«رياض الشعراء في قصور الحمراء»: الكتاب الجامع لأشعار شعراء الأندلس المعمار الشعري في قصور الحمراء
الاحتفاء بصدور كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء»، بتأليف مشترك بين الباحث السعودي الدكتور عبدالعزيز المانع، والباحث الإسباني الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا، يأتي تقديرا لأهمية موضوع الكتاب وصلته الوطيدة بتراثنا العربي والإسباني المشترك، ولقيمته العلمية، لكونه- حتى اليوم- الكتاب الجامع لكل الأشعار التي زينت جدران قصور الحمراء في فتراتها الأندلسية الذهبية وحتى آخر ممالك الطوائف الإسلامية فيها. وذلك على الرغم من صدور عشرات المنشورات والبحوث والكتب التي تناولت الظاهرة الشعرية والفنية المعمارية على جدران الحمراء منذ العصور الوسطى وحتى اليوم، سواء باللغة الإسبانية أو العربية. ويعود الفضل الأكبر فيه لجهود البحث والتقصي، القرائي أو الميداني، التي بذلها المؤلفان على مدى سنوات طويلة.
إرث أندلسي لروح إنسانية عالمية
يمثل الكتاب استجابة علمية وجمالية لحالة فريدة من تداخل الفنون في العصر النصري، حيث غدت الجدران صفحات من الشعر المنقوش كخطاب فني حضاري مستمر حتى اليوم. يتجاوز هذا العمل التوثيق المادي للنصوص المنقوشة، إلى تقديم قراءة تحليلية وسيميائية للنقوش الشعرية من منظور متعدد التخصصات، تشمل الأدب، والتاريخ، والفن، والعمارة. يُعيد الكتاب إحياء صوت الشعراء الأندلسيين الذين خلدوا قصائدهم على جدران قصور غرناطة، تلك المدينة التي كانت بمثابة آخر حصون المسلمين في الأندلس قبل عام الطرد النهائي في 1492. يتسم المنهج المعتمد في الكتاب بالدقة الصارمة في التوثيق والتحقيق، فقد قام المؤلفان بجمع النقوش الشعرية من أماكنها الأصلية داخل الحمراء، مستخدمين وسائل التصوير الحديثة والتقنيات الرقمية لضمان نقل دقيق للخطوط والزخارف والنصوص. وتكمن قيمة هذا المنهج في الجمع بين العمل الميداني والعمل المكتبي، حيث تم التحقق من النصوص المنقوشة بمقارنتها مع مثيلاتها في الدواوين الشعرية والمصادر الأدبية الأندلسية. يشمل التحقيق استخدام مصادر أولية متنوعة مثل دواوين لسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، وابن فركون، وابن الجياب وغيرهم من شعراء العصر النصري، إضافة إلى مصادر معمارية وتاريخية غربية حديثة من الباحثين في الفنون الإسلامية مثل جورج مارسيه، وتوريس بالباس، وبيير غيشار. كما أرفق المؤلفان صورًا فوتوغرافية عالية الجودة للنقوش، مما يجعل الكتاب مرجعًا بصريًا، أدبيًا، لا غنى عنه للباحثين المختصين والقراء في الوقت نفسه.
لا يخفى على الباحثين إن المباني الرئيسية للحمراء قد تعرضت عبر الأزمنة الماضية إلى عمليات متواصلة للترميم والتغيير والهدم وإعادة البناء بدءًا من أواخر سلاطين ممالك الطوائف الأندلسية وحتى دخول الملكين القشتاليين، إيزابيل وفرناندو، الحمراء بعد استسلام غرناطة وطرد العرب منها. وعلى الرغم من التبديل والتشويه الذي رافق قصور الحمراء بعد ذلك، إلا ان السلطات القشتالية التي احتلت الحمراء قد أدركت الأهمية الفنية لتلك المباني وزخارفها الأندلسية الإسلامية فاجتهدت لحمايتها، دون أن تتردد في فترات مختلفة إلى الحذف والتبديل والهدم والتشويه تبعًا للحاجة والفهم والضرورة التاريخية.
