العوالم غير الممكنة في الرواية الخليجيّة «الحيّ الحيّ» لعلي الشعالي أنموذجًا
تمثّل رواية «الحيّ الحيّ» (اللوهة للنشر، الإمارات، 2019م) لصاحبها الروائي الإماراتي عليّ الشعالي خميرة صالحة لدراسة عمليّة الانتقال الصادمة والمربكة بين العالمين التخييليين الممكن وغير الممكن، وفق تصوّر سرديات الخوارق(1)، وما يستتبع ذلك من تغيّرات مفروضة على القارئ في إستراتيجيات تفسير الخارق الذي نشأ عن هذا الانتقال المباغت في حياة يحيى الصيّاد، بطل الرواية، من شخصيّة طبيعيّة ممكنة الوقوع في عالم الواقع، إلى شخصيّة خارقة تتلبّس جسدًا غريبًا، وتتشكّل من: جسد يحيى الصغير + خلايا من ذهن صديق تشرتشل جوزيف وليام وذاكرته. وجسد جوزف الضابط البريطاني الشاب + ذهن يحيى الكهل وذاكرته.
إذا كانت سرديات الخوارق قد أولت الشخصيّة القصصيّة الخارقة عناية شديدة، وحلّلتها باعتبارها جوهر الخارق في السرد، والعنصر القصصي الأكثر إثارة للاهتمام. فإنّ ما يلفت اهتمامنا في رواية «الحيّ الحيّ» هو تضمّنها مظهرًا خارقًا متطرّفًا لم تنظر فيه سرديات الخوارق، في ما اطّلعنا عليه، باعتبار أنّ أغلب منظّري هذه السرديات يذهبون إلى تقسيم الشخصيّة القصصيّة الخارقة إلى قسمين: شخصيّة تحمل ذهنًا خارقًا، أو شخصيّة تحمل جسدًا خارقًا. وهم يرون أنّ التطرّف في توظيف الخارق يظهر في التقاء الذهن الخارق بالجسد الخارق في ذات الشخصيّة القصصيّة(2)، ولكنّهم لم يعتنوا بفرضيّة التقاء ذهن حيّ لرجل منتحر بجسد ميّت آخر تمّ إنقاذه بهذا الذهن الحيّ، في توليفة خارقة تتكوّن من [ذهن (أ) مع جسد (ب)] على منوال ما رأيناه في رواية عليّ الشعّالي موضوع اهتمامنا.
العوالم غير الممكنة في السرديات
لقد أثارت سرديات الخوارق فرضيّة العوالم غير الممكنة في التخييل معتبرة أنّ السرديات الكلاسيكيّة وسليلتها السرديات العرفانيّة قد وضعت بيضها في سلّة واحدة هي سلّة العوالم الممكنة التي تشبه العالم الفعليّ من خلال تحليل النموذج الذي يميل إلى المحاكاة، وجعله النموذج الذي يطغى على نماذج كثيرة في تحليل الخطاب القصصيّ. لقد ألِف الباحثون أنّ تحليل الشخصيات والأحداث أو الفضاء التخييليّ أو الزمان يكون وفق المنوال نفسه ومن المنظور نفسه، وقد جرت الأقضية على تعامل هذه المناهج مع المنوال الواقعيّ الذي يستند تقريبا إلى الإيهام بالمحاكاة، وتمثيل عالم الواقع سرديّا. وصبغ هذا الحكم السرديات البنيويّة كلّها. ولا جرم أنّ «نظرية العوالم الممكنة» قد ربطت المُمكن بالقوانين المنطقية:» فكل عالم يحترم مبادئ عدم التناقض، والوسط المستبعد هو السابق»(5). ومن هذا المنظور، فإنّ العوالم التي تتضمّن تناقضات، أو حتىّ تُشير إليها، هي عوالم لا يمكن تصوّرها أو هي عوالم فارغة.
