لعَلِّي وُلِدْتُ مُتَخَلِّيًا

لعَلِّي وُلِدْتُ مُتَخَلِّيًا

حسب نيتشه – نبلاء أوربا في العصر الحديث يَتَخَلَّون عن العمل في السياسة، ويعملون في التجارة.

– وكذلك نبلاء العرب في العصر الحديث؛ منهم من يَتَخَلَّى عن السياسة ويعمل في التجارة، ومنهم

كنبلاء عرب بلاد الأندلس؛ يتخلون عن السياسة، فيعشقون الفن!

– أسمهان

– فريد الأطرش

– أحمد فضل «القُمِنْدان» (1881– 1943م) أحد أمراء سلطنة لحج في اليمن، تخلى عن السياسة وأسس وقاد فرقة موسيقية.

* * *

في كُلِّ امْتِنان تَخَلٍ

ممتن لأمي؛

وهي تموت تُذَكّرُني بنبل الموت:  تَخَلٍّ لضيف آخر آتٍ.

* * *

ممتن لجدتي؛ لأنها عَرَّفَتْني ببراءة السرد: قهقهة ذاكرة تتخلى عن الحقد.

* * *

ممتن لحبيبتي؛

نبهتني بلا قصد إلى مُسَاوَاةِ التخلي: تَنَفَّس.

– وهي معي، تَنَفَّسَت في سبع صفحات،

– وهي تَتَخَلَى عني كَتبْت لها

أنفاسي!

* * *

ممتن للحرب؛ جعلتني لا أتخلى عن الوظيفة فقط، بل عن الحرب!

* * *

مُمْتَن «لتمارين الإعجاب» – أحد كتب سيوران –

يُعَلَّم بِلا قَصد

كيف تتخلى عن المسبق: ادْهَش لا غير.

* * *

ممتن

للأشجار والنبات البري،

للجبال والصخور؛

كَوْنها – في لحظة تَمْتص حزني!

* * *

لا تزال «الخِتْمَة» تسحرني

على فترات،

شُغِفْت بالكتب؛ ولكن خِلالَها مَسَّني سِحْر.

رغم أني لَمْ أخْتِم كُل القرآن، إلا أن «الخِتْمَة» (اسم آخر للقرآن غير المصحف) كانت ولا تزال تسحرني.

* * *

حين راجعت مفردة «الخِتْمَة» في معاجم اللغة وجدت الخاء بالفتح؛ وكنت قد كتبته بالكَسْر؛ فتركتها كما كتبها جسدي- لأن النَّبْر جسد وليس مجرد تشكيل كلمات. وكذلك أيضًا لأن الكَسْر أقرب -حسب اللغويين- إلى «لغة أهل اليمن»: لغتي.

* * *

في رمضان

كان أقراني يفتحون خِتمهم وأنا أُغلق «خِتْمَتي».

– كنت أجلس أتأملهم وكبار السن، وهم في قرفصاء جالسون يقرؤون «الخِتْمَة»– حيث كانت على أريكة ركبهم تهتز مع حركة جسدهم.. ومن وقت لآخر أسمع حشرجة الصفحات!

أبي أيضًا

في كل رمضان كان يهتم «بالخِتْمَة»؛ ولكن لم يكن يهز جسده أثناء القراءة؛ إنما يقرأ بصوت جهور.

وأيضًا

في كل رمضان يشير بسبابته نحوي مستفهمًا ومحذرًا في هدوء وبنفس جملته القصيرة – كأنها إجابة: «خِتْمَتَك؟».

وما إن أسمع نبرة جملته حتى أطيع وأتخلى عن عنادي -الطاعة تخلٍّ أيضًا- وأحمل (أخطو) مسرعًا نحو الخلوة؛ لِأَجْلِب «الخِتْمَة». ومِن على عَتَبَةِ باب دخول الخلوة، أرى «الخِتْمَة» وهي مَحطوطة على الرَّف، كطفل في سُباتِ نَومٍ عميق. وبهدوء، أَحْمِل «الخِتْمَة»– أحْمِل ثُقْلها وأخطو تِجاه أبي، لِأجْلِس بِجانبه. ومِنْ ثَمَّ مِنْ أي مكان (البداية أو النهاية أو الوسط) وعلى أي سُورَة -لا يهم- أفتح الختمة وأقرأ بعض الجمل في تَمْتَمَةِ صوت مُنْخفِض. وحتى ينشغل أبي أعود بها إلى حيث كانت؛ إلى الرَّف. وبِهُدوء أحُطها من حيث حُمِلَت. وبهدوء أيضًا، وفي بضعٍ من الوقت أظل أتأمل لون غلافها الرمادي.