يذكر المؤلفان أن قصور الحمراء والكتابات الجدارية العربية قد حظيت باهتمام السلطات وأرشفتها والكتابة عنها. فأولى المحاولات كانت بأمر من بلدية غرناطة عام 1501، إلا أن الوثائق قد ضاعت ولم تصل لنا. تلتها محاولة الموريسكي الغرناطي ألونسو ديل كاستيو مترجم الملك القشتالي بنقل النقوش العربية وترجمتها إلى الإسبانية عام 1564، وهي المخطوطة المحفوظة اليوم في المكتبة الوطنية بمدريد والتي أخرجها للنور مؤخرًا الباحث العراقي الدكتور صبيح صادق. وبدءًا من القرن الثامن عشر وحتى اليوم تتالت الكتب والدراسات عن النقوش وأشعار قصور الحمراء وفاقت العشرات بالعربية والإسبانية، من بينها كتاب المستعرب المعروف لافوينتي القنطرة عام 1859 بعنوان الكتابات العربية لغرناطة، أو كتاب اميليو غوميث باللغة الإسبانية عام 1985 المعنون أشعار عربية على جدران ونوافير الحمراء، أو كتاب صلاح جرار عام 1999 بعنوان ديوان الحمراء، وغيرها الكثير.
استعادة الماضي المندثر
ينقسم كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء» إلى أربعة أقسام رئيسية، ويُسبقها مدخل نظري غني بالمعلومات حول تاريخ الحمراء، وبناتها، والشعراء الذين نقشت أشعارهم، وتاريخ القراءة الحديثة لتلك النقوش. أما الأقسام الأربعة فهي عن أشعار الحمراء الجدارية في مبانٍ ما تزال قائمة حيث يركز هذا القسم على الأشعار التي ما زالت منقوشة على جدران القاعات والغرف داخل قصر الحمراء، مثل: قاعة المشور، قصر قمارش، باحة الرياحين، قاعة الأختين، وشرفة لندراخا.
وتعرض الأشعار مقرونة بصورها ومواقعها وتفسيرها الفني والتاريخي. وفي المقام الثاني تناول الكتاب الأشعار التي نظمت للنقش في مبانٍ قد اندثرت اليوم، وهذا القسم يسلط الضوء على القصائد التي كانت منقوشة في مواقع لم تعد قائمة اليوم، ويعتمد في استعادتها على الوثائق والمصادر القديمة كما هي كتب التراث والموسوعات ودواوين الشعراء وامهات المراجع.
ثم يتناول الباحثان الأشعار التي نظمت للنقش ووردت في الدواوين دون تحديد موضعها الفعلي، ويقدم هذا القسم تحقيقًا للنصوص التي يُعتقد أنها نظمت للحمراء ولكن دون وجود نقش مادي حالي يدل على موضعها. وفي النهاية يركز على روضة الحمراء وأشعار شواهد قبور ملوك بني نصر، إذ يعالج هذا القسم الجانب الشعري المرتبط بالموت والذاكرة، حيث يتم تناول النقوش الشعرية على شواهد القبور والنصوص التي كانت تخلد ذكرى السلاطين والتي كانت شائعة في فترات متباعدة، خاصة من طرف أولئك الشعراء الذين عملوا في دواوين السلاطين والأمراء.
