«هند أو أجمل امرأة في العالم» لهدى بركات النهر الذي ليس بنهر
«هذا وهم… وهم ما ترينه. قال أبي لأمي التي رفعت كفها فوق عينيها تتقي الشمس ناظرة إلى البعيد». بهذا الوهم افتتحت هدى بركات روايتها «حارث المياه» (1998م). وليس جديدًا في كتابة بركات استكشاف الوهم: وهم الانتظار في رواية «حجر الضحك» (1990م)، وهم الحب، وهم التحقق في «أهل الهوى» (1993م)، وهم السِّلم، وهم الحياة، وهم الرحيل، وهم الوصول في «بريد الليل» (2018م)، وأخيرًا وهم المدينة التي ليست بمدينة؛ لأنها تحيا في حالة إنكار متواصل يشتغل على الذاكرة وينهل منها بقاءه. وفي 2024م تعود بركات في رواية «هند أو أجمل امرأة في العالم» (بيروت: دار الآداب) الفائزة بجائزة الشيخ زايد لهذا العام لتحفر مجددًا في منطقة وهم المدينة الحاضرة في الذاكرة، ووهم حياة كانت ولم تعد، وهم النهر الذي ليس بنهر.
تقدم ذاكرة هنادي حياة عريضة، تسمح برؤية الإنسان عاريًا في ضعفه ومرضه، في نهمه وكرمه، في تضامنه ونفوره، والأهم هو حب الإنسان الغريزي للحياة بالرغم من أن تتبع مسار حياة هنادي لا يمكن أن يقدم بارقة أمل وحيدة، لكنها براعة النص وكيفية تلقيه هما ما يكشفان هذا الحب.
هوامش المدينة
ماتت هند الابنة الأولى وجاءت هنادي بجمال يحيل في وصفه إلى ملمح أسطوري. تتصاعد أسطورة جمال هنادي لكن الكاتبة تجذبها بعنف وبشكل غير متوقع نحو الواقع. تُصاب هنادي بمرض الأكروميغاليا، وهو اضطراب هرموني يؤدي إلى ضخامة الأطراف. لا تتحمل الأم بشاعة ابنتها، فهي بشاعة تقضي على وهم استعادة هند الميتة، فتحبس هنادي في علية المطبخ. ومن تلك العلية تتابع هنادي حياة الأم وتشفق عليها وتتفهم حزنها، لكنها تقرر أن تهرب من ذاك الحبس، لتنتهي في باريس شبه مشردة. ثم تصبح فعليًّا مشردة إلى أن تعود إلى بيروت في شكل مسخ. تكتب بركات هوامش المدينة من منظور عابر للحدود، حيث هوامش بيروت لا تختلف كثيرًا عن هوامش باريس. تعلن هنادي مباشرة «لم أعد إلى هذه البلاد حبًّا أو اشتياقًا». بل بسبب أن أرض الله الواسعة لفظتني. وجدت نفسي على الرمل، عند حافة الموج كالحيتان النافقة». بهذا المفتتح يتحول التهميش ومعه الغربة القسرية، ثم الاغتراب والعيش على الحافة إلى الخيط الناظم لبنية النص. وعلى الجانب الآخر، تنبني بنية النص من الذاكرة وهو ما يسمح بتتبع مسار ومآل شخصية هنادي.