– حيث كانت تبدو لي كُومَة أوراق جميلة،

ما إن تُغلف في كتاب حتى تنام، وما إن تُفتح تتطاير كجمر..

* * *

أخي ودَكَّة كتبه

لاحقًا،

وأنا صَوب حياة المراهقة، كبرت وكبر معي التَخَلّي.

كان أخي الأكبر مثقفًا يساريًّا -ولا يزال- في غلاف فنان.

وذكرى عودته من السعودية باقية كلون فجر اليوم.

– نمت وأنا أنتظر يوم وصوله من السفر؛ حيث وصل في مساء متأخر.

وفي صباح اليوم التالي، رأيته وسلمت عليه، ثم أخذت في تأمل شعر رأسه وملبسه. فرأسه كان كشجرة بفروع كثيفة الأوراق.

أما ملبسه (موضة ملابس سبعينيات القرن الماضي) كان مختلفًا. غير أني – حين ذلك – كنت لا أعرف أنه يحاكي موضة ملابس السبعينيات؛ ]فاستمريت[ أتأمل موضة ملابسه من «شمزان» (نصف قمصان طويلة كُم اليد أو قصيرة كُم اليد) وبنطلونات.

وفي الوقت نفسه ظل مَلْبَسي («كوفية رأس مَحْمُودي»؛ كوفية رأس قطنية في شكل مَسَلَّة، مع زَنَّة قميص كلي للجسد دون الرأس) مجاور موضة مَلْبسِه. حَسدت موضة مَلْبَس أخي – وعندما تحسد تتخلى أيضًا – فأضمرت في نفسي التخلي عن لُبْسِ الزِّنَن. وبعدها بمدة قصيرة تخليت عن لُبْسِ الزِّنَن، غير أني قرأت كتاب الزِّن!

* * *

إلى جانب جَلْب أخي ملابس موضة فترة السبعينيات، جَلَب معه أيضًا «جهاز الطرب» (الفونوغراف) مع أسطوانات موسيقية عربية؛ يمنية وخليجية وعربية.

– لكنها بأيدي الأطفال تخلت عن الصوت – تكسرت من اللعب.

* * *

ولاحقًا،

خلال سنوات الثمانينيات، تخلى أخي عن الموضة، وصار يجلب معه من المدينة كتبًا ومجلات.

وأنا ايضًا كنت قد تخليت عن شعري الطويل، وصرت أتأمل دَكَّة غرفة أخي المليئة بالكُتب؛ حيث كنت من برهة لأخرى أخلو إليها.  أحيانًا كانت مُنْتظِمة؛ مُتَرَاصّة ومُتَرَتِّبة عموديًّا كسلطان، وأحيانًا بلا تراتب ولا نظام– مُبَعْثَرَة كَتَبَعْثُر قصيدة نَثْر.

* * *

في أثناء تقليب دَكَّةِ كُتُب أخي، لحظت بعض الكتب مُغَلَّفَة بإحكام؛ بِدَبابيس حديد انْغَرَزَت مُلْتَفّة على أطراف من أوراق دفاتر بيضاء مُسَطَّرَة، كتلك الموجودة في دفاتر حقيبة المدرسة، والمعدة مسبقًا والجاهزة لأن يُتَعَلَّم ويُكْتَب عليها.  أي في النهاية بالإمكان التعرف عليها من خلال الدراسة، هذا ما خطر لي بعد معرفة بعض عناوينها وبعض محتواها.

* * *

كان الغلاف المحكم بالدبابيس من أجل تغطية وحماية غلاف عنوان كتاب؛ غير أنه في ذات الوقت كان يَثْني سِرًّا؛ ليس فقط منع وتمويه عن معرفة سِر عنوان كتاب، بل يثني (يبني) ويقيم جدران ملساء- ما تفلح به أيّ أيديولوجية.

* * *

بدت لي الكُتُب المُغَلَّفة بدبابيس حَديد وفي الدرج الحديد؛ مقيدة ومسجونة. فأخذت أتحين الفرصة كي أحررها.  إلى أن جاءت الفرصة؛ حررتها قليلًا من السجن. وحينها خَلس نظري إلى بعض عناوينها وإلى بعض جُمَلِها.  ومن ثم أعدتها -بلا اكتراث- إلى سجنها في سلام.

* * *

حينما كنت نملة كُتُب

في أثناء أعوام الجامعة وثلاثة أعوام بعدها؛ أصبحت أنا وصديق دراسة جامعية كنملتَيْ كُتُب؛ نَدُور حول وفي مكتبات المدينة وأرصفتها من أجل جمع الكتب. حيث كنا نجمع كتبًا ومجلات في مجالات مختلفة– تحديدًا الأدب والفلسفة وعلم النفس.  كنت أقل حرصًا على جمع الكتب من «صديقي النملة»؛ فلا يهمني وليس لدي رغبة شديدة في الحصول على الكتب والظفر بها؛ فقد استهواني حال تَسَكُّع جمع الكتب أكثر من الحصول على الكتب. وهذا ما بقي لَدي من حال تلك المدة؛ قليل تَسَكُّع في أثناء قراءة كتاب.