القصائد المنقوشة في قصر الحمراء ليست مجرد نصوص شعرية على جدران، بل هي جزء لا يتجزأ من التصميم المعماري. تتناغم الكلمات مع الزخارف الهندسية والنباتية والخطوط الكوفية والنسخ والأندلسي لتخلق تجربة بصرية شعرية فريدة. كل عنصر من عناصر ذلك المعمار الأندلسي كان يحمل معنى ومغزى خاص بحضوره؛ فالنافورة ليست فقط للزينة بل ترمز للنقاء والفردوس، والآية الكريمة أو البيت الشعري المنقوش فوقها يعزز هذا المعنى ويمنحه بعدًا روحيًا وجماليًا. في قاعة الأختين، على سبيل المثال، نجد شعرًا في وصف القبة الفلكية المزخرفة، يصفها الشاعر وكأنها سماء ثانية نُسجت بالخيوط الذهبية، وهي لابن زمرك:
هذي القِسي تشابهُ الأفلاكا
من صنع منْ قد شرَّف الأملاكا
وكأنما إبريقها ملكٌ وقد
نظم المديح بتاجه أسلاكا
فانظر جمالًا يستفزُّ ذوي النُهى
إن كنت تهوى غيره أسلاكا
أو في باحة الرياحين، حيث الزهور والماء، ينقش الشعر الذي يمجد الجمال الطبيعي والعمراني معًا:
هذه الدار جنةٌ للخلود
في سرور مواصلٍ وسُعُود
هذا الاندماج بين الفن والشعر، بين الطبيعة والبناء، يمثل ذروة النضج الحضاري للأندلسيين. لقد لعبت هذه الأشعار دورًا محوريًا في إبراز هوية الدولة النصرية أو الأندلسية عمومًا، التي سعت إلى تقديم نفسها كحامية للفنون وراعية للشعر وضامنة للاستقرار ومهابة الدولة الإسلامية أو ما تبقى منها. لم تكن القصائد منقوشة فحسب، بل كانت تؤدى شفويًا في حضرة السلطان، مما يعكس ثقافة تذوق عالية للنصوص. كما أن النقوش نفسها كانت تُجدّد في بعض الأحيان، بما يعكس تطور الأذواق وتغير العصور. ومن الملاحظ أن غالبية القصائد كتبت بصيغ المدح والتبجيل، لكنها لم تكن تخلو من وصف الطبيعة، والتأمل في الخلق، والفخر بالإنجازات العمرانية. وهذا يعكس العلاقة الجدلية بين السلطة والرمزية الثقافية التي سعت الدولة إلى تعزيزها في وجدان العامة والنخبة على حد سواء.
من التزيين إلى التعبير عن الهوية
قدّم الكتاب مجهودًا غير مسبوق في مقارنة النصوص المنقوشة مع نظيراتها في المخطوطات والكتب الأخرى. هذا التمحيص أظهر أحيانًا تغييرات في الكلمات أو الألفاظ، قد تكون ناتجة عن أخطاء النقاش أو تطورات لغوية أو من صنع المؤرخين. مثلًا، في بعض النقوش الواردة في قصر قمارش، نجد اختلافات طفيفة في الضمائر أو تصريف الأفعال، مما يطرح تساؤلات حول مدى تدخل النقاشين في تحرير النصوص، أو اعتمادهم على روايات شفوية. وقد وثّق المؤلفان كل هذه الفروقات بدقة، مع توضيح سياقاتها واحتمالاتها، مما يفتح الباب أمام دراسات نقدية جديدة تتناول الفروقات بين النص الشفوي والمادي والمكتوب. يُعد هذا الكتاب توثيقًا حيويًا لذاكرة مهددة بالاندثار. فالنقوش معرضة للعوامل الطبيعية والبشرية، والكثير منها قد يختفي بفعل الزمن أو الإهمال أو الترميم غير الدقيق.
ومن هنا تنبع أهمية هذا العمل الذي وثق ما يقرب من مئة نقش شعري، ووضعها في سياقها الجغرافي والفني والتاريخي. كما يسهم الكتاب في تعزيز الوعي بأهمية التراث الإسلامي في أوروبا، ويوفر مادة علمية يمكن استخدامها في مشاريع تعليمية، أو سياحية، أو بحثية، تسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية في الأندلس.
