«نازح في مكاني» لنبيل القانص الشعر كأرشيف للذاكرة
منذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2014م، أصبح النزوح الداخلي والخارجي سمة يومية، وبدت الذاكرة الجماعية نفسها مهدَّدة بالمحو تحت ضغط القصف والتشظي الاجتماعي. في مثل هذا السياق، ينهض الشعر، لا كفنّ جمالي فحسب، بل كملاذ للذاكرة وأداة مقاومة ضد النسيان، مؤكِّدًا مكانته التاريخية بوصفه «ديوان الهوية» وسجلّ التجربة الوطنية.
فقد حوّل عبدالله البردوني (1929-1999م) القصيدة إلى أرشيف للذاكرة الوطنية وفضاء للوعي النقدي، بينما وسّع عبدالعزيز المقالح (1937-2022م) أفق القصيدة الحديثة لتشمل أسئلة الهوية والحداثة والذاكرة الجماعية.
أما جيل ما بعد الألفية، فيقدّم في صوت نبيل القانص (مواليد 1986م) تجربة مغايرة، حيث تتقاطع الحرب والصدمة والنزوح لتشكّل محاور أساسية للقول الشعري. وبعد مجموعاته الأولى التي رسّخت حضوره، جاء ديوانه الأخير «نازح في مكاني»، كذروة نضجه؛ إذ تتوزع قصائده العشرون جميعها بعنوان «النزوح»، بوصفها شذرات للذاكرة الممزقة وشهادة شعرية على حاضر يمني جريح.
يطرح هذا المقال سؤالين رئيسين: كيف يتحوّل ديوان «نازح في مكاني» إلى فضاء لحفظ الذاكرة في زمن النزوح؟ وكيف ينجح القانص في تجاوز البعد الفردي ليؤسس ميثاقًا تذاكريًّا يشرك القارئ في حمل الذاكرة الجماعية؟
المفارقة الوجودية للنزوح
يضعنا عنوان الديوان أمام مفارقة وجودية عميقة: أن يكون المرء نازحًا وهو ثابت في مكانه. هنا يصبح النزوح حالة داخلية، حيث يتحول الوطن نفسه إلى منفى. هذه الرؤية تفتتح قصيدة النزوح 1 بسؤال يتكرر: «ما الجديد؟»؛ سؤال يختصر الخيبة وغياب الأفق. القلب يبحث عن ثمر ولم يجد موسمًا للكروم، في إشارة إلى غياب الخصوبة والحياة عن اليمن.

نبيل القانص
يتحوّل الجرح في النص إلى وصية يومية: «أوصيكِ أن تفتحي الجرح كل صباح». لم يعد الألم عارضًا، بل شرطًا للذاكرة؛ إذ يصبح فتح الجرح فعل مقاومة ضد النسيان. الرموز الصغيرة -المنجل الأثري، كسرة الخبز، شتلة البن- تُبنى كأرشيف شعري حي، يحفظ أثر الحياة تحت الحصار. فالأشياء البسيطة تتحول إلى متحف ذاكرة، يواجه بها الشاعر خراب الحرب.
الحزن عند القانص ليس استسلامًا، بل «حزن نبيل» يحوي قوة رمزية، يحرسه «سور أزلي» وتضيئه «نسرينة مستديرة». أما النهاية فتؤكد الأمل المشروط: «نحن نكفي… لا بد أن نجدف في النفق الزمني». إنه إعلان قدرة على المقاومة، رغم القسوة. بهذا، تكثّف قصيدة النزوح 1 جوهر الديوان: جرح يتجدد ليبقى حاضرًا، وذاكرة تدور بلا نهاية. القارئ نفسه يُستدعى شريكًا في هذا الطقس، فيتحقق بذلك الميثاق التذكّري بين النص والمتلقي.
من الجرح الفردي إلى الأرشيف الجماعي
إذا كان الأرشيف الرسمي يوثّق الأحداث ببرودة، فإن الشعر في زمن الحرب يصنع أرشيفًا حيًّا، يحفظ الانفعال والذاكرة الشعورية. في ديوان «نازح في مكاني» يتجلّى هذا البعد خصوصًا في قصيدتي النزوح 1 والنزوح 11. في الأولى، يتحول الجرح إلى طقس صباحي يُعاد فتحه كي يبقى حيًّا، فيما تتجسد الذاكرة في رموز بسيطة مثل المنجل وكسرة الخبز. لكن في النزوح 11 يتوسع المشهد: «سوف أحفظ أسماءكم لاحقًا، ربما بعد أن تنتهي المعركة…». هنا يتأجل التذكر بفعل الصدمة، وتتحول الذاكرة إلى شظايا مؤجلة. الخطاب لم يعد فرديًّا بل موجَّهًا إلى جماعة: «كلكم»، وكأن الذاكرة صارت مسؤولية جماعية.