يعتبر الرأي القياسي في المنطق أنّه إذا دخل تناقض واحد في نظام من الافتراضات، فيمكن استنتاج أي شيء، ويصبح من المستحيل عندها بناء عالم وفق هذه الافتراضات. وتشرح روث رونين مفهوم الاستحالة المنطقية على النحو التالي: «على الرغم من أنّ الحالات غير المتّسقة منطقيًا لا تقتصر على فترات أو أجناس أدبيّة محُدّدة، مع ما بعد الحداثة، فقد أصبحت المستحيلات، بالمعنى المنطقي، أداة إنشائيّة مركزية، ممّا يدلّ على أن التناقضات في حدّ ذاتها لا تقضي على تماسك العالم التخييلي»(6). ويرى غراهام بريست، في هذا السياق، أنّ «هناك، بمعنى ما لا يمكن إنكاره، مواقف أو عوالم مستحيلة منطقيًّا… وعلى وجه الخصوص، فإنّ العالم المستحيل أو الحالة [المنطقية] المستحيلة تتّسم (جزئيًّا) بمعلومات تحتوي على زيف منطقي، ولكنّها مُغلقة في إطار علاقة استدلال مناسبة»(7). أمّا دوليزال فيعتقد أنّ العوالم غير الممكنة جسديًّا هي: «عوالم تخييليّة تنتهك قوانين عالم الواقع»(8).
وحتى نتبيّن الفروق التي ترصدها سرديات الخوارق بين العوالم الممكنة في التخييل والعوالم غير الممكنة فيه، سنختبر بعض مقولاتها على رواية «الحيّ الحيّ» للروائي الإماراتي علي الشعّالي وهي من النصوص التي تتجاوَرُ فيها العوالم الممكنة مع العوالم غير الممكنة بطريقة خارقة، كما ذكرنا سابقًا، فكيف يمكننا إثبات ذلك؟
في تشكّل الخارق: التركيبة الخارقة [(ذهن أ+ جسد ب)]
مثّل تشكّل يحيى الجديد(9) حدثًا خارقًا، لم يبح الراوي العليم بتفاصيل إنجازه، وإن أطنب في تفصيل طريقة تقبّل يحيى لشخصيته الجديدة وهو في جسد جوزيف، وفي مركز سريّ يؤهّله نفسيًّا لتقبّل حياته الجديدة، ويعلمه تدريجيًّا بضرورة نسيان ما مضى من حياته لأنّها ولّت وانتهت، وقد لخّصت المعدّة النفسيّة ما قام به المركز السريّ: «من تحميل ذاكرته في رأس جوزيف ما هو إلّا إيصال صناديق مغلقة من الأثاث إلى بيت جديد وتكويمها في زاوية»(10). أمّا التمرينات النفسيّة والذهنيّة فهي: «فتح الصناديق وترتيب القطع ووضع كلّ شيء في مكانه (..) وكتابته لمذكّراته في الغرفة بمثابة وضع الديكورات واللمسات الشخصيّة على هذه الذاكرة»(11).
هكذا لا نظفر من هذا التشكّل الخارق إلّا ما نفهم منه أنّ ذهن يحيى قد أصبح بعد عمليّة معقّدة وسريّة في جسد جوزيف، وأنّ الأمر صادم ومبهم ليحيى الذي لا يفهم الأمر جيدًا في البداية، ولا يتذكّر شيئًا ممّا وقع له قبل الاستيقاظ المفاجئ في المركز الطبيّ السريّ. يتولى مارك المسؤول عن يحيى شرح هذا التشكّل الخارق المتكوّن من (ذهن أ) و(جسد ب) إلى الشخصيّة الجديدة التي نشأت عن هذا «التركيب» الجديد.
أمّا الراوي فيسرد تفاصيل استيقاظها في مكان لا تعرفه، وتستغرب وجودها فيه، ولعلّ اللافت للانتباه في هذا المستوى أنّ الراوي لا ينبئ المرويّ له أنّه بصدد الحديث عن «شخصيّة جديدة» غير تلك التي كان يروي تفاصيل حياتها منذ بداية الرواية، ولا يكشف أبدًا أنّه بصدد الحديث عن «يحيى ثاني» غير «يحيى الأوّل» الذي كنّا بصدد قصّ حكايته منذ مطلع الرواية.