بازدياد تعملق هنادي تزداد أفكارها اتساعًا، وهنادي لديها الكثير الذي يسمح بمتتاليات من تداعي الأفكار؛ إذ إنه في أثناء حبسها في علية المطبخ لم يكن لديها أي شيء تفعله سوى القراءة العشوائية. بهذا تمنح الكاتبة شخصية هنادي اكتفاءً ذاتيًّا، بمعنى أنها لا تحتاج إلى كثير من الأحداث ليتقدم النص، بل يكفي أن يبدأ العقل في إنتاج أفكاره الممزوجة بمشاهد من الذاكرة تحديدًا عن الأم وعن فرانسوا (أو رشيد) الذي عاشت معه هنادي في باريس. لا تتحدث هنادي عن مدينة بيروت المعطوبة، أو باريس غير المرئية، لكنها تتحدث عن مرضها وكيف يعوقها آلام المفاصل عن الحركة، تتحدث عن نهاية أمها بداء الزهايمر، وتتحدث عن فرانسوا المعطوب أيضًا ويضطر إلى السير بعكاز، حتى إنها تستعيد ما قالته له من قبل: «الغربة عطب. والغربة إعاقة. أنا معطوبة وأنت معوق، معطوبان ومعاقان من زمان، فما الذي استجد؟» وكأن تضخم أطراف هنادي يفيض عن قدرتها، فيغلف كل من حولها بعطب ما. عند العودة إلى بيروت تسترد هنادي بيت الأم لتجد أن به قطة معطوبة أيضًا: عوراء وعرجاء.
لا يضرب العطب الماضي فقط، بل ينسحب على الحاضر، وتتحول المدينة إلى دال ومدلول. فهي الدال على العطب في الحياة اليومية من انقطاع الكهرباء وأزمة البنوك وانتشار الجريمة، وهي مدلول تدهور صحة هنادي والقطة زكية في الوقت ذاته. تفقد المدينة يومًا بعد يوم روحها؛ تفقد هنادي نبيل -الذي ارتاحت له كثيرًا- بشكل ملغز، تفقد زكية في لحظة عنف قرب نهاية النص، تمامًا كما فقدت لغتها الفرنسية في باريس فاضطرت إلى العودة لبيروت، ثم عادت لتفقد لغتها العربية في بيروت أمام المحقق. تتضخم أطراف هنادي فتتضخم أشكال الفقد، يزداد المسخ، ولا تتوقف تداعيات الأفكار الخاصة بالبحث عن أي جذر أو فرع تستند عليه الذات. فلا قبر الأم معروف مكانه ولا هوية الأب معروفة ونبيل اختفى من دون سابق إنذار وأم منصور التي كانت تسكن في الشقة المقابلة لها عادت إلى بلدها (نسيت هنادي أن تسألها عنه).
وكأن هروب هنادي من علية المطبخ لم يكن هروبًا من الأم، بل هروبًا نحو الأم. فتبقى شخصيتها حاضرة بقوة في الذاكرة وحكايات الطفولة وشخصيتها المختلفة عن السائد، وقدرتها على المجاهرة باختلافها مع المؤسسة الدينية، لكنها أيضًا الأم -وهو أمر ينطوي على مفارقة- التي لم تتحمل رؤية أطراف ابنتها تتضخم فأزاحتها من مدى رؤيتها. هي الأم الغائبة أيضًا، غابت عن حياة هنادي وغاب مكان قبرها، وغاب مشهد نهايتها. إذا كانت رحلة هروب هنادي من الأم اتخذت المسار العكسي فسلطت الضوء أكثر على الأم، فهي أيضًا رحلة هروب أدت إلى تبادل الأدوار بين المدن بسلاسة. تحول هروب هنادي إلى تقنية درامية أدت إلى استعراض هوامش باريس ثم هوامش بيروت، هروب يؤدي إلى كشف المستور والقبيح والمهمش والمهمل والمظلم في المدن، دوائر الفقراء والمشردين والمهاجرين التي تبقى مخفية قسرًا ومُبعدة من متن المدينة. وفي حين تُستعاد هوامش باريس وفرانسوا من الذاكرة تبقى بيروت هي الحاضر الذي تتعملق فيه هنادي.