إلى جانب ذلك، تظهر صورة «الليمونة الذهبية» كرمز للحياة المؤجلة: ثمرة ناضجة أمام العين لكن جنيها غير ممكن. هذه الاستعارة تكثّف وضع الجماعة اليمنية، حيث الأمل قريب وبعيد في آنٍ واحد. ويبلغ النص ذروته حين يعترف الشاعر بنفاد «المخزون اللغوي»، إشارة إلى أن اللغة نفسها قد تعجز أمام ثقل الصدمة. على الرغم من التفكك، فتظل الأشياء الصغيرة -ثمرة ليمون، كلمات متقطعة، أنفاس- حواملَ للذاكرةِ في هذا الأفق، لا يبقى القارئ متفرجًا، بل يُستدعى كشريك في عملية الحفظ؛ ليتحقق مجددًا الميثاق التذكّري الذي يجعل الشعر شهادة جماعية في مواجهة النسيان.
من الذاكرة المجروحة إلى الميثاق التذكّري
في قصيدة النزوح 16 يبلغ المسار ذروته: يبدأ النص بعزلة مطلقة «وكأني لوحدي» حيث يتكرّر القلق كلما «احترقت جنة» وتفرّق جمع الأيادي. النزوح هنا لم يعد فقدًا للأرض وحدها، بل خسارة للجماعة وانطفاء الروابط. يتجلّى السؤال الوجودي في عبارة: «ما صفتي في سراب حزيران؟». فالهوية نفسها تبدو مفقودة في زمن عقيم، بلا شمس ولا ثمار. تتكثّف هذه العزلة في صورة الإنهاك: «سئمت التنفّس دون مفاجأة»، حيث يغدو العيش مجرد آلية خاوية. حتى اللغة تبدو عاجزة عن إعادة الخيوط «الممسوحة من مكان الجريمة».
وعلى الرغم من هذا الانطفاء، فينهض النص بآخر ما يمكن التمسك به: إعلان البراءة. يتكرر القول: «إني بريء» كتوكيد شعري، ليس مجرد اعتراف فردي، بل وصية موجّهة إلى القارئ؛ كي يحملها بدوره كشهادة. بذلك يتحول الصوت الذاتي إلى شهادة جماعية، ويلتزم القارئ بميثاق أخلاقي: حفظ البراءة والذاكرة معًا. أسلوب القصيدة المدورة، بانكساراته وتدفقه المستمر، يعكس هذا الزمن الممزق، حيث لا نهاية واضحة للنفق. وهكذا، يشكّل النزوح 16 الخاتمة الوجودية لمسار الديوان: من الجرح الفردي (النزوح 1)، إلى الأرشيف الجماعي (النزوح 11)، وصولًا إلى وصية الذاكرة المطلقة في عزلة النازح.
تظهر قراءة ديوان «نازح في مكاني» أنّ تجربة نبيل القانص تتجاوز حدود الشعر الغنائي لتتحوّل إلى وثيقة تذكرية. فالقصائد لا تُكتب من أجل التعبير الذاتي وحده، بل لتؤسس عقدًا مع القارئ يقوم على حفظ الذاكرة المهدَّدة بالمحو. في النزوح 1، يتجسّد الجرح كطقس يومي يعاد فتحه كي يبقى حاضرًا، وتتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى أرشيف شعري حي يحفظ الأثر من الضياع. أما في النزوح 11، فإن الذاكرة تتسع لتشمل الجماعة، لكنها تظهر مفككة ومؤجلة، حيث اللغة نفسها تبدو على وشك النفاد. هنا يصبح الشعر متحفًا للشظايا اليومية، ويستدعي القارئ كشريك في الحفظ. وفي النزوح 16، تبلغ التجربة أقصاها: عزلة وجودية، فقدان الهوية، وانطفاء اللغة، لكن النص يتشبّث بآخر ما يمكن إنقاذه -إعلان البراءة- ليحوّله إلى ميثاق أخلاقي ملقى على عاتق القارئ.
بهذا، يتضح أنّ القانص يبتكر شكلًا شعريًّا للذاكرة الممزقة، حيث تتحوّل الصدمة إلى أرشيف حيّ، ويتحوّل النزوح إلى خطاب وجودي مفتوح. فالقصيدة المدورة، بتدفقها اللانهائي، تعكس تجربة النزوح بلا اكتمال، فيما يرسّخ الديوان مكانة الشعر كميثاق تذاكـُري يربط الكاتب بالقارئ في مواجهة النسيان.
المراجع:
– نبيل القانص، «نازح في مكاني»، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب.
– فيليب لوجون، «الميثاق الأوتوبيوغرافي» باريس: دار سوي.
– دومينيك لاكابرا، كتابة التاريخ، كتابة الصدمة، بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز.
– ستايسي سودرستروم، الشعر كأرشيف حي.