هذا المنطق الذي اتّبعه الراوي سرعان ما سيسقط عند نظر يحيى إلى يحيى الجديد في المرآة، وعند نظر الآخرين له، إذ سيسمونه مباشرة بجوزيف؛ لأنّ الماثل أمامهم هو الضابط البريطاني الشاب الذي يعيش في بورموث بجنوب إنجلترا. وهكذا تسير الأحداث وفكر الراوي أو منطقه الداخلي في اتّجاهين متعارضين، ففي حين يعود جوزيف إلى حياته القديمة (الزوجة جوانا والدار والأصحاب) بذهن جديد هو ذهن يحيى غير المعلن، يصرّ الراوي على مناداة هذه الشخصيّة القصصيّة بيحيى الذي نعلم وفق أحداث الرواية أنّه انتحر في بريطانيا، وأنّ جثمانه وصل إلى دبي، و وُورِيَ الثرى بعد مجلس عزاء مهيب يليق به وبعائلته.
ويمثّل هذا التنافر جوهر الخارق المتطرّف في رواية الشعالي، فمراوغة الراوي للمرويّ له حاصلة، ومحاولته التأثير فيه، وتوجيهه نحو ما يريد جليّة. لذلك سنرى رحلة يحيى الجديد مع جسد جوزيف تأخذ منعرجات مختلفة منذ أن عرف يحيى أنّه «علق في جسد جوزيف»
في تطوّر الوعي بالتركيبة الخارقة
يتطوّر وعي يحيى بالتركيبة الخارقة التي أصبح عليها تدريجيًّا، وعبر مراحل عمل الراوي العليم على عرضها على امتداد الرواية، وهي في مجملها لا تخرج عن هذه العناصر:
– الرفض الشديد، وعدم التصديق.
– محاولة التأقلم مع واقعه الجديد بغية تحيّن الفرصة للعودة إلى حياته القديمة وأبنائه في دبيّ.
– الانغماس الجاسوسيّ في حياة الطائفة العربيّة في لندن وبورموث لتأدية مهمّة طلبها منه القائمون على مركز الأبحاث السريّة، يمكن له بعدها أن يستردّ حرّيته.
– ذهابه إلى العراق لتأدية المهمّة الأخيرة حسب وعد المركز، وعودته منها بعد فشله فيها.
– مروره بدبيّ، وهو في طريق العودة إلى لندن، ولقائه بابنيه سارة وراشد وعجزه عن إقناعهما بما وقع له.
– انتهائه مُكلّفًا بمنصّة في التواصل الاجتماعيّ مهتمّ بالصحة والرياضة، وهو ما سيجعله يتلقى دعوة من مستشفاه في دبيّ للدعاية له باعتباره من المؤثّرين المهمين في عالم التواصل الاجتماعيّ.
إنّ تطوّر وعي الشخصيّة القصصيّة بالتركيبة الخارقة الجديدة التي أصبحت عليها أخذنا من سيطرة يحيى (عالم الذهن) إلى سيطرة جوزيف (الجسد، الواقع)، وقادنا إلى اكتشاف سرّ اختيار يحيى دون غيره ليُزرع ذهنه ووعيه في جسد جوزيف الذي قُتل في عمليّة إرهابيّة(12)، فإذا نحن في قلب الخارق. يقول يحيى شارحًا ما حدث له لابنيه «سارة وراشد»: كما تعلمان، في طفولتي حدث أن سقطت في نهر التايمز بلندن، أوشكت أن أموت غرقًا، وأمضيت ساعات في قسم العناية المركّزة، فوقّع جدّكم موافقة على ترميم خلايا دماغي باستخدام ذاكرة ضابط من أبطال الحرب العالميّة الثانية. وحملت هذه الأمانة لشبكة عالميّة من المستثمرين، لم أكن أعلم شيئا عن هذا حتى ارتكاب حماقتي الكبرى في الفندق بلندن قبل أشهر، أردت السفر إلى أمّكم فإذا بي أعود إلى حيث انطلقت، وعندما استردّ أصحاب الحقّ أمانتهم، أنا يحيى الصيّاد في جسد جوزيف وأستطيع أن أثبت ذلك»(13).
وهكذا نفهم أنّ عمليّة الزرع هذه ليست الأولى في حياة يحيى، وأنّ ذهنه هو نفسه يحتوي على خلايا من ذهن ضابط قديم في الحرب العالميّة الثانية اسمه جوزيف وليام وهو الصديق الشخصيّ لتشرتشل، لذلك نراه يحاول تفسير ما وقع له لابنيه، ودفعهما إلى تقبّل وجوده ذهنًا ووعيًا وقلبًا في جسد آخر.