من أبرز ما يلفت النظر في الكتاب ورأي المؤلفين فيه هو الإحساس الجمالي العالي الذي واكب عملية اختيار النصوص الشعرية لنقشها، وتوزيعها على أماكن معينة في القصور. فكل قاعة، وكل نافورة، وكل طاقة جدارية، تحكي قصة من خلال القصيدة التي تتزين بها. وهنا تبرز براعة المؤلفين في الربط بين البنية المعمارية للنقش وسياقه الفني والأدبي. لقد تجاوز النقش هنا وظيفته التزيينية ليصبح تعبيرًا حضاريًا مركبًا؛ فالمكان ليس مجرد خلفية للقصيدة، بل يتحوّل إلى عنصر من عناصر بنائها الجمالي. ولا شك أن وجود صور للنقوش إلى جانب نصوصها يعزز من قدرة القارئ على تذوق هذا التفاعل العميق بين الشعر والعمارة.

كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء» هو رحلة في عمق الذاكرة الأندلسية، حيث يتقاطع الشعر مع الحجر، والجمال مع التاريخ. يقدم هذا العمل رؤية شمولية لفن النقش الشعري بوصفه عنصرًا مركزيًا في الثقافة الأندلسية، ويعكس فهمًا عميقًا لوظيفة الفن في التعبير عن الهوية والسلطة والجمال. لقد قدّم المؤلفان خدمة جليلة للتراث الإنساني، وفتحا بابًا جديدًا أمام الأبحاث متعددة التخصصات التي تجمع بين الأدب، والتاريخ، والفنون البصرية، والعمارة. والكتاب دعوة للتأمل والتقدير والبحث المتواصل في كنوز التراث الإسلامي التي لا تزال قادرة على إلهام العالم. وهو شاهد على تمازج الشعر بالمعمار، والتاريخ بالجمال، والعلم بالفن.
هذا العمل البديع هو ثمرة تعاون ثقافي وأكاديمي بين علمين من أعلام الفكر والفن: الأستاذ الدكتورعبد العزيز بن ناصر المانع، الباحث المعروف في مجال الأدب العربي الأندلسي، والحاصل على جائزة الملك فيصل، والأستاذ الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، المتخصص في فنون العمارة الإسلامية وعضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة. يمكن القول إن كتاب «رياض الشعراء في قصور الحمراء» لا يُعدّ فقط وثيقة شعرية أو معمارية، بل هو مشروع ثقافي متكامل يُعيد ربط الماضي بالحاضر من خلال الشعر، والحجر، والصورة، والبحث العلمي. إنه عمل يتجاوز الوظيفة الأكاديمية ليصبح جسرًا بين الحضارات، ونداءً لحفظ التراث الأندلسي كأثر إنساني يتجاوز حصره في فئة أو عقيدة ليصب في متن الحضارة العالمية أجمع.
إن الخروج بهذا الكنز المعرفي ونشره ضمن منشورات جائزة الملك فيصل، بالتعاون مع لجنة إدارة الحمراء وجنات العريف، وبطباعة أنيقة وعالية الجودة ضمن منشورات دار آديلوكس الإسبانية، هو ثمرة سعي الباحثين إلى للتأكيد على عالمية الآثار الأندلسية وصلتها بالثقافة والحضارة الإنسانية دون تمييز. ويهدف هذا العمل إلى تقديم طبق فني شهي من أجمل ما تركه الإنسان من أشعار منقوشة على جدران وحدائق تاريخية.
إن «الحمراء هو القصر الشعري الوحيد القائم في عالمنا اليوم»… هذه المقولة التي يثبتها الكتاب، لا تُقال مجازًا، بل تستند إلى دراسة علمية دقيقة، وشهادة شعرٍ ما زال ينبض بالحياة فوق الجدران، وهي الجدران نفسها التي يحتفي بها أبناء المدينة والزوار والسياح الذين يفوق عددهم الملايين للتمعن فحسب بروعة الفن وجمالية الكلمة الشعرية التي لا تموت على الرغم من مرور قرون طويلة على وجودها.