* * *

ذات مرة،

لحظ «صديقي النملة» كتابًا وقع وأصبح في حوزتي، فخاطبني في تَيَقُّنٍ مطلق «هذا الكتاب لا يناسب تخصصك».   قول صديقي لا يخلو من الصحة؛ في أن هناك هدفًا في مسعانا من جمع الكتب؛ لكن وأنا أتأمل في تعبيرات حركة وجهه، وفي تلهفه على حيازة الكتاب؛ عرفت مَكْمَن مبغاه؛ الاستحواذ على النملة، لا على الكتاب. ساعتها ]حَسّيت[ أني نملة طبيعية.. وساعتها تَخَلّيْت عن الطموح.

* * *

حين كنت نملة كُتُب،

جمعت كثيرًا من الكتب؛ ولكن قرأت منها القليل – بعدد أصابع اليد.

* * *

عَشَرة كراتين من الكتب، عاشرتني عَشَرة أعوام؛ لكن تخليت عنها فور مغادرة ثالث مَنْزِل أستأجره؛ تركتها في المنزل كما هي في كراتينها مخزونة.

– من ذلك الوقت أصبح التخلي عما أجمعه من كُتُب تسلية.

* * *

كَثَمِلٍ في تخلِّيهِ

مؤخرًا،

قرر صديق التخلي عن مكتبته، فدعا أربعة من أصدقائه المقربين، لاقتسام ما تحويه من كتب.

وللأسف أحدهم كان أنا – لأني سبق وشاركته اقتسام سعادة صنع مكتبة لما في حوزته من كتب؛ حيث سقْت نجارًا إلى منزله كي يصنع له مكتبة.

* * *

فور وصولنا إلى منزل صديقنا – وقت العصر – لاقتسام مكتبته، تكلم مباشرة وهو يخاطبنا في ذهول ومرارة، وكأنه نادم على قرار تخليه عن الكُتب «سحقًا لهذه المرأة، لقد سبقتكم صباح اليوم وأخذت أجمل الروايات». حيث استولت المرأة على أعز نُدَبِه: الروايات.

– وكل رواية نُدْبَة، وكل قارئ جيد هو من يَتَحَسَّس نُدَب الرواية.

* * *

وكَثَمِلٍ،

أخذ صديقنا يوصف لنا مجرى الكلام الذي دار
بينه وبين المرأة (مُدَرسة حفيده الذي صادف وجودها صباح يوم اقتسام كتب المكتبة) وبنفس كلمات المحادثة تقريبًا:

– هذه رواية كذا هَا؟ (متسائلة تسأله المرأة).

فيرد صديقنا شارحًا في اهتمام:

– نعم. إنها رواية للكاتب فلان. وتتحدث حول كذا وكذا..

– آها..

تعقب المرأة على تتبع كلام صديقنا وهي تَهُز رأسها تجاهه في إعجاب على سرد أحداث الرواية موضوع تساؤلها ثم تواصل تساؤلها: – طيب وهَذِه وهَذِه و و …تستفسر المرأة وهي تدس الروايات في صندوق كرتوني، لتنسل إحدى الروايات؛ فتقلبها في يدها بفرح ثم توجه كلامها نحو صديقنا: هذه رواية كذا. لقد قرأتها.. كم هي جميلة ورائعة.

فيرد صديقنا مؤكدًا في حسرة وخجل وهو يهز رأسه قائلًا: هي كذلك. لتستطرد المرأة بعدها الكلام حول كيفية حصولها على الرواية في مرة سابقة، موجهة خطاب كلامها نحو صديقنا بتذلل: لقد ]شرتها[ ابنتي من إحدى مكتبات مدينة بغداد، وحينها أخذتها منها وقرأتها، غير أن ابنتي استرجعتها ولم تتركها في خزانة مكتبتي. لكن الآن أصبح لي نسخة خاصة بي وفي حوزتي (تكلمت المرأة بصوت منخفض وهي تدس الرواية داخل الكرتون).

صمت صديقنا ولم يصدر تعليقًا على كلام المرأة؛ غير أن كلام المرأة أكد له بأن كُتُب مكتبته أصبحت في غير حوزته.

وفي المساء وقبل الخروج من المنزل هَمَّ الاصدقاء لاقتسام بقية الكُتُب؛ عدا أنا تخليت عن قِسمتي.