لقد انبنى العالم التخييلي بهذا المنطق على مجاراة هذا التطوّر في وعي يحيى، والانتقال من الرفض التامّ لما حدث له من فعل خارق، إلى تقبّل تدريجيّ لهذا الفعل المتطرّف، ومعايشته ومحاولة التكيّف معه، وينتهي الأمر إلى شبه سيطرة لجوزيف على يحيى، في العالم التخييليّ الذي ينتمي إليه، بعد أن أبلغه المركز رسميّا أنّه «أحد المرشّحين المثاليين لخدمة البشريّة» وتمكّنه «من اللغة العربيّة في جسم جوزيف المطوّر يمثّل صفقة لا تعوّض بالنسبة إليهم»(14).
في تشكّل الشخصيّة القصصيّة في العالمين
أمّا إذا نظرنا إلى الكيفيّة التي يتشكّل بها عالم الشخصيّة القصصي وطبيعة توالد الأحداث التي تعيشها، فإنّنا نصطدم بالجهات التي يقوم عليها العالم القصصي باعتبار أنّها منشدّة إلى الشخصيات وأفعالها وأقوالها(15)، لذلك جاءت هذه الجهات مرتبطة بالشخصيّة القصصيّة وبطبيعة أعمالها كما سنرى ذلك مع شخصيّة يحيى في العالمين:
جهة الصدق
وهي مرتبطة أساسا بالممكن والمستحيل والضروري، وبهذه الجهة يتأثّر الزمان والمكان والشخصيات والأفعال القصصيّة، وعنها يمكن الحديث عن:
أ. عالم تخييلي طبيعي: وقد رأيناه مع يحيى في حياته في مدينة دبي مع أهله وأصدقائه ومعارفه ومشاريعه، قبل أن تتوفى زوجته ويتأزّم وضعه النفسيّ ويقرّر في لحظة ضعف الانتحار في لندن بقطع شريان يده.
ب. عالم تخييلي خارق: وهو ناتج عن خرق قوانين الطبيعة الفيزيائيّة والمنطقيّة، وتولّد أشياء غير طبيعيّة وخارقة في عالم طبيعيّ، مثلما رأينا ذلك منذ أن استيقظ يحيى في المركز السريّ للأبحاث المتطوّرة في لندن ووجد نفسه في جسد غريب عنه هو جسد جوزيف الضابط البريطاني الشاب الذي قتل في عمليّة إرهابيّة، فإذا بنا مع خارق متطرّف في الغرابة، لأنّ وعي يحيى، وذهنه، وزبدة معارفه، وذاكرة حياته السابقة، ستكون وقود حياة جوزيف الذي أُعيد إلى الحياة بفضل ما قدّمه يحيى له ممّا ذكرنا. ويتطوّر الخارق مع تشظي حياة يحيى بين التزامات عالم جوزيف (زوجته جوانا وأصدقائه القدامى) وبين ابنيه وممتلكاته السابقة وأهله في دبيّ (سارة وراشد والمستشفى وآل الصيّاد).
جهة الإلزام
وهي جهة مؤثّرة في أحداث الرواية، فاعلة في بناء الشخصيّة فيها لأنّ أساسها هو المحظور والمسموح والواجب. فقد قامت تعليمات المركز السريّ على جملة من التعليمات والقواعد والشروط التي ينبغي على يحيى أن يلتزم بها إذا أراد أن يستردّ حرّيته مستقبلًا، ويعطيه القائمون على المركز أهليّة يستحقّ بها الخروج من بين أسواره وممارسة حياته الطبيعيّة. وهذه الشروط تدخل في نطاق ما يُسمى بالمسموح. بيد أنّ العالم التخييليّ قام في مجمله منذ أن استيقظ يحيى في المركز السريّ (ص 188 من الرواية) على انتهاك المحظور وتجاوز المسموح به بأشكال مختلفة:
– التجسّس على منزله في دبيّ، واستعمال كاميرات المراقبة.
– التواصل مع ابنته سارة عبر الرسائل في هاتف أمّها.
– تسوّر الفيلا التي يسكنها ودخول منزله خلسة، ووضع رسائل مشفّرة لسارة وراشد.
