد الروحي، من إقبال الناس على اقتناء مزيد من الكتب في البلدان التي تعاني البطالةَ على نطاق واسع. فالكتاب ليس آلة يمكن تشغيلها وإيقافها مثلما نفعل مع المذياع أو التلفاز، بل هو وسيلة يُقبِلُ عليها المرء عن قرار واختيار، فيقرّر أولًا اقتناء كتاب بعينه، أو استعارته على الأقل. مع الكتاب أنتَ تقرأ، وتتوقّف بين الفينة والأخرى لإعمال عقلكَ.
تحت وطأة بيئة العمل المُهدّدة بالتجرّد من الإنسانية، ينشئ البشر من خلال الكتب جُزرًا، لا تتيح لهم فرصة التواصل مع عقول أخرى فحسب، بل تهديهم فرصة التفكّر والتدبّر، وتمنحهم فرصة لجمع شتات النفس، وليس تركها فريسة التشتّت والشرود. فوقت الفراغ الذي يصرفه الإنسان في القراءة لا يساعده على الهروب من نفسه، ومن شعوره بالفراغ، بل يوفِّر له فرصة «العودة إلى نفسه». خلاصة القول: ليس الكتاب قوة طرد للهموم وحسب، بل قوة جذب للترويح عن النفس والتسرية عنها، وهو جوهريّ للصحة النفسية.