ثيمة الفقد
من البراعة الروائية ألا يتحول الأمر إلى مقارنة بين باريس وبيروت، بل في لحظة تتحول المدينتان إلى وجهين لعملة واحدة. لم تقع بركات في فخ تكرار وتشابه الأحداث في المكانين، لكنها جعلت من الأفكار هي الخط الناظم لرؤية كل مدينة. في كل مدينة رسمت بركات العوالم المظلمة التي يتكدس فيها البائسون والمنبوذون، وهي عوالم يظهر فيها التضامن الذي لا يهتم كثيرًا بالحدود الجغرافية أو الأديان أو الجذور، هو تضامن إنساني بحت. في باريس ظهرت جلوريا الترانس التي تعمل في ملهى ليلي (وهي أصلًا شاب اسمه عبدول من نيجيريا) لتنقذ هنادي من الضياع في شوارع باريس، ثم ظهر فرانسوا أو رشيد الذي عاشت معه هنادي مشاعر الحب. ثم كانت اللغة الفرنسية هي الدرع القوي الذي منح هنادي الحد الأدنى من الإنسانية عبر قيامها بالترجمة في أحد المستشفيات. في بيروت -حيث تركت لها الأم مصدر دخل ثابت- كانت أم منصور جارتها بمنزلة الأخت، ثم نبيل -الذي يعمل في تصليح السيارات- ثم أحمد الباكستاني صاحب محل الإنترنت. تظهر بوضوح أيضًا ثيمة الفقد في كل مكان، فقد المكان وناسه، فقد الآمال الكبيرة أو الصغيرة، فتدرك هنادي مثلًا أن والدها هرب إلى إسرائيل وتزوج هناك وأنجب ابنًا يعيش في أميركا. تؤدي كلمة «إسرائيل» التي ذُكرت في مقهى الإنترنت إلى إلقاء القبض على هنادي وأحمد. ومرة أخرى تفقد هنادي لغتها العربية أمام المحقق في بيروت.
يتراكم الشجن والحزن طبقات كثيفة في قلب هنادي، وتتكدس فقراتها، فيبدأ الجسد في اتخاذ مسار عكسي، بدلًا من التعملق تبدأ مظاهر القِصر في الظهور عليها، وبفقدان القطة زكية تبدو الرحلة العكسية قد اقتربت من نهايتها. تفقد هنادي واحدًا تلو الآخر بالرغم من رؤيتها الزائفة عن نفسها. تقول بثقة: «لم أشعر مرة بغصة لوداع أحد. لم أحن يومًا لمن تركني. لم أشعر يومًا بخسارة من تركته. قلبي ينسى بسرعة، وجلدي لا يحتفظ ببصمات الناس كأنه من مادة سائلة. فأما امرأة قديمة لكن لا ذاكرة لي؛ لذا أملك قدرة جبارة على المحو، قدرة مذهلة تحيرني أنا نفسي».
تؤكد جدلية غياب/ حضور الأم عدم صحة رؤية هنادي لذاتها بما يجعل أفكارها تلك مجرد وسيلة دفاع تمنشيرحها القدرة على مواصلة الحياة. ثم تعبر عن اشتياقها للقطة زكية مباشرة، وعند هذا التصريح عن الاشتياق يعود النص إلى النقطة/ المكان الذي بدأ منه: «حافة هذا النهر الذي ليس نهرًا في شيء»، وصارت هنادي تتمنى أن تبقى «على هذه الحافة التي لا تعجب أحدًا ولا يتردد إليها أحد، والأهم أنها ليست لأحد». لكن هنادي كانت دائمًا على الحافة، بل إن كينونتها تشكلت على الحافة بين الشيء ونقيضه أو الشيء وشبيهه الزائف، الوجود والفقد، الهروب والعودة، التعملق ثم التقزم، الجمال والقبح، باريس وبيروت، وأخيرًا حالة لا تشبه الرحيل ولا الوصول:
«تركت هذه البلاد من دون أن أصل إلى البلاد الأخرى، وها أنا أعود إليها فلا أجدها. الحقيقة أني لم أغادر أحدًا، ولم أجد أحدًا يستقبلني حين رجعت. بقائي هنا على هذه الحافة بالذات يبدو لي فكرة ملائمة». قد تكون هنادي الآن هي فعليًّا أجمل امرأة في العالم.