– التواصل مع ابنيه، وقصّ ما وقع له أمامهما وتأكيده أّنه يحيى في هيئة أخرى.
جهة المعرفة
وهي جهة درجة اطّلاع الشخصيّة الرئيسة على المعلومات، ومعرفتها بما يحيط بها، واعتقادها فيه. وتستند هذه الجهة إلى مفاهيم المعرفة والجهل والاعتقاد(16). وقد رأينا أنّ اكتشاف يحيى لما وقع له من خارق، ومعرفته بتفاصيله كان متدرّجا، وعلى مراحل وذلك بسبب خوف المركز من عدم قدرته على استيعاب زرع ذاكرته في جسد آخر، ولكنّنا في النهاية رأينا معرفة واسعة من الشخصيّة القصصيّة بما وقع لها، واطّلاعا حقيقيّا على تفاصيل كانت الشخصيّة ذاتها تجهلها مثل قوله لابنيه: «كما تعلمان في طفولتي حدث أن سقطت في نهر التايمز بلندن، أوشكت أن أموت غرقا، وأمضيت ساعات في قسم العناية المركّزة، فوقّع جدّكم موافقة على ترميم خلايا دماغي باستخدام ذاكرة ضابط من أبطال الحرب العالميّة الثانية»(17). إنّ الجهة التي تقدّم خبرا قديما يرجع إلى طفولة يحيى هي جهة كامنة خلف وجهة نظر الشخصيّة القصصيّة للعالم بعد أن اكتشف حقيقته الجديدة واطّلع على أحقيّة هذا المركز بفعل ما يريد بذهنه وذاكرته بعد موته.
الجهة القيميّة
وتتكوّن أساسا من معايير الجيّد والسيء وغير المهمّ. وتكمن أهميّة الجهة القيميّة في ما تصدره الشخصيّة القصصيّة الرئيسة في الرواية من أحكام واعتقادات حول أخلاقيات ما وقع لها من تغيرات، وتدخّل جعلها وفق تعبيره مسخا مرقّعا من رجلين ميّتين، أو وفق تصوّر المركز السريّ بكونه مع ضيوفٍ آخرين: «بدع من مشروع عبقريّ سيكتب عنه العلماء لعقود قادمة»(18).
خلف وجهة نظر الشخصيّة القصصيّة، يُمكن استخلاص الجوانب الأخلاقيّة والقيميّة للتطوّر العلميّ، ولما يمكن أن يحدث للإنسانيّة من تغيّر قيميّ لو اختفى الموت بالمعنى الكلاسيكي، وأصبح الذهن بمختلف تفاصيل وعيه وذاكرته وأحاسيسه يُنقل إلى جسد جديد كلما تضرّر القديم، ليصبح الجسد بذلك مجرّد وعاء للوعي يمكن تغييره متى شاء المستثمرون.
ما يمكن استخلاصه ممّا كنا نذكر أنّ آليات بناء عالم الشخصيّة القصصيّة في عالم التخييل متنوّعة ومتداخلة وهي من وجهة نظر العوالم الممكنة تخضع إلى آليتي الانتقاء والتشكيل وهما كفيلان بتوجيه السرد وتأطيره وفق ما يرتئيه المؤلّف، ويرنو إليه من مقاصد عميقة، وهو يشكّل عالمه القصصيّ التخييليّ من عوالم ممكنة وعوالم غير ممكنة، تتجاور وتتآلف في طرافة محبّبة هي جوهر القصّ ومتعته.
على سبيل الخاتمة
وقفنا في هذا البحث على رواية الإماراتي علي الشعّالي «الحيّ الحيّ» في ضوء نظريّة العوالم الممكنة، فحلّلنا عالمها التخييليّ، وقد انتقل من الممكن إلى غير الممكن بطريقة خارقة وصادمة وفق تصوّر سرديات الخوارق. وقد شدّنا إلى هذه الرواية ذلك التحوّل الخارق لشخصيّة يحيى الصيّاد في عالم الرواية التخييليّ (انطلاقا من الصفحة 188)، من شخصيّة قصصيّة ممكنة الوقوع في واقعها الأنطولوجيّ لما لها من وشائج قربى بنظائرها في العالم الفعليّ، إلى شخصيّة قصصيّة خارقة، غير طبيعيّة، لا يمكن أن يعتقد قارئُها في وجود نظائر لها في عالم الواقع. وهو ما نقلنا إلى عوالم غير ممكنة الوقوع تتضمّن تناقضات لا يقبلها العقل السويّ.
لقد مثّلت رواية «الحيّ الحيّ» مختبرا صالحا لدراسة عمليّة الانتقال الصادمة، والمربكة بين العالمين التخييليين (العالم الممكن والعالم غير الممكن)، بسبب الانتقال المباغت في حياة يحيى الصيّاد بطل الرواية من شخصيّة طبيعيّة ممكنة الوقوع، إلى شخصيّة خارقة تتلبّس جسدا غريبا، وتتشكّل من جسد جوزف الضابط البريطاني مع ذهن وذاكرة يحيى الذي انتحر. وقد اكتشفنا مع تطوّر الأحداث أنّ يحيى الصيّاد الذي عرفناه طبيبَ تجميل ناجح في عالم دبيّ المبهج، هو نفسه قد تكوّن سابقا من جسد يحيى الصغير مع خلايا من ذهن جوزيف وليام صديق تشرشل القديم، وذاكرته. وتحصّلنا وفق هذا البناء الخارق على تشكّلين خارقين لهذه الشخصيّة القصصيّة، هما جسد يحيى الصغير مع خلايا من ذهن صديق تشرشل جوزيف وليام وذاكرته. وجسد جوزف الضابط البريطاني مع ذهن يحيى الكهل وذاكرته.
وبعد أن حلّلنا هذه التركيبة الخارقة المتكوّنة من (ذهن أ + جسد ب) نظرنا في تطوّر وعي الشخصيّة القصصيّة، ولاحظنا أنّه تطوّر تدريجيّ، يمرّ عبر مراحل، وأنّ العالم التخييلي انبنى كذلك على مجاراة هذا التطوّر في وعي يحيى، والانتقال من الرفض التامّ لما حدث له من فعل خارق، إلى تقبّل تدريجيّ لهذا الفعل المتطرّف، ومعايشته ومحاولة التكيّف معه، قبل أن ينتهي ذلك إلى شبه سيطرة لجوزيف على يحيى، في العالم التخييليّ الذي ينتمي إليه.
وقد قادنا تحليلنا لآليات بناء عالم الشخصيّة القصصيّة في رواية «الحيّ الحيّ» إلى اكتشاف تغيّرات كثيرة في عمليّة الانتقاء عند انتقالنا من العوالم الممكنة إلى العوالم غير الممكنة في الرواية، وقادنا أيضا إلى الانتباه إلى التنوّع الثريّ في الجهات عند النظر في تشكيل شخصيّة يحيى بين العالمين، وقد رصدنا خاصّة جهة الصدق التي قارنّا فيها بين العالم التخييلي الطبيعي ليحيى قبل انتحاره، والعالم التخييلي الخارق الذي عاشته الشخصيّة منذ أن استيقظت في المركز السريّ للأبحاث المتطوّرة بلندن. ونظرنا أيضا في جهات الإلزام والمعرفة والقيميّة، مُلاحظين تأثيرها الجليّ الصادر عبر التقويمات والأحكام والمواقف التي تسوقها شخصيّة يحيى الصيّاد عمّا يحدث لها من خارق. واستنتجنا بذلك أنّ آليات بناء عالم الشخصيّة القصصيّة في عوالم التخييل متنوّعة، ومتداخلة من وجهة نظر العوالم الممكنة.
قائمة المصادر والمراجع:
– الشعّالي عليّ: «الحيّ الحيّ»، اللوهة للنشر، الإمارات، 2019م.
– الخبو محمد بن محمد: «أخبار العشّاق وعوالمهم، مداخل إلى سرديات بلاغيّة»، دار محمد على للنشر، ودار تنوير، تونس، 2022م.
– شيحة عبدالمنعم: «مدخل إلى سرديات الخوارق، تخييل الجسد الخارق في الرواية العربيّة الحديثة أنموذجًا»، الدار التونسية للكتاب، تونس، 2023م.
– العمامي محمّد نجيب: «الذاتيّة في الخطاب السردي»، دار محمد علي للنشر وكليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، تونس، ط1، 2011م.
– عقيلة نوّارة محمد: «الشخصيّة القصصيّة للأنبياء بين النصّ القرآني ونصوص قصص الأنبياء، دراسة في ضوء العوالم الممكنة»، مكتبة علاء الدين، صفاقس، تونس، 2018م.
– القاضي محمّد وآخرون: «معجم السرديات»، الرابطة الدوليّة للناشرين المستقلين، 2010م.
(1) تعدّ سرديات الخوارق من أهمّ فروع السرديات ما بعد الكلاسيكيّة، وهي تبحث في العناصر غير الطبيعيّة أو الخارقة للمألوف في العوالم السرديّة. ذلك أنّ الكثير من الأعمال الروائيّة لا ترى مانعا في التلاعب بأسس رئيسة في المنطق السردي، لتسخر منها، أو تعْدِل عنها وتتجاوزها، مثل تلك التي لا تُقيم وزنا للراوي الطبيعي العاقل، أو للشخصيّة القصصيّة التقليديّة أو الذهن المرتبط بالشخصيّة التقليديّة، وتُربك حتىّ الزمان والمكان وتشوّش مقاييس السرد الذي يقوم عادة على المحاكاة أو الإيهام بها. لمزيد من التوسّع انظر:
– Alber, Jan (2016), Unnatural Narrative: Impossible Worlds in Fiction and Drama, Lincoln, University of Nebraska Press.
(2) انظر مثلا:
– Alber, Jan, Henrik Skov Nielsen & Brian Richardson (dir.) (2013), A Poetics of Unnatural Narrative, Columbus, Ohio State University Press.
– Alber, Jan & Brian Richardson (dir.) (2020), Unnatural Narratology: Extensions, Revisions, and Challenges, Columbus, Ohio State University Press.
(5) Ryan, Marie-Laure, Possible Worlds, Artificial Intelligence and Narrative Theory. Op, cit, P 40.
(6) Ruth Ronen, (1994), Possible Worlds in Literary Theory, Cambridge University Press, p 55.
(7) Graham Priest, (ed.). 1997. Notre Dame Journal of Formal Logic 38, no. 4. (Special issue on impossible worlds.), p 580.
(8) Lubomir Dolezel: Heterocosmica Fiction and possible worlds, Op, cit, p.115.
(9) تعسّر يحيى في سداد ديونه للبنوك التي أقرضته حتى يطوّر عيادة للتجميل في دبي، وتأزّمت نفسيته بعد فقدانه معني العيش إثر وفاة زوجته، فقاده ذلك إلى الانتحار في لندن، ولكنّ يحي يستيقظ في مركز سريّ للأبحاث المتطوّرة، وهو في جسد غريب عنه، ليعلمه القائم على المركز أنّه قد دخل إلى المركز في نطاق تعاون يلزمه بعد الانتحار بتسليم ذهنه (عقله وذاكرته) إلى هذا المركز. ويكشف له قصّة انتحاره، وحديث صحف الإمارات عن حادثته، وقد تزامن ذلك مع حادثة سير مات فيها ضابط بريطاني مدرّب، وكان يحتاج ليعيش من جديد قلبا حيّا وذاكرة جديدة، وهنا ينشأ الخارق في الرواية.
(10) علي الشعالي: «الحيّ الحيّ»، سبق ذكره، ص 210.
(12) وليس حادث سير كما أُبلغ بذلك يحيى في بداية تعامله مع جسد جوزيف.
(13) الشعّالي: الحيّ الحيّ، ص 337.
(15) عقيلة نوّارة محمد: «الشخصيّة القصصيّة للأنبياء بين النصّ القرآني ونصوص قصص الأنبياء»، دراسة في ضوء العوالم الممكنة، مكتبة علاء الدين، صفاقس، تونس، 2018، ص 62-66.
(16) Lubomir Dolezel, Heterocosmica. Fiction and Possible Worlds, Op, cit, p120.
(18) الحيّ الحيّ، ص 188.
ووجهة نظر أنثوية: هي وجهة نظر توظف حاسة السماع لبعد نسوة القرية عن المقبرة، وعدم حضورهن الجنائز. «سمعت نسوة القرية صراخًا عاليًا آتيًا من جهة الموت، صراخًا يعرفنه جيدًا وإن أنكرن الجهة التي يأتي منها، صراخ من يلفظ جوفها طفلًا نحو العالم».